“فرحة مبتورة ” قصة قصيرة بقلم منى البريكي من تونس

بدات الشمس تتجه نحو المغيب و النهار يطلب الليل حين نزلت “اليزا” من سيارة الأجرة ووقفت على حافة طريق ترابي تنتظر مرور أحدهم لتستدل منه على بيت الشيخ صالح عمدة المنطقة الذي سيرافقها لتقابل أباها .
كانت الحمرة تتقهقر أمام انحدار الظلام فشعرت برهبة و ارتباك حين هبت ريح تلاعبت بفستانها المخملي الشفاف و كادت أن تسقط قبعة الخيزران التي وضعتها لتتقي لفح الهجير . فقد حدثتها والدتها قبل اشهر من مجيئهاعن بلاد والدها العربي الذي قابلته و هي لم تبلغ العشرين من عمرها في أحدى حانات باريس و عاشت معه لشهرين قبل أن يرحل فجأة قسرا و تنقطع أخباره رغم كل محاولاتها البحث عنه التي باءت بفشل ذريع بعد أن اكتشفت انها تحمل بذرة منه في أحشائها . لقد قالت إن شمس بلاده لا تخبو على امتداد العام و أن هواءها الجاف قد جعله اسمرا بلون سنابل القمح الذهبية المتناثرة بين أرجاء بيادرها و سهولها المعطاءة .
و لم تكن أمها ستتكلم عنه باستفاضة بعد أن لاذت بالصمت لأكثر من عقدين و لم تكن مصادفة أن تعطيها صورته التي احتفظت بها و لا عنوانه و لا دفترا خط عليه بقلمه ملاحظات بلغة فرنسية ركيكة لا تخلو من أخطاء و لم تكن ستطلب منها أن تسافر إليه و ستوصيها بالبحث عن جذورها لو لم يباغتها مرض عضال ألم بها فكانت المنية مآلها بعد أيام من كشف سر ناءت له روحها.
لقد شعرت “اليزا”بخيبة و حسرة و لاذ حزنها عليها بالفرار أمام شوقها و تطلعها لأخبار أب لم تره و لم تحتضنه و رغبتها في تعويض ما فاتها معه .فسافرت و الفرحة تغمر تخوم روحها التي تجرعت كؤوس الألم و هي ترى اترابها بصحبة آبائهم أيام الأعياد و عند أبواب المدارس و في الحدائق العمومية لتجتث عذابات طفولتها و تمسح دموعا ضمخت مخدتها ليال طوال . فتجاهلت المسافات و جاءت لتستكشف عمق جذورها و تستنشق عطر الياسمين المعتق و الزعتر البري بأرض أجدادها و تعانق الزياتين الشامخة و أشجار النخيل السامقة التي لطالما رأتها على أغلفة المجلات و جنح خيالها ليتراىء لها والدها في أبهى حلة كأحد سلاطين العرب القدامى الذين قرأت عنهم في كتب التاريخ فاتحا ذراعيه ليغمرها .

و لم تنتبه من شرودها إلا حين توقفت بجانبها سيارة صغيرة فاندفعت لتسأل سائقها بارتباك جلي و هي تمد له ورقة بيدها
– :”هل بإمكانك أن توصلني الى هذا العنوان من فضلك؟”
أجابها على الفور
-:”طبعا آنستي تفضلي فأنا ابن العمدة الذي تبحثين عنه و يبدو أنك غريبة عن منطقتنا و إلا كنت ستواصلين المشي لدقائق لتصلي الى بيتنا هناك على الربوة المقابلة.”
شعرت الفتاة بسعادة غامرة لما وجدته من ترحاب و كرم ضيافة سرعان ما خبت جذوتهاعندما خاطبها مضيفها قائلا
– :” يؤسفني ان أخبرك ان والدك قد توفي منذ سنتين تقريبا .لكنني سأصطحبك غدا صباحا الى البلدة أين يقيم إخوتك الثلاثة .”

لم تستطع “اليزا”انهاء كلامها عن أول يوم حطت فيه الرحال بهذا البيت السعيد لما قاطعتها نهى بسؤال مباغت :”و كيف أكملت مشوار حياتك هنا و أنت لم تلتقي بأبيك يا جدتي ؟”
ابتسمت الجدة و قالت :”لقد اصطحبني عمي العمدة الى بيت جدي بالقرية المجاورة أين التقيت إخوتي و أمهم التي ازورت عني بوجهها و هي كاد تميز من الغيظ ما إن سمعت بقصتي بعد أن استقبلتني مرحبة مبدية إعجابها بجمالي و بعيوني السوداوين اللتين زادتا وجهي إشراقا و التزمت صمت القبور و هي تغالب دمعا همى على وجنتيها .استشعرت خطرها منذ الوهلة الأولى فقد بدا لي كم كانت غيورة و الشرر يتطاير من عينيها كلما ابتسم لي أو اقترب مني أحد أولادها و كأنني جذام تخشى أن يصيبهم .فاستجمعت كل شجاعتي و أنا أتوجه إليها بالقول :”اعذريني يا سيدتي إن كنت اقتحمت حياتكم دون سابق إنذار فأنا مثلك لم أعلم بوجود والدي إلا قبل وفاة أمي بأيام و أعدك بالعودة الى بلدي في أقرب وقت فأنا لن أبقى هنا لاكثر من شهر .” و قبل أن تنبس المرأة ببنت شفة انبرى العمدة بالقول:”ستبقى إليزا ضيفة مبجلة ببيتي إلى أن يحين موعد سفرها و إذا اردتم زيارتها مرحبا بكم في كل آن. “
و عشت بهذا البيت جوا أسريا لم أذق طعمه في حياتي و نشأت بيني و بين جدكم الهادي أجمل علاقة حب فكنا نتبادل الرسائل بعد رحيلي و ذات يوم عدت من عملي منهكة فوجدت رسالة منه يخبرني فيها بأن والدته قد اختارت له عروسا لا يحبها و بأنه لم يعد يقوى على فراقي و من الغد شددت الرحال إلى تونس و كنت عروس الحفل البهيج الذي بقي من أجمل ذكريات الناس في قريتنا”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*