بحثا عن الزمن المأساوي بقلم محمد دوتركة من المغرب.

رنين الهاتف يهزّ المكان، المتصل كان مدير المؤسسة، اللعنة لم أستيقظ مرة أخرى لحصة الصباح، هذه المرة الثالثة على التوالي التي أتغيب فيها عن واجبي.
إرتأيت أن لا أجيبه تفاديا للإحراج، وأن أذهب له في المساء لكي نسوي الأمر بيننا. بعينين نصف مغمضتين نهضت من الفراش وتوجهت إلى المرحاض، فركت وجهي جيدا ليذهب تخدير النعاس وآرتديت معطفي وأخذت المفاتيح والهاتف وأغلقت الباب خلفي.
كان يوما قائضا، درجة الحرارة وصلت ل تسْعةٍ واربعين درجة، يا للقرف ما هذه البلاد التي حشرت أنفي فيها، بخطى متشرد أخذت أسير ومتلفتا يمنة ويسرة لكي لا يراني أصحاب “الحوانيت” ويبدأون بالنعيق كما يفعلون كل مرة. ينعقون علي لأسدد ديوني، يا للحمق.
إن الذي دفعني لكي أتوارى داخل أسوار منزلي هو أنني لا أملك بنسا واحدا أقدمه لهم، أجرتي ذهبت كلها في كراء المنزل والسجائر والكحول..أنا إنسان هاوِ، لا هدف لي ولا مستقبل.
وصلت لباب المؤسسة ووقفت أمص ما تبقى من دخان سجارتي وحارس الباب يراقبني بعينين جاحظتين، كم أمْقتُ غراب الجثت هذا..همه الوحيد ما يدس في جيبه. فتح لي الباب وابتسم لي،أسنانه الصفراء تبرق كلؤلؤة في عرض البحر، تجاهلت ابتسامته وانصرفت إلى مكتب المدير.
دخلت وأول ما نطق به السيد( الحسن بن ابراهيم) “هادي كانت الفرصة الاخيرة ديالك اسي حماد وساليتها معندي مندير ليك”، لم أفهم شيئا مما قاله وحاولت أن أهدئ من روعه لكي نصل لحلّ يرضي كل الأطراف.
لكن ويا للحزن أبى أن ينصت لهمي ورماني بأوراق يجب أن أوقع عليها، أخذت أقرأ ما بداخلها ويا للحسرة الشديدة هي أوراق فصلي عن العمل..هي هكذا بكل سهولة، بتوقيع فقط أفصل سنوات الجوع والبرد واليأس وسهر الليل، بتوقيع فقط ذهبت كل ٱمال السنون الطويلة.
لم أشتكي ولم أعترض وقعت الأوراق وكلي غضب، أخذت أغراضي من خزانة الأساتذة وعدت أدراجي للمنزل وبدأت أستعرض شريط حياتي اليائسة.
ألِهذا ذهبت إلى مراكش، ألِهذا كابدت اليأس والتعب والضجر، ضاعت سنيني وما كنت أترجاه تلاشى في غمضة عين.
أيها القدر لم تكن عادلا معي بأي شكل من الأشكال، تركتني في سنوات الجامعة وحيدا أقاسي، وكانت الحياة تسحقني كل يوم دون أن يكون لي إيمان ألوذ إليه وأستلقي على ظهره كلما عصفت بي رياح الشك. لم تترك لي أي شيء،كل ما فعلته هو أنك تركتني وحيدا، أفيرضيك وضعي هذا!؟
دخلت المنزل وكلي يأس، من رأسي حتى أخمص قدمي..هاتفتني تلك الفتاة، حبيبتي التي لم تجعل للعالمين تسأل عن أحوالي، أجبت بكل برود، الحال سائل يا وردة ولم يعد أي شيء ساكن، أخبرتها بتفاصيل كل ما حدث وطلبت أن تسامحني إن لم أفي بوعدي، فلم يبقى لدي شيء، لا عمل ولا مال. أنهت الإتصال وهي باكية.
ماذا أفعل!؟
إنها سخرية القدر، دلفْت إلى مكتبتي وأخذت ديوانا للماغوط، الماغوط التراجيدي. أحاول أن أعمق يأسي لأنه لم يتبقى شيء لأخسره، كل شيء أضحى أسودا..قرأت بضع قصائد وإستمعت للسمفونية التاسعة لبتهوڤن ولم يبقى لدي شيء لأفعله، ما أمرّ أن يستنفٍذ الإنسان كل إمكانات بعثه، أنا الٱن طائر عنقاء إحترق دون أن يكون له فصل بعث، رمادي نثرته الرياح في هذه الفيافي، لم يبقى هنا ما يشدّني للحياة كل شيء يدعوا للفناء، للذهاب بعيدا، بعيدا نحو الأفق الممتد لأصٍل إلى الله، ولأصرخ في وجهه كما يحلو لي..
بسط الظلام سيطرته على المكان وكل سكان الفيافي أوصدوا أبواب بيوتهم ملتفين حول الموقد يستذكرون حكايات الزمن الماضي، هذه هي مشكلة العقل العربي، إنه دائما يعيش على ركام الماضي، يروي وفي نفسه زفرة تصحبها دمعة، دمعة تأبى الخروج. وينهي كلامه دائما يا ليتنا إتبعنا طريق الأجداد. أنا عكس هذا لا أعتاش على الماضي ولا أريد عودته، حتى المستقبل لا أريده، كل ما أبغيه هو أن أنهي حاضري هذا، هذا العبء الثقيل على كتفيّ.
لمّا أحسست أنه من غير الممكن أن أستمر في الحياة هكذا، لمّا أيقنت أنني مجرد عبء على هذا الكوكب، مجرد وغد يحتقر حياته أيما إحتقار، بوهيمي لا ينفع لشيء سوى التدخين والشراب.. لما أدركت كل هذا قررت ان أنهي مسرحيتي وأنسحب.
صعدت إلى السطح وأشعلت النار وعلبة دواء النوم بقربي، أخرجت من جيب سترتي مذكرة صغيرة وقلم وبدأت في كتابة رسالة لمعشوقتي التي خلقت لي وحدي.
[عزيزتي مساء المحبة مرة أخرى، يبدو انك مللت رسائلي الليلية هاته، لكن يا حبيبتي يبدو انني أكتب لك لٱخر مرة، صغيرتي لم أنجح، لم أستطع أن أعيد الحياة لداخلي..أقدر لك كل محاولاتك لكي أنجو، لكن لم أفلح ويا للأسف. أسعدتني حقا في وجودي القصير هذا أسعدتني كثيرا، ولا أستطيع أن أعكر حياتك بعد الٱن. تستحقين أن تعيشي حياة سعيدة تملأها الغبطة والفرح والحب..يملأها كل ما هو جميل كأنت. إعذريني يا وردتي لن أستطيع ان أفي بوعدي، أنا ذاهب للبعيد، حيث سأراك وأحبك دون أن أؤذيك..وداعا يا جميلتي]
هكذا ختمت الرسالة وأخذت ١٥ قرصا من علبة الدواء وصرخت زافرا “الوداع أيها الكون الجميل، كل ما فيك كان جميلا إلا أنا”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*