التّعليم بين التّقنية المنهجيّة والقيمة المعرفيّة.. بقلم الكاتب فتحي جوعو من تونس.

لا أحد ينكر أنّ ممارسة العمليّة التّعلُّميّة تتطلّب أولا تدرّبا على هذه الممارسة نظرا لكونها تُعدّ نشاطا ميدانيّا لا يمكن إتقانه بمجرّد قراءة كتب مختصّة، ثم ثانيا الخبرة في التّعامل مع المعلومة موضوع الدّرس و المهارة في إنجاح العلاقة التفاعلية المنتجة مع المتعلّم. لذلك تختلف هذه “المهنة” عن كلّ الوظائف الأخرى، فإن كانت الوظائف الإداريّة مثلا رغم طول الجلوس على كرسيّ المكتب تعدّ من الوظائف المُريحة جسديّا والهادئة فكريّا على اعتبار أن التّعامل في هذا المجال يكون إما مع الدفاتر والأوراق أو مع الحاسوب الّذي يسَّر كثيرا تنظيم العمل بالإضافة إلى ذلك أن التّعامل مع البشر غير مكثّف وفردي بمعنى أن الموظّف له علاقة بشخص واحد على التّوالي، فإن مهنة التّعليم تبقى دوما شاقّة من نواح عدّة، فهناك أولا مشقّة المعرفة مهما كان مجالها فصحيح أن المكلّف بمهمّة التّعليم يكون قد قضّى سنوات على مقاعد الدّراسة للتّحصيل المعرفيّ والتّكوين الجامعيّ والعلميّ.
لكنّ هل أن هذا المدّخر المعرفي كاف لوحده لإنشاء درس وبناء حصّة علميّة مع تلامذته؟ أليس عليه دوما أن يُعيد صهر معارفه وهضمها والتعمّق في فهما ثم توظيفها لخدمة الدّرس وتحقيق الهدف المنشود من كل ذلك؟
لا يخفى على من يمارس التّعليم كم هي شاقة عملية إعادة الصّهر والتّوظيف المعرفي وتبليغها إلى أذهانٍ ما تزال في بدايات التّكوين. لذلك وفي هذا المستوى الأوّل تشترط العمليّة التعلّميّة مهارة فكريّة منهجيّة وممارسة يوميّة وتقنيات بيداغوجيّة يتمكّن منها المعلّم عبر تجاربه الميدانيّة واحتكاكه الدّائم مع التّلاميذ، وهي مهارات وتقنيّات ليست ثابتة بل ديناميّة متحرّكة مع حركة المعارف والمسائل المعالجة وأيضا مع حركة الفكر وأصحابه من التّلاميذ، ولعلّ أسّ المشقّة يبدو في الثّبات النسبيّ للهدف المنشود وتنوع الفضاء المعرفيّ بتنوّع المتعلّمين ومدى قدرتهم على التّفاعل مع المعلّم لإنجاز الهدف، لذلك عادة ما لا نجد نجاعة تُذكر لدرس نمطيّ يتكرّر على الدّوام دون الأخذ بعين الاعتبار نوعيّة متلقّي المعرفة ووضعهم المادّي وحالتهم النّفسيّة واستعدادهم الفكري…إلخ فالتصرّف في المادّة المعرفيّة وتقريبها من مستويات عقول المتعلّمين وتوظيفها للغايات التّكوينيّة المنشودة يجسّد في الواقع مدى مهـَنيّة المعلّم وخبرته ويعكس أيضا مدى مهارته في اختيار لحظة اللّقاح المعرفي وساعات التّواصل الفكري ومتعة اليقظة العقليّة وعيشها بكل اختلاجاتها وتلوّن معاناتها.
ثمّ ثانيا إنّ الصّعوبة التي تعترض رجل التّعليم سواء رسخت قدماه في هذا الميدان أو كان حديثَ العهد بالتّدريس تبرز في هذا السّؤال اليوميّ الّذي لا يفارق المدرّس كلّما همّ بدخول قاعة التّدريس وهو كيف يمكن له شدّ انتباه التّلاميذ وتوجيه اهتمامهم إلى تحصيل المعرفة ومجادلتها ومحاورتها وطرحها على طاولة النّقاش في مناخ تغلب عليه روح المنافسة والتّسامح الفكري والاحترام المتبادل حتى يجني الحاضرون من منابع العرفان ويكتسبوا من أستاذهم آليات المنهج ومهارات الفكر النّقدي؟ تبدو هذه الصّعوبة حاضرة حضورا دائما نظرا لما هو سائد اليوم من مظاهر الاستهتار بالدّرس وبالمعرفة وبالمعلّم ونظرا لما يعيشه هذا الجيل من نقص فادح في النّضج الفكري ومن عدم رغبة في تحصيل المعرفة طالما أنّه ما يزال يتعشّشُ في ذهنه وفي محيطه وَهْم العلاقة بين التّعليم ومشروع المستقبل الوظيفي أو المهني! لذلك يبدو السّؤال التّالي ملحّا وهو: ما شروط إنجاح هذا المناخ التّعليمي المعرفي والتّكويني رغم توفّر القَدر الأدنى من الوسائل التّقنيّة ومن المهارة المهَنيّة؟ ما سبب فشل الطّرق التّعليميّة الرّاهنة رغم المجهودات المبذولة من جميع الأطراف؟

       لا أحد ينكر أن رجل التّعليم يبذل ما في وسعه لإنجاح درسه وتحقيق أهدافه كما أن لا أحد ينكر أن تواجد التّلاميذ في القسم هو ضرورة وجود من أجل تحصيل المعرفة واستيعاب العلوم، لكن نعتقد أن مجرّد حضور طرفي العلاقة المعرفيّة “أستاذ، معلم – تلميذ” لا يحقّق النّجاح المرجوّ إن لم تتوفّر له ظروف وشروط معينة تتكاتف كلّها لتحقيق “قيمة المعرفة لتأسيس الكيان” أو تجسيد “المعرفة كقيمة مطلقة” تُطلب لذاتها قبل أن تستحيل إلى صناعة أو “مشروع عمل”! فما نلاحظه اليوم على السّاحة التّعليميّة وعند جلّ أطرافها غياب شبه كلّي “لمحبّة المعرفة” والرّغبة التّلقائيّة في إدراك العلوم واستيعابها بشغف! لقد رسَّخت السّياسات التّعليميّة المتتالية في ذهنيّة المجتمع أن المهمّ ليس إرساء الكيان المعرفي للإنسان وتكوينه علميّا ومعرفيّا بل غرست فيه التّلهّف في الحصول على المكافآت الماديّة العاجلة من علامات وأعداد وشهادات علميّة دون محتوى معرفيّ حقيقيّ يعكسها. وفي الحقيقة إن هذه المفارقة بما فيها من خطورة على الفرد وعلى المجتمع لا تفضح نفسها في المجال التّعليمي فحسب بل هي حاضرة في جميع المجالات لأنها تعكس عقليّة العصر الماديّ والأداتيّ والمصلحيّ الّذي طغت عليه الوسائل الوسطى لبلوغ أهداف قريبة وعاجلة وسهلة المنال دون الاهتمام بالغيات القصوى والقيميّة! وإنّنا لا نبالغ حين نقرّ صراحة أن الممارسة التّعليميّة في مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا لا يمكن لها أن تُنتج ثمارا ناضجة مستعدّة للدّخول في معترك الحياة المهنيّة والاجتماعيّة والسّياسيّة وغيرها دون أن تغرس في قلوب وأذهان الأجيال الرّغبة في المعرفة وطلبها لا كوسيلة بل كغاية وكقيمة بها يحقّق الإنسان إنسانيته ويؤسس كيانه وبها أيضا يموضع ذاته في الوجود ويحافظ على مكانته في المجتمع ويُحظى بالاحترام.

          إنّ سيادة الرّغبة الذّاتيّة في المعرفة وشغف طلب العلوم واستيعابها بتوظيف مهاراتنا وتقنيّاتنا التّعليميّة لدى الجميع، وإنّ تأطيرنا لهذه الأجيال الصّاعدة نفسيّا واجتماعيّا وأخلاقيّا وبيداغوجيّا، وإرساء دعائم القيم الإنسانيّة الكونيّة في هذه الأجيال، تُحقّق لنا كثيرا من المكاسب دون عناء أهمّها، النّماء الفكري وحريته والرّقيّ الاجتماعيّ وتحظره والنمو الاقتصادي وتطوره ثم الارتقاء بالخطاب السياسي وكل خطاب إلى مستوى تحقيق مبدأ الإحترام لضمان ديمقراطية النظام واستقراره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*