رسالةٌ عراقية، من رسائلِ الحياة اليومية البابِلِيَّة – 9 –من فتًى الى أُمِّه بقلم الشاعر عبد يونس لافي من العراق.

مشاعرُ وجدانيةٌ بدتْ كامنةً
في صدرِ هذا الفتى،
ما لبثت أن تفجَّرتْ،
عِبْرَ كلماتٍ أمْلاها على الكاتب!

كان الكاتبُ أمينًا على ما سَمِع،
فكتب، ما كتبْ،
وما كتبَ إلّا ما سمعَ من كَلِمات،
وما أحسَّهُ من مُؤلِمِ الخَلَجات،
أو ما رأى من عَبَرات.

هنا الرسالة:

(قلْ للسيدةِ زينو (Zinû)
أنَّ آيْدِن – سِنْ (Iddin-Sin*)
يُرسلُ اليكِ الرسالةَ الآتية:

عسى الآلِهةُ شَمَش1 (Šamaš )
ومردوخ2 (Marduk)
وايلَبْرات3 (Ilabrat)
أنْ يُسْدِلوا عليكِ الصحةَ الى الأبدِ،
لأجلِ رعايَتي.

من سنةٍ الى أخرى،
ملابسُ الشَّبابِ هنا،
تُصبِحُ أفضلَ،
غيرَ أنّكَ تركْتِ ملابسي، تزدادُ سوءًا،
من سنةٍ الى أخرى.

حقًّا أنتِ تُصِرّينَ على جعلِ ملابسي
أسوَأَ وأكثرَ رَثاثَة!
ففي الوقتِ الذي كان الصوفُ في بيتنا،
يُسْتهْلكُ كما يُسْتهْلكُ الْخبزُ،
لم تُبالي في جعلِ ملابسي رديئة!

إنَّ ابْنَ آداد – آيْدِنام (Adad-iddinam)
مَنْ أبوهُ كان مساعدًا لأبي ليس إلّا،
عنده مجموعتانِ جديدتانِ من الملابس،
ولكنَّكِ تتأفَّفينَ مُسْتاءةً
حتى على مجموعةٍ واحدةٍ لي من الملابسِ.

وعلى الرغم من أنَّكِ والدتي الحقيقيَّة،
فإنَّ أمَّهُ قد (تبَنَّتْهُ)4 وتُحِبُّه،
أمّا انتِ فلا تُحِبّيني.)

انتهت الرسالة!

حين قرأُتُها،
تراءى لي أنه فتًى،
يدرسُ في مدرسةٍ بعيدًا عن بيتِه،
يُراقبُ من كَثَب،
فيرى أقرانًا له كلَّ يومٍ،
وهم يرفُلون بملابسَ أحلى،
ملابسَ أنظفَ وأرقى، مما يلبس

الرسالةُ لم تُفصحْ لماذا
يدرس آيْدِن – سِنْ بعيدًا عن محلِّ سُكْناه،
وما الذي يدرسُه،
ولكنَّ ذلك أمرٌ مُمكنٌ في أيِّ زمنٍ،
وإن كان نادرَ الحدوث،
فلربَّما كان ما يبرِّرُهُ آنذاك،
تَبَعًا لمكانةِ الأهلِ الاجتماعية،
وما يطمحون إليهِ
في أن يرَوْا طفلَهم عليه،
من تربيةٍ يشرفُ عليها، كما أظنُّ، كَهَنَة.

نقرأ كلماتِه، وقد تخلَّلَها شيئٌ من تكرارٍ ورَكاكة،
وهو يبثُّ أمَّهُ مشاعرَ مألوفة،
معلومةً مفهومة،
تُدلِّلُ على أنَّ أحاسيسَ الغَيْرةِ لم تتغيَّرْ،
فهيَ هيَ على مرِّ العصور،
ناهيكَ أنَّها من الجِبِلَّةِ البشرية.

حين تقرأُ هذي الكلمات،
تَحْسَبُهُ فتًى في زماننا هذا،
وليس قبل اكثرَ من أربعةِ آلافِ عام.
لقد حاول جاهدًا إقناعَ أمِّهِ لتُدرِكَ
أنَّه يتطلَّعُ الى أن يكونَ مثلَ أقرانِهِ،
إن لم يكنْ أحسن.

يبدو أنَّ أمَّه هي المسؤولةُ عن تدبيرِ المنزل،
وأن أباهُ يمارسُ عملَه بعيدًا هو الآخر.
ويبدو ايضًا أنَّ أمَّه هي التي تُعِدُّ ملابسَه،
ابتداءً من العِهْنِ المنفوش،
الى اللباس المنقوش!

توحي الرسالة ايضًا الى أنَّ هناك من سيتلو الرسالةَ
على مسامعِ السيدةِ زينو،
وإلّا لَما قال أخبِرِ السيدةَ زينو.
هنا نلاحظ أيضًا تَعَمُّدَ آيْدِن – سِنْ
ذِكْرَ ثلاثةٍ من الآلهةِ في دُعاءِه،
لحفظ أمِّهِ من أجلِه، اسْتعطافًا واحْترامًا،
وهذا من الأمورِ المألوفةِ في ذلك العهد.

تَعَمُّدٌ آخر أنَّه وإن قارن نفسَه
بمجموع من يدرس معه،
إلّا أنَّه ذكر طالبًا معروفا لدى أمِّه،
هو ابْنُ آداد – آيْدِنام
ليثيرَ اهتمامَها ويجعلَها تنتبه!

هذه الرسالةُ تمثِّلُ عَيِّنَةً واحدةً مما كانت عليه حياةُ الناسِ اليومية في ذلك الوقت، كما أنها تعكس سيكولوجية هذا الفتى من حيث كونهِ توّاقًا للظهور بمظهرٍ جذّابٍ امام الآخرين، مثله مثل الكثير من طلاب المدارس في زماننا هذا.

هنا أسجِّل ملاحظةً على بعض الفراغات التي وردت في الرسالة، حيث سقطت لسببٍ ما بعضُ الكلماتِ، التي أُكْمِلَتْ ‍- اجتهادًا – من المعنى العام للجملة التي وردت فيها. لوحظ أيضا أنَّ الرسالة كانت قد كتبت على كلا الجهتين، الأمامية والخلفية، لِلَّوح الطيني، وهذا من غير المألوف.

ملاحظةٌ اخيرة، لم يكن وجها اللوح كافيين لِأكمال الرسالة حيث يبدو ان الكاتب كان يحاول الاستجابة لإملاءات هذا الفتى وتأوُّهاتِه، فأضافَ هامشًا جانبيًّا على اللوح، وهذا من النادر، على الأقل فيما اطلعت عليه من صور بعض الألواح.

1 شَمَش (Šamaš) هو آلهة الشمس
2 مردوخ (Marduk) كبيرُ الآلِهة
3 ايلَبْرات (Ilabrat) يعتبر سوكال (الإله المرافق) لإله السماء آنو أو إله مستقل.
4 يبدو أنَّ مفهوم التبني كان معروفًا منذ ذلك الوقت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*