مرايا نثرية… بقلم الكاتب نمر سعدي من فلسطين.

هل تصيبكَ هذه الحالة.. أنك لا تستطيع أن تتأملَّ صورتها من فرطِ ما تشعرُ بهِ من وجعِ شيءٍ ما.. غامضٍ ولا نهائيٍّ.. هو أعلى وأكملُ وأعمقُ من الجمال؟


(أريدُ أن أكتبَ كتاباً وأرسلهُ إلى مكتبة بعيدة.. في آخر الأرض.. لكي أرتاحَ من بعضِ شغفي…)
قلتُ لعامل المقهى الحيفاوي في تموز 2008 عندما فتح فمه وعينيه مذهولاً.. تحكي عن جد.. هذا الكتاب اللي على الطاولة إلك؟ يعني إنتَ كتبتهُ…؟ لم يكن هو وحدهُ مذهولاً أنا أيضا كنتُ مذهولاً بكتابي أكثرَ منهُ.


هذه الأرضُ النبيَّة الطاهرة المطهَّرة القدِّيسة ماذا بوسعي أن أقولَ لها وهي تحتاجُ الآنَ لمن هو أنقى من شاعرٍ عابرٍ ليمدحها.. كلما أردتُ أن أكتبَ لها كلمة واحدة أخجلُ من نفسي. من أنا لأقولَ لها ما أقولُ لها؟


القدسُ أرضٌ أم سماءٌ من رخامٍ ساجدٍ قدَّامَ عرشِ اللهِ؟
هذا هو السؤال الجوهري الوجودي المجازي الذي ظلَّ يلاحقُ عدَّة قصائدَ لي بلا إجابة شافية منذ طفولتي حتى الآن.


كلَّما مرَّ عامٌ كلَّما تضاعفَ شغفي بكلِّ شيء وتفتَّحت وردةُ الحياة على المطلق.


كأنهُ توارد مصادفات غريبة هذا الذي يحصل لي عادةً في الأسبوع الأخير من تشرين أوَّل منذ بضعة سنوات.. أوَّلُ المطرِ.. بُحَّةُ الصوت.. رغبةٌ جامحة للكتابةِ.. مرض حاسوبي.. حنيني لقراءةٍ حكاية من ألف ليلة وليلة على وقع هطول مطر ناعم على شكل سمفونية.. وأخيراً استيقاظي من النوم وهجسي بتعديل شطر من قصيدة جديدة حتى قبل أن أفعل أي شيء آخر وأخرج.. التعديل قبل كلِّ شيء.


هناك قصيدةٌ بعينها لامست قلباً.. لامست شيئاً ما في ذلك القلبِ السماوي.. قصيدةٌ لي كتبتها قبل عامين وأكثر.. جعلت قارئة ما تبحث عن صفحتي الخصوصية وغير المتاحة للعامة وتكتب لي رسالة مديح أصابتني بالدهشة.. لا تحتاجُ القصيدة سوى لرسالة قصيرة واحدة تبلِّلُ قلبي بمثل هذا المطر الخريفي المنهمر في الخارج.. تجعلني أخرج وأقف على شرفة البيت لعشرِ دقائق ساهماً متأملا نعومة المطر التشرينيِّ وداخلاً فيما يُشبه حالة الوجد الصوفي.


أحياناً أشكُّ بأني كتبتُ قصيدةً حقيقيَّةً واحدةً.. ربمَّا كتبتُ شيئاً يشبهُ التمويهَ النفسيَّ.. كأني أكذبُ على أنايَ وعلى الآخر.. أو كلَّما حاولتُ أن أغوصَ في نصِّي لا أجدُ في جوَّانيتهِ البوح الحقيقي الخبيء في القلب منذ الطفولة.. لا أعثر على الاعترافِ البريءِ الذي يعبِّرُ عني كإنسان وكشاعر..
القصيدةُ كتبتْ نفسَها بنفسها إذن.. وأنا مجرَّدُ ذلكَ القرويِّ الذي لا علاقةَ لهُ بالشِعر.. والذي تشتعلُ روحُهُ بوجعٍ غامضٍ.


الذي يعرفُ العربيَّة جيِّداً ويعرفُ خفايا شعريَّتها وألفاظها ويفهم فلسفتها كما ينبغي يُدركُ أنها لغتانِ في لغةٍ.. لغةٌ لكلِّ شيءٍ ولغةٌ للشِعر.. للشِعرِ فقط..
كيفَ يستطيع شاعرٌ إذن أن يحشرُ في قصيدتهِ كلماتٍ أقلُّ ما يُقالُ عنها أنها غيرُ شعريَّةٍ وجافةٌ ومبتذلةٌ وتصلحُ لعلمِ الاجتماعِ أو التاريخِ أو لعلمِ الفضاء أكثر مما تصلحُ للشِعرِ في حين يدَّعي الكتابةَ وفقَ نسقٍ أو سياقٍ جماليٍّ خاص..؟ قيمةُ النصِّ في نظري تنبعُ من فرادةِ وقداسةِ الكلمات القريبةِ البعيدةِ التي تكوِّنهُ.


من الممكن أن يدفع الإنسان ثمن أخطائهِ ومن الممكن أن يسلم بجلدهِ ولكن لا نستطيع أن نقيس الحياة بمقاييس محدَّدة ومعيَّنة أو نحشرها في حكمة نمطيَّة.. أعرف الكثير ممن جمحوا بلا حدود في كلِّ شيء وخرجوا من دون أي خسائر.. وأعرف من ظلَّ يمشي الحيط الحيط كل حياتهِ وكانَ مسالماً جداً ولكنه سقط سقطة مريعة.


رسائل رائعة من مكتبات وجامعات غربية تصل إلى البريد الإلكتروني لذلك الحالم العربي المتبرع لها بكتابٍ من نتاجهِ.. رسائل كلها تقدير وتشجيع لهذا الكائن الهشِّ المسكون بوهم الحبرِ والذي يواجه عصف الحياةِ بأجنحةِ فراشةٍ وحدهُ ويربِّي فرخَ حلمهِ في عشِّ قلبهِ.. لكنه إذا أهدى أي مكتبة أو جامعة عربية كتابا فإنَّ كتابه يسقط في هاوية من هاويتين.. الأولى حاويةُ القمامة والثانية يدُ أي أكاديمي أو مسؤول أو عابث تتوصَّل اليه لتسرقهُ وتركنهُ بلا أي اهتمام في زاوية من زوايا مكتبته غير المقروءة.. حتى من دون أن تقول هذه المؤسسة للمؤلف شكرا.. لا أستغرب هذا التصرف فالعرب ما زالوا يعيشون متأخرين عن الشعوب الأخرى بما يعادل خمسة قرون وربما أكثر.


أقولُ لي دائماً قولةَ امرئ القيس الأثيرة ( اليومَ خمرٌ وغداً أمرٌ)..
أي لا تعكِّر فرحَ الحاضرِ الذي بيدكِ بقلقِ المستقبل الذي على الشجرة.. ربما أكونُ مخطئاً في عيون البعض.


وظيفةُ الشاعر أن يحوِّلَ منطق الحديد والنحاس إلى ذهب كما يقول السيَّاب.


أعترف أنني قرأتُ الكثيرَ من الكتب.. شعراً عربياً وأجنبيا ودراسات ومسرح ونقد ورواية وغيرها.. ولكن هذه الكتب بغضِّ النظر عن استفادتي منها أو نفوري المطلق من عوالمها لم تترك إلا ضباباً أبيضَ في ذهني.. يشبهُ حفيفَ القطن الغيمي.. منذ صيف 2008 وأنا أكتب بصعوبة بالغة.. أقصدُ أنني أعجزُ عن لمس البرقِ الأخضرَ الطالعِ من سديمِ الضبابِ الأبيض.. أشعرُ دائماً أنَّ كلَّ قصيدةٍ أتهيَّأُ لكتابتها هي الأولى لي.. الكتابة في نظري ممارسةٌ صعبةٌ.. بل صعبةٌ جداً. وغوايةٌ محفوفةٌ بالمكرِ لم تخلِّصني ولو للحظة واحدة من فداحةِ شعوري بتفاهة ما أكتب. القراءة والكتابة ليستا سوى وسيلةٍ لتزجيةِ هذه الحياةِ بحلوها ومرِّها… يأسها وأملها.. حزنها وفرحها.


نمر سعدي/ فلسطين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*