براءَة ..بقلم الشاعر رياض ناصر نوري من سورية.

بشكلٍ رسميّ وعبرَ لسان قلمي
لمْ أعلنِ الْبتةَ
أنني فقدتُ تذكرةَ الخروجِ
من ضجيجِ هذه الأيامْ .
لهذا أعرفُ
من روّجَ لتلكَ الإشاعةِ الصادقةْ
أنَّ ذاكرتي أصبحتْ
بعد أحدَ عشرَ هجيرًا ونارًا
مصابةً بعمى الألوانِ
كما فقدتْ حاسةَ شمِّ
المساءاتِ الصيفيةِ عندَ ضفافِ “الفرات”ْ
وما عادتْ تبصرُ
الأشجارَ ترقصُ على جوانبِ الطرقاتْ
بل خلعتْ وشاحَها الأخضرَ
واتشحت بالأسْودِ ؛
حزنُا على احتراقِ أعشاشِ العصافيرْ
وأنَّ هذه الذاكرةَ أيضًا
لم تعدْ تسمعُ الأنغامَ
الصاعدةَ من فمِ “ماري”*
نحوَ السماءِ السابعةْ مُرتلةً
لطردِ الهوامِّ وأسرابِ الجرادْ ..
ولصوصِ القمحِ ..
حتى يدُ ذاكرتِي
كما روًّج عنها ..لم تعدْ تلمسُ
ريشَاتِ أسرابِ القطا
وهي تقيمُ حفلاتِ زفافِها الميمونِ
تحتَ شُجيراتِ شيحِ الباديةْ ..

بلى .. بشكلٍ رسميْ
أو عَبرَ السجلِّ اليوميِّ
لمرضى المشافي العامة
أو من خلالِ النشراتِ التحذيريةِ
داخلَ صناديقِ الإغاثةِ العاجلةْ
أَلَّا ألمُسَ مخلفاتِ الحربِ
والتي كثيرًا ما أجدُها
تسترقُ السمعَ إلى أحاديثِ العشاقِ
تحتَ مقاعدِ الحدائقْ ..
ولا أذكرُ مطلقًا ..
أنني أعلنت عبرَ مكبراتِ الصوتِ
لعرباتِ باعةِ الخضارِ المتجولين
أو كتبت بخطيَّ السيءِ
تحتَ شاخصاتِ مغادرةِ المدُنِ :
أنَّ لساني أصبحَ الآنَ
مصابًا بالهذيانِ
وحُمى الرطانةِ المزمنةِ
عن صبحٍ قادمٍ ..قادمْ
يتنفسُ فوقَ هذه “الجغرافيا”
معلنًا عن نهارٍ أبيضَ ..أبيضْ
فتلك إشاعاتٌ ينشرها – بالعادةِ –
ثلّةٌ من الشعراء ..
أولئك الذين أتَوْا
بما لم تستطعْه الأوائلُ
من نافخِي الأبواقِ وضاربي الطبولْ
في “أوركسترا” فوضى هذا الزمان .

* *
< رياض ناصر نوري > سورية ٢٠٢٢

– ماري مدينة أثرية قرب مدينتي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*