سر التركيبة الكيميائية في قصص عبدالله المتقي بقلم عبد الدائم السلامي من تونس

ما أنجزه،َ الكاتبُ المغربيُّ عبد الله المتقي في مجاميعه القصصيّة المنشورةِ، يكشفُ عن تمكُّنِه من سِرِّ التركيبةِ الكيميائيّةِ للقصّة القصيرةِ جدًّا، من حيثُ طبيعةُ عناصِرِها ومقاديرُها النصيّةُ، وأقدارُ الارتباطاتِ بين مكوّناتِها ووظائفُها الاجتماعيّةُ والإيديولوجيةُ ونشاطاتُها في ذهنِ المُتلقّي وفعالياتُها السرديّةُ في الحقلِ الإبداعيّ.
ذلك أنّنا نجد في القصّة القصيرةِ جدّا عند هذا الكاتبِ، ما يجوزُ أن نُسمِّيَه المصلَ الشافيَ لجسدِ السردِ العربيِّ الراهن من فيروساتِ بُرُودِه الفنيِّ، بل نرى فيها ثورةً كتابيّةً تُبشِّرُ بنظام سرديٍّ عربيٍّ، يحقِّقُ للمتلقّي مطالِبِه الذّوقيةِ من لغةٍ جديدةٍ تنهضُ على التقديرِ في السَّرْدِ وحُريّةٍ في حركةِ المعنى ووَفْرةٍ فيه.
وهي مطالِبُ اجتهدت القصّة القصيرة جدا عند المتّقي في أن تُنجِزَ بها استقلالَها الفنيَّ، من خلال الإصرارِ على الحَفْرِ العميقِ في جسدَيْ الشِّعر والنّثرِ العربيَّيْن، حفرًا عالِمًا أوصَلها إلى تعيينِ منطقةِ اشتغالِها الخاصّةِ، وتخيُّرِ أدواتِها لبناءِ جنسِها الأدبيِّ، وهو ما يُجوِّزُ لنا القولَ إنّ القصّة القصيرة للمتقي ارتقتْ بشكلِها الإبداعيِّ إلى مرتبةِ الإشكالِ الفنيِّ الباني لفرادتها، إذْ نُلفيها تتحرّكُ في منطقةِ تقاطُعِ الشعر والنّثرِ، وتمتحُ ماءَها من مَعِينِهما دون أن تكونَ تابعةً لأحدِهما، فهي إلى الشِّعْر أقربُ من جهةِ تركيزِ لُغتها، وفُجْئيةِ صورَتِها، وسعيِها إلى التحرُّرِ من عامليْ الزمان والمكانِ. وهي إلى النّثرِ قريبةٌ من بابِ حركة السّردِ الحدثِيِّ والتصاقِها بواقعيتِها وإدهاشِ عوالِمِها الحكائيّة.

***
لا نخالُ النقدَ العربيَّ الذي سيقرأُ قصصَ المتقي إلاّ مُحَدِّثًا بجُهودِ هذا الكاتبِ، في نحتِ جسدٍ للقصّةِ القصيرة جدا تحكمه بِنْيةٌ سرديّةٌ واضحةُ الملامحِ شَفِيفَتُها. وهي بنيةٌ تتعاضدُ قصصُه لتَسْتَنْبِتَ لها غابتَها وتُطلِقَ فيها ساكناتِها من آيِ اللغة،ِ ورغائب الإنسان الجامحةِ، وصُراخِ المكان من أوجاعِه، وصمتِ الزمانِ وهو ينهشُ الفكرَةَ في لامبالاةٍ.
لعلّ مزيدًا من القراءةِ لما يكتب المتقي من قصصٍ قصيرة جدا، يُوقِفُنا على العلاقةِ الفنيّةِ بين شكلِ التعبيرِ فيها، ومادّتِه، ما يزيدُ من حظوظ هذه القصّة في امتلاك جنسِها النثريِّ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*