حين يولدُ الابداعُ من أصابعِ فنانٍ تشكيلي بقلم الشاعرة فاتن عبد السلام بلان من سوريا

أصلان معمو فنان تشكيلي مبدع ، ولد في سوريا (حلب ، عفرين ) عام ١٩٧٨م ، درس الفن دراسة حرة ذاتية .
أصلان معمو فنان بموهبة كبيرة ، منذ نعومة أظفاره وهو يطوّع موهبة الرسم ويشذّبها ، ويتعلّم تقنية اللون وخفاياه واشتقاقه ، وابراز فكرة الموضوع تحت الضوء وفي الظل .

عاش أصلان معمو في عفرين طفلاً كباقي الأطفال ، يعشق اللعب ، والتنقّل من وادٍ إلى سهل إلى غابة ، واللهو بالأراجيح المنصوبة على جذوع الأشجار ، ولكنه امتاز عنهم بعينه الصيّادة التي تلتقط الجمال من كل مكان وترسمه بأصابع طفل موهوب ، الكثير من المناظر الطبيعية خُزّنت في الذاكرة ، حتى حان موعد الإبداع في برمجة وإعادة هيكلة المناظر ورسمها بجودة عالية.
وبما أن منطقة عفرين في حلب تكتظ بالأشجار والوديان والسهول والجبال وغزارة المياه ، فإنّ الطبيعة ساحرة جدًا ، حيث ألهمتهُ بل نادته لإكتشاف ألوانها وأسرارها ، وتحفيز مخياله الخصب على رسمها بزيادات قد ابتكرها في تقنيات الألوان والأبعاد والزوايا ورؤاه المتجدّدة .

إن الموهبة وُلدت مع أصلان معمو ، لذا فقد لاقى تشجيعًا كبيرًا من أستاذه في المرحلة الإعدادية ، وبما أن مستقبله أصبح جليًّا أمامه ، اهتمَّ بدراسة فن الرسم وابداعات الفنانين محليًّا وعالميًا ، وبدأ مشواره الفني بإعادة لرسم لوحات عالمية مقابل أجور زهيدة ، وتعامل مع هذه اللوحات بمصداقية وأمانة فلم يذيّل اسمه أبدًا في أسفل لوحاته .

عاش أصلان معمو بداياته الأولى في فن الرسم ، حيث عارضه الجميع من أهل وأقارب ومعارف ، إلا أمّه المشجّعة الوحيدة له ، تقف خلفه دائمًا وتدفعه إلى الأمام بكل ثقة وإصرار ، اعتراض الأهل والأقارب لانَ وتبدّل إلى قبول وسعادة بعد مشاركته بمعرض بيروت عام ٢٠٠٠م ، بحيث أثبتَ نفسه ، وتوالدت بل تكاثرت موهبته بالإبداع ، لذا بات محط إعجاب واهتمام من الجميع .

اختار فن الرسم مع علمه ويقينه ، أن البعض لا يعير الفن أي اهتمام وحب ، وكان يعلم أن طريق الفن شائك وشاق ، سيما أن الرسم سيكون لاحقًا مورد رزقه ومعيشته ، ومع كل هذا وذاك ، قرّر احتراف الفن والتفرّغ التام له ، لإيمانه بضرورة التحليق بأجنحة اللون ، وادخال البهجة إلى القلوب ، وملامسة الأحاسيس والأرواح ، ففن الرسم ناهيك أنه موهبة ، فهو رسالة إنسانية لا يُستهان بها ، على الفنان الرسّام أن يكون ذكيًا ، بأن يخلق فكرة ما ويجسّدها في لوحته ، كي تُصبح مفتاحًا للعين ثم القلب ثم الروح ، وهذا هو السر في ريشة أصلان معمو .

لوحاته تتنوّع بين شخْصنة الطبيعة العامة ، وأنْسنة الأفكار الشخصية والآلام ، في حين أن الألوان الزاهية مُشبعة بالضوء في موضوع الطبيعة ، جاءت الألوان مُشبعة بالألغاز والأسرار في لوحاته الشخصية ( أي أفكاره ) ، وأقصد هنا أن ذكاء وفراسة أصلان معمو تستقطب اهتمام وأنظار الناظر إلى موضوع اللوحة ، وكل ما عداه ظلال ورتوش مكمّلة ، كأن نقول مظاهرة حامية الوطيس في حارة ، أولوية التركيز تكون على المظاهرة لا على الحارة ، العنوان والموضوع والرتوش يكمّلون بعضهم في لوحات أصلان .

في بعض لوحاته تظهر لنا الطبيعة الجلية ، وموهبته أيام الطفولة في رعي الأغنام ، وكأن اللوحة مقصوصة من الذاكرة ، كما تظهر وجوه في لوحات أُخَر ، مازج وزاوج واشتق الألوان فيها ، لتظهر بتعابير تستنطق من فمك كيف ولماذا ؟ وتهيّض لديك الشعور الذي يتحد بالمشاعر داخل اللوحة ، وهذا الصنيع على قدرة عالية من الاقناع ، لا يتقنه إلا القلّة من الرسّامين المبدعين .
هنا أستطيع القول : أن هذا النوع من اللوحات يُطلق عليه (التمثيلي) ، فاللوحة تُظهر لك الأشياء واضحة ومحدّدة وتستطيع أن تميّزها لبساطتها ومصداقيتها مع الأشياء حولك ، فعليه ستبدو بدقة الفوتوغرافيا .
في الجانب الآخر ، تظهر العديد من لوحات أصلان معمو بأسلوب تجريدي تعبيري ، وهذا النوع من الفن يختص بأبعاد الرسّام ، حين يأخذ موضوعًا حيًا من الواقع ، ويرسمه كما يريد ، بإضافة الألوان المتداخلة والتعرجات والتماوجات ، أي أن الفكرة من وراء اللوحة مبطّنة لكنها جاذبة ، وكل ناظر إليها سيشرّحها كما يريد ، العديد من لوحاته ، تُظهر لنا الموضوع بتركيز عالٍ من خلال اللون والأضاءة والحركة ، “لكيلا يشعّب أفكار الناظر ” ، يركّز على الموضوع في دائرة الضوء أو الظل واختيار اللون الواضح وكل ماحوله يكمّل اللوحة ، اي تجريدي بهدف تعبيري واحد ، وقد استخدم أصلان في العديد من لوحاته التجريديه ألوان محدّدة ، الموضوع له اللون البارز جدًا والإضاءة المعينة ، وما خلفه ألوان تُشعرك بحالة ومزاج الفكرة ، كأنها رسالة منه تقول : عليك بالأهم لا بالمهم .
كلمة تراجيديا (دراما) تُعنى بالمسرح والتمثيل ، أي حدث حزين أو مأساة انسانية ، تتبلّور لينقلها الممثل إلى المشاهد .
في فن الرسم ساتجاوز فكرة أن التراجيديا درامية ، وأقول أن الرسّام يستطيع ابتكار لوحة بأسلوب تراجيدي تجريدي ، أي تحديد موضوع حزين أو مأساوي أو بيئي ، والاشتغال عليه بتقنية التجريدي التعبيري ، وهذا ما قد أبتكره فعليًا أصلان معمو ، أفكاره المتزاحمة ، تخيلاته الشاحبة ، ظروفه المفاجئة ، حالات من الوعي واللاوعي الشريدة ، الشعور بالضياع والغربة واللاشيء ، جعلته خبيرًا في مزاوجة الفكرة التراجيدية بالأسلوب التجريدي ، وهذا ليس بالسهل ، في العديد من لوحاته التي دقّقتُ النظر في ملامحها ، كان الموضوع يدور حول الشجرة وأغصانها (الشجرة ملهمة له) ، وفي كل لوحة كان الاختلاف واضحًا مع نقطة اودّ توضيحها أن الجذور دائمًا تعني أن الشجرة ابنة الأرض ، يعني (الإنسان) ، وذلك يظهر في ارتباطها الدائم بالأرض وفي أغلب لوحاته التجريدية ، وبمنطقهِ أن التراب خلق كل المجسمات من جوفه إلى خارجه , وهذا يدل أن أصلان كان يرسم همّ الإنسان وطباعه وظروفه وبيئته وأحلامه ولينه وجحوده وتطلعاته.
في لوحاته تلك ، تظهر الشجرة أنثى مسكونة بالخيال والتعب والحزن ، وفي أخرى رجلاً متسلّطًا ودكتاتوريًّا ، وفي أخرى محاربًا ظالمًا ، وفي أخرى أنثى محاصرة بقوانين المجتمع والعرف والعادات والتقاليد ، كما يصوّر لنا أصلان في بعض لوحاته أن الشجرة عقل بصورة إنسان ، ينحني ويضعف أمام الوساوس والشكوك التي عبّر عنها بعصافير سوداء تهاجمه .
الجدير بالذكر ، أنه رسم الكثير من الأفكار القلقة وعبّر عنها بأسلوب جميل ، حالات يمر بها المرء من انكسار وتعب واحباط وتيه ورجاء ، وهذا إن دلّ يدل على أن أصلان يندمح بما حوله ، بل ويذوب عميقًا في لبّ الواقع ، ينقله من تفكيره الى ريشته ، ويترجمه برؤيته ومنطقه النافذ إلينا .
بعض شخوص لوحاته تتطلع إلى السماء كمن يطالب بالتحرر والخلاص من حياة تأكل أبناءها ، وحرب تبيد المكان والزمان والإنسان ، ولكن مهما علت أمانيها وطموحاتها تبقى مقيّدة بالطقوس والأحكام والسجون .

كان للأسلوب الفلسفي حصة في بعض لوحاته ، المتبحّر في أعماقها، سيجد أن الإنسان ينقسم إلى عقل وروح ونفس ، وعالج كل كل منها بطريقته الخاصة ، فأصلان نجح جدًا في اختزال الأفكار وتكثيفها باللون والحالة التي يمر بها الإنسان .

من خلال قراءة عميقة للوحات أصلان معمو ، 
استخدم وحدة اللون في الموضوع لكيلا يشتت بها فكر الناظر ، كذلك استخدامه للونين في اللوحة ناجح جدا ، الظل بلون مكثّف للموضوع والضوء الشاحب خارج الموضوع ،
هذا يدل على تناوله لحدث واقعي خفي كالظل في مجتمع ظاهر كالضوء .
في لوحاته التجريدية ، رسم بالحبر والرصاص ليعبّر عن واقع مأزوم متقزّم ومجرّد تمامًا من الأمل ، ورسم بالألوان الزيتية ، كالأحمر المتشعّب ، دلالة على المزاجية المتخبّطة والمشوّشة والحروب والدماء وما يلاقيه ابن التراب ، والأزرق وهذي آلية التطور للمرء ، من مشروع بشري إلى انساني إلى روح شفيفة ، واستخدم اللون الأبيض ترميزًا بأن الحرية تبقى واضحة رغم العتمة ، والأخضر لون الأمل والتفاؤل والتجدّد والحياة والتوريق رغم ما تعانيه الإنسانية من قحط في المشاعر ويباس في النفوس ، وهكذا دواليك بالنسبة لبقية الألوان .
الشرح يطول عن لوحات أصلان معمو ، لأن لكل لوحة موضوع وخاصية وحكاية ، وفي نهاية موضوعي ستجدون بعضًا من لوحات أصلان معمو الإبداعية .

بقى القول أن الفنان التشكيلي المبدع حاليًا متفرّغ لمرسمه ولطلابه ، وبين فترة وأخرى يبهرُ عشّاق الرسم والفن بلوحات لها خصوصيتها المتفرّدة عن غيرها والتي يصعُب تقليدها .

في النهاية بقي أن أقول :
أصلان معمو الآن عضو اتحاد الفنانين التشكيلين حلب / سوريا .

مشاركاته في المعارض الجماعية :
معرض جماعي في بيروت ( المركز الثقافي الروسي ) عام 2000م . 
ـ معرض جماعي في بيروت ( قصر الأونيسكو ) عام 2001م .
ـ معرض في صالة الخانجي بعنوان ( فنانون من حلب ) عام 2002م .
ـ مهرجان خان الحرير بحلب عام 2004م.
ـ المعرض السنوي لمتحف طه الطه في الرقة عام 2004م.
ـ معرض في المركز الثقافي بجنديرس عام 2004م.
ـ معرض ربيع حلب عام 2009م .
ـ معرض الربيع السنوي بدمشق / نيسان 2009م و 2010م
ـ معرض ربيع حلب / 2001م.

* أما المعارض الفردية :

ـ صالة سرمد بحلب بعنوان ( التلاشي والتلاقي ) أيلول 2005م.
ـ صالة الخانجي بحلب / شباط 2007م.
ـ صالة الأسد مقر اتحاد الفنانين التشكيليين بحلب / كانون الأول 2008م / 2009م.
ـ أول معرض في مدينة عفرين بعنوان ( ألوان من عفرين ) ، أقيم في المركز الثقافي ، في شهر حزيران 2011م ـ كان المعرض تحت إشرافه الشخصي ، وجميع اللوحات المعروضة فيه كانت من عمل الطلبة الذي يتلمذهم أصلان معمو على يديه .

هذا وقد تم منح أصلان معمو الكثير من شهادات الشكر والتقدير على إنجازاته ، ومن جهات عامة وخاصة داخل سوريا وخارجها .

الفنان التشكيلي المبدع أصلان معمو ، كنت ضيفي وكذلك بناتك اللوحات ، شكرًا لأننا نتشابه في هذا الفكر من الفن ، شكرًا لأنك صديقي ..
أصدق الأمنيات بالنجاح والتألق ، لك تحياتي وكل السلام .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*