“مقتطفٌ” بقلم الكاتب اخليهن سيدي بوبكر من موريتانيا

من على شرفة الباص الجامعي كنت أطلُ بـ مقلتي القابعتين وسط وجهي المدور على شوارع انواكشوط التي تغرق في الفوضى المنتشرة في كل مكان كـ غابةٍ بلا قانون!
لم يلفتُ انتباهي أصوات محلات الرصيد التي تدوي في كل مكان، ولا تجمع المتسولين بين السيارات يَخْطون بينها كرغيفٍ معجون طحنته الحياة حتى صار سائلا بين خيبات الوجع، كما لم يلفت انتباهي أيضا ملامح الشرطي الشاحبة وهو يمسح ببذلته الثمينة قطرات عرقٍ تعوضُ بثمنٍ بخسٍ نهاية كل شهر، ولكن ما لفت انتباهي حقا هو ذلك الكتاب الذي كانت تحتضنه تلك الطالبة المتنقبة التي تزعجني بنظراتها عندما أتنهد في كل مرةٍ يوقظني فيها صوت فيروز الملائكي وهي تقول “أعطني الناي و غني” وكيف يا فيروز أغني بحضرة الخمار، لست من رواد المجون ولكن مارأيت قط أنثى تسبي العقول ولا تترائى منها سوى عينيها فقط…أسرتني بعينيها ولا أدري أي سلاحٍ كانت تتأبطْ، كانت تلبس الرداء والعباءة فيما كنت أرتدي قميصا أبيضًا مُرَقطْ، لم تكن سمينةً جدا، ولا نحيفة من بين زميلاتها بل كانت هي الأوسطْ فيما كنت أنظر إليها كجثةٍ هامدة أوشكت أن تتحنطْ، تجلس بكل كبرياء لتتركني من فرط الهيام أتجلطْ!…كنت أشفقُ على الكتب لأنها دائما مرمية في الأماكن الغير مهمة ولكنني اليوم لم أشفق على ذلك الكتاب، بل كنت أحسده تمام الحسد، لأن غلافه كان يعانق أفخم مكتبة في تاريخ البشرية مكتبة “المتنقبة” ليس للإيراد ولا للتصدير بل لإحتضان الكتب، كان بودي لو صرخت للحظة لأنها احتضنت قلبي بين صفحات ذلك الكتاب الذي يربت على صدرها بكل خشوع يعانق أزرار العبائة السوداء ذات الأكمام القصيرة التي تحيط بخصرها الذي وجب السكوت عنه حقناً لما تبقى من دماء مشاعري…بلغنا صيدلية “باريس” الواقعة وسط حي “تفرغ زينة” هناك ترجلت، فترجل معها قلبي بكل ما أوتي من ألويةٍ بيض فالجنود عندما يستسلمون يلقون أسلحتهم و يرفعون أيديهم، أما أنا فعندما استسلمتُ ألقيتُ قلبي و رفعتُ حاجبي!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*