مقاربة تحليليّة لقصيد “طيف منفي في الروح ” للشاعرة حنان بدران بقلم الأستاذة فوزية اوزدمير من سوريا

المقاربة:

الإتلاف الروحي فنّ ككلّ شيء آخر ، لكنه شديد الأناقة حين يسطر أسلوباً تصويرياً كلياً ، يجري توظيفه من أجل تصوير مشهد شعري واحد حين يدخل من باب اعتراف الذكريات ، هناك على الغصن العالي يجثم محدودباً كل ما مرّ معها ، ورتبّ ، ويعيد ترتيبه في الذات ، يقرع الأجراس كلما فاض كأس أنين الشوق للذي فات ..

فتدع الأوراق المنقطة تسقط كما هي ، بغير دهشة أو حفاوة ، ولكن بالكثير من التأملات ، تلك التأملات الروحية التي تحفر في باطنها ، لتشرط بمشرطها خطوط للأعوام القادمة والفائتة
هذه الثنائية التصادمية من اليقين / واللايقين هو سر كلي الوجود ، يفزع مشاعرها والألم لفقدان اللحظات وغيابها في وقتها ، ولكنها تظلّ عاماً آخر ضجيج تنقلاته عبر ذاتها ، كما الأجراس تدق في مواعيدها
فكانت الصورة سوداوية في لحظات وأخرى ذات طابع غنائي سيكولوجي في الاختناق والتلاشي والدمار
ثلاثية تراودها بين الحلم / واليقظة
كمسجونة تحت ناقوس زجاجي الذي يكشف ضعفها ويخنقها ، فتصرخ من داخلها الصموتة
لم يمسسني طيف بشر
ولم تسعفني ولو بالحلم
” سفينة ”
لقد نقشت في الجليد نافذة ألمها ، وقدحت شرارة حجرها ، لتعيد الخضرة إلى ذاتها وإلى قفار القلب ، بعد حطام نالها
فكانت ” السفينة ” وهي كناية مجازية ، ورمزية استعارية ، تمخر في مسار عباب آخر غير آبهة بما كان ، وما يكون
تاركة خلفها بقايا ذكريات ترمي له قلبها لكي توقف خطوه ، وتتابع أحلاما لن تعود
تظل مطمورة في حافظة النوم وساعاته الطوال القصار ، تخزن ما بفي منه، وفي الصباح تغسل الأمطار بقاياه
بعد كلّ هذه البكائيّة التراجيدية من طقوس من الكلمات ، يمكنها أن ترمم الخراب .. لا أدري ؟
لا أعتقد فهي وحدها من ترن بصمت في غيابه .. !
تسمع في كلّ حين صرخة الشمس الظمآنة ، وكلّ نجمة مذبوحة تهوي وتصطدم
وأكثر بلادة من أيّ أوزة تهذر وتدندن صافرة ، أبدية هذا العالم المتصدع في داخلها
أنها الدهشة من أيّ عينين واسعتين لك أيتها الحياة ؟
أنها كجذر شجرة ، حجر ، حوصلة بومة ، بلا أحلام من أيّ نوع ، خاوية ، ساكتة ، بلا حراك
تنظر في الأفق اللامنتهي ولا طائر في السماء
هي الروح تشتاق ، بطريقة الغرق ، طريقة لائقة تشبهها تماماً ، متشعبة حزينة في ثوبها المخملي الجميل ، تتمايل مختالة فيه كقديسة
لتنجو بنفسها من كوابيس الأحلام التي سقطت فيها
كتبتها ، لتنجو بروحها من كلّ شيء ثقيل حمله لها الزمان على ظهرها
وكأنها ترنم بينها وبين ذاتها
مهما كابدت لكي أخرج
من رقعة الأوراق المتشابكة
وأن أفر سريعاً بألسنة بابلية
فإن خطوط اللحاء الموشاة
لا صواعق للرؤيا
تخترق جفني السميك
هي في ذاتها تعود كما ولدت أول مرّة
، انسحاباً إلى داخلها إلى ماضيها ااشخصيّ
هذه الكلمات الإيقاعية مكتوبة بعصب واحد ، عصب مئات الكائنات البشرية المتشابهة ، ليبدو قاسماً مشتركاً في كلّ ما يقع داخل رؤيتها ، مصوغة بمزيج إنساني ، يتنقل ما بين :
الغضب ، والاعتراف ، واللوم، واللامبالاة ، والرقة ، والانكسار ، والتعاطف ، وأحياناً تتمدّد السمة محاولة لتشتيت صورة ، ثمّ سلخها مسبقاً عن كيان الشاعرة نفسها ، كأنثى
وذلك بسبب قدرة الشاعرة على استيلاد القصيدة من حركة السوسيلوجي ، والحياتي ، إلى وقفة شديدة القلق من موضوعها الشعري / والشخصي على حدّ سواء

بقلم فوزية اوزدمير

القصيد: طيف منفي في الروح ..!

منذ أربع سنوات

 أقبع في منتبذي هذا

أشرط بالمدية خطا

في نهاية كل عام

جئت ولا أعرف كيف انجرفت

استروحت مكانا قصيا

تلمست طيفك بيدي فتلاشيت

 سرابا وغاب في الغاب …

على الشاطئ

أكواخ أعرفها

 تقترب …

حبال وبراميل وصناديق

كان حطام للسفينة أبصرته

 حتى قلت:

هذا السّاري رفعنا به سقفا

 وأقمنا جدران سعفا

وكنت أنام

لتزورني بالحلم السّفينة

ركضت

ركض خلفها العمر والسّنوات

انحنى السّقف يقبل الرمل

حملت الرّيح سقطات الجدار

بين ظلال الأشجار تراءيت

تتبع طير البحر

ولكن ما زلت بمنتبذي هذا

لم يعرف أحد عنّي شيء

لم يمسسني طيف بشر

ولم تسعفني ولو بالحلم

سفينة ..!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*