ُقراءة فاطمة شاوتي في نص”جارتي التي…” للشاعرة نبيلة الوزاني من المغرب.

النص :
جارَتِي الَّتِي…
1-
كَوسادةٍ مَهجورَةٍ
حزينةٌ أنا ..
رَحلتْ جارتِي التي في الشُّرفةِ المُقابِلَة ؛
هيَ ليستْ صَديقَتي
لكنَّها رَحلَتْ ..
كُنّا نَتبادَلُ الابْتسَامَ
ومَرّاتِ نَتبادَلُ التّحيَّة ،
ثَمَّةُ أمرٌ يَربطُ بيْننا .!
2 –
كانتْ تُطِيلُ الجُلوسَ في الشُّرفةِ
مِثلِي ..
عيْناها تَمسحَانِ الشّارعَ بِلا انْقطاعٍ
كَمَنْ يَنتظرُ حُدوثَ أَمرٍ كبيرْ ؛
كمنْ يُريدُ أنْ يَنظرَ كثيراً
لِترتسمَ في قَلبهِ الأَبْنيةُ والأَرصفَةُ
ومصابيحُِ الإنارَة ؛
حتّى المارّةُ وخطواتُهمْ
تَسيرُ في اتّجاهاتٍ مُختلفَةٍ
مِثلِي ..!
3 –
مِثلِي أيضاً
كانَ يَمتلئُ أنفُها
برائحةِ القهوةِ المُنتشرةِ
مِنَ المََقهى القَريبِ
فيَعتدلُ مِزاجُها ..
جارَتي لَمْ تجلِسْ في الشُّرفةِ مُنذُ أمْسْ ،
قَرّرتِ القيامَ برِحلةٍ طَويلةٍ
وفي صَدرِها
أَنْفاسُ الشّارعْ …
4 –
لَمْ تَكُنْ صَديقةً لي
لكنّي سأُقدِّمُ العزاءَ للشُّرفةِ
ولِمنْ بَقيَ في الشّارعْ ؛
وحينَما أَعودُ سأحزَنُ أكثرْ ..
اليَومَ رحلتْ جارتِي التي كانتْ
في الوَحدةِ مِثلِي…
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نبيلة الوزّاني / المغرب
30 / 05 / 2022
قراءة فاطمة شاوتي في نص الشاعرة المغربية نبيلة الوزاني :
“جارتي التي…”
مقدمة لابد منها للتوضيح :
1
يقول المفكر المغربي :
عبد الفتاح كليطو:
“هكذا يتحول الدارس إلى مخلوق عجيب، إلى مشّاء يقتحم الليل، وفي يده سراج يستنير به”.
عملية النقد مهمة صعبة لوسألت الناقد أو الناقدة :
كيف تمارس نقدك…؟
يجيبك :
النص يستحثني ويفرز خلايا نائمة داخلي لأكون في الموعد معه.
فليس سهلا تعريف النقد سوى أنه يأتي بعد الشعر،
والشعر نفسه حين سُئل الشاعر الفلسطيني محمود درويش عن معناه.. ؟
أجاب:
” لوكنت أعرفه لكتبتُه دفعة واحدة ،واسترحتُ”.
الإشكال أن كليهما يتعذر تحديد هويتهما،
كل لحظة شعرية توازيها لحظة نقدية،
لكن متى تبدآن أو أيهما تبدأ قبل الأخرى.. ؟
أو هل يبدآن معا… ؟
هو السؤال المنهجي .
ماأعرفه عمليا وانطلاقا من تساوق ظاهرتين معرفيتين؛ هما العلم والفلسفة :
أن الفلسفة تظهر بعد أن يكون العلم قد سبقها طويلا،
وكأنني بلسانهما ألاحظ
أن اكتمال الذائقة الشعرية؛ يحدد نضج الذائقة النقدية ،
والنقد كعملية تحليل وتفكيك، وإعادة تركيب لنفس النص بكيفية مغايرة، تؤكد أن كليهما شرطان ضروريان للإبداع وللنهضة الأدبية…
النص مادة النقد الخام،
والنقد هيكله وجسد النص الشعري،بل ومعناه…
بهذا الوعي التساوقي يقدم النص هذا،
” جارتي التي…”
موضوعَ تأملِي فرصةً للتعاطي معه، باعتباره تجربةً مختلفةً نوعيا في مسار الشاعرة المغربية؛ نبيلة الوزاني ،إذ سبق لي مقاربة بعض نصوصها
وهي تجربة تشدني لاعتبارات :

تنويع التيمات؛ لاترتبط بتيمة تتكرر،

خلق إمكانيات كتابة، تبدو فيها الشاعرة مجتهدة على مستوى اللغة والأسلوب ،
وهو مايفيد أن أي شاعرة مالم تنتبه لمسارها لتتعامل مع ذاتها أفقيا وعموديا، ستسقط في الإجترار ،ولن تكون سوى نسخة مكررة، وإن أبدعت وتملّكت الملَكة…
تجارب عدة سقطت في هذا الفخ ، رغم جودة الصياغة لدرجة أن الإستعمال اللِّيكْسِيكِي، يتوقف عند شبكة محددة، تُستعمل باستمرار دون تغيير من طرف كاتبه ، وهو ما يقتل الإبداع وإن استمر يكتب
صاحبه أو صاحبته…
من هذه القناعة اخترت هذا النص:
“جارتي التي…”
لأنه تميز بصفات غريبة قد لايفطن لها إلا القارئ المتمكن، خاصة أنها اعتمدت في هذا النص عنصرين مهمين:
البساطة
على مستوى اختيار الموضوع واللغة، حتى بدوا كأن النص عادي؛ اِغترف من الحياة حدثا معتادا؛ هو فكرة الجوار من خلال شخصية امرأة مزدوجة الشخصية ؛أو امرأة تتقمص شخصية امرأة أخرى أو أي بديل ، أو امرأتين واقعيتين تلتقيان معا على شرفة.
وقد بدت القصة مستمدة من شريط يومي؛ يحكي عن جارة مجرد جارة ليست صديقة…
فجأة اختفت الجارة…
العقدة الظاهرة انحلت في النهاية بمشاعر الفراق والحزن…
لكن ألن نتساءل :
لماذا عنونت النص ب: “الجارة التي..” منهية ذلك بنقط…؟
ما مدلول الجارة في السياق النصي.. ؟
هل هو المعنى الشخصاني الذي نعرفه جميعا… ؟
أم هو المعنى التجريدي لقيمة الجوار استنادا على شخصية الجار…؟
و انطلاقا من سلم القيم الإنساني؛ الذي بدأت فيها العلاقات القريبة جدا تتغير وتندثر… ؟
وقد أبرزها توظيف مفهومي الحضور والغياب…
وكأن هذا النوع من العلاقات تلاشت من ثقافتنا نتيجة لغزو الفردانية.
Individualisme
هنا العقدة بالنسبة لي كرؤية استشرافية؛ تغوص في السؤال عن دلالات أخرى، لمفهوم يبدو عاديا متداولا في كل الإنساق الاجتماعية :
la voisine/ الجارة
والجوار /le voisinage
والحل بالنسبة للمتتبع العادي.
لكنه وهنا أزمة المتلقي؛
إنها الجارة بمعاني مغايرة خارج السياق المقروء، الذي يحيل إلى السياق السوسيو لوجي العام…
تتحول البساطة كركن أساسي في هذا النص عكس نصوص أخرى، تابعتها إلى أنها الخدعة اللغوية المرتبطة بالموروث، الذي لايكلف أحدنا التساؤل عنه وكأنه مفهوم بديهي مطلق.
خدعة تمكنت من خداع القارئ أيضا، لأقول إنها الخدعة البصرية أيضا قدمها الدال اللغوي:
ا ل/ج/ا / ر/ ة/ كمفردة عادية لاعلاقة لها بتداعياتها التي ستظهر فيما بعد…
إنه البساطة بلغة الأدب السهل الممتنع، لكنها البساطة الأعمق ،وهما شرطا كتابة هذا النص
البساطة لغة وموضوعا، وصفات الذات والآخر، ماهو مشترك وماهو مختلف، لكنها العميقة التي كلما سبرت ماوراء ملفوظاتها، اكتشفت الحقيقة التي قدمها تأويل قِرائي للنقد،
الذي اخترت له هذا النص البسيط /المعقد
هذا النص المباشر/ اللامباشر
هذا النص الظاهر /الباطن
هذا النص /اللغم
هذا النص / الفخ
وكأن نبيلة الوزاني اعتمدت آلية (التَّقيَّةَ) وهي تعني إظهار عكس ما تبطن، والراسخون في العلم هم مَن يدركون، من خلال تقسيم الناس إلى ثلاثة، حسب منهج الفيلسوف “ابن رشد “
للعامة ظاهر النص المباشر دون شرح، والإكتفاء بذلك دون اجتهاد
قد يتفق الفقهاء مع العامة؛ لأنهم يكتفون بظاهر النصوص؛ لأن دليلهم حواسهم فقط… لهذا لايُؤولون ولايجادلون ،ولا يخرجون عن الظاهر،
فالخارجون عن النص كمعطى حسي يعتبرونهم زنادقة،
وللفلاسفة باطنه… لأنهم وحدهم يعملون العقل، وهم المعنيون بقوله :
“ولايعلم تاويله إلا الله والراسخون في العلم.”
هكذا يكون إدراك عمق هذا النص من اختصاص الراسخين في الشعر ،دون المساس بذوي الملكة الإبداعية منتجي الشعر، فليس كل شاعر ناقدا وليس كل كاتب شعر؛ قادرا على تفكيك ماوراء الشعر…
تنتهي مهمة الشعر عند كتابة الدفق الأول، وتبدأ مهمة تفكيك هذا الدفق وتبخيره، ليكشف النقد عن مكوناته، قد لا يتوقع منتجه نتائج أفرزتها ملكة النقد التي تعتبر مهمة خطيرة ،لهذا ليس كل ناقد ناقدا مالم يكتشف ويكشف لنفسه وللكاتب والمتلقي، مالم يتوقعه الجميع…
بهذا الوعي الداخلي سيكون النص صدمة للقارئ
إنه سهل القراءة،
صعب الإقتحام،
مفاتيحه ليست كافية للدلالة على أنه نص، يخضع فهمه لمقاييس حداثوية تجعل الموضوع مثار نقاش واستغراب…
إنها قصة الجارة /اللغم
إنها قصة الذات اللاصديقة /الصديقة
إنها قصة الصمت لغة القصة الجميلة…:
إنها قصة “التي “
المعلومة /
المبنية للمجهول /
إنها قصة الجوار الفرد / والجمع /
الغائب / الحاضر /
كحالة خاصة /كقيمة عامة
هكذا نسجت الشاعرة بخيال قوي موضوعا أقوى بلغة ماكرة…
فأجمل الشعر حين نكتشف خدعته ،وخدعة الجارة خدعة إبداعية مثمرة…
هكذا تبدأ الحكاية من العنوان إلى آخر مقطع من النص…
العنوان :
يكفي النظر إلى تركيبته “الجارة التي..”
و”التي” تأكيد وغموض
غموض؛ لأن القارئ سيسائل نفسه من هي الجارة؛ التي ركزت عليها الشاعرة؟
ولماذا اختارت جارة وليس جارا… ؟
هل تعنيها كشخص جار وجارة، أم كقيمة أخلاقية إجتماعية… ؟
من تكون؟ ما قيمتها… ؟
لماذا لم تُعرِّفنا بها واكتفت بنقط تحمل تساؤلات كثيرة…
في غموض العنوان قيمتُه الذاتية،
قد تكون حقيقية كذات وككينونة ،
قد تكون رمزا دالا على حمولة الجوار،
قد تكون استيهاما ذاتيا؛ تخيلته الشاعرة لتوصل إلى القارئ غايتها الكتابية،وقد تكون هي منعكسة في ظلها تتقمصه كأنا موازية لأناها، لكنها الأنا المنشطرة بين ماهي عليه دون إرادتها؛ وماتريد أن تكونه ولا تتمكن من ذلك، لأن سلطة إرادوية فوقها تقمع إرادتها فالإرادة الإجتماعية قسرية؛ تضغط خفية وتحفر في الذات ،وإلا فإن النسق العام ولنقل السياسي والثقافي…! يفرض إكراهاته التي تصل حد العقاب والزجر القانوني.
قد تكون الآخر أي آخر،
قد لاتكون هي الذات المجسدة ؛في مكان وزمان محددين،
قد تكون مجرد استعارة إنسانية تقمصت الذات النسائية…
لماذا قدمت تداعيات الحضور والغياب من خلال مقولة الجارة…
وتركت التعريف والوصف للجارة، وحالاتها ونفسيتها، وواقعها كسيدة، محذوفا تقديره :(التي)
و”التي” مقولة مكثفة قد يتخيلها القارئ؛ بشتى المعاني والأوضاع، والوضعيات، والحالات النفسية، والإجتماعية،
وكأني بها تقول لنا كقارئين وقارئات :
املؤوا الفراغات التالية…
بدلالات مفيدة تضفي معنى على الجارة…!
عليكم تحديد “التي” بجمل مفيدة…!
لإشراك قارئ لي في إتمام العنوان الغامض غير المفهوم…
لقد تركت الشاعرة العنوان فارغا غير تام ،كأنها تستغيث بالقراءات لعلها تكمل ماعجزت عن كتابته، لأنها فقدت القدرة على الكلام إثر الصدمة غير المتوقعة،
فما هو رأيك أيها الخارج من النص.. . ؟
إنه “القارئ الذي.. “
يتكلف بإتمام مهمته الإبداعية أن يكتب توصيفا عن جارة فقدت الإتصال بها الشاعرة…
هكذا يبدو العنوان عتبة معقدة وإن ظهرت كأنها تلقائية، تتحدث عن سيدة تجاور سيدة /
أنا / مقابل أنا مكانيا وزمانيا،
ثم تفقد بفقدانها حواسها التي كانت الدليل الوحيد، على العلاقة الغريبة…
ألا تكون الجارة كابوسا في ذهن الشاعرة… ؟
ألاتكون الجارة مجرد تقمص لاشعوري لذات ليست حقيقية… ؟
ألا تكون الجارة مجرد ميكانيزم نفسي لاشعوري لإنقاذ الشاعرة من أزمة الوحدة… ؟
وكأنها التنويم المغناطيسي الذي يكفي لعلاج حالة نفسية، العزلة مثلا… ؟أو نوع من العلاج السيكولوجي لهذا المرض الذي ساد في ظل العولمة، وسلطة وسائل التواصل الاجتماعي، التي وضعت حاجزا سميكا بين الناس، وتحول كل واحد عالما منفصلا عن الآخرين،
كانت نتاجا لهذه الوضعية الراهنة، مع أزمة الاختناق الوبائي، في ظل كورونا يضاف إليها الوضع العام السائد، في دول العالم العربي.
ألا تكون الجارة هي ذاتها الشاعرة…. كحيلة نفسية ،لمقاومة الموت؛ دفاعا عن البقاء قيد الحياة…؟
أليست الجارة قيمة حضارية ضاغطة فقدت سلطتها… ؟
وقد كانت ذات سلطة مادية ومعنوية رسختها ثقافتنا الجمعية ،فالمتن الديني يؤكد :
أنه أوصى بالجار حتى خلنا أنه سيُورِّثُه، سيصير له حق الإرث، ويحدد حصته ضمن قانون المواريث.
وتعيد البنية الشفهية لثقافة المجتمع إنتاج نفس القيمة بقول الأمثال الشعبية :
“الجارْ قْبَلْ الدار”
“دِيرْ مَادَارْ جَارَكْ ولَّا حَوَّلْ بَابْ دَارَكْ”
“شْكُونْ شَكَّارَتْ لَعْرُوسَةْ.. ؟
أُمّْهَا ولْحَزَّارَةْ دْجَارَتْهَا”
والنماذج كثيرة ضد الغزو الفرداني دفاعا عن العلاقات العامة، تفتقده ثقافة الغرب ،وإنْ بدأت بعض الدول مثل :”سويسرا “تبني سكنا إجتماعيا؛ بديلا للسكن الإقتصادي، من أجل استعادة العلاقات الجماعية، من الفردانية والإستقلالية داخل الحي الواحد أو نفس الإقامة، وزرع نمط حياة جديد يقوم على ماهو إنساني ببناء مرافق في نفس المنطقة السكنية، تخول للجميع أن يشترك ويتقاسم الخدمات مع الجميع، بمن فيهم الأطفال والعجائز وتشارك وسائل النقل الخاصة لتصبح عامة يستعملونها بالتناوب، للعمل أو لسفر مشترك أو لمصلحة خاصة، بهدف خلق عقلية مضادة للفردانية المتوحشة كنتاج لنظام رأسمالي مُتَغوِّل، وتعويض ذلك بعلاقات إنسانية تمتن الروابط العاطفية والإجتماعية، وسد فراغات الحاجة بين الأفراد على أساس مساواتي.
لهذا تكون الجارة من منظور الشاعرة، شخصية مزدوجة لفك العزلة عن الذات، تمارس دورين مختلفين بوجه واحد… ؟وكأنها نداء اسثغاتة لتفكيك معضلة الغياب لقيمة الجار في ثقافتنا، تتحول قضية وأطروحةشعرية ،تجعلها محور نقاش أخلاقي / ومازلت أذكر أن في مقررات تدريس الفلسفة بالتعليم الثانوي المغربي، درسا بعنوان “الغير”
يحاول استثمار تيمة الآخر كضرورة.
كثيرا مانشاهد في الأفلام ممثلين يؤدون دورا مزدوجا كأنه هو ولاهو…
وكأنما الفصام عقدة النص كي تمرر خطابا خاصا بمعاناة سيدة…
وكأنما الجارة قصة تحكيها نفس الذات، وكأنها تعيش قلقا يجعلها تكون هي ولاهي…
بخلاف هذا التحليل السيكولوجي/ البسيكوباطي /
ولو أنه ليس إجرائيا لأن الجارة لم تكن عدوانية…
يرِد تصورٌ للشخصية رمزيا ،
ألن تكون الجارة كائنا آخر عصفورا أوحيوانا أليفا… ؟
احتمال وارد جدا كنوع من جلسات العلاج بواسطة الكوتش…
وفي هذه الصورة تذكرت فيلما عانت بطلته الرياضية في سباق الزوارق، إعاقة أصابتها بإكتئاب لأنها فقدت ساقيها، إثر سقوطها من جدار في فندق؛ كانت تقضي عطلتها فيه مع زوجها وأبنائها فتعرضت لإعاقة دائمة جعلتها لاتفارق المنزل..
صدفة عثرت ابنتها على طائر يشبه البوم سقط من العش، فتكفلت به الابنة وصار طائر الأسرة، رغم أنه يمزق كل شيء لأنه من الجوارح…
عقدت ألفة غريبة بين الأم المشلولة والطائرلدرجة أن الطائر فهم نفسية السيدة…
الخلاصة أنه كان سببا في تحررها من الإكتئاب، وأعادها إلى حياتها كبطلة سباق، اعتمادا على قوة ذراعيها أكثر..
وهكذا انتهت العقدة وأزمة الفيلم إلى نهاية العودة إلى الحياة، وهجرة الطائر إلى موطنه الأصلي…
الطائر هو الجليس المؤنس والمعالج رمزيا…
كبديل للإنسان خاصة، أن الغرب المتوحش قد تغوَّل واغترب داخل ذاته…
هذا الفيلم ذكرتني به الشاعرة، لأنه الطائر كان الجار، وكان شريكها والذي استرجعت معه، معنى الحياة وكان رحيله بداية له بعيدا عنها/
وبداية لها بعيدة عنه/
قريبة من ذاتها وأسرتها.
تشابه خطير…
هكذا عبر النص أجناسا أدبية متعددة :
القصة /بأسلوب الحكي الشعري لاالسرد الروائي
والسينما/ من خلال تداخل مشهد الجوار المتعدد الأشكال…
وحدها الشاعرة تملك الجواب…
فالعنوان وحده يثير جدلا من خلال :
لماذا اختارت صيغة بهذا الشكل…؟
ولماذا تعمدت ترك الفراغ لنا… ؟
أهو تجسيد دال على معاناة الفراغ الذاتي…
وكإشارة منها إلينا بأن الهم الإنساني يجب تقاسمه…. ؟
هكذا كان العنوان ،
إشكالا و انتظارات…
وهكذا كانت العتبة، المفتاح الأول؛ لفهم النص اللغز أو النص الفخ…
2
مدخل ضروري لتفكيك الشبكة المفاهيمية :
النص /اللغم /النص الإشكال /
“جارتي التي…”
يقدم لي كقارئة تصغي جيدا لنبض الشاعرة والشارع، والقهوة والرحلة والشرفة، لأنها المُتَبِّلات الأساسية لنص يطرح قضية الجوار، كقضية محورية في تفكيرنا المغربي، خاصة أن تمفصلات النص تقدم لي مجموعة ركائز، اعتمدتها الشعرية في تجلياتها الأبعد.
أولها أن الصمت يشكل الأرضية الصلبة والمادة القوام لكل ما سيتأسس عليها من أفكار.
الصمت وتجلياته من خلال تجربة شارلي شابلن أغنت المشهد السينمائي؛ كذلك في “الجارة التي…” يكون الصمت دائرة أوسع تبتلع باقي الدوائر:
الجارتان سواء بالفردية أو التوأمة الرمزية، ذات الدلالة السيميائية كأنها لوحة تبدو فيها الشاعرة، تدير حوارية صامتة من خلال مجموعة حواس :
العين :المسح الطوبوغرافي للشارع
الشفاه : ابتسامة /
اليد :تحية /
الأنف : رائحة القهوة تُحتسى
الأذن والصدر :أنفاس الشارع
تختلط الحواس: فالأنفاس تشعر بها الشاعرة ؛والإبتسامة تراها؛ وتحسها؛ وتلمسها عبر جهاز البصر، وتسمعها بحدس داخلي لأنها الجارة الأقرب.
الصمت يؤثث المشهد من خلال مقولات عدةترتكز على مفهومين أساسيين هما :
المكان والزمان صامتان لايتغيران فهما بالمنظور الفلسفي لكانط مطلقان.
إنهما من خلال النص ثابتان لايتغيران؛ وكأن الزمان توقف عند الشرفة، والمكان تابع للزمان توقف أيضا، لأن أحدهما مرتبط منطقيا بالآخر…
الصمت في المكان، تشرحه (الشرفة)والجلسة على أريكة /كرسي /مقعد/أو حافة الشرفة أو أرضيتها. تطل من خلالها على العالم وضجيجه ؛وهي إحالة أيضا إلى الإمكانية الوحيدة والرابط الوحيد، للشاعرة مع العالم الخارجي، وتظهر أنها لاتعرف سوى الشرفة ومعالمها ،وكأنها تقطع صلتها بالخارج.
ولِمَ لا تكون إحالة إلى ظلها أو إحالة
إلى الشرفة الزرقاء… ؟! احتمال وارد في تقييمي. (الفايسبوك) وهو مكانها وزمانها لاتبرحهما، كأنه متنفسها، الذي يضرب العزلة ويؤكدها…
والشرفة قد تكون الذات المنعزلة، أو الظل، تكلم نفسها بصمت، تدرك كلماته وحدها ،لأنه الصمت الهادر،كمونولوغ داخلها ،والضجيج دون لغة منطوقة، لكنها لغة الأحاسيس.
الصمت في الزمان، تشرحه (اللحظة) بمقاييس الرؤية والسمع والشم واللمس، ولو مجازا عبر التحية…
ولحظة المجهول :تشرحه دلالة الرحلة الطويلة أو الرحيل..
رحيل مفاجئ إلى مكان آخر، ليس معروفا بدلالة النص ،مكان مضمر في لغة النص ،معروف في ذاكرة الشاعرة.
قد يعني مفهوم الرحيل في نهاية النص هروبا من واقع ثقيل، رغبة دفينة ثاوية في هذا النص كما كانت في نص سبق لي تحليله :
“تلك التي في الصورة…!”
رحلة طويلة :تحمل دلالات تساؤلية إحتمالات مشروعة تؤسس لليقين واللايقين ؛كأن يكون رحيلا إلى مكان استراحة أو مكان للإستشفاء، أو مجرد تغيير ضد الروتين اليومي،أو رحيل داخل الذات منها إليها بشكل مغاير ،وربما رحلة إلى الغربة خارج الغربة الذاتية ،لتصبح الغربة غربتين :
غربة الذات في مكانها الأم.
غربة الذات في مكانها المنفى اختيارا أو قسرا فرضته ظروف ما..
والغربة يعمقها الصمت الخطير الذي يلف المكان /والزمان /والذات/
كثلاثية للصمت..
قد يكون الرحيل المألوف في الرؤية العادية؛ الموت توطدت هذه الدلالة من خلال مفهوم؛ أسقط القارئ في فخ اليقين، دون مساءلة القراءة عن احتمال الخطإ، ولو بنسبة ظئيلة ورطهم النص من خلال كلمة (عزاء).
العزاء :ليس مرتبطا في وعي المثقف ضرورة بالموت كبداهة لاتناقش، العزاء قد يكون عزاءً للذات في معاناة الإحباط، فنقول :
نعزي أنفسنا في كوننا أضعنا العمر في الأوهام والأحلام الباهتة، والإنتظارات المجانية، عزاؤنا في كون أحلامنا أكبر من الواقع…
تكون لحظة العزاء مرتبطة بوعينا بأن ماقمنا به كان خطأ، وأننا لو أدركنا ذلك في حينه، ما تأسفنا أو ندمنا، نندم على سلوك أو فقدان ثقة في صديق /صديقة
خيانة حبيب /حبيبة
فشل في الواقع الذي حلمنا بتغييره فإذا بنا نبتلع الطعم بعد الربيع العربي،
الآن العزاء السياسي وارد، بعد طغيان الأزمات والحروب والإبادات الشعبية، والحروب الطائفية ،والنعرات الدينية :السنة /الشيعة
الإسلام /الإسلاموية
الإسلام /الإسرائيلية
ونقيس عليها العزاء في فقدان التسامح الفكري، والاغتيالات في تاريخنا العربي ،وعدم القدرة على قبول المختلف، رغم ادعائنا أننا نقبل ذلك…
المختلف عقائديا وإثنيا
عزاؤنا في كوننا نكتشف أننا عنصريون مازلنا نلغي من لا يملك شكلنا ولوننا كأننا الأبَّارْتايْد أو الهتْلِرِيون دون وعي، ناقمين على اليمين المتطرف ونحن المتطرفون…
هكذا العزاء منظومة تتضمن قيما لاتشير مباشرة إلى موت بيولوجي، بل إلى موت رمزي ؛موت تاريخي؛ موت سياسي، موت إنساني…
نفرح ونسعد لأدبائنا فقط ورياضيينا فقط ،ولمطربينا ولا يهمنا سوانا، حتى لو جمعتنا عقد رخوة :
دينية لغوية ،وتاريخية /جغرافية! ودموية /عرقية ،والواقع يؤكد هذا الطرح…
لهذا مفهوم الصمت مفهوم دلالي سياقي؛ يقوم على مرتكزات موجعة، لكنها متجذرة داخليا ورثناها من خلال قنوات التنشئة الإجتماعية، وهي أخطر البوابات إلى تنميطنا وفق عقلية، مكرسة للتمييز والحقد وإلغاء الآخر….
تنتهي هذه الخلاصة أن النص فسخ جرحا ذاتيا أكثر، منه عزاء وإقامة حفل تأبين لجارة مؤنسة ومشابهة…
قد يكون عزاءً من نوع آخر تبطنه الذات الشاعرة،
حين أدركت بوعيها أن الإفلاس الإنساني إفلاس ثقافي وتاريخي،
فهل استطاع الشعر كشرفة داخل الشرفة،أن يرمم الجثة في صمتها بعد أن افرزالصمت كلاما من قيمة هذا النص…. ؟
سؤال أحالني إلى بنية النص مباشرة…
3
“إياكِ أعني وافهمي ياجارة…!”
في بنية النص تمثُّلات تتأرجح بين الوضوح والغموض.
المقطع الأول يقدم تقريرا لحالة الفقد ؛تظهر ها كلمات :
مهجورة /حزينة /رحلت /الجارة /ليست صديقة /
فهل هذه العبارات تعني أن الشاعرة /الجارة /اللَّيْسَتْ صديقة / متخاصمة مع نفسها…؟
الجارة /الذات المتكلمة المخاطَِبة /
تشتركان في عدة خصائصَ:
تبادل الإبتسام
تبادل التحية
تصل إلى خلاصة:
أن هناك رابطا ما بينهما؛ وكأنها تعني أن نبيلة تشبه الجارة نبيلة ،فهي الصورة الأصل والنسخة،
المنعكسة في مرآة الشرفة بزجاج شفاف أو دون زجاج..
إنها الظل الذي يمثل نفسه مادام يقتنع بالصمت. وهو تمثل يرتبط بتمثُّلين أحدهما يبرزه جهاز حركي من خلال حاستين أساسيتين؛ تبينان أنها علاقة تماثلية وتماهي ذاتي ،الفم واليد دالتان على حركة صامتة لكنها تحمل معنى التواصل.
والجارة ترتبط بالشرفة !
وهما دالتان على ثبوت المكان وثبوت الحركة، مع غياب الكلام المنطوق.
ينتهي المقطع إلى حالة الألفة والسكون.
أما المقطع الثاني فهو يشرح طبيعة العلاقة الموسومة بالتكرار وعدم تغيير الوضعيات؛ كإطالة الجلوس /
وهو تماثل كيفي يتحايث فيه الأصل بالنسخة /الظل…
كأنها هي هي
والحواس آلية تواصل حركية تمارس التصوير الفوتوغرافي، كآلة تتمركز في العين التي تفيد النظر والإنتظار، توضحهما جمل :
“عيناها تمسحان الشارع بلا إنقطاع
كمن ينتظر حدوث أمر كبير
كمن يريد أن ينظر كثيرا”
العين تمارس مسحها لمظاهر الحياة في الشارع والشارع كأنه الحياة، ومايقع فيه انعكاس للأحداث، الشارع واقعنا
والعين آلية مسح تنظر وتنتظر لعل شيئا يحدث يقلب الواقع…
إنها العين /الكاميرا الخفية
العين ردار يلتقط الأخبار والوقائع تنقل مجريات اليومي؛ على اعتبار أنها توثق لما يقع، وتسجل كل شيء كمسح جغرافي لخريطة المنطقة ،يرصد الأبنية / والأرصفة/
المصابيح /المارة / يسجل الخطو.
وكأنها تنهي جولتها من خلال العين السحرية، لكنها عين الشاعرة
والعين هاته هي العلبة السوداء، تختزن أسرار الشارع…
ينتهي المقطع الثاني كما المقطع الأول.
حلقة متسلسلة أولها ينتهي بمنطق أن ثمة رابطا ما.
ثانيها يُختَتَم بمفهوم قوي “مثلي”
يبدأ المقطع الثالث بنهاية الثاني “مثلي” دائرة مغلقة على نفسها…
لكن تستمر حركة الحواس من خلال حاسة الشم /الأنف
تسجل الحواس رائحة كأنها تحتسيها من خلال رائحة القهوة التي تستنشقها الذات المزدوجة ،يكفي الإستنشاق فيعتدل المزاج…
القهوة تلك قاسم مشترك يجعل الأمور تعود إلى نصابها. واعتدال المزاج يفيد اضطراب المعنية؛ أي الذات والآخر.
وتنتهي إلى ملاحظة أن هذا المشترك تصدع واختلَّ وضع الشرفة المُطلة على الشارع،
يؤكد المقطع أن الحضور الحركي باليد والشفاه والأنف، صار غيابا لهذه الكينونة، هل هي لعنة الحضور والغياب تمثل إشكالا للشاعرة، المتكلِّمة والمخاطَبَة… ؟
وقد حملت الكلمات مرارة ازدواجية الحضور والغياب في المكان والزمان.
“لم تجلس منذ أمس في الشرفة”
تلك الجارة..!
تقرير الغياب هل هو فعل إرادي أو لاإرادي… ؟
تلك مشكلة الرحلة الطويلة.
وكأنها رحلة مقررة سلفا؛ تحتمل أن يصدر القرار بهدف النقد الذاتي؛ أو بهدف إعادة النظر في هندسة الذات والمكان والوضع العام، بالإبتعاد عن نفس المكان، لكنه ابتعاد يحمل داخله المكان ذاته الذي رافق الشاعرة،
إنها تحمل المكان وروائحه بكل حمولاته بما فيها القهوة.
تحمل الشارع بكل زخمه الساكن، رغم واقعية الضجيج المألوف والمرتبط بمضمونه.
الشارع في تصور النص، يتحول كائنا حيا ينبض بأنفاس الجارة، الجارة تنبض بأنفاس الشارع.
حركة وإحساس متبادل يتناوبان عليه، الشارع من خلال الشرفة، والشاعرة الجارة من خلال الشرفة،
كأنما أحدهما يضخ في الآخر أنفاسه ليستمرا معا وإن بشكلين مختلفين،لكن الشرفة هي المَعْبَر إلى كليهما بفعل الحواس…
وتنتهي الأزمة في المقطع الرابع :
“لم تكن صديقة لي”
لتوازي مقدمة النص وجوابا تأكيديا للمقطع الأول :
“هي ليست صديقتي”
مالاحظته في ازدواجية الجارة /اللاصديقة
أن تكرارهما يثير إشكالا قيميا يتعلق بإشكالية الآخر جارا أو صديقا
كمفهومين في سلم القيم.
هل إثارتهما بشكل ملتبس يعني وضع الأصبع على جرح أخلاقي، يطرح تساؤلات حول مفهوم الصداقة ومفهوم الجيرة..؟
وهو تكرار متواتر بين (الشرفة) مكان اللقاء لأربع مرات يوازيها مفهوم (مثلي)بأربع تكرارات.
(الجارة) و(الشارع) لهما ثلاث تكرارات..
ماعدا (الصديقة) فقد حظيت بتكرارين على أساس النفي…
وهو مشهد يناقش مسألة فقدان الذات بين الجوار والصداقة، معضلة التفكير في العلاقات الإنسانية! التي فقدت هذين المقومين بعد الزلزلة الخطيرة للواقع العالمي كله…
كأنما الذات المفقودة في الصراع اليومي بين الناس، يترك اللاَّسؤال واللاَّجواب معلقين كموضوعين يُطْرَحان للنقاش خارج النص…
النص ينتهي إلى العمق البشري المصاب بالحيرة، حيرة تجعل مفهوم العزاء ليس سلوكا اجتماعيا بل هو وعي بخسارة الذات الإنسانية لنفسها، في ظل هذه الزلزلة الحضارية ،كأنها دعوة لإعادة النظر في قيمنا كلها بهدف العودة إلى الذات، للخروج من الاغتراب الذي تكرسه الوحدة، التي صارت شعارا راهنا للأجيال، وفرضت على كل واحد التمركز حول الأنا،
دون اهتمام باللَّاأنا أو الآخر صديقا أو جارا…
إنه السؤال الأعمق في علاقتنا بذواتنا قد لايكون جارا بل آخر بكل تقمصاته الإجتماعية…
كانت الصياغة الأبسط لموضوع أعقد هي الجِدَّة التي ميزت هذا النص…
فشكرااا للشاعرة نبيلة الوزاني…
إنه ناقوس الخطر يدق داخلنا لاخارجنا.
فهل تهيأنا ثقافيا لمثل هذا الحدث…. ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*