“ينبغي أن يعلم من يفتح سجنًا أنه لن يُقفل ” بقلم الكاتبة ريما آل كلزلي.

عُرف أدب السجون كنوع من أنواع الأدب الذي يصف الأدب المكتوب عندما يكون الكاتب مقيدًا في مكان ضد إرادته، مثل السجن أو الإقامة الجبرية، ويمكن أن تكون الأدبيات حول السجن، أو عن مرحلة قبله، أو مكتوبة أثناء إقامة الكاتب في السجن وإما أن يكون مذكرات أو قصصي أو محض خيال، فماذا عن حقيقة الأمر بعيدًا عن خيال كاتب؟السجن اصلاح وتهذيب في نظر البعض و قد يكون حرمان كامل من امتلاك الوقت و الزمن و الأمكنة، والعيش خارج الحياة في نظر آخرين.وهناك من يرى السجن كأنصار التيار الفكري العام و أنصار نظرية الحرية العامة نوع من الاحتقار للسجن كأداة للعقاب.السجن يدمر الإنسان وهو يمنعه من الإبداع ومن التقدم ومن البناء فهو لذلك محتقر.يجب أن يلف العار اولئك الذين يتقاضون المال من أجل أن يحكموا بالسجن أو يراقبوا الزنازين.ولو استعرضنا بعض مخاطر السجون ومخاطر السجن على الأفراد والمجتمع:* الملل وعدم القدرة على ممارسة أي أنشطة منتجة أبدًا.* مخاطر نشوء مجتمع شمولي يخدم مصالحه فقط ويلجا إلى نظام المعاقبة بالسجن لإخراس معارضيه ومنتقديه.* الاستعباد بحيث يستعبد الإنسان داخل السجن بتلك الطريقة فهو في هذه الحال «عبد سجين». * تهميش الفرد وإضعافه نتيجة لسجنه مما يعرضه لمخاطر الاغتصاب والاعتداء الجنسي. أكثر وأكثر.في المقابل تكمن أهمية القانون في كونه يحمي الحقوق والحريات الفردية لأفراد المجتمع من الأفراد الآخرين فيوفر القانون الإرشادات المناسبة لسلوك المواطنين كافة، وذلك حفاظًا على العدالة في الفروع الأساسية الثلاثة للحكومة، فهل يمكننا تخيل العيش في المجتمع دون قانون؟ ستعم الفوضى بالتأكيد وسيحكم قانون الغاب (البقاء للأقوى).ولما كان من الضروري أن يتولى القانون حماية حقوق الإنسان لكيلا يضطر الآخر إلى التمرد على الاستبداد والظلم، هل مازال السجن هو العقوبة المُثلى لتأديب الفاسدين والمتورطين بانتهاك القوانين من أفراد المجتمع، وهل في المساواة بتشاركهم المكان نفسه و الروتين نفسه والأنظمة ذاتها على اختلاف المدّة الزمنيّة للأحكام من اصلاح وتهذيب..؟ما أود الإشارة إليه هل يتساوى السارق والمختلس على اعتبار أن هذه الجرائم اقتصاديّة مع الجاني بالعنف الجسدي أو ذلك الذي يطال عضو معين بالجسد، وقد يتسبب بعاهات مستديمة أو خسارة لمتابعة الحياة الطبيعية بوصفها قضايا أخلاقية مع مرتكب مخالفات مرورية أو تخريبية بحق الممتلكات الحكومية مثلا..؟هل يتساوى المغتصب والمعتدي جنسيّا بتاجر الممنوعات والمخدّرات…؟هل يتساوى المعارض سياسيّا بنفس عقلية المخرّب الإداري والفساد ؟إذن لماذا يتساوى الجميع تحت سقف سجن واحد ، الذي قد يتبدل مع أحدهم إلى الإفرادي لسلوكه السيء؟وهل الحرمان من الحريّة الكاملة لمدة تصل إلى نصف عمر الانسان أحيانًا هي الحل الأمثل لتأديبه…؟لا نعلم تحديدًا متى ظهر مفهوم السجن في تاريخ البشر، لكن يبدو وكأنه أينما ظهرت الحضارة الإنسانية ظهرت معها مفاهيم السجن والحرمان من الحرية بوصفها عقوبة ، في احتمالية وصولها عن عقوبة السجن التي تعود للحضارة الفرعونية وبلاد ما وراء النهرين، وكانت السجون في ذلك الوقت تقبع تحت الأرض، حيث يقضي المذنبون عقوباتهم حتى تنتهي حياتهم بالعبودية أو الإعدام.بطرح مثال ، فيما لو مرض مجموعة من الناس بأمراض مختلفة منها الورم و الساري والمستعصي والعارض البكتيري والبسيط والفيروسي هل سيخضعون جميعًا لتقنيّة العمل الجراحي؟ألا يتدرج علاجهم بين الأدوية عبر الفم ، ثم الأدوية عبر الجسد من خلال الإبر الوريدية، ثم التنويم في المشافي تحت الملاحظة والعناية الدقيقة، وكما قيل في الأمثال آخر الطبّ الكَي، أخيرًا يخضع للعمل الجراحي إما باستئصال الورم أو بتر العضو الفاسد مثل قدم مريض السكّري أو تبديل أعضاء تالفة، أو اصلاح أجزاء من قلب وغيره..إذن لماذا لا نعيد صياغة قوانين تخص السجون لتتناسب مع العصر الحديث ، تبدأ بتغيير مفاهيم وضعية أو فقهية ومنها أن يكون القضاة على علم ودراسة لكثير من العلوم وخاصة علم النّفس لدراسة الدوافع والأسباب بمنهج علم نفس الجريمة حتى يتدرج في فرض العقوبات على المجرم أو المنتهك للحقوق، ثم تعديل سلوكهم كلّ حسب حالته، وكذلك تبديل بعض العقوبات إلى الخدمات المجتمعية التي تخدم المجتمع وتعود عليه بالنفع، كما ويلزم السجين بالدراسة كعقوبة جهله، أو تنظيف المرافق الحكومية العامة ، أو تنظيم مخازن والعمل كول سنتر في غرف منفردة إذا كان ذو خطورة على المجتمع..وذلك الذي لايمكن اصلاحه يمكن اقصاءه بالنفي والابعاد.دعونا لا نختلف أن أهمية القانون تتمثل في توليه مهمة التغيير الاجتماعي من خلال تأثيره الفوري على المجتمع، مثل إقرار قانون التعليم الإلزامي كحق لجميع الأطفال مثلًا.وقد لعب القانون نفسه دور عامل التحديث والتغيير الاجتماعي في العديد من القضايا المتخصصة، وكذلك إبطال بعض الممارسات المرفوضة مثل زواج الأطفال القُصّر حيث يُعد القانون وسيلة أو منظمة ناجحة ذات دور فعال في تحقيق التغيير الاجتماعي للأمة في أي مكان على وجه الأرض.السجن ليس مكانًا للتعذيب المحض أو لمجرد التعذيب ، بالنهاية تكمن أهمية السجن في أن يكون إصلاح وتهذيب اي إصلاح للنفس وتهذيب لسلوك هذا الشخص وهذا حقيقة، فالبعض يتوب ويقلع عن انتهاك القوانين، ولكن للأسف أغلب السجون التي يدخلها المجرمون والمعاقبون تجعلهم أكثر خطورة علي المجتمع بسبب احتكاكهم مع مجرمين سابقين أكثر تمرس في عالم الجريمة ، وهذا شئ خطير جدًا ..كما و هناك العديد من الحلول للاصلاح والتأديب بدلا من السجن الذي يفقد الانسان حقه الشرعي في مزاولة حياته كأب أو ابن أو معيل .ظهر أدب السجون كمصطلح على رف الأدب عموما، وفي جميع الثقافات واللّغات تقريبًا، بكتابات يمكن إدراجها تحت هذا النوع ومع احتشاد السجون في مختلف الأزمنة بالمعارضين للسلطات نتج عنه غزارة الأعمال الأدبية التي تتناول تجربة السجن. ولا تنتمي تلك الأعمال للعصر الحديث فقط، بل يمكننا إيجاد العديد من الإشارات للسجن والأسر حتى في نصوص صادرة في مختلف عصور الدولة الإسلامية. ربما يكون أحد أهم الأعمال الأدبية وأولها التي تناولت تجربة السجن في القرن الأخير هي رواية “وراء القضبان” للكاتب والسياسي المصري ومؤسس حزب “مصر الفتاة” أحمد حسين.ولعل واحدا من أوائل الكتب التي يمكن إدراجها تحت مظلة أدب السجون هو كتاب “عزاء الفلسفة” لذي كتبه السياسي والمفكر أنيكيوس بوئثيوس خلال فترة السجن التي سبقت تنفيذ حكم إعدامه. وتظل الحياة حق مقدّس يجب أن نتعامل معه بنظرة أخرى تبيح للفرد أن يخطئ ويقلع عن الخطأ اذا ما وجد التوجيه المناسب سواء نفسيّا أو تربويّا.يظل الأدب بكل أجناسه صورة عن الواقع الإجتماعي بأبعاده النفسية والفكرية والشعورية والمادية، بل قد يكون الأدب هو الضوء الذي يتم تسليطه على معاناة معينة ويتم لفت نظر المجتمع لهذه المعاناة وبالتالي إيجاد حلول جذرية لها ، أي أن الأدب يمكن أن يكون مرآة لكل ما يدور في المجتمع وبقدر جديته وتركيزه على القضايا الانسانية يكون نجاحه بأن يتحول لجزء من الواقع الإجتماعي وليس مجرد إنعكاس له ،و لنؤكد في النهاية أن القانون يلعب دورًا في تقدم المجتمعات، ولكن التغييرات كذلك تحدث في المجتمعات بقوة القانون.
ريما آل كلزلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*