“حديث انواكشوط” بقلم الكاتب اخليهن سيدي بوبكر من موريتانيا

على رصيف “ب م د” كنت أخطو وكلي أمل في اجتيازِ “مدريد” قبل الغروب و لأني كنت أستمع لأغنية الجوهرة فيروز وهي تردد “كيفك انتُ” كان لزاما علي أن أجيب، فأجهشت أنفاسا مستكنة و قلت في نفسي: “مگوطر ماعندي امباص” و لكن الفروق و اختلاف اللهجات ربما لم تسعغها في فهم فحوى جوابي الذي كنت أتوكأ عليه و أهش به على المسافات لأبلغ “مدريد” قبل أن تعانق الشمس الأفق…فتنهدتْ فيروز ثانية و صاحت بكل هدوء “كيفك، عم بيقولو صار عندك أولاد”…أرسم على شفتاي ابتسامة خجولة، كيف تظنين يا فيروز أنا حتى لستُ متزوجا، فالزواج في بلدي كالحج لمن استطاع إليه سبيلا…وتسترسل في تلحين الأحاسيس بصوتها الحنون لتقول بأنها كانت تعتقد بأني ” برات لبلاد”…خارج البلاد وكيف! أنا غريب في وطني فما بالك إن كنت خارج الوطن وأي بلادٍ تقصدين “موري-تانيا” أم “موري-عايشا” إن كنتِ تقصدين بلدي فأنا أسميه “موري-عايشا” ولن أضع اسم “تانيا” تلك الساقطة في مؤخرة اسم بلدي العزيز، فأنا لستُ مستشرقا ولا أُزَوِرُ التاريخ…وكيف أسافر والهمة تُعدم أمامنا كل يوم بفعل سياساتهم التقشفية…هنا قاطع شرودي هرولة ذلك المسن عن بضاعته التي يبيع خوفا من شرطة البلدية التي تهتكُ بمصادر أرزاقهم كل يوم، وليس ببعيد امرأة على وجهها كثير تجاعيد تلتقط قشور الموز المتبقية من على الطريق و على يسارها شيخ يتسول يمشي على قدمٍ وعكاز، بجانبه طفل لم يبلغ الثامنة يغسل سيارات المارة بثمنٍ بخسٍ…رددت بصري إليَ بعد أن تشبع من تلك الوجوه القديمة لأسقطهُ على شيئ ربما يكون أكثر قِدما وأتعسُ حالا إنه “المتحف الوطني”، لا أعتبره كذلك أنا فقط قرأت لكم الكذبة المنقوشة على جداره المتهالك، هل هناك أي شيئ ذو قيمة حقا!، لا أعتقد…تجاوزت المتحف إلى الملعب الذي تأهلنا منه ذات ضربةٍ للحظ بعد أن أشار إلي العسكري الهزيل بأن أعبر إلى الجانب الآخر ففعلتُ بعد أن رمقته بنظرات الشفق فهو الوحيد الذي كانت ملامحه أكثر تعاسةً من ملامح ” انواكشوط” الذي على مايبدوا ارتجلوا تخطيطه كما ارتجلتني الحياة إليكم…على مقربة من ذلك الملعب لمحت مدرسة ثانوية البنين وهي تصارع من أجل البقاء كمكان أثريٍ يأتوا إليه السواح ليبكون الأطلال فجدرانها حقا لاتنتمي إلى التعليم في شيئ و طلائها المتهالك بحاجة إلى الترميم…حينها فقط أدركت بأنني أنا الغني وهم الفقراء، وأنا الموريتاني و هم الغرباء!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*