“رثاءُ النثر” بقلم الكاتب اخليهن سيدي بوبكر من موريتانيا

كان احمد يدركُ أن تغذية الجسم لاتكفي فقط للاستمرار في الحياة لذلك ينزل كل ليلة بعد تناول العشاء إلى المكتبة التي تركها لو والده بعد أن أفنى حياته في تأليف معظم كتبها، ولكن الليلة كانت مختلفة لأن احمد كتب أول “رسالة نثرية في الرثاء” بعد أن ذكرته رائحة الكتب بعبيق عطر أبيه فذرَّ أنفاس الشوق في أرجاء المكتبة وأذاب المفردات كاتبا : عندما رحلت يا أبي بدونِ عودةٍ كان عزائيَ الوحيد في الغرام أن الحب بعدد النظرات لا بعدد السنين، لذلك نظرت إليك جيدا في لقائنا الأخير الذي أزحتَ فيه العمامة عن جبهتكَ العتيقة المحجلة بنور السجود فتتبعتُ آثار خطاك في طريق الكادحين ذات زمان غابرٍ من تاريخ دولتنا الثكلى بأمثالك من عظماء، فالعظماء عندما يرحلون ولو لحين، لا يملأ فراغهم سوى الذكريات..وذكريات العظماء وفية لهم لذلك ترحل معهم بكلِ موقفٍ و متاع، حتى تَبْـيَضَ أعيننا و يتلاشى الشعاعْ و نبقى منفصمين كالقطة السوداء بين القطط الشهباء، منبوذةٌ و ترمقها نظرةُ اللامبالاة، فترتدي السواد لتقيم حفل عزاءٍ في الذاكرة و لتعلن حداداً مؤقتا تنعى فيه الذكريات الراحلة كنوعٍ من الإيمان بالقدر..أيها العظيم أنا لازلتُ أملك نفس الأحلام التي حدثتك عنها ذات يوم فأجبتني: “يابني لكلِ مولودٍ قابلة، والليل هو قابلة الأحلام.” لم يَجِـنَّ الليلُ بعد ولازلتُ أنتظرُ الظلام …أتذكر يا أبي يوم قلت لي “بأن أحدنا عندما يصبح شاعرا يصيرُ نصف أمة”..لقد أصبحتُ كاتبا وصرتُ ربعها فقط ولكن كلماتي موسيقية جدا و أكثر غوايةً من كثيرِ شعرٍ متجافية قوافيه، ولأنكَ غالٍ جدا ولا تُقَدرُ بما تحتويه مناجم العالم من ذهب، لا زالتْ ذكراكَ تنتشرُ في أعماقي كما ينتشر الصينيون في العالم فأنتَ عريقٌ جدا كـ حضارة اليونان، بهيٌ جدا كاليومِ السادس من الأسبوع والشهر الأول من الشتاء، لقد كنت الربيع في موسم الأمطار و المطر في زمن الخريف و الخريف من فصول السنة و السنة النصفُ من كلِ عقدٍ و العقدُ الجميل من كل جيل و الجيل الذهبي من كل أمة والعربُ من بين الأمم لقد كنت الإقدام إذا ما حل بالقومِ خطبٌ، وكنت العزاء والبكاء إذا ما مات فينا حبٌ ولو أن الكلمات تكفي لوصف مايغمرني من اشتياق لأمطرتكم بوابلٍ من المفردات والبلاغة والأشياء ولكن…! لا ينفع الكلام عندما يرحلون و لا التباكي عندما يغيبون، فلنكتفي بدمعة على الخد الأيسر و نمسحها بسبابتنا لنبلل الورق و نرميه فريسة للرياح علَّ الأوراق تأتينا بـ بقبسٍ من ملامحِ أبي أو أجدَ على الحنين هُـدًى!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*