رؤيا في “انقلبت الرّؤية و تغيّرت الألوان”لوحة التشكليلي العراقي سمير البياتي بقلم فتحية دبش/ تونس-فرنسا

انقلبت الرّؤية وتغيّرت الألوان هو عنوان لوحة للتّشكيلي العراقي المغترب الشّاعر سمير البيّاتي.
**
أيّ عين تحمل هوس الغريب بجذوره وأمل الغريب بما سيأتي وأيّ وجع يسكن الغريب حين يتلَمَّس ذاكرة أو حين يختبئ تحت جدار الوجع وهو يحاول جاهدا أن يمنح للّون جدواه وللشّكل طبيعته الثّائرة وللمضمون حدّه المنقلب على الواقع ؟

لا شكّ أنّ الفنّ على تلوّناته ظلّ خير حامل لخير محمول. فالفنّان وهو يتسلّح بوعيه الغائر المغاير يحمل من الرّؤية والرّؤيا ما يجعله مثقلا بكلّ ما يفيض على وعي الآخرين. والغربة بما تمنحه من ليونة القفز على الدّاخل والخارج تتجاوز بهذا الوعي حَدَّيْه وتؤرجح صاحبها بين الهُنا والهُناك وبين الموجود والمأمول وخاصّة بين الذّكرى والتّذكّر.
للغربة عين مغايرة لعين الاغتراب وإن كان الجذع واحدا. فإذا كان الاغتراب نفسيّا متعلّقا بالذّات في علاقتها المأزومة بالذّات والآخر، فإنّ الغربة نفسيّة وماديّة تتعلّق لا بالذّات والآخر وحسب، وإنّما تتعلّق أيضا بالمعطى الزّماني والمكاني فتبدو الأشياء على غير ما تبدو والأحجام على غير أحجامها في صلصلة تتحجّم وفق حجم القلق.
يتنقّل المرء بين جغرافيّاته الماديّة وجغرافيّاته النّفسيّة فتتجسّد هذه التنقّلات في كلّ أثر ينتجه وفي كلّ فعل يجازف به.
ومن ثمّ فإنّ العمل الفنّي الماثل بين أيدينا يتحوّل من كونه عملا تشكيليّا إلى كونه مرآة عاكسة للرّؤية والرّؤيا في خطاب سمير البيّاتي إلى الذّات وإلى الآخر.
بالوقوف عند حدّ الرّؤية/ البصر تستوقفنا العتبات الأولى من عنوان وأشكال وألوان. إذ العنوان ” انقلبت الرّؤية وتغيّرت الألوان” وهو المتكوّن من معطوف عليه ومعطوف وقد اختار لهما التّشكليلي أن يكون كلّ منهما مركّبا فعليّا متكوّنا من فعل ماض/accompli وفاعل. ولعلّ اختيار الفعليّة كاملة الإنجاز /الإتمام أو التّمام يعكس حالة من السّكون في الحركة وحالة من القطع أو الانقطاع النّهائي الذي يجعل من الحالة ثابتة/ figée لا متحوّلة ولا متحرّكة.
إلاّ أن اختيار الأفعال رغم زمانها الماضي وتمامها لا تشير إلى حالة من الموت بل إلى حالة من الانقلاب الشّبيه بالتّحوّل في الوجهة من النّقيض إلى النّقيض وهو حالة أبعد من الموت بكثير : (تغيّرت)، (انقلبت). فإذا كان الموت نهاية ماديّة لا اختياريّة في حالاتها الطّبيعيّة فهو على ذلك يشكّل خطوة تنبعث على أنقاضها بدايات أخرى تبشّر بها الكتب المقدّسة وهو في هذه الحالة لا هو موت ولا هو حياة. نهاية تبتعد عن المقدّس وتنزاح بالوعي إلى المدنّس أو الوثنيّ وبعبارة أخرى من القدَريّ إلى البشريّ.
هذه الحالة المتّسمة ب “البين بين” تشبه كثيرا أو هي واحدة من تمظهرات أمراض الذّهان العصبيّة الماثلة بين حدّي الوعي واللاّ وعي وبين الحضور والغياب والفعل واللاّ فعل والحياة والموت.
تأتي اللّوحة بشكلها الهندسيّ الأكبر مكمّلة لتلك الإحالة التي يُلزمنا بها العنوان. حالة من التّمام والاكتمال في مقاييسه الهندسيّة، فلا يجازف التّشكيليّ باختراق الهيكلة والمقاسات ولكنّه يبعثر هذا اليقين بالشّكل فيشظّيه و يجزّئه و يقسّمه و يمنح للبصر حقّ التّركيب و التّفكيك، في فعل يشبه المكعّبات الكبرى الحاملة لمكعّبات صغرى داخلها أو مكعّبات صغرى تندسّ وتختبئ في مكعّبات أكبر منها في حركة انحسار وانتشار تحيلنا على المدرسة التّكعيبيّة تقانات ودلالات وكذا على التّحليل النّفسي وقراءة النّفس من خلال الرّسم. فتتراءى لنا حالات من الانقلاب والتّغيّر تجتاح الأشكال وتتجاوزها إلى الألوان بما فيها من تدرّج عشوائيّ بين الألوان المتنافرة و المتجاورة و المتكاملة على اختلاف درجاتها الضّوئيّة.
تمنحنا اللّوحة رؤية مكتملة متشظيّة و متشظيّة مكتملة دون أن تمنحنا يقين اكتمالها ولا يقين تشظّيها. بل تترك المتلقي بين هذا وذاك وتنحسر به إلى تخوم “المَوْحَيَاة” (الموت/الحياة) دون أن يستطيع الفكاك و النّجاة بنفسه من هوس التّأويل.
أمّا على صعيد الرّؤيا فإنّ سمير البيّاتي وهو يختار التّكعيبيّة يرسم قلقه الذّاتي المنتشر على قلق العراق والوطن العربيّ والعالم وقلقه الشّخصيّ المكتظّ بقلق الإنسان بين وجود وانتفاء وبين خيبة وإرجاء للخيبة ممتزجة بالأمل. هذه الذّات الممتلئة بالحياة (الأشكال و الألوان) تجد نفسها مصلوبة على الخواء والموت ( الشّخبطة)، هذه الذّات التي كانت واحدة و تقسّمت و هذا العراق الذي كان واحدا و تجزّأ و هذه الحياة التي كانت متّسعة للجميع و ضاقت بالجميع بل حتّى الموت الشّاسع ضاق على الكلّ بل حتّى على الموت.
إنّه وجع المغترب و هو ينوء بحملِ ثراه البعيد المعفّر بالدّم الحاضن للموت و الخراب.
غير أن الموت ما يلبث يتحوّل. فيطلّ من ركن أيسر من الأسفل نحو الأعلى بورتريه طفل بيده رغيف. هذا البورتريه يتموقع في البعد قبل الأخير للّوحة و كأنّه العين الشّاهدة على الخراب والموت … و كأنّه العين التوّاقة للإعمار و الحياة.
فإذا كان الطفل فينا هو أضعف فريسة وأوّل ضحيّة للإرهاب النفسيّ والمادّيّ فهو أيضا الحامل للنّبوءات.
فإذا انقلبت الرؤية و تغيّرت الألوان من الحياة إلى الموت فإنّ الرؤيا تنقلب والألوان تتغيّر من الموت إلى الحياة…
و هكذا يظل الفنّان وفيّا لدوره الأزلي وهو حمل النّبوءات و التّحليق من المنتهى إلى المبتدى ومن الجغرازمنيّة إلى التّحليق والخلود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*