الدّيمقراطيّة ومبدأ الاحترام..! بقلم الكاتب فتحي جوعو من تونس نُشرت في صحيفة “الشعب” بتاريخ 2019/9/5

لم تر الدّيمقراطيّة كنظام حكم انتعاشة تامّة وتجسيدا خالصا لمفهومها عبر تاريخ البشريّة إلاّ في مدينة أثينا باليونان، فقد حافظ اليونانيّون على معناها الأصلي في ممارساتهم وفي معالجة شأنهم الدّاخليّ.

 ويعود الأصل الإغريقي لكلمة   Demos Kratos إلى معنى “سلطة الشّعب” أي ممارسة مواطني أثينا حقهم في تسيير شؤونهم ومناقشة القضايا الجوهريّة، اجتماعيّة كانت أو حربيّة أو اقتصاديّة أو سياسيّة على نحو دوريّ داخل جوّ من الحرّية يسوده مبدأ الاحترام. لكن هذه المطابقة التّامّة للمفهوم مع الممارسة لم تقدر المجتمعات اللاّحقة المحافظة عليها نظرا لتعقّد القضايا السّياسيّة وتكاثر السّكان وأيضا نظرا لسيادة النّظم الدّكتاتوريّة التي ألحقت بالدّيمقراطيّة انتكاسة تاريخيّة وضررا فادحا. ولم تجد الدّيمقراطيّة متنفّسا لها إلاّ بعد الثّورة الفرنسيّة وظهور الدّولة الحديثة التي أطاحت بالحكم الملكي وأسّست دعائم المجتمع الحديث على أسس مدنيّة وقوانين وضعيّة ونظام ديمقراطي، ولا يخفى أنّ أشكال الحكم الدّيمقراطي تختلف باختلاف النّظم السّياسية المتّبعة في هذا البلد أو ذاك فمن ديمقراطيّة مباشرة في أثينا قديما وديمقراطية شبه مباشرة في سويسرا الآن إلى النّظام الدّيمقراطي التّمثيلي أو النّيابي المطبّق في معظم دول العالم. لكن مهما كان النّظام الدّيمقراطي الّذي يسعى الإنسان إلى تطبيقه على سياسة البلاد والعباد وتدبير شؤونهم لابد من أن يقوم على مبدأ جوهري يمثّل العمود الفقري لكل ممارسة ديمقراطيّة، إن هذا المبدأ هو “مبدأ الاحترام” أو “حق الاحترام Droit de respect”. فهل من حضور فعلي وحقيقي لهذا الحقّ في مجتمع يدعو أنه ديمقراطيّ؟        لا شكّ أن سعي المجتمعات لإرساء دعائم الأسلوب الدّيمقراطي في سياسة الدّولة وتنظيم العلاقات المختلفة في صلب كيانها من العلاقات المركزيّة بين السّلط الثّلاث ثم علاقات المجتمع السّياسي بالمجتمع المدني وصولا إلى علاقات أفراد المجتمع الواحد في معاملاتهم اليوميّة تتحدّد كلّها بمنظومة من القوانين التي ينصّ عليها الدّستور والتي تحفظ في أصلها حقوق كلّ طرف وتضمن في نفس الوقت تعايشهم المشترك، لكن حسب رأينا لا يمكن لهذه المنظومة الاجتماعية أن تضمن لكيانها ضربا من السّلم الاجتماعي والتّعايش المشترك والتّمتّع بحقوقها كاملة رغم حتميّة الاختلاف وتعدّد المواقف وتعارض الآراء الّذي يمثّل طبيعة المجتمع الدّيمقراطي، ولا يمكن لدسترة قوانينها أن تحضي بموافقة الأغلبيّة وسيادتها على الجميع إلاّ إذا تُوّج كلّ ذلك بحقّ جوهريّ ومحوريّ لا بدّ من أن يتمتّع  به كلّ أفراد المجتمع دون استثناء  وهو “حقّ الاحترام”. ولمفهوم الاحترام كلمات مشابهة مثل التّقدير والاعتبار وكلمات مضادّة مثل الازدراء والاستهتار والاحتقار…إلخ. وهو في أصله حقّ وواجب وفي دلالته إيلاء مساحة من العناية والاهتمام بشخص ما أو بشيء ما أو برأي ما أو موقف…إلخ لذلك يُبوّب ضمن القيم الأخلاقيّة ويعمّق العلاقات الإنسانيّة بين الأفراد والعلاقات الدّوليّة بين الدّول ولا شكّ أن هذه القيمة تُعدّ من المرتكزات الأخلاقية الأساسيّة للدّيمقراطية في مجتمع ما بما هي مبدأ يرسى دعائم العيش المشترك ويعمّق خصال العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسّسات الدّولة وبين جميع أطراف المجتمع المدني وخاصة بما هي سلوك يظهر بجلاء في مظاهر الحياة اليوميّة فالدّيمقراطيّة قبل أن تكون شعارا هي سلوك متبادل يقوم على احترام الآخر في ممارسة حريّاته  والتّعبير عن فكره وقناعاته واختيار انتمائه الحزبي والدّيني صراحة دون كتمان أو خوف أو حرج مع الوعي بقبول الآخر واحترام اختلافه في الفكر والانتماء والمعتقد إلخ إذ في تقدير الاختلاف وقبول الآخر بل والسعي إلى التفاعل معه تنهض الشّعوب وتُرسي دعائم الديمقراطيّة بما هي شرط ورهان التّعايش السّلمي والرقيّ الحضاري.    فالديمقراطيّة إذا بعيدا عن “دمغجة السياسيين” و”ثرثرة المثرثرين” هي بكل بساطة سلوك يقوم على مبدإ أخلاقي وهو مبدأ الاحترام كحقّ وواجب ويظهر في حياتنا اليوميّة قبل أن يمتطي “منابر الحوار” و”خطب الخطباء”! في واجب السّماع لرأي الآخر والتفاعل معه إيجابيّا واحترام الأولية وإشارات المرور وتقدير من هو أكبرنا سنّا وأعمق مناّ معرفة وأسبق منا استحقاقا…وخاصّة احترام قوانين الدّولة ونواميس المجتمع لا بدافع الضّرورة بل بدافع الواجب الذي اختاره الجميع دون استثناء. ويظهر أيضا في احترام المواعيد وإيلاء أهميّة لمفهوم الزّمن وكيفيّة استغلاله إلخ. يبدو السّلوك اليومي الذي يربط علاقات أفراد المجتمع الواحد والمجسّد لحق الاحترام والتقدير والاهتمام رغم كوننا قد لا نوليه أهميّة تُذكر يعبّر بحقّ عن عقليّة مجتمع تغذّت من منابع المناخ الدّيمقراطي وراهنت على الكيان الإنسانيّ وأسّست عمودها الفقري على مبادئ أخلاقيّة قلبا وقالبا. إن مجتمعا ديمقراطيّا بحقّ هو المجتمع الّذي يحترم الإنسان في ذاته ويحترم حقوقه ويحافظ عليها ويهيّئ لها المناخ المناسب لتحقيقها، إن الدّولة الدّيمقراطيّة هي التي تراهن على الإنسان كقيمة قصوى وتجتهد لإحياء ما هو إنسانيّ فيه بتحقيق المعادلة الصّعبة بين تشريع القانون وتفعيل القانون، بين تحقيق النّجاعة وتتويجها بالقيم، إن النّظام الديمقراطي المبنّي على أسس أخلاقيّة هو القادر على إرساء دعائم التوازن بين المصلة الفرديّة والمصلحة العامة، بين المجتمع السّياسي والمجتمع المدني، بين الأحزاب الحاكمة والأحزاب المعارضة، بين خطاب السّلطة وسلطة الخطاب… بين كلّ مكوّنات المجتمع البشري في مناخ يسوده مبدأ الاحترام. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*