في الذكرى الثامنة لوفاة الكاتب الأديب محمد جوعو 15 أفريل من سنة 2014: “للخلود ضروب …” بقلم رئيس التحرير فتحي جوعو من تونس.

قراءة في كتابات الأديب التونسي محمد جوعو:

      تروي أسطورة ” قالقامش” أن الإنسان منذ غابر الأزمان كان همّه أن يُحظى بالخلود تشبّها بالآلهة وكان همّ ” قلقامش ” وهو يعبر البرار والبحار ويشقّ طرقا شائكة وخطيرة أن يعثر على عشبة أو زهرة الخلود فينجو من الموت المحتوم ويعانق الأبديّة، ولكنّه فشل في كلّ مساعيه وأدرك أن الموت لا محالة منه، فهو ملازم للإنسان، والنّهاية آتية دون تخلّف. لكنّه رغم خيبة أمله أدرك أيضا أن الخلود له ضروب أخرى ومنافذ متعدّدة وأنّه يمكن أن يتمتّع به الإنسان حين يُجسّده، فيما يخلّفه من إبداعات فنّية وحضاريّة وغيرها من الإنجازات فيترك بعده بصمة وأثرا واسما تكون له كجواز سفر يعبر به العقول والقلوب والأزمان، ذلك هو شأن الأدباء والمفكّرين والفنّانين والصنائعيين والصانعين لكلّ الأشكال الإبداعيّة والتعابير الثقافيّة. وهو أيضا شأن الأديب والباحث والقاص المرحوم محمد جوعو.

كان للأديب محمد جوعو عبارة كثيرا ما ردّدها وهي:” نمرّ من هنا وتبقى آثارنا شاهدة على مرورنا”، وبالفعل إلى جانب ما خلّفه الكاتب في قلوب محبّيه من تلامذة بحكم انغماسه في الميدان التعليمي والتربوي ما يزيد عن الثلاثة عقود وفي قلوب المقرّبين له من أهل وأصدقاء ورفاق الدرب الإبداعي والأدبي … من أثر طيّب وذكريات لا يمحوها النسيان، خلّف أيضا في عقول ووجدان قرائه آثارا مكتوبة تعكس في مجموعها ثلاثة اهتمامات كبرى شغلته طوال حياته وعبّرت عن تموضعه في الوجود وكانت له رهان تمعين حياته.

      الاهتمام الأوّل يظهر في شغفه المعرفي والعلمي بالحيوان والنبات فإن رأيته يبحث في زحمة الأوراق والقواميس المختصّة وصفحات الواب فهو متمعّن في البحث عن هذا النّوع من الطير أو الحيوان أو النبات الّتي يحتضنها التراب التونسيّ ولا يخفى ما لهذا التمحيص والتنقيب من مشقّة استغلال الفكر والوقت، وقد صدرت له في هذا المجال دراسة معمّقة بعنوان ” ثدييّات برّية من تونس ” صدرت عن وزارة البيئة، كما له دراسات عديدة أخرى لم تُنشر بعد تخصّ الحشرات وأخرى تهتمّ بطيور ونباتات محميّة جبل بوقرنين.   

الاهتمام الثاني كان شغله الشّاغل بالمعوقين بحكم اقترابه من فاقدي السّمع حيث قضّى معهم نصف عمره فأثارت فيه هذه الحياة المهنيّة هاجسا إشكاليّا وهو هل أنّ الإعاقة مهما كانت هي عامل عجز وفشل أم دافع للإقلاع والإبداع في جميع الميادين؟ ولم يهدأ له هذا الهاجس إلاّ بعد أن وفّر من الجهد والوقت الكثير في البحث عن المبدعين “المعوقين” عبر العصور والمجتمعات وأصدر بحثه القيّم جدّا في كتاب بعنوان “عباقرة معوقون، ملأوا الدّنيا وشغلوا الناس” سنة 2011 عن دار المعارف للطباعة والنشر بسوسة.

       أمّا الاهتمام الثالث فهو ديدنه ومنبع متعته ومساحة انعتاقه من هموم الدّنيا ومشاغلها، فكان في معظم أوقات فراغه يركن إلى كتابة القصّة وأصدر في حياته مجموعتين من القصص، الأولى بعنوان “الرجل الّذي أحرق ثيابه” الصّادرة عن دار سنابل بسليانة سنة 2008 والثّانية بعنوان:” بيت الذّكريات المنسيّة” صدرت سنة 2010 والمجموعة الثّالثة نشرت بعيد وفاته بعنوان: “من رحم الشّتاء يولد الربيع ” سنة 2015.

       ويبدو الخيط الرّابط بين جلّ القصص هو قطبا المكان اللذان يحضنان مدينة حمّام الأنف وهما الجبل والبحر أين قضّى الكاتب طوال حياته وأجمل سنين عمره لذلك لا يمرّ حدث أو تُؤطّر صورة ولا تُرسم ملامح شخصيّة في هذه المجموعات القصصيّة إلا وترنو في أذني القارئ همسات أمواج البحر ويشتمّ رائحة “سيكلامان” جبل بوقرنين، فالكاتب لا يكتب فقط قصصا تروي أحداثا بل أيضا يرسم بريشته خصال مدينة عتيقة ويُخلّدها.

       وتتمحور جلّ اعماله القصصيّة في قضيّة مركزيّة تنبع من عمق الأنا لتتفرّع إلى إشكالات ذات طابع كوني إنساني وخصوصية فلسفيّة وهي قضيّة الوجود والعدم وقضيّة الوجود والزمان وما تثيرانه من توتّر وقلق وتبعثر ومدّ وجزر سواء في علاقة الذّات بالذّات أو في علاقة الذّات بالآخر داخل دوّامة الصّراع بكلّ أشكاله ومختلف مراحله مبرزة ” مأساة الوجود أمام العدم وحياة الإنسان أمام الموت وثقل طاحونة الزّمن الّذي لا يُبقي ولا يذر ولا يعوقه عن هذا الدّوران الطّاحن عائق…” *من كتاب اختلاجات الوفاء لجلال المخ ص 11.*

        ولد الأديب محمد جوعو يوم 19 سبتمبر من سنة 1949 وتوفّي كما تمنّى حين طالع رواية “كازانزاكي” “زوربا اليوناني” واقفا مستقبلا حتميّة الموت يوم 15 أفريل من سنة 2014.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*