قصيدة المعنى… بقلم الكاتبة ريما آل كلزلي.

في مقالٍ سابق حول قصيدة النّثرـ بغض النظر عن الخلاف على مسمّى قصيدة النثر ـ تكلّمنا عن إرساء ملامحها كجنس فني، تبلور بكونها قطعة نثرية تُعنى بوصف حالة شعورية، من خلال صور جمالية لا تخلو من التكثيف، والموضوعية، والانزياحات ضمن إيقاع داخلي، دون أن تلتزم بنظم العروض. وبينّا ملامح بداياتها، كما طالبنا بتأطيرها لحفظ تاريخ نشأتها، أما الآن فنحن نواكب الأفكار التي تدعو إلى تطويرها، من خلال دعوة إلى قصيدة المعنى.
وبما أنّ الأدب ليس نهائيًا، نأخذ بعين الاعتبار أن الشّعر العربي مرّ بمراحل تطوّر كثيرة، طالت جانب الشّكل ابتداءًا من القصيدة الكلاسيكية العموديّة، وأشكال أخرى مثل الموشّح، إلى قصيدة التفعيلة والأسباب الدّاعية لحضورها على مسرح الشعر العربي، حسب نازك الملائكة، في كتابها قضايا الشّعر المعاصر، كان أحد أهم تلك الأسباب هو تطوّر المعنى، حيث كانت الشاعرة تودّ وصف حالة الكوليرا التي تفشّت في مصر آنذاك، فوجدت أن قصيدة التفعيلة أكثر مناسبة من القصيدة الكلاسيكية، ثم توقفّت القصيدة عند مسمى قصيدة النّثر التي انفجرت كثورة حداثية، لتبقى كل أشكال الشعر إلى يومنا هذا تعمل على ركائزه الثلاثة الأساسية، (اللغة الشعرية، والجانب الصوري، والجانب الإيقاعي).
وبما أن اللّغة الشعرية ثابتة، والتغيير طال ركيزتَيها الأخرتين سنبحث في الركيزة الثانية وهي التصوير، حيث طرح الدكتور ضياء الثامري أستاذ النقد الأدبي ونظرية الأدب في جامعة البصرة، عندما ألقى محاضرته عبر مركز مذار الثقافي، التي عبّر فيها عن فكرته كملاحظات أوّليّة، من خلال سؤال؛ فيما لو استُنفذَت أشكال التغيير وجيء بشكلٍ جديد لقصيدة النثر، ماذا سيكون مضمون التغيير فيها؟
بما أن الشّعر الحديث ملتزم بقضايا العصر، وينتمي إلى الحداثة، وما بعد الحداثة، فهل سيكون المعنى هو العنصر الرئيس الذي يحمل صفات التغيير حسب ما أراد الدكتور الثامري؟ وإذا ماتغيّر المعنى ماذا سيكون؟
إن عقيدتي في الشّعر تقول، المعنى هو هدف الشاعر الذي يصنعه المتلقي وفق نظرية التلقي، لينتج نصًا له القدرة أن يتلوّن ويتكيّف. وقد يختلف المعنى من حيث الصفات في المجاز والانزياحات، لذلك نفهم المعاني التي قصدها المتنبي مثلًا برغم المسافة الزمنية بيننا. وإن كان المعنى متخفٍّ ومتوارٍ سيظل معنى، ولن يتحوّل إلى اللاّمعنى، فالشّعر بكل صوره بدءا يحرّكه الشّعور، دون أن يغادره المعنى.
وطرح المحاور الدكتور في المحاضرة، نجم الشتالي سؤالا جوهرياً، مفاده ما المبرر لتطوير المعنى في قصيدة النثر ومنح قصيدة النّثر اسمًا جديدً لتصبح قصيدة المعنى؟
جاء الرد من د الثامري أولًا:
-باعتبار أن المعنى جوهر التغيير في قصيدة التفعيلة، فإن احتمالية انبثاق حداثة جديدة لقصيدة النثر سيكون كذلك من خلال المعنى، وحيث الشكل ثابت. فإن الأهمية تكمن في البحث عن المعنى كما قال غولد مان، ” الأشكال الجديدة هي عملية بحث عن مضمون جديد، لأن المضامين تستدعي أشكالها”، فالتغيير في المعنى الذي يقدّم الحداثة وفق أسس منهجيّة، ليكون جوهر كينونة القصيدة الحديثة هو المعنى وإن لم نتفق على التسمية، فالمعنى، ” دائما يحتاج إلى إعادات النظر في ضوء الحاضر” حسب أدونيس، ليواكب مضمون النثر في الواقع المعاصر.
-والسبب الآخر هو استغراق شاعر قصيدة النثر بالذاتيّة، أي الشاعر يكتب لنفسه، عن نفسه، وإلى نفسه، حيث لم يعد الشعر يؤثر في نبض الشارع كما أيام الجواهري، و غيره من كبار عصره، وهذا بسبب الشعراء أنفسهم، ما دعانا إلى الدعوة، والحديث للثامري ،إلى استحداث جنس أدبي جديد تحت اسم ” قصيدة المعنى” ، يعيد الشعر إلى الصدارة، قد يكون أشبه بحداثة أبو النوّاس في العصر العبّاسي، عندما أزاح الطّلل، وأحلّ الخمر محله، الذي لم يكن غرضًا فيما سبقه، و كذلك أبو تمّام الذي اشتغل على القضايا التعبيرية والمعنى، وكيف قدّم المعنى بشكل جديد؛ لأن الشعر عاملّا مهمّا في تطوير اللغة دلاليّا، وهذا الأمر من حيث الاتساع الدلالي هو معنى، وإضافة معاني جديدة للّفظة ذاتها، فالشعر يقدم معاني ليست موجودة في المفردات الخاصّة بالتأمل والتخيّل، الذي يحدث في ذهن الشاعر من خلال اللّغة الشعريّة.
قد يكون د ضياء الثامري هو المؤسس لهذا النوع، وقد يضيف فعلا تصنيفًا جديدا يأخذ بُعدا آخر داخل مملكة الشعر، وقد تكون مجرد ملاحظات أوّليّة كما ذكر الدكتور الثامري من خلال سؤاله الأوّل.
سنعلّق بشكل لا يخلو من الجِدّة، بما أن النّص هو خطاب، فإن المرسل إليه وهو المتلقي هو ذاته صانع معنى هذا الخطاب، مهما افترضَت القصيدة ذلك المعنى فإنه لن يتحقق بدون ناقد أو قارئ. وقصيدة المعنى ربما لا تكون جنس أدبي بقدر ماهي تغيير حداثي، يحاكي روح العصر، وإن لم تكتسب هذا الاسم، وبما أن حدود اللغة هي حدود الثقافة، وطالما أن الّلغة كائن حي تعتريه عوامل التغيير، فإن اللغة التي تتحكم بالقصيدة غلبت عليها العاميّة، وتسير وفق وتيرة منحدرة، لذلك الموضوع الذي يتحكم بنمطيّة القصيدة، لا بد أن يتناسب مع المحتوى، ومحتوى المعنى دائمًا يتبع الحداثة الفكريّة، والاجتماعيّة، والثّقافيّة، بحسب التواصل والميديا والثقافة السائدة الآن، لتنتج قصيدة تواكب اللّغة بواقعيتها ليست بالضرورة قصيدة معنى.
وحيث أن “المعاني مطروحة في الطريق” (الجاحظ) فنجد أن القصيدة الحديثة تطرّقت إلى كثير من المعاني لم تكن معنيّة بها أغراض الشعر الأصيلة، وبما أن لا شيء يقدّم بلا معنى، الشّعر ليس مطالب بقول الحقائق أو نشر المعرفة، لكن يكتفي بأن يقدّم نفسه بصوره الجمالية وإيقاعاته المتناغمة، كما تفعل الموسيقى، وإن ابتعدت عن هذا القصيدة المعاصرة، لتغوص في الغموض غير المبرر، وهي في الأصل مصطلح يحاكي المعنى، وحسب هوسرل، حينما يمنح الوعي الأولويّة بالمقارنة مع الأفعال القصديّة، يكون الإدراك بالتخلي عن جدليّة أصليّة للمعنى والحضور، ويتم توضيحه بأنه استشراف وحدة المعنى التي تسمح بتدفق مظاهر الشيء بمغادرة أفلاطونية المعنى المعقول وتمّخضها بسجالها مع النزعة النفسيّة والإحالة إلى التعالي، فتعددية المعنى يتكون بتعددية القراءات، واستقبال الموضوع، ليظل الصراع الأفلاطوني الأرسطي قائم من يحقق من؟
حيث الشاعر في الأصل كمتلقّ، شفّر الموضوعات، وحوّلها إلى خطاب، يحقق معانيه القارئ.
ومهما اختلفت الأسماء والمسمّيات يظل الفن مرآة المجتمعات.

ريما آل كلزلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*