التَّحَدِّي…بقلم الشاعر صالح سعيد من تونس.

أنا مِنْ زمان التّردّي،
ولاعبُ دَوْرَ التّحَدّي.
ولدت من الأمس بعد المخاض،
وأطلقني بَطنُ أمي المُسَجَّى بويْل الشُّواظِ،
إلى بحْرِ هَذَا الأَنِينْ.
أَنَا مِثْلُ كُلّ تَسابيح هذي العيون تَلوكُ عماءَ السّنين.
أنَا مثلكمُ،
كان يمكنُ أنْ لاَ أكونَ، وَكُنْتُ.
وَأَنْ لاَ أَصيرَ أَسِيرَ الحُرُوفِ، وَسِرْتُ.
وأَنْ أُلْقَى فِي سلّة المُهملاتِ،
سَاعَةَ مَوْتِ الضّميرْ.
وَلَمْ يُلْقَ بي عِنْدَهَا. أَبي قال لاَ. وأمّي اسْتَوَى حمْلُها بعد ذاكَ الهجير.
وَجئتُ.
بلا صفةٍ، بلا سمةٍ ناصِعة،
بلا طيف حبّ، بلاَ سيف سخْطٍ،
بلاَ ذكرياتٍ، بلاَ ذاكرة.
بلاَ مَلَكٍ عنْ يميني، بلاَ مَلَكٍ عنْ شِمَالي،
بِلاَ دَوْلةٍ مارقة.
ولدتُ إلى جانب الكلب والدّيك والصّخرة النّاتئة،
وبعضِ شجيْراتِ تينٍ جَفَا الماءُ عنها فَعاشت بنبض الهواء بلاَ علّة،
وَبعدَ مُرورِ المِياهِ عليْهَا تردّتْ إلَى محنةِ الهَاويـة.
أنا شيءُ هذا الزّمان،
لا اسمَ لي، لا طعم لي ولا رائحة،
لاَ لوْنَ لِي عندَ ذاكَ الأَصيلِ سِوى حُمرةٍ من لهيبِ الشّفقْ،
أُحبُّ وَأَكْرَهُ سِيّان عِنْدِي لِأَنِّي شربْتُ حليبَ النَّزَقْ.
وأَفرحُ للمَوتِ يَأتي بلاَ موْعدٍ لدَكِّ بَريقِ الصّبَايَا،
وَأَحْزَنُ للرَّقصةِ الوَاعِدَة.
أُسـائِلُ نَفْسِي وكلَّ الجِهَاتِ…
لِمَاذَا الجِهاتُ؟ لمَ لاَ تكونُ السَّماءُ بِلاَ قُبَّةٍ؟
لِمَ لاَ يَكونُ الإلهُ بِلاَ وَاسِطـة؟
وَأَسْألُ عنْ علَّةِ العِلَّةِ بِلاَ فَائِدَة.
أَسيرُ بلاَ خطوةٍ فِي طَـريقِي،
وَأَلْعَنُ كُلّ الدُّروبِ، وَأَفْتَحُ مائِي أبَدّدُ صَوتَ النَّهيقِ.
يقولُ الأَطِبّاءُ عنّي وقَدْ شَخّصُوا حَالتي بأَنّيَ نُطفَةٌ مَارقَة.
وَأَنِّي سَحَابٌ بِلاَ بَارِقَة.
تَعْسًا لكلّ الأطبّاء، والرّؤساء، والأمراء، والسّفراء، والسّفهاء، والفقهاء، والعلماء والبُلهاء..
والشّعراء، وإن كنتّ منهم،
فتعْسًا إليّ لأنّي قَبِلْتُ الوُجودَ معَ الزّمرة الفاسقة،
ولمْ أنْتحرْ.
ولمْ أَسْكُبْ اللّيلَ مِنْ مُقْلَتَيَّ لِدَكّ القَدَرْ.
صالح سعيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*