الأَنْتَـرْنَتْ وَفَـسْـخُ اُلصِّــفَةِ كتاب من تَأْلِيفُ لطـفـي خـير الله من تونس.

الأَنْتَـرْنَتْ وَ فَـسْـخُ اُلصِّــفَةِ  
تَأْلِيفُ لطـفـي خـير الله  


الأَنْتَـرْنَتْ وَفَـسْـخُ اُلصِّــفَةِ

تَأْلِيفُ

لطـفـي خـير الله

©تونس، رمضان 1439–  جوان 2018

بِسْـمِ الله الـرَّحْمَنِ اُلـرَّحِيمِ

“إذا جَرَى اُلْمَا في اُلْحُيُوطْ وَسَرَى الضَّوْ في اُلْخُيُوطْ هَذِيكِي كَمَالِتْ الشُّرُوطْ” أُمِّي شَلْبِيَّة اُلْجَدَّةُ رحمها الله.

الإِهْدَاءُ إِلَى وَالِدَتِي

مُقَدِّمَةٌ

   إِنَّهُ عِنْدِي لَمْ يُبْدِعِ الإِنْسَانُ شَيْئًا أَضَرَّ عَلَيْهِ وَعَلَى اُلْوُجُودِ مِنَ الانْتَرْنَتْ”*. وَذَلِكَ لَيْسَ فَحَسْبُ لِسَيِّئَاتِهَا اُلْمَعْلُومَةِ لِلْعَامَّةِ كَإِشَاعَتِهَا اُلْفَاحِشَةَ وَاُلْقُبْحَ وَاُلْغُلُوَّ وَاُلْقَسْوَةَ، بَلْ لِمَعْنَى آخَرَ دَقِيقٍ مَنْ يَتَبَيَنّْهُ يَقْضِ أَنَّهَا قَطْعًا هِيَ فَاتِكَةٌ بِالإِنْسَانِيَّةِ وَمُبِيرَةٌ لَهَا كَمَا لَمْ تَكُنْ لِتَفْعَلَهُ لَوْ جُمِعَتْ كُلُّ أَسْلِحَةِ العَالَمِ. وَمَعْنَايَ أَنَّهَا سَائِقَةٌ حَتْمًا إِلَى فَسْخِ الصِّفَةِ.

 أ) حَقِيقَةُ اُلصِّفَةِ وَشُرُوطُهَا وَفِي نَشْأَتَيِ الإِنْسَانِ

   فَاُلصِّفَةُ هِيَ مَا يَكُونُ بِهِ اُلشَّيْءُ ذَا هَيْئَةٍ وَشَكْلٍ وَخُطُوطٍ. وَاُلْهَيْئَةُ لاَ تَكُونُ صِفَةً إِلاَّ إِذَا كَانَتْ عَلَى قَدْرٍ مِنَ الثَّبَاتِ وَالدَّوَامِ : فَمَثَلاً نَقْشُ اُلْمَاءِ لاَ يَجْعَلُهُ كِتَابًا لأَنَّ اُلْمَنْقُوشَ لاَ يَبْقَى، أَمَّا اُلْمَرْقُومُ فِي رَقٍّ بِاُلْمِدَادِ فَلِبَقَائِهِ اتَّصَفَ الرَقُّ بِاُلْكِتَابِ. وَاُلشَّيْءُ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ الصِّفَةِ إِبْهَامٌ وَلاَ تَعَيُّنٌ وَشَبِيهٌ بِاُلْعَدَمِ. لِذَلِكَ فَهْوَ إِنَّمَا يَكُونُ ظَاهِرًا مُشْرِقًا مُتَحَقِّقًا، مَا صَحَّتْ صِفَتُهُ وَكَانَتْ قَاهِرَةً قَوِيَّةً. وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْءَ لاَ يَكُونُ لَهُ اتِّصَافٌ إِلاَّ بِشُرُوطٍ، بَعْضُهَا فِي اُلصِّفَةِ وَبَعْضُهَا فِي تَحْصِيلِ اُلصِّفَةِ : فَأَمَّا الَّتِي فِي الصِّفَةِ، فَبِأَنْ يَكُونَ مِثَالُهَا وَاحِدًا لاَ تَخْتَلِطُ بِهِ أَمْثِلَةٌ أُخْرَى مُعَانِدَةٌ، كَمَنْ يَرُومُ صُنْعَ كُرْسِيٍّ، إِذْ لاَ بُدَّ أَنْ يُعَوِّلَ

ـــــــــ

* [“الانْتَرْنَتْ” : آلَةٌ مُعَرَّبَةُ الاسْمِ، وَلاَ بَأسَ بِمَنْ نَقَلَهَا إِلَى اُلْعَرَبِيَّةِ  ب”الشَّبَكَةِ اُلْعَنْكَبُوتِيَّةِ.”]

عَلَى اُنْمُوذَجٍ وَاحِدٍ لاَ عَلَى نَمَاذِجَ كَثِيرَةٍ مَعًا مُتَعَانِدَةٍ. أَمَّا الَّتِي فِي تَحْصِيلِ الصِّفَةِ، فَبِأَنْ يَكُونَ اُلتَّحْصِيلُ عَلَى جِهَةِ اُلْمُثَابَرَةِ وَاُلْمُوَاصَلَةِ، إِذْ مَنْ رَامَ أَنْ يُوصَفَ بِالسَبَّاحِ فَلاَبُدَّ مِنْ أَنْ يُوَاظِبَ عَلَى تَعَلُّمِ اُلسِّبَاحَةِ. وَقَدْ قُلْنَا إِنَّ الشَّيْءَ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ اُلصِّفَةِ إِبْهَامٌ وَلاَ تَعَيُّنٌ. إِذًا، فَاُلأَشْيَاءُ إِنَّمَا بِمَا لَهَا مِنْ صِفَاتٍ هِيَ كَثِيرَةٌ مُتَمَايِزَةٌ. أَمَّا مِنْ جِهَةِ شَيْئِيَّتِهَا اُلْمُشْتَرَكَةِ فَهْيَ وَاحِدَةٌ، وَوِحْدَتُهَا لَيْسَتْ وِحْدَةَ حَقِيقَةٍ، بَلْ وِحْدَةُ عَدَمٍ. ثُمَّ إِنَّ الإِنْسَانَ حِينَمَا يُولَدُ يَكُونُ مَوْضُوعًا طَبِيعِيًّا مَحْضًا، أَيْ لاَ تَكُونُ لَهُ مِنْ صِفَةٍ إِلاَّ الصِّفَاتُ الطَّبِيعِيَّةُ، وَوِلاَدَتُهُ إِنَّمَا هِيَ انْتِقَالٌ مِنْ مَكَانٍ طَبِيعِيٍّ صِرْفٍ إِلَى مَكَانٍ لَيْسَ بِطَبِيعِيٍّ صِرْفٍ، بَلْ مَكَانٍ هُوَ مَكْسُوٌّ أَيْضًا بِصِفَاتٍ زَائِدَةٍ عَلَى الطَّبِيعَةِ أَوْ مُكْتَسَبَةٍ، مِمَّا يُطْلَقُ عَلَيْهَا اليَوْمَ اِسْمُ “اُلْخَصَائِصُ الثَّقَافِيَّةُ”، وَهْيَ اُلْمَعَانِي الإِنْسَانِيَّةُ حَقًّا مِنْ لُغَةٍ وَآدَابٍ وَعُرْفٍ وَخُلُقٍ وَدِينٍ وَمَرَافِقَ. وَاُلْمَوْلُودُ إِذَنْ تَكُونُ لَهُ نَشْأَتَانِ : نَشْأَةٌ جِسْمَانِيَّةٌ تُكَمِّلُ بَدَنَهُ اُلْمُسْتَفِيدَ لِخِصَالٍ مِنَ اُلْمَكَانِ الطَّبِيعِيِّ الَّذِي فِيهِ يَعِيشُ، فَضْلاً عَنْ خِصَالِهِ اُلْمَوْرُوثَةِ مِنَ الأَصْلِ، كَسُمْرَةِ البَشَرَةِ لِحَرَارَةِ الإِقْلِيمِ أَوْ كَحَالِ اُلْبِنْيَةِ التَّابِعَةِ لِنَوْعِ غِذَائِهِ. وَاُلنَّشْأَةُ الثَّانِيَةُ مُصَاحِبَةٌ لِلأُولَى، وَهْيَ اُلنَّشْأَةُ اُلْمَعْنَوِيَّةُ اُلْمُتَعِلِّقَةُ بِاكْتِسَابِ اُلصِّفَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ الَّتِي بَعْضُهَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُوَاطِنِيهِ، كَكَوْنِهِ تُونِسِيَّ اللِّسَانِ وَلِبَاسُهُ جُبَّةٌ وَبِنَاؤُهُ عَلَى نَمَطٍ مَا. أَمَّا اُلْبَعْضُ الآخَرُ، فَمَا يَخْتَصُّ بِهِ هُوَ عَلَى الانْفِرَادِ، كَخُلُقِهِ اُلْمَخْصُوصِ وَذَوْقِهِ اُلْمَخْصُوصِ وَعَادَاتِهِ اُلْمَخْصُوصَةِ. وَلَكِنْ مِنَ اُلْمَعْلُومِ جِدًّا أَنَّ اُلْخَوَاصَّ الإِنْسَانِيَّةَ اُلْعَامَّةَ أَوِ اُلْخَاصَّةَ هِيَ تَابِعَةٌ كَثِيرًا لِلْخَوَاصِّ الطَّبِيعِيَّةِ : فَمَثَلاً إِنَّ نَوْعَ اللِّبَاسِ وَهَيْئَتَهُ هِيَ تَابِعَةٌ لِحَرَارَةِ الإِقْلِيمِ أَوْ بُرُودَتِهِ، أَوْ نَوْعُ الآلاَتِ اُلْمُسْتَعْمَلَةِ فِي كَسْبِ اُلْمَعَاشِ هُوَ تَابِعٌ لِنَوْعِ النَّبَاتِ وَالدَّوَابِّ اُلْمَعْرُوفَةِ فِي الأَرْضِ اُلْمَعْمُورَةِ. بَلْ إِنَّ نَفْسَ خَصَائِصَ لُغَةٍ لُغَةٍ وَكُلَّ صُورَةٍ تَعْبِيرِيَّةٍ مِنْ إِيقَاعٍ أَوْ مُوسِيقَى أَوْ نَحْتٍ أَوْ أَدَبٍ هِيَ تَابِعَةٌ بِوَجْهٍ مَا لِخَواصِّ اُلْمَكَانِ الطَّبِيعِيَّةِ. ثُمَّ إِنَّ اُلَْخَوَاصَّ اُلْمَعْنَوِيَّةَ اُلْمُكْتَسَبَةَ هِيَ الَّتِي تَجْعَلُ الإِنْسَانَ يَنْقَسِمُ إِلَى أُمَمٍ وَشُعُوبٍ مُنْتَشِرَةٍ فِي الأَرْضِ وَحَضَارَاتٍ مُتَعَاقِبَةٍ فِي اُلزَّمَنِ ذَوَاتِ خِصَالٍ بِهَا تَتَبَايَنُ وَتَخْتَصُّ. وَلَوْ قَدَّرْنَاهَا غَيْرَ مَوْجُودَةٍ لَكَانَ اِنْقِسَامُ النَّوْعِ الإِنْسَانِيِّ إِلَى أَصْنَافِهِ كَانْقِسَامِ البَهَائِمِ إِلَى أَصْنَافِهَا، فَمَثَلاً كَانْقِسَامِ نَوْعِ اُلْفِيلِ إِلَى فِيلٍ إِفْرِيقِيِّ وَفِيلٍ هِنْدِيٍّ، أَيْ لَكَانَ اخْتِلاَفُهُ فَقَطْ مِنْ جِهَةِ اُلطَّبِيعَةِ، أَمَّا مِنْ جِهَةِ اُلْمَعْنَى، فَسَيَكُونُ إِبْهَامًا وَحَقِيقَةً عَدَمِيَّةً. وَلَيْسَ مِمَّا يُحْتَاجُ لِبَيَانٍ اُلْقَوْلُ بِأَنَّ الصِّفَاتَ الإِنْسَانِيَّةَ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَوْ عَشِيرَةٍ أَوْ سُكَّانِ مَعْمُورَةٍ هِيَ لَيْسَتْ بِآنِيَّةِ النَّشْأَةِ أَوْ اعْتِبَاطِيَّةَ اُلتَّكَوُّنِ أَوْ تَجْرِي عَلَى غَيْرِ نِظَامٍ وَلاَ تَرْتِيبٍ : فَمَثَلاً اللُّغَةُ لَهَا قَوَاعِدُ وَضَوَابِطُ مُطَّرِدَةٌ وَلَيْسَتْ إِبْدَاعًا لِشَخْصٍ وَاحِدٍ أَوْ أَشْخَاصٍ تَوَاطَؤُوا عَلَيْهَا ابْتِدَاءً، بَلْ لَهَا مَاضٍ وَزَمَنِيَّةٌ كَاُلْعَرَبِيَّةِ الَّتِي أَصْلُهَا سَامِيٌّ ثُمَّ صَارَتْ اُلْحِمْيَرِيَّةَ ثُمَّ تَكَامَلَتْ فَصَاحَتُهَا قَبْلَ الإِسْلاَمِ بِأَقَلِّ مِنْ قَرْنَيْنِ. وَكَذَلِكَ الأُصُولُ اُلْخُلُقِيَّةُ وَالأَدَبِيَّةُ وَاُلْمَعَاشِيَّةُ والفَنِِّيَّةُ وَاُلْعُرْفِيَّةُ. وَاُلْفَرْدُ الإِنْسَانِيُّ إِنَّمَا يَصِيرُ ذَاتًا زَائِدَةً عَلَى مُجَرَّدِ كَوْنِهِ جِسْمًا طَبِيعِيًّا بِمَا يَنْفَعِلُ عَنْ تِلْكُمُ اُلْمَعَانِي اُلْمَوْرُوثَةِ اُلرَّاسِخَةِ اُلْمَحْفُوفَةِ بِهِ فِي مَسْكَنِهِ. بَلْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ حَاصِلِ تَقَاطُعِهَا عَلَى جِهَةِ اُلتَّخْصِيصِ ونَقْشِهَا إِيَّاهُ: فَمَثَلاً زَيْدٌ هُوَ زَيْدٌ، لأَنَّهُ مَجْمُوعُ هَذِهِ اُلْخَوَاصِّ مِنْ طَرِيقَةٍ فِي اُلْكَلاَمِ، وَاُلْكَلاَمُ جِهَةٌ فِي اللُّغَةِ، وَمِنْ سِيرَةٍ مَحْمُودَةٍ أَوْ مَذْمُومَةٍ، وَاُلسِّيرَةُ هِيَ جِهَةٌ فِي اُلْعُرْفِ وَاُلعَادَةِ، وَمِنْ ذَوْقٍ فِي اُلْمُوسِيقَى أَوِ الأَدَبِ، وَكِلاَهُمَا مُوسِيقَى اُلْمَحَلِّ اُلْمَوْرُوثَةِ وَأَدَبُ اُلْمَحَلِّ اُلْمَوْرُوثِ. إِذَنْ فَاُلصِّفَاتُ الإِنْسَانِيَّةُ اُلْمُشَخِّصَةُ إِنَّمَا تَسْتَفِيدُ مَعْنَاهَا مِنَ الصِّفَاتِ اُلكُلِّيَّةِ الأَصْلِيَّةِ الَّتِي نِسْبَتُهَا إِلَيْهَا كَنِسْبَةِ الخَاصِّ إِلَى اُلْعَامِّ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ فَسَادَ اُلْخَاصِّ تَابِعٌ لِفَسَادِ العَامِّ.

 ب) اُلْخَاصَّةُ اُلْكُبْرَى لِلأَنْتَرْنَتْ وَفِي أَنَّهُ يَتْبَعُهَا لَوَازِمُ عَظِيمَةٌ

   وَبَعْدَ هَذِهِ اُلْمُقَدِّمَةِ اُلْفَلْسَفِيَّةِ اُلْيَسِيرَةِ، نَذْكُرُ أَنَّ اُلْخَاصَّةَ الأُولَى “لِلانْتَرْنَتْ” أَنَّهَا آلَةٌ تَجْعَلُ الأَشْيَاءَ حَاضِرَةً مَعًا، لَيْسَ كُلُّهَا بِاُلْفِعْلِ، بَلْ بِحَسَبِ إِرَادَةِ اُلْمُرِيدِ، وَلَيْسَتْ بِذَاتِهَا، بَلْ بِوَاسِطَةِ اُلْخَطِّ أَوِ الصَّوْتِ أَوِ الصُّورَةِ الثَّابِتَةِ أَوِ اُلصُّورَةِ اُلْمُتَحَرِّكَةِ. وَاُلأُمُورُ اُلْحَاضِرَةُ لاَ يُقَيِّدُهَا مَوْضُوعٌ أَوْ لُغَةٌ أَوْ ضَابِطٌ أَوْ أَصْلٌ. ثُمَّ هِيَ لَيْسَ عَلَيْهَا لِلْمَكَانِ قَيْدٌ، أَيْ يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهَا فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا لِلزَّمَانِ قَيْدٌ، أَيْ يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهَا فِي كُلِّ زَمَانٍ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا لِلْمُسْتَعْمِلِ قَيْدٌ مِنْ حَيْثُ اُلْعِرْقِ وَاللِّسَانِ وَاُلدِّينِ واُلْمَنْشَإ وَاُلْجِنْسِ، أَيْ يُمْكِنُ عَلَى اُلسَّوَاءِ أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا الأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ أَوْ غَيْرُهُمَا، وَاُلْمُسْلِمُ وَالنَّصْرَانِيُّ أَوْ غَيْرُهُمَا، وَذُواللِّسَانِ اُلْعَرَبِيِّ وَاللاَّتِينِيِّ أَوْ غَيْرُهُمَا، وَاُلْحَدَثُ وَالشَّابُ وَاُلْكَهْلُ وَالشَّيْخُ وَالذَّكَرُ وَالأُنْثَى. وَلِهَذَا كُلِّهُ لَوَازِمُ عَظِيمَةٌ نُبَيِّنُهَا في فُصُولٍ مُفْرَدَةٍ :

اُلْبَابُ الأَوَّلُ

 الانْتَرْنَتْ وَصُورُ اِنْفِسَاخِ اُلصِّفَةِ

اُلْفَصْلُ الأَوَّلُ

الانْتَرْنَتْ وَالانْسِلاَخُ مِنَ اُلْمَكَانِ

   لَقَدْ قُلْنَا إِنَّ لِلْإِنْسَانِ نَشْأَتَيْنِ نَشْأَةً جِسْمَانِيَّةً مِنْ تَخْطِيطِ اُلطَّبِيعَةِ كَنُمُوِّ اُلْبَدَنِ وَهَيْأَتِهِ مِنْ قُوَّةٍ وَضَعْفٍ وَلَوْنِ البَشَرَةِ، وَنَشْأَةً إِنْسَانِيَّةً وَهْيَ مِنْ تَصْوِيرِ اُلْخَوَاصِّ اُلْمَعْنَوِيَّةِ اُلْكَاسِيَةِ لِلْمَكَانِ مِنْ لُغَةٍ وَعُرْفٍ وَدِينٍ وَأَدَبٍ وَعَادَةٍ : فَمَثَلاً، هَذَا الإِنْسَانُ الَّذِي يَعِيشُ وَسْطَ أُورُوبَا إِنَّمَا كَانَ جَوْهَرًا زَائِدًا عَلَى مُجَرَّدِ كَوْنِهِ بَهِيمَةً عَجْمَاءَ أُورُوبِيَّةً، بِلُغَةٍ شُقَّ عَنْهَا لِسَانُهُ وَهْيَ الفِرَنْسِيَّةُ، وَعَقِيدَةٍ لُقِّنَهَا الكَاثُولِكِيَّةِ، وَمُوسِيقَى يَسْمَعُهُا وَيَذُوقُهَا، وَلِبَاسٍ يَلْبَسُهُ وَعَادَاتٍ وَأَعْرَافٍ. وَاسْتِفَادَتُهُ لِهَذِهِ الصِّفَاتِ لَيْسَ بِصُنْعِهِ أَوْ بِصُنْعِ مَنْ رَبَّاهُ، مِنْ تِلْقَائِهِمَا، بَلْ هُوَ ضَرْبٌ مِنَ اُلتَّخْطِيطِ وَاُلتَّشْكِيلِ عَلَى مِثَالٍ حَاصِلٍ مُبَايِنٍ قَرِيبٍ مِنْ أَنْ يَكُونَ صُورَةً كُلِّيَّةً ثَابِتَةً ومُطَّرِدَةً : فَاُللُّغَةُ صُورَةٌ وَاُلدِّينُ صُورَةٌ وَاُلْعُرْفُ صُورَةٌ واُلْخُلُقُ صُورَةٌ. وَهَذِهِ اُلْمَعَانِي، وَإِنْ كَانَتْ إِنْسَانِيَّةَ اُلْحَقِيقَةِ، فَهْيَ لَيْسَتْ بِمَحْضِ آثَارٍ لِإِرَادَاتٍ فَرْدِيَّةٍ جُزَافِيَّةٍ، وَإِلاَّ لَكَانَ اُلْمَعْنَى تَابِعًا لِلإِرَادَةِ، وَالتَّابِعُ مُتَأَخِّرٌ عَنِ اُلْمَتْبُوعِ، فَاُلْمُتَأَخِّرُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ صُورَةً لِلْمُتَقَدِّمِ. وَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَدَلَّ مِنْ كَوْنِ اُلْمَعْنَى ذَا مَاضٍ وَتَارِيخٍ كَذِبُ اُلْقَوْلِ بِأَنَّ نَحْتَ الإِنْسَانِ فِي صُورَتِهِ الزَّائِدَةِ عَلَى الطَّبِيعَةِ إِنَّمَا بِاُلاحْتِذَاءِ بِمِثَالٍ إِنْسَانِيٍّ مُبَايِنٍ. لأَنَّ تَارِيخِيَّةَ الشَّيْءِ قَدْ تُوهِمُ بِأَنَّ ذَاتَهُ كَثِيرَةٌ، وَاُلْمِثَالُ لاَ بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا، وَإِلاَّ لَمْ تُشْرِقِ اُلصُّورَةُ عَلَى اُلْمَنْحُوتِ أَصْلاً : كَصَنَمٍ أُلْبِسَ مَعًا صُورَةَ إِنْسَانٍ وَفَرَسٍ وَأَسَدٍ، فَسَيَكُونُ قَطْعًا بَشِعًا وَأَقْبَحَ مِمَّا لَوْ بَقِيَ اُلْحَجَرُ عَارِيًا مِنْ كُلِّ صُورَةٍ. بَلْ إِنَّ اُلْمَعْنَى هُوَ وَاحِدٌ وَإِنْ كَانَ زَمَنِيًّا، وَزَمَنِيَّتُهُ إِنَّمَا هِيَ زَمَنِيَّةُ تَكْمِيلٍ وَتَحْرِيرٍ. وَإِذَا مَا بَلَغَ كَمَالَهُ يَصِيرُ حِينَئِذٍ أَصْلاً. وَمَا بَعْدَ الأَصْلِ إِنَّمَا يُوصَفُ أَيْضًا بِاُلْمِثَالِ بِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الأَصْلِ.

 أ) اُلْخَاصَّةُ اُلْكُبْرَى لِلْوَاقِعِ وَمَايَتْبَعُهَا، لَهُ فِي نَفْسِهِ، وَلِلإِنْسَانِ

   وَبَعْدُ فَيَنْبَغِي أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اُلْخَاصَّةَ اُلْكُبْرَى الَّتِي تُبَيِّنُ عَلاَقَةَ الإِنْسَانِ بِاُلْخَارِجِ أَنَّ اُلْوَاقِعَ مُنْفَصِلٌ عَنْ إِرَادَتِهِ أَوْ شَهْوَتِهِ وَهْوَ إِنَّمَا يَحْضُرُ بِذَاتِهِ وَيَجِبُ بِذَاتِهِ. فَمَثَلاً إِنْ أَحْبَبْتُ قَدْ أَرَى نَفْسِي الآنَ فِي أَمَرِيكَا فَأَتَخَيَّلُهَا هُنَاكَ ثُمَّ أَرَاهَا فِي اُلْمِرِّيخِ فَأَتَخَيَّلُهَا هُنَاكَ. إِذْ أَنَّ اُلْعَالَمَ اُلْخَيَالِيَّ هُوَ تَابِعٌ لِإِرَادَةِ الذَّاتِ وَشَهْوَتِهَا، لِذَلِكَ كان وَاهِيًا مُهَلْهَلاً لا يُقَاوِمُ أَصْلاً. لَكِنْ لَيْسَ بِهَوَى اُلإِنْسَانِ أَنْ يَرَى اُلْوَاقِعَ. فَمَثَلاً هَذَا اُلْقَلَمُ الَّذِي أَكُتُبُ بِهِ هُوَ حَاضِرٌ بِذَاتِهِ وَتِلْكُمُ اُلشَّجَرَةُ هِيَ حَاضِرَةٌ بِذَاتِهَا. وَغَيْبَةُ اُلْوَاقِعِ أَيْضًا لَيْسَتْ بِتَابِعَةٍ : فَمَثَلاً لَيْسَ بِهَوَايَ عَدَمُ ثُبُوتِ هَذِهِ السَيَّارَةِ اُلْمُنْدَفِعَةِ إِلَيَّ. وَهْوَ لِهَذِهِ اُلْخَاصَّةِ صَحَّ كَوْنُ اُلْوَاقِعِ مَعْنًى مَعْقُولاً حَقًّا وَثَابِتًا وَذَا نِظَامٍ. وَإِذْ أَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَفْعَلُ الوَاقِعَ بَلْ يَنْفَعِلُ عَنْهُ، إذًا فَهُوَ بِقَدْرِ انْفِعَالِهِ عَنْهُ إِنَّمَا يَلْحَقُهُ هُوَ أَيْضًا النِّظَامُ والتَّرْتِيبُ واُلْمَعْقُولُ. وَغَيْرَ شَكٍّ أَنَّ اُلْعَقْلَ وَالنِّظَامَ إِنَّمَا يُلْحَقَانِ بِاُلْمِثَالِ وَالصِّفَةِ، وَأَنَّ اُلْهَلْهَلَةَ وَاُلتَّفَكُّكَ إِنَّمَا يُلْحَقَانِ بِاُللاَّصِفَةِ. آنِفًا قُلْنَا إِنَّ اُلْمَكَانَ اُلْمَحْسُوسَ هُوَ مَكْسُوٌّ أَيْضًا بِخَصَائِصَ إِنْسَانِيَّةٍ هِيَ اُلْمِثَالُ اُلْوَاحِدُ الَّّذِي عَلَيْهِ إِنَّمَا يَنْتَقِشُ اُلْجَوْهَرُ الإِنْسَانِيُّ حَتَّى تُشْرِقَ مِنْهُ اُلصُّورَةُ الإِنْسَانِيَّةُ بِأَشَدِّ مَا يُمْكِنُ مِنْ وُضُوحٍ وتَنْطِقُ عَنْهُ بِأَفْصَحِ مَا يُمْكِنُ مِنْ لِسَانٍ. عَلَى مَعْنَى أَنَّ اُلْمِثَالَ هُوَ وَاقِعٌ أَوْ تَابِعٌ لِلْوَاقِعِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ اُلْوَاقِعِ. وَالانْفِعَالُ مِنْهُ، أَيْ مِنَ اُلْمِثَالِ يَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُ الانْفِعَالُ مِنَ اُلْوَاقِعِ مِنْ نِظَامٍ وَعَقْلٍ.

 ب) نِظَامُ اُلْوَاقِعِ إِلَى اُلْمُسْتَعْمِلِ لِلْحَاسُوبِ اُلْمَرْمُوزِ لَهُ بِزَيْدٍ إِذَا كَانَ اُلْحَاسُوبُ غَيْرَ ذِي فَحْوًى

   إذًا، فَإِنْ عُدْنَا إِلَى “الأنْتَرْنَتْ”، فَقَدْ نَذْكُرُ مِنْ حَالِ اُلْمُسْتَعْمِلِ لَهَا، وَلِنَرْمُزْ إِلَيْهِ بِزَيْدٍ، هَذِهِ اُلْخَاصَّةَ : إِنَّهُ بَدَنٌ مَحْسُوسٌ وَقُدَّامَهُ حَاسُوبٌ وَاقِعِيٌّ وَكِلاَهُمَا فِي غُرْفَةٍ وَاقِعِيَّةٍ وَاُلْغُرْفَةُ فِي مَدِينَةٍ وَاقِعِيَّةٍ وَاُلْمَدِينَةُ فِي وَطَنٍ وَاقِعِيٍّ. فَلَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ اُلْحَاسُوبَ غَيْرَ ذِي فَحْوًى وَأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ اُلْكُرْسِيِّ، فَزَيْدٌ القَابِعُ بِاُلْغُرْفَةِ قَدْ يَكُونُ مُنْشَغِلاً بِذِكْرَيَاتٍ أَوْ مُسْتَرْسِلاً فِي خَيَالاَتٍ، لَكِنَّ الذِّكْرَى وَاُلْخَيَالَ هُمَا حَالاَنِ لِلشُّعُورِ وَاهِنَتَانِ لاَ يُعَانِدَانِ “الإِحْسَاسَ” وَإِنْ أَذْهَلاَ عَنْهُ عَلَى سَبِيلِ التَّقَطُّعِ. لِذَلِكَ فَزَيْدٌ حَالَتَئِذٍ سَوْفَ لَنْ يَكُونَ اُلْوَاقِعُ اُلْمُحِيطُ غَائِضًا عَنْهُ، بَلْ حَاضِرًا لَهُ حَقًّا، وَإِنْ لَيْسَ كُلُّهُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، بَلْ بَعْضُهُ بِاُلْفِعْلِ وَاُلْبَعْضُ الآخَرُ بِاُلْقَصْدِ. فَالآنَ، مَثَلاً هُوَ يَرَى السَّاعَةَ الَّتِي اشْتَرَاهَا أَوَّلَ هَذَا الشَّهْرِ مِنْ دُكَّانِ كَذَا مِنَ اُلْمَدِينَةِ. فَذَاكَ وَاقِعٌ حَاضِرٌ بِاُلْفِعْلِ يُحِيلُ عَلَى وَاقِعٍ غَائِبٍ أَوْ حَاضِرٍ بِاُلْقَصْدِ، وَكِلاَهُمَا يُؤْخَذَانَ بِأَنَّهُمَا وَاقِعٌ وَاحِدٌ. وَهْوَ بَيْنَمَا يَنْظُرُ إِلَى اُلسَّاعَةِ يَصِلُ إِلَى سَمْعِهِ صَوْتٌ مُسَبِّحٌ لِجَدِّهِ اُلْمُقِيمِ بِاُلْحُجْرَةِ اُلْمُجَاوِرَةِ وَقَدْ جَلَسَ عَلَى حَصِيرٍ مِنْ سَعَفٍ فِي يَدِهِ سُبْحَةٌ كَانَ قَدْ اسْتَجْلَبَهَا مِنْ مَكَّةَ اُلْمُكَرَّمَةَ فِي حَجَّهِ، اُلْعَامَ اُلْمَاضِي. وَلاَ رَيْبَ أَنَّ هَذِهِ الأَشْيَاءَ هِيَ تَابِعَةٌ أَيْضًا لِلْوَاقِعِ الوَاحِدِ اُلْحَاضِرِ لِزَيْدٍ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا حَاضِرًا بِاُلْفِعْلِ وَبَعْضُهَا بِاُلْقَصْدِ كَمَا أَسْلَفْنَا. وَاُلْخُلاَصَةُ أَنَّهُ مَا فُرِضَ اُلْحَاسُوبُ غَيْرَ ذِي فَحْوًى، صَحَّ حُضُورُ اُلْوَاقِعِ لِزَيْدٍ. وَهَذِهِ الصِحَّةُ يَلْزَمُهَا أَمْرَانِ : جَوَازُ فِعْلِ اُلْوَاقِعِ فِي زَيْدٍ، وَجَوَازُ فِعْلِ زَيْدٍ فِي اُلْوَاقِعِ. فَقَدْ قُلْنَا إِنَّ اُلْوَاقِعَ هُوَ اُلْمِثَالُ اُلْوَاحِدُ الَّذِي عَلَيْهِ يَنْتَقِشُ اُلْجَوْهَرُ الإِنْسَانِيُّ إِنْسَانِيًّا، وَهَذَا وَجْهٌ لِفِعْلِ اُلْوَاقِعِ. فَزَيْدٌ بِرُؤْيَتِهِ لِلسَّاعَةِ سَيَرْسُخُ بِهِ نَقْشٌ أَنَّ تِلْكَ هِيَ بِضَاعَةُ عَمِّ خَلِيلٍ لاَ بِضَاعَةُ مُوسِّيُو رُوبَارْ مَثَلاً، وَبِسَمَاعِهِ لِتَسْبِيحِ جَدِّهِ إِنَّمَا يَرْسُخُ بِهِ نَقْشُ عِبَادَةٍ إِسْلاَمِيَّةٍ عَرَبِيَّةٍ لاَ تَرْنِيمٌ نَصْرَانِيٌّ لاَتِينِيٌّ، وَبِاسْتِحْضَارِهِ لِسُبْحَةِ جَدِّهِ التَّابِعِ لِسَمَاعِ صَوْتِهِ إِنَّمَا يَرْسُخُ بِهِ نَقْشُ أَدَاةٍ فِي الذِّكْرِ مَخْصُوصَةٍ لاَ اُلصَّلِيبُ، فَهَلُمَّ جَرًّا. وَهَذِهِ الصُّوَرُ اُلْمُنْتَقَشِةُ اُلْمُتَبَايِنَةُ هِيَ ذَاتُ نِسْبَةٍ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ : فَعَمُّ خَلِيلٍ اُلسَّاعَاتِيُّ هُوَ تُونِسِيٌّ عَرَبِيٌّ وَجَدُّهُ كَذَلِكَ، وَلِبَاسُهُمَا اُلْجُبَّةُ وَكِلاَهُمَا تُغَطِّي رَأْسَهُ شَاشِيَّةٌ حَمْرَاءُ، وَلُغَتُهُ العَامِيَّةُ التُّونِسِيَّةُ لَكِنَّهَا هِيَ مُتَفَرِّعَةٌ مِنَ اُلْعَرَبِيَّةِ اُلْفُصْحَى الَّتِي إِنَّمَا بِهَا كَانَ تَسْبِيحُ جَدِّهِ. إِذًا، فَكُلُّ هَذِهِ الصُّوَرِ اُلْوَاقِعِيَّةِ وَغَيْرُهَا وَالَّتِي قَبْلَهَا اُلْمُتَرَامِيَةُ فِي اُلزَّمَنِ الغَابِرِ لَنَا أَنْ نَعُدَّهَا الوَاقِعَ الوَاحِدَ وَاُلْمِثَالَ الوَاحِدَ الَّذِي بِانْفِعَالِ زَيْدٍ مِنْهُ تَخَلَّقَتْ صُورَتُهُ وَصَارَ ذَا مَعْنًى وَهَيْئَةٍ وَخَرَجَ جَوْهَرًا إِنْسَانِيًّا صِفَتُهُ أَنَّهُ شَخْصٌ تُونِسِيٌّ مَخْصُوصٌ، ذُو خُلُقٍ كَذَا وَذُو ذَوْقٍ كَذَا وَذُو لِسَانٍ كَذَا. ثُمَّ إِنَّ اُلْوَاقِعَ اُلْمَعْنَوِيَّ، وَإِنْ صَحَّ أَنَّهُ يَفْعَلُ فِي اُلْجَوْهَرِ الإِنْسَانِيِّ نَاحِتًا لِصِفَتِهِ، فَلَهُ اخْتِلاَفٌ مِنَ اُلْوَاقِعِ الطَّبِيعِيِّ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الثَّانِي يَدُومُ بِذَاتِهِ أَمَّا هُوَ فَلاَ يَدُومُ إِلاَّ بِتَعَهُّدٍ مِنْ نَفْسِ مَنْ قَدْ فَعَلَ فِيهِ. فَمَثَلاً هَيْئَةُ اُلْجَدِّ اُلْعَرَبِيِّ اُلْمُسْلِمِ الَّذِي يَتَرَبَّعُ عَلَى حَصِيرٍ وَيَنْطِقُ بِبَعْضِ اُلذِّكْرِ وَاُلتَّسْبِيحِ غَيْرُ بَاقِيَةٍ حَتَّى تَحْضُرَ لِحَفِيدِ زَيْدٍ إِلاَّ إِذَا زَيْدٌ كَانَ قَدْ احْتَذَاهَا وَثَابَرَ عَلَيْهَا وَتَشَبَّهَ بِهَا وَتَحَلَّى. فَإِنْ هُوَ لَمْ يَحْتَذِهَا أَوِ اِحْتَذَاهَا وَلَمْ يُثَابِرْ عَلَيْهَا أَوْ ثَابَرَ عَلَيْهَا وَتَحَلَّى بِهَا ثُمَّ خَلَعَهَا وَتَخَلَّى، فَاُلْمِثَالُ سَيَفْنَى قَطْعًا وَحَفِيدُ زَيْدٍ وَإِنْ نَشَأَ فِي عَيْنِ مَسْكِنِ جَدِّ أَبِيهِ فَسَيُحْرَمُ تِلْكُمُ اُلْهَيْئَةُ اُلْمَعْنَوِيَّةُ وَسَيَنْثَلِمُ رُكْنٌ مِنْ صِفَتِهِ لاَ مَحَالَةَ. وَقِسْ عَلَيْهِ سَائِرَ اُلْهَيْئَاتِ اُلْمُؤَلِّفَةِ كُلِّهَا لِلْمِثَالِ اُلْوَاحِدِ : كَذَوْقِ اُلْمُوسِيقَى اُلْعَرَبِيَّةِ أَوْ هَيْئَةِ أَدَبِ اُلدُّخُولِ إِلَى مَوْضِعٍ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى أَهْلِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.

 ج) نِظَامُ اُلْوَاقِعِ إِلَى زَيْدٍ إِذَا كَانَ اُلْحَاسُوبُ مَوْصُولاً بِالانْتَرْنَتْ

   أَمَّا الآنَ، فَلِنَنْقُضْ اُلْفَرْضَ وَلِنُقِرَّ بِأَنَّ اُلْحَاسُوبَ مَوْصُولٌ بِشَبَكَةِ “الانْتَرْنَتْ”: إِذَّاكَ، فَإِنَّ نِظَامَ اُلْوَاقِعِ وَتَرْتِيبَهُ سَيَخْتَلِفُ اخْتِلاَفًا كَبِيرًا. إِذْ زَيْدٌ مِنْ طُولِ إِحْضَارِهِ لِلأَشْيَاءِ وَحُضُورِهِ عِنْدَهَا وَإِنْ هُوَ مَا فَارَقَ اُلْمَكَانَ بِاُلْبَدَنِ فَقَدْ أَمْسَى ذَا حِرْصٍ وَإِقْبَالٍ كُلِّيٍّ عَلَى مَعْرِفَةِ اُلْمِثَالِ الآخَرِ أَوِ الأَمْثِلَةِ الكَثِيرَةِ، بَلْ عِنْدَهُ إِنَّ الفَضِيلَةَ العُلْيَا لِلأَنْتَرْنَتْ أَنَّهَا أَجَازَتْ لِكُلِّ مِثَالٍ بِلاَ قَيْدٍ أَنْ يَشْهَدَهُ كُلُّ مَنْ أَحَبَّ بِلاَ قَيْدٍ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ أَحَبَّ بِلاَ قَيْدٍ فَلَهُ أَنْ يَحْضُرَ لِكُلِّ مِثَالٍ بِلاَ قَيْدٍ. وَاُلْمِثَالُ إِجْمَالاً، هُوَ أَحَدُ ثَلاَثَةٍ : مِثَالٌ ذُو أَصْلٍ وَمِثَالٌ عَامٌّ وَمِثَالٌ خَاصٌّ. فَأَمَّا اُلْمِثَالُ ذُو أَصْلٍ فَاُلْمَقْصُودُ بِهِ كُلُّ فَحْوًى مَكْتُوبٍ أَوْ مَسْمُوعٍ  أَوْ مُصَوَّرٍ لَهُ تَعَلُّقٌ بِدِينٍ أَوْ نِحْلَةٍ أَوْ مَذْهَبٍ فَلْسَفِيٍّ مُتَقَرِّرٍ، كَمَواقِعِ فِرَقِ الإِسْلاَمِ اُلْبَاقِيَةِ وَمَذَاهِبِهِ اُلْفِقْهِيَّةِ أَوْ مَوَاقِعِ النَّصْرَانِيَّةِ أَوِ اُلْبُوذِيَّةِ أَوْ مَوَاقِعِ اُلْمَارْكِسِيَّةِ أَوِ الوُجُودِيَّةِ، فَهَلُمَّ جَرًّا. وَأَمَّا اُلْمِثَالُ العَامُّ، فَكُلُّ فَحْوًى بِأَحَدِ اُلصِّفَاتِ اُلْمَذْكُورَةِ خِطَابُهُ لِلْكُلِّ بِلاَ تَخْصِيصٍ وَمَقْصُودُهُ أَنْ يَسْتَحْدِثَ فِيهِ ذَوْقًا أَوْ هَوًى أَوْ مَعْرِفَةً بِحَادِثٍ : كَمَوَاقِعِ الإِشْهَارِ وَالتَّعْرِيفِ بِاُلْبِضَاعَةِ وَمَوَاقِعِ الفَنِّ وَاُلاسْتِعْرَاضِ وَمَوَاقِعِ السِّيَاسَةِ وَالإِخْبَارِ. وَأَمَّا اُلْمِثَالُ اُلْخَاصُّ، فَاُلْمَقْصُودُ بِهِ كُلُّ مُسْتَعْمِلٍ لِهَذِهِ الآلَةِ مِنْ أَيِّ مَكَانٍ إِذَا وَاصَلَ كُلَّ مُسْتَعْمِلٍ آخَرَ مِنْ أَيِّ مَكَانٍ.

   إِذَنْ فَمُؤَانَسَةُ زَيْدٍ الطَّوِيلَةُ لِلْمِثَالِ الآخَرَ قَدْ يَتْبَعُهَا انْسِلاَخٌ مُتَدَرِّجٌ مِنَ الوَاقِعِ وَمُجَافَاةٌ لِلْمِثَالِ الوَاحِدِ اُلْحَقِّ، بَلْ قَدْ يَلْزَمُهَا أَيْضًا غَيْبَةُ زَيْدٍ عَنْ ذَاتِهِ وذُهُولُهُ عَنْ مَقْصُودِهِ أَصْلاً.

  1) اِنْسِلاَخُ زَيْدٍ مِنَ اُلْوَاقِعِ إِذَا كَانَ طِفْلاً

   فَلَوْ كَانَ زَيْدٌ طِفْلاً حَدَثًا، فَهْوَ بَعْدُ طِينَةٌ رَطْبَةٌ مُسْتَعِدَّةٌ لِلتَّشْكِيلِ والتَّخْطِيطِ. لَكِنْ هُوَ مَثَلاً لَيْسَ مِمَّنْ يَغْشَى الكُتَّابَ اُلْوَاقِعَ آخِرَ اُلْحَيِّ حَيْثُ لِسَانُهُ كَانَ سَيَرْتَاضُ مِنْ فَصَاحَةِ اُلْعَرَبِيَّةِ وَسَمْعُهُ سَيَعْتَادُ عَلَى اُلْكَلاَمِ اُلْمَوْزُونِ اُلْبَدِيعِ وَرُوحُهُ سَتَسْرِي فِيهَا اُلْمَعَانِي القُرْآنِيَّةُ الشَّرِيفَةُ. وَهَذِهِ الأَشْيَاءُ وَغَيْرُهَا هِيَ مُصَوِّرَاتٌ صَحِيحَةٌ لِأَنَّهَا ذَاتُ أَصْلٍ وَكُلِّيَّةٌ وَوَاقِعِيَّةٌ. بَلْ إِنَّمَا تَرَدُّدُهُ عَلَى قِصَصٍ مُصَوَّرَةٍ مَادَّتُهَا أَمَرِيكِيَّةٌ مَثَلاً. إذًا، فَزَيْدٌ قَدْ خَلاَ مِنْهُ جُزْءٌ مِنَ اُلْمَكَانِ لَهُ صِفَةُ الظَّرْفِ اُلْمَخْصُوصِ لِتَلْقِينِ أَحْدَاثِ مِلَّةٍ مَخْصُوصَةٍ فَحْوًى دِينِيًّا مَخْصُوصًا. وَبِخُلُوِّهِ مِنْ زَيْدٍ بَطَلَ الكُتَّابُ، وَبِبُطْلاَنِهِ انْفَسَخَ رُكْنٌ مِنْ صِفَةِ اُلْمَكَانِ بِأَنَّهُ مَكَانٌ عَرَبِيٌّ إِسْلاَمِيٌّ. فَإِنْ قِيلَ : فَهَبْ أَنَّ اُلْمِثَالَ الأَصْلِيَّ قَدِ اِنْفَسَخَ أَوْ جُوفِيَ عَنْهُ، فَلِمَ أَنْتَ تَقْضِي أَيْضًا بِانْفِسَاخِ صِفَةِ زَيْدٍ وَلِمَ تَمْنَعُ أَنْ يَسْتَحْدِثَ صِفَةً ثَانِيَةً تَابِعَةً لِلْمِثَالِ الأَنِيسِ كَصِفَةِ اُلشَّخْصِ الأَمَرِيكِيِّ الغَرْبِيِّ. قِيلَ : وَلاَ كَذَلِكَ سَتَصِحُّ لَهُ هَذِهِ الصِّفَةُ، فَقَدْ قُلْنَا إِنَّ اُلْمِثَالَ اُلْوَاحِدَ اُلْحَقَّ إِنَّمَا يُصَوِّرُ وَيَخْلَعُ النِّظَامَ وَاُلْعَقْلَ لأَنَّهُ هُوُ نَفْسُهُ ذُو نِظَامٍ وَعَقْلٍ. وَلاَ يَكُونُ كَذَلِكَ إِلاَّ إِذَا كَانَ مَوْصُولاً بِاُلْوَاقِعِ غَيْرَ تَابِعٍ لِإِرَادَةٍ. أَمَّا اُلْمِثَالُ الأَمَرِيكِيُّ فَهْوَ صُورَةٌ وَهْمِيَّةٌ* مَادَّتُهَا مَنْفَصِلَةٌ عَنِ وَاقِعِ زَيْدٍ، وَأَحَدُهُمَا لاَ يُحِيلُ عَلَى الآخَرِ ضَرُورَةً. بَلِ انْتِقَالُ زَيْدٍ مِنَ اُلْوَاقِعِ إِلَى اُلْمِثَالِ انْتِقَالٌ جُزَافِيٌّ تَابِعٌ لِلْهَوَى،

ــــــــــ

* [وَهْمِيَّةٌ. وَلاَ تَفْهَمِ اُلْبَاطِلَ أَوِاُلْكَذِبَ. بَلْ مَا ظُهُورُهُ فِي صُورَةٍ ثَابِتَةٍ أَوْ مُتَحَرِّكَةٍ، وَإِنْ كَانَ مَدْلُولُهُ صَادِقًا وَاقِعًا. أَمَّا اللَّفْظَةُ الذَّائِعَةُ : “اِفْتِرَاضِيٌّ”، فَغَيْرُ صَوَابٍ بِاُلْكُلِّيَّةِ : إِذْ مَعْنَاهَا فِي اللُّغَةِ اُلْفَرْضُ وَالإِيجَابُ، وَ فِي اُلْمَنْطِقِ طَرِيقٌ لِإِثْبَاتِ عَكْسِ بَعْضِ اُلْقَضَايَا، أَوِ اُلْبَرْهَنَةِ بِاُلْخَلْفِ، وَ فِي عِلْمِ التَّجْرِيبِ تَرْجِيحٌ مَبْنِيٌّ عَلَى اِسْتِقْرَاءٍ، مُتَقَدِّمٌ عَلَى اُلتَّجْرِبَةِ، وَ فِي الرِّيَاضِيَّاتِ اُلْمَعْلُومُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ. ]

فَكَمَا حَضَرَ اُلْمِثَالُ الأَوَّلُ فَقَدْ كَانَ جَائِزًا جِدًّا أَنْ يَحْضُرَ أَيُّ مِثَالٍ آخَرَ. وَمَا هَذَا شَأْنُهُ فَقَطْعًا لَنْ يُفِيدَ التَّصْوِيرَ لِثَلاَثَةِ أُمُورٍ :

الأَوَّلُ، لأَنَّ ذَلِكَ خِلاَفُ النِّظَامِ وَاُلْعَقْلِ، وَالصُّورَةُ هِيَ نِظَامٌ وَعَقْلٌ.

الثَّانِي، ظُهُورُ اُلْمِثَالِ تَابِعٌ لإِرَادَةِ زَيْدٍ، إِذَنْ فَهْوَ مُنْفَعِلٌ مِنْ زَيْدٍ. لَكِنَّ التَّصْوِيرَ هُوَ فِعْلٌ، فَيَلْزَمُ أَنَّ اُلْمِثَالَ فَاعِلٌ مُنْفَعِلٌ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، هَذَا مُحَالٌ.

الثَّالِثُ، لَقَدْ قُلْنَا إِنَّ اُلْمُثَابَرَةَ عَلَى الصِّفَةِ مِنْ شَرْطِ الاتِّصَافِ. وَظُهُورُ اُلْمِثَالِ تَابِعٌ لِهَوَى زَيْدٍ. إِذَنْ فَهْوَ لَيْسَ بِذِي دَوَامٍ أَوْ ثَبَاتٍ. وَإِنِ امْتَنَعَ دَوَامُ اُلْمِثَالِ امْتَنَعَ شَرْطُ الاتِّصَافِ.

  2) اِنْسِلاَخُهُ إِذَا كَانَ فَتًى شَابًّا

   أَمَّا لَوْ كَانَ زَيْدٌ فَتًى يَافِعًا أَوْ شَابًّا تَامًّا، فَسَيَزِيدُ عَلَى زَيْدِ الطِّفْلِ بِكَوْنِهِ ذَا قَصْدٍ وَغَرَضٍ وذَا وَاجِبٍ وَتَكْلِيفٍ وَذَا طَلَبٍ لِمَقَامٍ بَيْنَ النَّاسِ وَعَقِيدَةٍ وَهَيْئَةٍ نَفْسِيَّةٍ وَسِيَاسِيَّةٍ، فَهَلُمَّ جَرًّا. وَقَبْلَ الانْتَرْنَتْ، كَانَتْ كُلُّ هَذِهِ اُلْمَعَانِي زَيْدٌ يَسْتَفِيدُهَا مِنَ اُلْوَاقِعِ اُلْوَاحِدِ وَبَعْضُهَا تَوَابِعُ لِصُوَرٍ كُلِّيَّةٍ مَوْرُوثَةٍ. فَهْوَ مَثَلاً، مِنْ بَعْدِ أَنْ صَارَ لَهُ تَمْيِيزٌ بِاُلْعَقْلِ اخْتَلَفَ مِنَ اُلْبَهِيمَةِ اُلْعَجْمَاءِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لاَ يَسْتَغْنِي عَنْ ضَرُورَةِ أَنْ يَكُونَ ثُبُوتُهُ اُلْحِسِّيُّ فِي اُلْعَالَمِ مَبْنِيًّا عَلَى مَعْنَى مَا اُلْمَقْصُودُ الأَعْلَى مِنْ وُجُودِهِ هُوَ التَّابِعِ لِلْمَقْصُودِ الأَعْلَى لِكُلِّ اُلْوُجُودِ. وَهَذَا اُلْمَقْصُودُ لِفَتًى قَدْ لاَ يَسْتَفِيدُهُ إِلاَّ مِنَ الدِّينِ. لَكِنَّ الدِّينَ لَيْسَ بِرَأْيٍ لأَنَّ الرَّأْيَ حَالٌ إِنْسَانِيَّةٌ وَالإِنْسَانُ لاَ يُذْعِنُ مُسَلِّمًا مُطْمَئِنًّا لِإِنْسَانٍ مِثْلِهِ. كَذَلِكَ فَاُلدِّينُ إِنَّمَا هُوَ أُصُولٌ مُتَقَرِّرَةٌ وَتُرَاثٌ ثَابِتٌ لَيْسَ بِهَوَى أَحَدٍ لَهُ قَوَّامُونَ عَلَيْهِ وَيُؤْخَذُ بِالإِذْعَانِ وَمَعَانِيهِ مَبْثُوثَةٌ فِي اُلْمَكَانِ وَالزَّمَانِ : فَزَيْدٌ لَيْسَ بِإِرَادَتِهِ، هُوَ يُلاَقِي كُلَّ يَوْمٍ لَوْحَةً كُتِبَ فِيهَا آيَةُ اُلْكُرْسِيَّ الَّتِي كَانَتْ أُمُّهُ قَدْ نَاطَتْهَا بِحَائِطِ اُلْغُرْفَةِ. وَلَيْسَ بِإِرَادَتِهِ كَانَ أُسْتَاذُهُ قَدْ أَمْلَى عَلَيْهِ دَرْسًا فِي اُلسِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ لاَ فِي حَيْاةِ اُليَسُوعِ. وَهَذَا اُلأُسْتَاذُ إِنَّمَا اِحْتَذَى مَادَّةً تَابِعَةً لِلْمِيرَاثِ الدِّينِيِّ لِلْبِلاَدِ. ثُمَّ إِنَّ اُلْمَعَانِيَ الإِنْسَانِيَّةَ الأُخْرَى هِيَ مَبْنَاهَا عَلَى ذَاكَ اُلْمَعْنَى الأَصْلِيِّ اُلْكَبِيرِ : إِذْ بِهَا يُرَبَّى زَيْدٌ حَقًّا عَلَى اُلْخَيْرِ وَاُلْبِرِّ وَالرَّحْمَةِ وَاُلْعِفَّةِ وَاُلْعَدْلِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَهَذِهِ كُلُّهَا صِفَاتٌ مُقَوِّمَةٌ لِإِنْسَانِيَّتِهِ لَوْ خَلاَ مِنْهَا لَزَالَ إِلَى ضِدِّهَا، وَضِدُّهَا هِيَ صِفَاتٌ مَجَازًا لاَ حَقِيقَةً. إِذَنْ فَمِنْ شَرْطِ اُلْمَعْنَى الدِّينِيِّ اُلْكَبِيرِ أَنْ يَكُونَ أَصْلاً. وَهْوَ بِذَلِكَ إِنَّمَا يُذْعِنُ لَهُ زَيْدٌ، ولِإِذْعَانِهِ لَهُ قَدْ صَحَّ تَصْوِيرُهُ بِاُلصِّفَاتِ اُلْمَذْكُورَةِ. لَكِنْ زَيْدٌ بَعْدَ “الانْتَرْنَتْ” قَدْ صَارَ مُتَعَالِيًا عَنِ اُلْمَكَانِ مُدْبِرًا عَنِ الأَصْلِ التَّابِعِ لَهُ. وَمَعَ ذَلِكَ فَهْوَ لَنْ يَعْدَمَ طَلَبًا لِلْمَعْنَى الدِّينِيِّ الَّذِي هُوَ حَاجَةٌ فِطْرِيَّةٌ مَرْكُوزَةٌ فِي الإِنْسَانِ. وَهْوَ يَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الآلَةَ اُلْعَجِيبَةَ قَدْ وَهَبَتْهُ القُدْرَةَ عَلَى أَنْ يَخْتَارَ بِنَفْسِهِ الصَّحِيحَ مِنْ بَيْنِ الأَمْثِلَةِ اُلدِّينِيَّةِ أَوِ اُلْمَذْهَبِيَّةِ اللاَّمَحْدُودَةِ، أَوْ أَنْ يَتَعَلَّمَ بِنَفْسِهِ اُلْمَعْنَى الدِّينِيَّ اُلْمُتَقَرِّرَ. وَكُلُّ ذَلِكَ وَهْمٌ : لأَنَّ اُلْمِثَالَ الدِّينِيَّ حِينَئِذٍ سَيَكُونُ ذَا حَقِيقَةٍ وَهْمِيَّةٍ مُنْفَصِلَةٍ مِنَ اُلْوَاقِعِ، وَانْفِصَالُهُ مِنَ اُلْوَاقِعِ يَمْنَعُهُ عَنْ كَوْنِهِ أَصْلاً. وَأَيْضًا خَاصَّةً، لأَنَّهُ سَيَقِرُّ فِي قَلْبِ زَيْدٍ أَنَّ ظُهُورَ اُلْمِثَالِ اُلْمُتَّبَعِ إِنَّمَا كَانَ تَابِعًا لِإِرَادَتِهِ هُوَ، وَكَوْنُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَجْعَلُهُ رَأْيًا قَطْعًا. وَقَدْ قُلْنَا إِنَّ الإِنْسَانَ لاَ يُسَلِّمُ لِرَأْيٍ أَوْ يَسْكُنُ إِلَيْهِ، بَتَاتًا. إِذَنْ فَزَيْدٌ إِمَّا أَنْ يَسْتَعِيرَ مِثَالاً دِينِيًّا وَهْمِيًّا مَادَّتُهُ ذَاتُ أَصْلٍ، كَالنَّصْرَانِيَّةِ أَوْ البُوذِيَّةِ أَوْ غَيْرِهِمَا. وَهَذَا لَنْ يَكُونَ لَهُ أَثَرٌ مُصَوِّرٌ صَحِيحٌ لِمَا بَيَنَّا. أَوْ قَدْ يَسْتَعِيرُ مِثَالاً دِينِيًّا وَهْمِيًّا غَيْرَ ذِي أَصْلٍ كَاُلْمِلَلِ الشَّنِيعَةِ اُلْمُبْتَدَعَةِ مِنْ عِبَادَةِ الشَّيْطَانِ وَغَيْرِهَا، وَهَذَا أَبْعَدُ مِنَ التَّصْوِيرِ وَأَقْصَرُ مِنْ أَنْ يُثْبِتَ صِفَةً.

   وَهُوَ أَيْضًا، قَبْلَ الانْتَرْنَتْ لَهُ هَيْئَةٌ مِنَ اللِّبَاسِ يَرْتَدِيهِ وَصِنْفٌ مِنَ الطَّعَامِ يَأْكُلُهُ وَجِنْسٌ مِنَ اُلْمُوسِيقَى يَذُوقُهُ وَطَرِيقَةٌ فِي تَأْثِيثِ اُلْبَيْتِ. وَكُلُّهَا تَوَابِعُ لِلْوَاقِعِ وَالأَصْلِ. لِذَلِكَ فَهْيَ مُخَصِّصَاتٌ لِزَيْدٍ وَمُبَيِّنَاتٌ لِصِفَتِهِ : فَمَثَلاً، لَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ وَاُلْحِجَازِ وَرُئِيَ مِنْ بَعِيدٍ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ مُرْتَدِيًا لِلِّبَاسِ الأَصْلِيِّ “الثُّوب”، لَعُلِمَ فِي الآن أَنَّهُ بِصِفَتِهِ “نَجْدِيٌّ أَوْ حِجَازِيٌّ” وَلَمْ يُحْتَجْ لِلتَّفْتِيشِ مِنْهُ عَنْ خَوَاصَّ أُخْرَى تُمَيِّزُهُ مِنْ غَيْرِهِ. وَلَهُ كَذَلِكَ قَوَاعِدُ وَآدَابٌ ثَابِتَةٌ لِلسِّيرَةِ وَاُلْعَمَلِ. فَلَوْ زَيْدٌ كَانَ مَثَلاً مِنْ أَهْلِ اُلْحِجَازِ، فَاللاَّزِمُ اُلْمَحْسُوسُ مِنَ الصِّفَةِ أَنْ لاَ يَجُوزَ رُؤْيَتُهُ يُعَاقِرُ اُلْخَمْرَةَ جَهْرَةً. وَسَيَكُونُ كَذَلِكَ لِزَيْدٍ أُسْوَةٌ نَابِتَةٌ قَطْعًا مِنْ وَاقِعِهِ وَمَاضِيهِ : فَمِنَ الأَحْيَاءِ وَمِمَّنْ حَوْلَهُ : قُدْوَتُهُ أَبُوهُ فِي اُلْوَفَاءِ وَطِيبِ اُلْمُعَاشَرَةِ، وَابْنُ عَمٍّ لَهُ فِي اُلْهِمَّةِ وَعُلُوِّ اُلْمَقَامِ فِي صِنَاعَةِ الطِبِّ مَثَلاً، وَمِنَ اُلْمَاضِي قُدْوَتُهُ فِي الإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ أَبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ رَضِي الله عَنْهُ. أَمَّا بَعْدَ الانْتَرْنَتْ، فَقَدْ غَاضَ اُلْمَكَانُ عَنْ زَيْدٍ آخِذًا مَعَهُ تَوَابِعَهُ كَاُلسَّفِينَةِ إِذَا غَرِقَتْ بِمَا فِيهَا : فَغَابَتْ مُوسِيقَاهُ وَغَابَ عُرْفُهُ وآدَابُهُ وَغَابَ الأَبُ وَغَابَ ابْنُ اُلْعَمِّ وَغَابَ أَبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ. أَمَّا اُلْحَاضِرُ، فَقَدْ يَكُونُ صُورَةً اِفْرَنْجِيَّةً مُنْفَصِلَةً قَدْ يَسْتَفِيدُ مِنْهَا آدَابًا وَهَيْئَاتٍ لِبَاسِيَّةً أَوْ غَيْرَهَا وَذَوْقًا لِسَمَاعِ صَوْتٍ أَوْ رُؤْيَةِ صُورَةٍ. وَقَدْ تَغْدُو قُدْوَتُهُ مُتَمَثِّلاً أَمَرِيكِيًّا يُخْرِجُ شَعْرَهُ كَاُلشَّيْطَانِ أَوْ مُغَنِّيًا اِنْجِلِيزِيًّا وَلَعُهُ بِاُلْكُحُولِ وشُرْبُ الأَفْيُونْ. إذًا، فَاُلْمِثَالُ الوَهْمِيُّ اُلْمُسْتَحْدَثُ لِزَيْدٍ لَيْسَ فَقَطْ فَاسِخًا لِلصِّفَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ فَحْوَاهُ قَدْ يَكُونُ قَبِيحًا أَوْ هُوَ مُبَايِنٌ لِلصِّفَةِ الأَصْلِيَّةِ، بَلْ لِمَا ذَكَرْنَا مِرَارًا بِأَنَّ اُلْمِثَالَ مَا كَانَ ظُهُورُهُ تَابِعًا لِلإِرَادَةِ مُنْفَصِلاً مِنَ اُلْوَاقِعِ امْتَنَعَ أَصْلاً عَنِ التَّصْوِيرِ وَالتَّشْكِيلِ.

   وَاُلْمَعْلُومُ أَنَّهُ مِنَ الصِّفَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ الأُولَى اُلْمُشْتَرَكَةِ كَهَذِهِ : الأمُومُةُ والأُبُوَّةُ وَاُلْبُنُوَّةُ وَالأُخُوَّةُ والقَرَابَةُ. وَاُلْمَظْنُونُ أَنَّهَا خَوَاصُّ وَاجِبَةٌ بِالطَّبِيعَةِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ الأُمَّ أُمٌّ مِنْ حَيْثُ إِنَّ اُلْوَلَدَ قَدْ فَاضَ مِنْ رَحِمِهَا، والأَبَ أَبٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ اُلْوَلَدَ قَدَ تَخَلَّقَ مِنْ مَائِهِ، والأخَ أَخٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ دَمًا وَاحِدًا يَسْرِي فِي الأَخَوَيْنِ، وَالقَرِيبَ قَرِيبٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ أَصْلاً وَاحِدًا يَجْمَعُ الأَقْرِبَاءَ. لِذَلِكَ فَإِنَّ مُقْتَضَيَاتِ هَذِهِ الخَوَاصِّ وَاجِبَةٌ أَيْضًا بِاُلطَّبِيعَةِ. وَإِنْ رُئِيَ بُطْلاَنُهَا فِي أَمْثِلَةٍ فَلِفَسَادٍ فِي اُلطَّبِيعَةِ : أَيْ أَنَّ رِئْمَانَ الأُمِّ وَالأَبِ وَلَدَهُمَا بِالطَّبِيعَةِ، وَبِرَّ الوَلَدِ لَهُمَا بِالطَّبِيعَةِ، وَالإِلْفَ بَيْنَ الإِخْوَةِ بِالطَّبِيعَةِ، وَاُلْحَمِيَّةَ بَيْنَ الأَقَارِبِ بِالطَّبِيعَةِ. وَاُلْحَقُّ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ كَاُلْبُنُوَّةِ وَإِنْ كَانَتْ قَطْعًا هِيَ تَوَابِعُ لِلْخَوَاصِّ الطَّبِيعِيَّةِ اُلْمَذْكُورَةِ، فَإِنَّ تِلْكُمُ الخَوَاصَّ هِيَ لَهَا كَاُلشَّرْطِ وَالاِسْتِعْدَادِ الَّذِي لاَ تَتِمُّ صُورَتُهُ وَيَصِحُّ مَعْنَاهُ إِلاَّ بِاُلْكَسْبِ وَالتَّكْمِيلِ : كَالسَّيْفِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ مِنْ حَدِيدٍ لاَ مِنْ خَشَبٍ، وَاُلْحَدِيدُ هُوَ اسْتِعْدَادٌ مَا لَمْ يُصْقَلْ جَيِّدًا ويُعَالَجْ جَيِّدًا خَرَجَ سَيْفًا نَاقِصًا أَوْ لَمْ يَخْرُجْ سَيْفًا أَصْلاً. كَذَلِكَ فَاُلْبُنُوَّةُ مَثَلاً وَإِنْ صَحَّ أَنَّهَا لاَ تَكُونُ إِلاَّ مِنْ مُتَوَلِّدٍ مِنْ أُمٍّ فَإِنَّ مَعْنَاهَا مِنْ رَحْمَةٍ وَبِرٍّ لاَ يَتِمُّ إلاّ بِاُلْكَسْبِ. وَكَسْبُهُ أَنْ يَكُونَ لِلْابْنِ مُنَاجَاةٌ لِأُمِّهِ دَائِمَةٌ وَمُوَاسَاةٌ وَمُشَارَكَةٌ لَهَا فِي أَمْرِ اُلْمَعِيشَةِ أَوِ اُلْبَيْتِ. لَكِنْ هَا ذَا زَيْدٌ بَعْدَ الانْتَرْنَتْ قَدْ صَارَ قَرِينُهُ فَتًى أَلْمَانِيًّا تِرْبًا لَهُ يُنَاجِيهِ كُلَّ يَوْمٍ وَقْتًا طَوِيلاً وَكِلاَهُمَا يَسْتَقْصِي عَنْ أَحْوَالِ الآخَرِ بِاسْتِيفَاءٍ وَقَدْ يَتَذَاكَرَانِ في شَأْنِ لاَعِبِ كُرَةٍ يُعَظِّمَانِهِ مَعًا. إِذَنْ، فَانْشِغَالُ زَيْدٍ الطَّوِيلُ اُلْمَصْرُوفُ إِلَى قَرِينٍ وَهْمِيٍّ سَيَتْبَعُهُ بِلاَ رَيْبٍ انْسِلاَخٌ مِنَ الأُسْرَةِ وانْقِطَاعٌ لِلأَسْبَابِ اُلْمُتَمِّمَةِ لِمَعَانِي البِرِّ وَصِلَةِ الرَّحِمِ. لِذَلِكَ فَإِنَّ البُنُوَّةَ مُنْفِسَخَةٌ والأُبُوَّةٌ مُنْفَسِخَةٌ وَالأُخُوَّةُ مُنْفَسِخَةٌ. بَلْ قَدْ يَغْدُو زَيْدٌ يَطْلُبُ اُلْعَزَاءَ مِنَ اُلْقَرِينِ لِطَلاَقِ مُتَمَثِّلٍ يَهْوَيَانِهِ مَعًا إِذْ أُمُّهُ طَرِيحُ اُلْفِرَاشِ لِمَرَضٍ.

   بَلْ إِنَّ الأَثَرَ الفَسْخِيَّ لِلانْتَرْنَتْ قَدْ يَتَعَدَّى اُلْمَعَانِيَ اُلْقَرِيبَةَ جِدًّا اُلْمَذُكُورَةَ آنِفًا إِلَى ذَاتِ زَيْدٍ نَفْسِهَا فَتَذْهَبَ هِيَ شَعَاعًا كَالذَّرَّةِ الَّتِي يُفَرَّقُ بَيْنَ نَوَاتِهَا. إِذِ الذَّاتُ وَإِنْ لَهَا أَحْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَلَهَا إِدْرَاكٌ بِوِحْدَتِهَا إِدْرَاكًا تَابِعًا فِي اُلْحَقِيقَةِ لِكَوْنِ الأَحْوَالِ هُوَ يَسْرِي فِيهَا مَعْنًى وَاحِدٌ يُسَمَّى اُلْقَصْدَ. إِذَنْ فَالذَّاتُ ثَابِتَةٌ مَا ثَبَتَ اُلْقَصْدُ، وَاُلْقَصْدُ ثَابِتٌ مَا كَانَ حَاضِرًا وَوَاحِدًا. وَقَدْ كَانَتْ مَادَّةُ اُلْقَصْدِ قَبْلَ الانْتَرْنَتْ هِيَ الوَاقِعَ أَيِ اُلْمُمْكِنَ وَاُلْمَعْقُولَ، لِذَلِكَ كَانَتِ الذَّاتُ ثَابِتَةً وَوَاحِدَةً : فَمَثَلاً زَيْدٌ أَرْضُهُ رِيفٌ وَمَسْكَنُهُ كُوخٌ وَأَبُوهُ أَجِيرٌ وَمَعِيشَتُهُ شَظَفٌ وَهْوَ يَرِدُ إِلَى اُلْمَعْهِدِ كُلَّ يَوْمٍ بِلَأْيٍ. فَزَيْدٌ قَطْعًا لاَ يَخْلُو مِنْ قَصْدٍ. لَكِنْ قَصْدٌ مَوْصُولٌ بِاُلْوَاقِعِ تَابِعٌ لِشُرُوطِهِ. لِذَلِكَ كَانَ لِلْقَصْدِ وِحْدَةٌ لاَزِمَةٌ مِنْ وِحْدَةِ اُلْوَاقِعِ، وَإِذَا زَيْدٌ سَكَنَ فِيهِ سَرَى مِنْهُ إِلَيْهِ أَيْضًا اُلْوِحْدَةُ. فَقَدْ يَكُونُ اُلْقَصْدُ أَنْ يَرْقَى مِنْ حَيَاةِ اُلْفَقْرِ إِلَى رَغَدِ اُلْعَيْشِ، وَهَذَا قَصْدٌ صَحِيحٌ : لأَنَّ زَيْدًا تِلْمِيذٌ، فَمُمْكِنٌ الاجْتِهَادُ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَمُمْكِنٌ أَنْ يَنَالَ الطِبَّ، وَإِنْ نَالَ الطِبَّ فَمُمْكِنٌ أَنْ يَصِيرَ طَبِيبًا بَارِعًا. وَتَحْتَ ذَاكَ اُلْقَصْدِ اُلْكُلِّيِّ قُصُودٌ جُزْئِيَّةٌ مُمْكِنَةٌ، مِثْلَ نِيَّتِهِ أَنْ يُنْعِمَ عَلَى أَبِيهِ بِاُلْحَجِّ أَوْ أَنْ يَقْتَرِنَ بِبِنْتِ فُلاَنٍ كَبِيرِ أَعْيَانِ اُلْقَرْيَةِ لِمَا لَهَا مِنْ حَسَبٍ وَفَضْلِ جَمَالٍ خَصَائِصُهُ مُقَدَّرَةٌ فِي ذَوْقِ ذَلِكَ اُلْمَكَانِ. وَاُلْمُرَادُ أَنَّ نِسْبَةَ هَذَا اُلْقَصْدِ إِلَى اُلْوَاقِعِ كَنِسْبَةِ صُورَةِ اُلسَّيْفِيَّةِ إِلَى اُلْحَدِيدِ، لاَ كَنِسْبَتِهَا إِلَى اُلْخَشَبِ : إِذَنْ، فَبِاُلْقَصْدِ اُلصَّحِيحِ صَار لِأَحْوَالِ زَيْدٍ وَأَعْمَالِهِ وَوَقْتِهِ مَعْنًى. وَهْوَ بِهَذَا اُلْمَعْنَى إِنَّمَا صَارَتْ ذَاتُهُ وَاحِدَةً ثَابِتَةً مُجْتَمِعَةَ اُلْهَمِّ. أَمَّا بَعْدَ الانْتَرْنَتْ، فَزَيْدٌ قَدْ اسْتَحْدَثَ قَصْدًا غَيْرَ تَابِعٍ لِلْوَاقِعِ حَاضِرًا بِاُلْوَهْمِ مُعَلَّقًا فِي اُلْهَوَاءِ كَاُلسَّقْفِ الَّذِي أُزِيلَ عَنْهُ اُلْحِيطَانُ وَاُلْقَوَاعِدُ. فَهِمَّتُهُ قَدْ تُلِحُّ عَلَيْهِ الآنَ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ بَيْتٌ بِبَارِيسَ وَهْوَ يَسْكُنُ كُوخًا، وَأَنْ يَمْلِكَ سَيَّارَةً فَارِهَةً جِدًّا وَأَنْ يَقْتَرِنَ بِشَقْرَاءٍ تُشْبِهُ اُلْمُتَمَثِّلاَتِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. فَهَذِهِ الأُمُورُ، وَإِنْ كَانَتْ فِي ذَاتِهَا مُمْكِنَةً وَمُمْكِنَةً بِاُلْقِيَاسِ إِلَى اُلْوَاقِعِ التَّابِعَةِ لَهُ، فَهْيَ مُنْفَصِلَةٌ عَنْ وَاقِعِ زَيْدٍ. لِذَلِكَ فَهْيَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُكْسِبَهُ السُّكُونَ وَالطُّمَأْنِينَةَ، بَلِ الاضْطِرَابَ وَاُلْحَيْرَةَ. وَالذَّاتُ سَتُصْبِحُ لاَ مَحَالَةَ شَعَاعًا مُتَفَرِّقَةً عَارِيَةً مِنَ اُلْوِحْدَةِ. وَذَاكَ لَعَمْرِي لَيْسَ فَسْخٌ أَعْظَمُ مِنْهُ.

  3) اِنْسِلاَخُهُ إِذَا كَانَ كَهْلاً أَوْ شَيْخًا

   وَأَمَّا لَوْ كَانَ زَيْدٌ رَجُلاً كَهْلاً أَوْ شَيْخًا قَدْ عَاشَ زَمَنًا طَوِيلاً حَتَّى عَرَضَتْ لَهُ الانْتَرْنَتْ، فَقَدْ حَصَّلَ هَيْئَةً وَثَبَتَتْ لَهُ صُورَةٌ. وَكُلُّ هَذِهِ الصُّورَةِ أَنَّهُ : هُوَ اُلْعَمُّ زَيْدٌ اُلْمُعَلِّمُ اُلْخَارِجُ إِلَى اُلْمَعَاشِ الَّذِي لَهُ عِبَارَةٌ عَامِيَّةٌ تُونِسِيَّةٌ نَقِيَّةٌ مِنْ أَلْفَاظِ اُلْعَصْرِ الشَّوْهَاءِ وَالَّذِي يُحِبُّ أَنْ يَخْلِطَ كَلاَمَهُ بِبَعْضِ الأَمْثَالِ أَوِ اُلشَّوَاهِدِ مِنَ الشِّعْرِ اُلْعَرِبِيِّ اُلْقَدِيمِ وَالَّذِي يَذْكُرُ لَهُ مَنْ تَعَلَّمَ مِنْهُ بَرَاعَتَهُ فِي النَّحْوِ وَالصَّرْفِ وَاُلْمَعْرُوفُ عَنْهُ ذَوْقُهُ الشَّدِيدُ لِلطَّرَبِ اُلْعَرَبِيِّ الأَصِيلِ وَالَّذِي اعْتَادَ أَنَّهَ مَا يَسْمَعُ بِرَجُلٍ بِاُلْقَرْيَةِ قَدْ اِعْتَلَّ إِلاَّ عَادَهُ، وَاُلْمَعْرُوفُ عَنْهُ اُلْمَوَاظَبَةُ بَيْنَ اُلْمَغْرِبِ وَاُلْعِشَاءِ عَلَى حُضُورِ دَرْسٍ فِي اُلْفِقْهِ أَوِ اُلسِّيرَةِ أَوِ اُلتَّفْسِيرِ. إِذَنْ فَكُلُّ هَذِهِ الخِصَالِ اُلْمُجْتَمِعَةِ فِي زَيْدٍ هِيَ مُصَوِّرَةٌ لَهُ مِثْلُهَا عَلَى السَّوَاءِ مِثْلَ اُلخُطُوطِ اُلْمَحْفُورَةِ فِي صَخْرَةٍ قَدْ صُوِّرَتْ صَنَمًا تَامَّ اُلنَّحْتِ وَاُلتَّشْذِيبِ. وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الصِّفَةَ تُفَارِقُ الحَالَ فِي أَنَّهَا هَيْئَةٌ رَاسِخَةٌ، وَاُلْحَالُ هَيْئَةٌ زَائِلَةٌ، لِذَلِكَ يُنْعَتُ بِالأُولَى وَلاَ يُنْعَتُ بِالثَّانِيَةِ : فَمَثَلاً اُلْمَرْءُ لاَ يُقَالُ هُوَ كَذَّابٌ لِكِذْبَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ إِذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ اُلْكَذِبُ. وَمَعَ ذَلِكَ فَاُلصِّفَةُ اُلْمَعْنَوِيَّةُ تُفَارِقُ الصِّفَةَ اُلْمَحْسُوسَةَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الثَّانِيَةَ تَدُومُ بِذَاتِهَا وَلاَ تَنْدَثِرُ إِلاَّ بِتَأْثِيرٍ مِنْ خَارِجٍ : كَاُلْكِتَابَةِ اُلْمَنْقُوشَةِ فِي صَخْرَةٍ، هِيَ تَنْمَحِي فِي زَمَنٍ طَوِيلٍ جِدًّا بِاُلْمَطَرِ وَالرِّيحِ. أَمَّا الصِّفَةُ اُلْمَعْنَوِيَّةُ، وَلَوْ صَارَتْ رَاسِخَةً، فَإِنَّهَا مُنْفَسِخَةٌ آئِلَةٌ إِلَى اُلضَّعْفِ مَا لَمْ تُتُعَهَّدْ أَوْ يُوَاظَبْ عَلَيْهَا. كَذَلِكَ فَعَمُّ زَيْدٍ، بَعْدَ الانْتَرْنَتْ قَدْ صَارَ لَهُ انْقِطَاعٌ كَبِيرٌ إِلَيْهَا وَمُتَابَعَةٌ لِحَوَدِاثِ اُلْعَالَمِ وَاِسْتِخْبَارٌ دَائِمٌ عَنْ أَسْرَارِ أَهْلِ السِّيَاسَةِ وَنَظَرٌ مُتَكَرِّرٌ فِي شُبُهَاتِ أَصْحَابِ اُلنِّحَلِ اُلْمُخَالِفَةِ، فَهَلُمَّ جَرًّا. إِذَنْ، فَهْوَ مَا بَقِيَ مُثَابِرًا عَلَى عِيَادَةِ اُلْمَرْضَى وَلاَ حَرِيصًا عَلَى حُضُورِ دُرُوسِ اُلْفِقْهِ وَالسِّيرَةِ، وَلِسَانُهُ قَدْ جَفَّ مَعِينُهُ وَصَارَ بَعْدَ أَنْ كَانَ يَجْرِي بـ:

﴿إِذَا اُلْمَرْءُ لَمْ يَدْنَسْ مِنَ اللُّؤْمِ عِرْضُهُ  ***   فَكُلُّ رِدَاءٍ يَرْتَدِيهِ جَمِيلُ﴾

يَجْرِي بـ: فَايِسْ بُوكْ وَيُوتِيُوبْ وَوَاتَسْ آبْ، إِلَى غَيْرِهِ.

ــــــــــ

اُلْفَصْلُ الثَّانِي

الانْتَرْنَتْ وَانْكِشَافُ الأَشْيَاءِ

   لَقَدْ قُلْنَا إِنَّ الصِّفَةَ لاَ تَثْبُتُ إِلاَّ إِذَا كَانَ اُلْمِثَالُ وَاحِدًا يُثَابَرُ عَلَيْهِ. لَكِنِ الانْتَرْنَتْ صِفَتُهَا أَنَّهَا تُحْضِرُ الأَمْثِلَةَ كُلَّهَا بِلاَ قَيْدٍ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ. [انْظُرِ الرَّسْمَ] :

بِالانْتَرْنَتْ، صَارَتْ كُلًُّ الأَمْثِلَةِ قَائِمَةً فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ.
صَعِيدٌ وَاحِدٌ مُنْبَسِطٌ.

لِذَلِكَ صَارَ اُلْمَرْءُ اجْتِهَادُهُ أَنْ يُلْمَحَ مِنْهُ مَعْنًى مِنْ أَكْثَرَ مِنْ مِثَالٍ : كَكَوْنِ مَنِ اُلْمُسْلِمِينَ اُلْيَوْمَ مَنْ تَرَى لَهُ جَمْعًا بَيْنَ طَلَبٍ لِمَعِيشَةٍ كَمَعِيشَةِ مِيسْتَرْ دَافِيدْ وَمَوْتَةٍ كَمَوْتَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ. وَهَذَا بِلاَ رَيْبٍ، بِمَنْزِلَةِ صَخْرَةٍ نُحِتَتْ مَعًا عَلَى أَمْثِلَةِ الإِنْسَانِ وَالأَسَدِ وَاُلْفَرَسِ، فَهْيَ حَقًّا لَأَقْبَحُ صُورَةً مِمَّا لَوْ تَعَرَّتْ مِنْ كُلِّ صُورَةٍ أَصْلاً. ثُمَّ إِنَّ كَثْرَةَ الأَمْثِلَةِ مُخِلٌّ أَيْضًا بِشَرْطِ اُلْمُثَابَرَةِ : إِذْ زَيْدٌ مَا يُقِيمُ عَلَى مِثَالٍ حَتَّى يَنْتَقِلَ إِلَى غَيْرِهِ ثُمَّ إِلَى غَيْرِهِ ثُمَّ إِلَى غَيْرِهِ : فَالآن هُوَ مَعَ سَنْدَرَا، وَقَبْلُ كَانَ مَعَ الشَّيْخِ فُلاَنٌ بْنُ فُلاَنٍ، وَقَبْلَهُمَا كَانَ مَعَ فِيلْمٍ غِنَائِيٍّ أَمَرِيكِيٍّ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. 

   كَذَلِكَ فَإِنَّ وُجُودَ الأَمْثِلَةِ اللاَّمُتَنَاهِيَةِ مَعًا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ لاَ تَرَاتُبَ بَيْنَهَا وَلاَ حُجُبَ يَسْتُرُ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ سَيَجْعَلُهَا لاَ مَحَالَةَ كُلاًّ مُنْكَشِفًا عَلَى كُلٍّ، وَكُلاًّ مُنْكَشِفًا لِكُلِّهَا، وَكُلَّهَا مُنْكَشِفًا لِكُلٍّ.

وَانْكِشَافُ كُلٍّ عَلَى كُلٍّ مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ مِثَالٍ وَاحِدًا وَاحِدًا هُوَ مُطَّلِعٌ عَلَى كُلِّ مِثَالٍ وَاحِدًا وَاحِدًا، حُكْمًا. [انْظُرِ الرَّسْمَ] :

وَانْكِشَافُ كُلٍّ لِكُلِّهَا مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ مِثَالٍ وَاحِدًا وَاحِدًا تَرْصُدُهُ كُلُّ الأَمْثِلَةِ مَعًا، حُكْمًا.[انْظُرِ الرَّسْمَ] :

وَانْكِشَافُ كُلِّهَا لِكُلٍّ مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّهَا مَعًا يَرْصُدُهُ كُلُّ مِثَالٍ وَاحِدًا وَاحِدًا، حُكْمًا. [انْظُرِ الرَّسْمَ] :

   وَلِذَلِكَ لَعَمْرِي ثَلاَثَةُ لَوَازِمَ كُبْرَى هِيَ :

 أ) لاَزِمُ الاِنْكِشَافِ اُلأَوَّلِ انْكِشَافِ كُلٍّ عَلَى كُلٍّ، وَهْوَ وِحْدَةُ اُلْهِمَّةِ وَاُلْقَصْدُ إِلَى مِثَالٍ وَاحِدٍ أَجْوفَ

   لاَزِمٌ أَوَّلٌ تَابِعٌ لِلانْكِشَافِ الأَوَّلِ : وَهَذَا لِبَيَانِهِ نَذْكُرُ أَوَّلاً إِنَّ الإِنْسَانَ اُلْعَاقِلَ هِمَّتُهُ لاَتَتَعَلَّقُ إلاّ بِاُلْمُمْكِنِ وَلاَ يَحْرِصُ إِلاَّ عَلَى مَا قَضَى بِإِمْكَانِهِ. فَإِنْ كَانَ الشَّيْءُ جَائِزًا لَهُ وَحَرِصَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَنَلْهُ أَوْرَثَهُ ذَلِكَ اُلْحَسْرَةَ واليَأْسَ والسُّخْطَ. فَإِنْ هُوَ قَدَّرَ امْتِنَاعَهُ سَلِمَ مِنْ تِلْكُمُ الأَحْوَالِ أَصْلاً. فَمَثَلاً زَيْدٌ اُلْفَقِيرُ لَيْسَ لَهُ طَمَعٌ فِي كَوْنِهِ ذَا جَنَاحَيْنِ، وَقَدِيمًا لَمَّا كَانَ اُلْعَالَمُ عَوَالِمًا مُتَرَاتِبَةً مُتَبَايِنَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ أَيْضًا طَمَعٌ فِي كَوْنِهِ ذَا جَوَادٍ فَارِهٍ كَأَمِيرِ اُلْمَدِينَةِ، بَلْ يُنْزِلُ ذَلِكَ فِي الامْتِنَاعِ مَنْزِلَةَ اُلْجَنَاحَيْنِ. أَمَّا الآنَ، فَبِالانْتَرْنَتْ فَقَدْ صَارَ كُلُّ النَّاسِ وُقُوفًا فِي سَطْحٍ وَاحِدٍ، حُكْمًا. وَهَذِهِ اُلْمُسَاوَاةُ اُلْوَهْمِيَّةُ سَيَتْبَعُهَا فُشُوُّ يَقِينٍ عَامٍّ بِأَنَّ كُلَّ النَّاسِ هُمْ أَيْضًا مُتَسَاوُونَ فِي اُلْمَرْتَبَةِ اُلْوُجُودِيَّةِ. وَإِذَا تَسَاوُوا، فَكُلُّ مُمْكِنٍ لِوَاحِدٍ إِذَنْ هُوَ مُمْكِنٌ لِغَيْرِهِ بِاُلسَّوِيَّةِ. لِذَلِكَ فَإِنَّ كُلَّ اُلْمَطَالِبِ لَمْ تَعُدْ مُتَعَلِّقَةً فَقَطْ بِإِمْكَانِ اُلْمَحَلِّ اُلْمُنَاسِبِ لَهُ، بَلْ صَارَتْ تَطْلُبُ بِإِلْحَاحٍ شَدِيدٍ إِمْكَانًا آخَرَ مَحْصُورًا فِي اُلْكَمِّ وَاُلْهَيْئَةِ وَاُلْمَكَانِ. إذ يُرَى اُلْيَوْمَ، مَثَلاً، كُلُّ الأُمَمِ هِمَمُهَا تَؤُمُّ مِثَالاً وَاحِدًا : فَاُلصِّينِيُّ وَاُلْعَرَبِيُّ وَالإِفْرِيقِيُّ إِنَّمَا يَرْجُونَ مَعِيشَةَ اُلْغَرْبِيِّ وَنَمَطَهُ بَلِ الأَمَرِيكِيِّ خَاصَّةً، ويَرُومُونَ كُلُّهُمْ هَيْئَةَ لِبَاسِهِ وَطَعَامِهِ وَسَمَاعِهِ وَحَرَكَتِهِ وَلِسَانِهِ. وَهَذَا سَيَتْبَعُهُ لاَ مَحَالَةَ :

أَوَّلاً، انْبِتَارُ الأُمَمِ مِنْ أُصُولِهَا وَانْقِطَاعُ اُلْمِيرَةِ اُلْوَصْفِيَّةِ عَنْهَا فَتَنْقَلِبُ قَصَبًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ بِلاَ امْتِيَازٍ لِوَاحِدَةٍ عَنْ غَيْرِهَا غَيْرَ مُسْتَمْسِكَةٍ إِلاَّ بِصِفَةٍ مُسْتَعَارَةٍ مُهَلْهَلَةٍ لاَ تَكَادُ تُلاَئِمُهَا : فَأَنْتَ سَتَرَى صِينِيًّا مَجَازًا وَلَيْسَ بِصِينِيٍّ حَقِيقَةً بَلْ سَتَرَى مَسْخًا أَمَرِيكِيًّا، وَسَتَرَى عَرَبِيًّا مَجَازًا وَلَيْسَ بِعَرَبِيٍّ حَقِيقَةً بَلْ مَسْخًا أَمَرِيكِيًّا، وَسَتَرَى أَفْرِيقِيًّا مَجَازًا وَلَيْسَ بِأَفْرِيقِيٍّ حَقِيقَةً بَلْ مَسْخًا أَمَرِيكِيًّا. عَلَى مَعْنَى أَنَّكَ، قَابِلاً سَوْفَ لَنْ تَرَى أُمَمًا مُتَمَايِزَةً ذَوَاتَ صُوَرٍ بَهِيجَةٍ، بَلْ أُمَّةً وَاحِدَةً هِيَ مَسْخُ أُمَّةٍ أَعْنِي أَمَرِيكَا، وَهَذِهِ الأُمَّةُ نَفْسُهَا مَا هِيَ أَصْلاً إِلاَّ حَضَارَةٌ مَمْسُوخَةٌ لَيْسَ لَهَا مَاضٍ أَوْ أَصْلٌ. وَقَدْ خَصَصْتُ اُلْمِثَالَ الأَمَرِيكِيَّ الَّذِي قَدْ أُشَبِّهُهُ بِنَحْوِ التِّنِّينِ اُلْمُلْتَهِمِ لِلأَمْثِلَةِ لِخِصَالٍ ثَلاَثٍ:

الأُولَى، لأَنَّهُ أَقْوَاهَا زِينَةً وَبَهْرَجًا وَظَاهِرًا.

الثَّانِيَةِ، لأَنَّهُ أَجْوَفُهَا وَأَشَدُّهَا خَوَاءً، إِذْ مَعْلُومٌ أَنَّ الشَّيْءَ يَنْتَشِرُ بَيْنَ النَّاسِ إِذَا كَانَ خَفِيفًا سَهْلاً سَخِيفًا. وَإِذَا كَانَ قَوِيًّا لَطِيفًا ثَابِتًا هَجَرُوهُ وَلَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِ إِلاَّ اُلْقَلِيلُ.   

الثَّالِثَةِ، لأَنَّ اُلْوَسَائِطَ اُلصِّنَاعِيَّةَ اُلْمَحْسُوسَةَ وَاُلْوَهْمِيَّةَ جُلُّهَا ذُو مَنْشَإٍ أَمَرِيكِيٍّ، لِذَلِكَ فَالصُّورَةُ الأَمَرِيكِيَّةُ هِيَ الأَكْثَرُ انْكِشَافًا لِلْعَالَمِ.

ثَانِيًا، ثُمَّ إِنَّ الهِمَّةَ لَمَّا غَدَتْ تَرَى غَيْرَ الإِمْكَانِ اُلْمُنَاسِبِ لَهَا، والطَّلَبُ تَابِعٌ لِلإِرَادَةِ، وَالإِرَادَةُ تَابِعَةٌ لِلرُّؤْيَةِ، صَارَ لَهَا حِرْصٌ شَدِيدٌ عَلَى الإِمْكَانِ الآخَرِ وَوَزْنٌ لِنَفْسِهَا بِهِ. لَكِنَّهُ إِمْكَانٌ بَعِيدٌ نَفِيسٌ لاَ تَنَالُهُ كُلُّ الأَيْدِي أَوْ لاَ تَنَالُهُ إِلاَّ أَيْدٍ قَلِيلَةٌ. إِذَنْ فَهْيَ قَاصِرَةٌ دُونَهُ. وَهَذَا القُصُورُ سَيُورِثُهَا قَطْعًا شُعُورًا دَائِمًا بِاُلنُّقْصَانِ والضَّآلَةِ والحَقَارَةِ يَتْبَعُهُ شُعُورٌ أَبَدِيٌّ بِاُلسُّخْطِ واُلْحَسْرَةِ : وَاُلْحَسْرَةُ انْحِسَارٌ وَتَقَلُّصٌ. وَهَذِهِ اُلْمَعَانِي إِذَا تَسَلَّطَتْ عَلَى ذَاتٍ صَيَّرَتْهَا بَاهِتَةَ الصِّفَةِ قَرِيبَةً مِنَ اُلْعَدَمِ.

 ب) لَوَازِمُ الاِنْكِشَافِ اُلثَّانِي اِنْكِشَافِ كُلٍّ لِكُلِّهَا

  1) لاَزِمٌ أَوَّلٌ : اِنْفِكَاكُ اُلظُّهُورِ مِنَ اُلْكَوْنِ

   وَهَذَا أَيْضًا لِبَيَانِهِ نَذْكُرُ أَوَّلاً : اعْلَمْ أَنَّ الإِنْسَانَ مَا بَيْنَ كَوْنٍ وَظُهُورٍ. وَاُلْكَوْنُ هُوَ مَا صَحَّ بِهِ حَقًّا، وَالظُّهُورُ مَا عُرِفَ مِنْهُ لِلنَّاسِ. فَمَثَلاً قَدْ صَحَّ فِي زَيْدٍ كَوْنُهُ طَبِيبًا بَارِعًا. وَهْوَ مِنْ طُولِ اُلْمُعَالَجَةِ صَارَتْ بَرَاعَتُهُ مَعْرُوفَةً. فَالأَوَّلُ كَوْنٌ وَالثَّانِي ظُهُورٌ. وَلِلْإِنْسَانِ خَاصَّةٌ لَطِيفَةٌ غَرِيبَةٌ وَهْيَ أَنَّ ثُبُوتَهُ لاَ يَسْتَغْنِي عَنْ شُعُورِهِ بِثُبُوتِهِ، وَاُلشُّعُورُ بِاُلثُّبُوتِ لاَ يَسْتَغْنِي عَنْ مَعْرِفَةِ اُلْغَيْرِ بِثُبُوتِهِ. وَإِذْ أَنَّ مَعْرِفَةَ اُلْغَيْرِ بِالثُّبُوتِ تَابِعَةٌ لِلثُّبُوتِ، كَذَلِكَ فَإِنَّ تَوَسُّعَ مَعْرِفَةِ اُلْغَيْرِ بِالثُّبُوتِ هِيَ تَابِعَةٌ لِلثُّبُوتِ. فَمَثَلاً زَيْدٌ يَتَمَرَّنُ كُلَّ يَوْمٍ لِيَكُونَ عَدَّاءً، لَكِنَّهُ، وَإِنْ صَارَ حَقًّا قَطْعُهُ لِلأَمْتَارِ الطَّوِيلَةِ فِي زَمَنٍ قَصِيرٍ، فَإِنَّ صِفَةَ العَدَّاءِ لاَتَثْبُتُ حَقًّا إِلاَّ إِذَا رَآهُ غَيْرُهُ، إِذْ لَوْلاَ اُلْجُمْهُورُ لَمَا شَاهَدْتَ مَنْ يُتْعِبُ نَفْسَهُ بِالتَّمْرِينِ إِلاَّ بِقَدْرِ مَا يَنْفَعُ بِهِ بَدَنَهُ. وَغَيْرَ شَكٍّ أَنَّ زَيْدًا بِقَدْرِ مَا يَتَوَسَّعُ ثُبُوتُ العَدْوِ لَهُ تَتَوَسَّعُ اُلْعُيُونُ الَّتِي تَرَاهُ، وَبِقَدْرِ تَوَسُّعِ اُلْعُيُونِ الَّتِي تَرَاهُ يَحْصُلُ لَهُ مِنْهَا اسْتِدْلاَلٌ عَلَى ثُبُوتِ صِفَتِهِ، اُلْمُتَوَسِّعِ. وَإِذَا حَصَلَ هَذَا الاسْتِدْلاَلُ حَصَلَتْ لَهُ زِيَادَةٌ فِي اُلْغِبْطَةِ وَالرِّضَا. وَلَكِنْ هُنَاكَ عَيْبٌ اسْتِدْلاَلِيٌّ قَلَّمَا يَنْجُو مِنْهُ أَحَدٌ يُسَمَّى فِي عِلْمِ اُلْمُنَاظَرَةِ “إِيهَامَ اُلْعَكْسِ” وَهْوَ أَنْ يُتَوَهَّمَ ثُبُوتُ اُلْحُكْمِ فِي جِهَةٍ لِثُبُوتِهِ فِي عَكْسِهَا : مِثْلَ أَنْ يَكُونَ اُلْمَشْهُورُ أَنَّ الزَّانِي يَتَّخِذُ سِكَكًا مُظْلِمَةً لَيْلاً، فَيُخَاطِبُ مُدَّعٍ قَاضِيًا “سَيِّدِي اُلْقَاضِي إِنَّ لِي شُهُودًا عَلَى أَنَّ فُلاَنًا قَدِ اتَّخَذَ سِكَّةً مُظْلِمَةً مَعْلُومَةً لَيْلَةَ الإِثْمِ.” كَذَلِكَ فَإِنَّ لِلنَّفْسِ تَوَهُّمًا أَنَّهُ إِذَا كَانَ تَوَسُّعُ الثُّبُوتِ، أَيِ اُلْكَوْنَ، يَتْبَعُهُ تَوَسُّعٌ فِي اُلْمَعْرِفَةِ، أَيِ الظُّهُورَ، إِذًا فَإِنَّ تَوَسُّعَ الظُّهُورِ هُوَ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى تَوَسُّعِ اُلْكَوْنِ. وَإِذْ أَنَّ اُلْكَوْنَ شَاقٌّ وَمُتْعِبٌ وَيَحْتَاجُ لاجْتِهَادٍ وَكَدٍّ فَإِنَّ الإِنْسَانَ عَادَةً مَا أَلْفَى سَبِيلاً لِلظُّهُورِ يُغْنِيهِ عَنْ وَاسِطَةِ اُلْكَوْنِ سَارَعَ إِلَيْهِ عَلَى اُلْمَكَانِ. وَفِيمَا مَضَى كَانَتْ مَجَالِي الظُّهُورِ مَحْصُورَةَ اُلْعَدَدِ عَلَيْهَا سَدَنَةٌ لاَ يَتْرُكُونَ إِلاَّ لِمَنِ اسْتَحَقَّ الوُقُوفَ فِيهَا. لِذَلِكَ كَانَ الظُّهُورُ دَلِيلاً صَادِقًا عَلَى اُلْكَوْنِ، وَمَنْ سَعَى إِلَيْهِ أَقْبَلَ عَلَى اُلْعَمَلِ وَالاجْتِهَادِ ضَرُورَةً، وَهْوَ بِاُلْعَمَلِ إِنَّمَا يَحْصُلُ الكَمَالُ والتَّرَقِّي. فَمَثَلاً مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُعْرَفَ بِالشِّعْرِ فَلاَ بُدَّ مِنْ أَنْ تُنْشَرَ لَهُ قَصَائِدُ فِي مَجَلَّةٍ أَدَبِيَّةٍ فَرِيدَةٍ اسْمُهُا “اُلْمُقْتَطِفُ”. وَالقَائِمُونَ عَلَيْهَا أَهْلُ دِرَايَةٍ وَتَمْحِيصٍ بِاللُّغَةِ وَالشِّعْرِ. إِذًا، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُعْرَفَ بِالشِّعْرِ فَلاَ بُدَّ أَنْ يَجْتَهِدَ وَيَعْمَلَ حَتَّى يُصْبِحَ ذَا قُدْرَةٍ عَلَى النَّظْمِ اُلْمَتِينِ الصَّحِيحِ نَظْمًا يُقَدِّرُهُ أُولاَئِكَ اُلْقَائِمُونَ فَيُجِيزُونَ نَشْرَهُ. وَقِسْ عَلَيْهِ سَائِرَ اُلْمَعَارِفِ وَاُلْفُنُونِ. أَمَّا بِالانْتَرْنَتْ، فَقَدَ فُكَّ هَذَا التَّلاَزُمُ وَصَارَ لِمَنْ أَحَبَّ مَجَالٍ لِلظُّهُورِ صِنَاعِيَّةٌ غَيْرُ ذَاتِ صِفَةٍ لاَ تُوجِبُ عَلَيْهِ شَرْطَ اُلْكَوْنَ حَتَّى يَقُومَ فِيهَا : فَمَثَلاً إِنْ رَجُلٌ جَاهِلٌ بِاُلْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ رَامَ أَنْ يُكَلِّمَ النَّاسَ فِي الدِّينِ وَالفُتْيَا، فـَليُوتِيوبْ لَنْ يَزْجُرَهُ قَائِلاً : “كُنْ أَوَّلاً ثُمَّ اظْهَرْ”. لِذَلِكَ فَلَمَّا كان الوَهْمُ حَاصِلاً كَمَا أَسْلَفْنَا بِأَنَّ التَّوَسُّعَ فِي الظُّهُورِ دَلِيلٌ عَلَى التَّوَسُّعِ فِي اُلْكَوْنِ، وَاُلْكَوْنُ شَاقٌّ، والنَّفْسُ مَا أَلْفَتْ سَبِيلاً لِلظُّهُورِ يُغْنِيهَا عَنِ اُلْكَوْنِ سَارَعَتْ إِلَيْهِ، فَإِنَّ هِمَمَ النَّاسِ قَدْ صَارَتْ مَصْرُوفَةً إِلَى مَعْرِفَةِ اُلْحِيَلِ وَالطُّرُقِ الَّتِي تَجْعَلُ اُلْمَرْءَ ذَا حُضُورٍ فِي هَذِهِ اُلْمَجَالِي الصِّنَاعِيَّةِ اللاَّمُتَنَاهِيَةِ بِأَكْثَرِ مَا يُمْكِنُ مِنَ الانْتِشَارِ، تَارِكَةً اُلْعَمَلَ وَاُلْكَوْنَ. وَلاَ صِفَةَ إِلاَّ بِهِمَا.

  2) لاَزِمٌ ثَانٍ : فَسَادُ اُللُّغَةِ

   ثُمَّ إِنَّ اُلْقُدْرَةَ الَّتِي تُعْطِيهَا هَذِهِ الوَسَائِطُ لِلإِنْسَانِ بِأَنْ يُخَاطِبَ النَّاسَ بِلاَ قَيْدٍ فِي اُلْعَدَدِ وَالصِّفَةِ لَهَا تَابِعٌ مُهْلِكٌ جِدًّا وَهْوَ فَنَاءُاُللُّغَةِ : وَلِبَيَانِهِ نَذْكُرُ أَيْضًا أَوَّلاً بِأَنَّ اللُّغَةَ هِيَ أَصْوَاتٌ مُقَطَّعَةٌ مُؤَلَّفَةٌ عَلَى قَوَاعِدَ مُطَّرِدَةٍ وَأَحْكَامٍ ثَابِتَةٍ لِيَدُلَّ بِهَا الإِنْسَانُ عَلَى ثَلاَثَةِ أُمُورٍ :

الأَوَّلُ، أَعْيَانُ الأَشْيَاءِ وَلَوَاحِقُ الأَشْيَاءِ كَاُلْمَاءِ وَحَرَارَةِ اُلْمَاءِ.

الثَّانِي، الذَّاتُ وَأَحْوَالُهَا كَالأَنَا وَالأَلَمِ وَاللَذَّةِ.

الثَّالِثُ، اُلْمَعَانِي اُلْمُجَرَّدَةُ كَاُلْخَيْرِ وَاُلْعَدْلِ وَالصَّدَاقَةِ.

   وَلاَ بُدَّ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الإِنْسَانَ إِنَّمَا بِاللُّغَةِ قَدْ كَمُلَ مِنْ صُورَةِ البَهِيمِيَّةِ إِلَى صُورَةِ الإِنْسَانِيَّةِ حَتَّى أَنَّ اللَّفْظَةَ الدَّالَةَ عَلَيْهَا فِي اليُونَانِيَّةِ “لُوغُوسْ” مُسْتَعْمَلَةٌ أَيْضًا لِلْعَقْلِ. وَهْوَ قَدْ كَانَ قَبْلَهَا إنّما يُعَوِّلُ إِمَّا عَلَى الإشَارَةِ اُلْحِسِّيَّةِ أَوْ عَلَى الدَّلاَلَةِ الرَّمْزِيَّةِ، وَكِلاَهُمَا قِوَامُهُ الإِحَالَةُ اُلْحِسِّيَّةِ واُلْحُضُورُ اُلْمَحْسُوسُ. فَمَثَلاً كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ رَجُلٍ لَحْمًا أَشَارَ إِلَى عَيْنِهِ، أَيِ اللَّحْمَ بِِالإِصْبِعِ، إِنْ كَانَ عَلَى بُعْدٍ أَوْ أَتَاهُ بِهِ : وَهَذِهِ الدَّلاَلَةُ هِيَ إِحَالَةٌ حِسِّيَّةٌ لِمَحْسُوسٍ حَاضِرٍ، الإِصْبِعِ، عَلَى مَحْسُوسٍ حَاضِرٍ، اللَّحْمِ اُلْمُشَارِ إِلَيْهِ. وَكَانَ إِذَا خِيفَ مَثَلاً مِنْ أَرْضٍ مَسْبعَةٍ وُضِعَ للنَّاسِ دُونَهُ عَلاَمَةٌ كَعُودِ ذِي شَكْلٍ مَا، يَصِيرُ بِالاقْتِرَانِ والعَادَةِ وُجُودُهُ دَلِيلاً عَلَى وُجُودِ السَّبُعِ : وَهَذِهِ الدَّلاَلَةُ الرَّمْزِيَّةُ هِيَ أَيْضًا إِحَالَةٌ حِسِّيَّةٌ لِمَحْسُوسٍ حَاضِرٍ عَلَى مَحْسُوسٍ حَاضِرٍ. لِذَلِكَ فَلَوْ كَانَتِ دَلاَلَةُ الإِنْسَانِ مَحْصُورَةً فِي هَذِهِ الإِحَالَةِ اُلْحِسِّيَّةِ لَمَا اخْتَلَفَتْ عِبَارَتُهُ عَنِ اُلْبَهِيمَةِ الَّتِي إِنَّمَا تَدُلُّ حِسِّيًّا بِمَحْسُوسٍ عَلَى مَحْسُوسٍ، وَهْيَ دَلاَلَةٌ شَبِيهَةٌ جِدًّا بِاُلْحَدَثِ الطَّبِيعِيِّ اُلْمَحْسُوسِ اُلْمُجَرَّدِ. أَمَّا اللُّغَةُ فَلَهَا خَاصَّةٌ عَظِيمَةٌ حَرِيَّةٌ بِأَنْ تَجْعَلَهَا مِنْ سِنْخِ اُلْعَقْلِ وَالرُّوحِ وَهْيَ أَنَّهَا، وَإِنْ كَانَتْ لاَ تَدُلُّ إِلاَّ بِمَحْسُوسٍ مِنْ صَوْتٍ أَوْ رَسْمٍ، فَهْيَ لاَ تَدُلُّ عَلَى مَدْلُولِهَا إِلاَّ بِوَاسِطَةِ اُلْمَعْنَى. وَلِهَذَا الشَّرْطِ بِعَيْنِهِ اخْتَصَّتِ اللُّغَةُ أَيْضًا بِأَنَّهَا لاَ تَدُلُّ فَقَطْ عَلَى اُلْمَحْسُوسِ، بَلْ لَهَا كَذَلِكَ دَلاَلَةٌ عَلَى اُلْمَعْنَى. بَلْ لَسْنَا نُغَالِي لَوْ قُلْنَا إِنَّمَا اُلْمَعَانِي قَدْ نَشَأَتْ نَشْأَةً تَابِعَةً لِلُّغَةِ وَهْيَ، أَيِ اُلْمَعَانِيَ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً عَلَيْهَا فِي اُلشَّرَفِ، فَهْيَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهَا فِي اُلْوُجُودِ. وَإِذْ أَنَّ الإِنْسَانَ بِاُلْمَعْنَى، إِذَنْ فَالإِنْسَانُ إِنْسَانٌ بِاللُّغَةِ. لَكِنَّ اللُّغَةَ لُغَاتٌ،واخْتِلاَفُهَا لَيْسَ فَقَطْ مِنْ جِهَةِ اُلْمَادَّةِ كَاُلْعَرَبِيَّةِ وَاُلْفِرَنْسِيَّةِ، بَلْ مِنْ جِهَةِ اُلْكَمَالِ وَالنُّقْصَانِ : وَكَمَالُ اللُّغَةِ نَقَاؤُهَا مِنْ شَائِبَةِ الدَّلاَلَةِ الرَّمْزِيَّةِ وَدَلاَلَتُهَا عَلَى اُلْمَعَانِي اُلْكَثِيرَةِ اُلْمُفَصَّلَةِ. وَإِذَا خَالَطَتْهَا الدَّلاَلَةُ الرَّمْزِيَّةُ أَوْ كَانَتْ مَعَانِيهَا قَلِيلَةً وَغَيْرَ مُفَصَّلَةٍ نَالَهَا النُّقْصَانُ. كَذَلِكَ فَالإِنْسَانُ بِقَدْرِ اسْتِعْمَالِهِ لِلُغَةٍ كَامِلَةٍ أَشْرَقَ فِيهِ اُلْمَعْنَى الإِنْسَانِيُّ وَوَضُحَتْ مِنْهُ صُورَةُ العَقْلِ وَبَهْجَةُ الكَمَالِ. لأَنَّ اللُّغَةَ لَيْسَتْ فَقَطْ كَمَا فِي اُلْمَشْهُورِ مُجَرَّدَ وَاسِطَةٍ لِلتَّفَاهُمِ، بَلْ لَهَا سِرٌّ آخَرٌ عَظِيمٌ وَهْوَ أَنَّهَا أَيْضًا وِعَاءٌ حَافِظٌ لِلْمَعَانِي، وَهَذِهِ اُلْمَعَانِي لاَ تَسْرِي لِلإِنْسَانِ إِلاَّ إِذَا جَرَتْ اللُّغَةُ اُلْكَامِلَةُ عَلَى لِسَانِهِ. وَالإِنْسَانُ إِنَّمَا يَأْفِلُ مِنْهُ اُلْمَعْنَى الإِنْسَانِيُّ بِقَدْرِ مَا ضَيَّعَ مِنْ مَعْنًى، وَهْوَ يُضَيِّعُ مِنَ اُلْمَعْنَى بِقَدْرِ مَا ضَيَّعَ مِنَ اللُّغَةِ اُلْكَامِلَةِ. فَإِنْ هُوَ أَمْعَنَ فِي التَّضْيِيعِ فَقَدْ يَنْتَهِي بِعَاقِبَةٍ إِلَى أَنْ تَغْلِبَ عَلَى عِبَارَاتِهِ الدَّلاَلَةُ الرَّمْزِيَّةُ اُلْحِسِّيَّةُ، وَذَلِكَ هُوَ فَنَاءُ اللُّغَةِ وَارْتِكَاسٌ بِلاَ رَيْبٍ إِلَى مَرْتَبَةِ البَهِيمَةِ. وَصُورَةُ هَذَا التَّضْيِيعِ وَفَسَادِ اللِّسَانِ تَكُونُ أَوَّلاً بِأَنْ يُسْتَعْمَلَ عِبَارَاتٌ قَلِيلَةٌ أَوْ عِبَارَةٌ وَاحِدَةٌ لِلدَّلاَلَةِ عَلَى مَعَانٍ كَثِيرَةٍ أَوْ مُفَصَّلَةٍ. ثُمَّ قَدْ يُسْتَغْنَى عَنِ اُلْعِبَارَةِ أَصْلاً لِيُدَلَّ عَلَى الأمُورِ بِالرَّمْزِ وَاُلْحِسِّ بِلاَ وَاسِطَةِ اُلْمَعْنَى شَأْنَ الدَّوَابِ.

   فَإِذَا عُدْنَا إِلَى مَا كُنَّا فِيهِ، فَقَدْ قُلْنَا إِنَّ الإِنْسَانَ بِالانْتَرْنَتْ قَدْ صَارَ لَهُ سَبِيلٌ لِأَنْ يُخَاطِبَ النَّاسَ بِلاَ قَيْدٍ فِي اُلْعَدَدِ وَالصِّفَةِ، وَإِذْ هُوَ يَظُنُّ بِأَنَّ التَّوَسَّعَ فِي الثُّبُوتِ تَابِعٌ لِلتَوَسُّعِ فِي الظُّهُورِ، فَلاَجَرَمَ أَنَّهُ سَيَحْرِصُ عَلَى أَنْ يَكُونَ خِطَابُهُ مُسْتَوْعِبًا لِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ مَا أَمْكَنَ. وَأَنْتَ تَعْلِمُ أَنَّهُ إِذَا خَاطَبْتَ فِئَةً مِنَ النَّاسِ مَعًا فَلَنْ تَفْهَمَكَ كُلُّهَا إِلاَّ إِذَا خَاطَبْتَهَا بِشَيْءٍ مَفْهُومٍ لَهَا عَلَى الاشْتِرَاكِ. لِذَلِكَ فَإِذَا كَانَ اُلْخِطَابُ بِأَكْثَرِ الأَشْيَاءِ اشْتِرَاكًا بَيْنَ النَّاسِ كَانَ اُلْمُخَاطَبُونَ أَكْثَرَ النَّاسِ عِدَّةً. فَمَثَلاً إِنْ أَنْتَ خَاطَبْتَ بِاُلْعَرَبِيَّةِ اُلْفُصْحَى فَسَيَرَاكَ بِضْعُ عَشَرَاتٍ أَوْ مِئَاتٍ، وَإِنْ أَنْتَ خَاطَبْتَ بِاُلْمَصْرِيَّةِ الرَّذْلَةِ فَقَدْ يَرَاكَ بِضْعُ مَلاَيِينَ، وَإِنْ خَاطَبْتَ بِالأَمَرِيكِيَّةِ الرَّذْلَةِ فَقَدْ يَرَاكَ مِئَاتُ اُلْمَلاَيِين، لَكِنْ لَوْ أَنْتَ خَاطَبْتَ بِهَيْئَتِكَ الجِسْمَانِيَّةِ اُلْمَحْضَةِ أَوِ بِالرَّمْزِ اُلْمُسْتَجْلَبِ مِنْ لُغَةِ الإِعْلاَمِيَّةِ فَقَدْ يَرَاكَ كُلُّ النَّاسِ. لِأَجْلِ ذَلِكَ قُلْتُ إِنَّ هَذِهِ الآلَةَ سَالِبَةٌ مِنَ الإِنْسَانِ اللُّغَةَ لِيَحُلَّ مَحَلَّهَا العِبَارَةُ الرَّمْزِيَّةُ اُلْحِسِّيَّةُ. وَهْوَ إِذَا انْسَلَخَتْ مِنْهُ اللُّغَةُ رَجَعَ لاَ مَحَالَةَ إِلَى صُورَةِ مَا قَبْلَهَا حَيْثُ كَانَتْ عِبَارَتُهُ الإشَارَةَ أوِاُلصَّوْتَ اُلْمَحْضَ أَوِ اُلْهَيْئَةَ اُلْجِسْمَانِيَّةَ، كَاُلْبَهِيمَةِ، أَيْ رَجَعَ إِنْسَانًا بِلاَ اُلْمَعْنَى الإِنْسَانِيِّ.

  3) لاَزِمٌ ثَالِثٌ : فَسَادُ اُلْمَدْلُولِ

   وَهُنَاكَ انْفِسَاخٌ آخَرُ تَابِعٌ لِارْتِفَاعِ القَيْدِ عَنِ الظُّهُورِ غَيْرُ فَنَاءِ اللُّغَةِ وَهْوَ انْفِسَاخُ اُلْمَدْلُولِ، أَمَّا فَنَاءُ اللُّغَةِ فَهْوَ انْفِسَاخُ الدَّلاَلَةِ. إِذْ أَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا أَحَبَّ أَنْ يُرْضِيَ نَاسًا كَثِيرِينَ فَلاَ بُدَّ مِنْ خِطَابِهِ لَهُمْ بِوَاسِطَةٍ يَفْهَمُونَهَا، وَهَذِهِ هِيَ الدَّلاَلَةُ. وَلَكِنْ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ فَحْوَى خِطَابِهِ أَيْضًا، وَهَذَا هُوَ اُلْمَدْلُولُ، مِمَّا يَرُوقُ لَهُمْ جَمِيعًا وَيَرْتَضُونَهُ. والإِنْسَانُ بِالانْتَرْنَتْ إِنَّمَا يُخَاطِبُ نُفُوسًا كَثِيرَةً أَلْسِنَتُهَا مُخْتَلِفَةٌ وَأَدْيَانُهَا وَنِحَلُهَا مُخْتَلِفَةٌ، وَبَعْضُهَا مُتَضَادٌّ، وَآدَابُهَا وَأَخْلاَقُهَا مُخْتَلِفَةٌ، وَبَعْضُهَا مُتَضَادٌّ، وَأَسْمَاعُهَا وَأَذْوَاقُهَا مُخْتَلِفَةٌ، وَبَعْضُهَا مُتَضَادٌّ. وَلَمَّا كَانَ هُوَ ذَا حِرْصٍ عَلَى أَنْ يَرُوقَ لِهَؤُلاَءِ مَعًا فَسَيعْمَدُ قَطْعًا إِمَّا إِلَى التَّجْرِيدِ وَذَلِكَ سَلْخٌ لِلصِّفَةِ، أَوْ إِلَى تَرْكِيبِ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتٍ شَتَّى مَبْتُورَةٍ مِنْ أُصُولِهَا وَذَلِكَ إِخْرَاجٌ لِصِفَةٍ شَنْعَاءَ أَقْبَحَ مِنَ اللاَّصِفَةِ نَفْسِهَا. وَمِثَالٌ عَلَى التَّجْرِيدِ : رَجُلٌ أَحَبَّ أن يَشْتَهِرَ بَيْنَ اُلْعَرَبِ بِأَنَّهُ مُفَكِّرٌ عَظِيمٌ، وَاُلْعَرَبُ فِيهِمُ اُلْمُسْلِمُ وَالنَّصْرَانِيُّ وَالسُّنِيُّ وَالشِّيعِيُّ وَاللاَّدِينِيُّ، فَهْوَ سَيُبَادِرُ إِلَى التَّنْبِيهِ بِمُبَاهَاةٍ عَلَى أَنَّهُ عَقْلٌ قَدْ تَعَالَى عَنِ الدِّينِ وَاُلْمَذْهَبِ وَالطَّائِفَةِ وَاُلْعِرْقِ مُتَوَهِّمًا أَنَّ ذَلِكَ زَكَاةٌ وَزِيَادَةٌ وَخَصْلَةٌ فَرِيدَةٌ مِنْ خِصَالِ اُلْعَقْلاَنِيَّةِ، وَهْوَ فِي اُلْحَقِّ إِنَّمَا قَدْ سَلَخَ مِنْ نَفْسِهِ مِنَ اُلْمَعَانِي وَسَارَعَ بِهَا إِلَى اُلْعَدَمِ بِقَدْرِ مَا جَرَّدَ عَنْهَا مِنَ اُلصِّفَاتِ. أَمَّا اُلْمِثَالُ عَلَى التَّرْكِيبِ القَبِيحِ مَا نَرَاهُ اليَوْمَ مِنَ الأَنْمَاطِ اُلْمُوسِيقِيَّةِ اُلْمُؤَلَّفَةِ مِنْ مَقَامَاتٍ وَإِيقَاعَاتٍ مُخْتَلِفَةِ الأَصْلِ وَهْيَ أَنْمَاطٌ أَشَدُّ قُبْحًا مِنْ أَصْوَاتِ اُلْبَهَائِمِ بِطَبِيعَتِهَا. وَاُلْبَاعِثُ إِلَيْهَا مَعَ اُلْجَهْلِ وَاُلْكَسَلِ عَنِ اُلْمَعْرِفَةِ بِالأَصْلِ هُوَ حِرْصُ أَصْحَابِهَا الغُفْلِ عَلَى أَنْ تَرُوقَ لِلأَذْوَاقِ اُلْمُتَبَايِنَةِ فَيُقْبِلَ عَلَيْهَا اُلْفِرَنْسِيُّ لِمَا يَجِدُ بِهَا مِنْ مَعْنَى مُوسِيقَاهُ، وَيُقْبِلَ عَلَيْهَا اُلْعَرِبِيُّ لِمَا يَجِدُ بِهَا مِنْ مَعْنَى مُوسِيقَاهُ، فَهَلُمَّ جَرًّا.

 ج) لاَزِمُ الاِنْكِشَافِ اُلثَّالِثِ اِنْكِشَافِ كُلِّهَا لِكُلٍّ

  1) كَيْفَ أَنَّ عُلُوَّ اُلْكَثْرَةِ مُبْطِلٌ لِلْفَضْلِ وَاُلاِخْتِصَاصِ

   أَمَّا اللاَّزِمُ الثَّالِثُ فَهْوَ تَابِعٌ لِلانْكِشَافِ الثَّالِثِ، أَيْ انْكِشَافَ كُلِّهَا لِكُلٍّ. وَلِبَيَانِهَ نَبْدَأُ بِمُقَدِّمَةٍ وَهْيَ أَنَّ الكَثْرَةَ فَاسِخَةٌ لِلصِّفَاتِ وَأَنَّ آحَادَهَا تَسْقُطَ مِنْهَا الصِّفَةُ بِقَدْرِكَثْرَةِ اُلْكَثْرَةِ. لِذَلِكَ كَانَ فِيثُوغُورَاسْ وَأَتْبَاعُهُ يَعُدُّونَ اُلْكَثْرَةَ هُيُولَى. وَاُلْهُيُولَى هِيَ مَادَّةٌ مُجَرَّدَةٌ مِنَ الصُّورَةِ بِاُلْعَقْلِ لاَ بِاُلْحَقِيقَةِ. فَأَنْتَ مَثَلاً، لَوْ وَقَفَ أَمَامَكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَنَظَرُكُ سَيَسْتَغْرِقُهُ كُلَّهُ وَلَنْ يَكُونَ مُفَرَّقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ. لِذَلِكَ فَأَنْتَ سَوْفَ لَنْ تَرَى مِنْهُ فَقَطْ وِحْدَةً جِسْمَانِيَّةً لَهَا شَكْلٌ إِنْسَانِيٌّ مُبْهَمٌ، بَلْ سَتَرَى زَيْدًا بِعَيْنِهِ ذَا اُلْخَوَاصِّ اُلْبَدَنِيَّةِ اُلْمَعْلُومَةِ وَذَا اُلْخِصَالِ اُلْمَعْنَوِيَّةِ اُلْمَعْلُومَةِ، كَكَوْنِهِ ذَا حَسَبٍ رَفِيعٍ وَهْوَ مِنْ أَعْيَانِ اُلْقَرْيَةِ وَلَهُ أَعْمَالُ جُودٍ وَكَرَمٍ مَشْهُورَةٌ. وَرُؤْيَتُكَ إِيَّاُه قَدْ تُورِثُكَ شُعُورَ الاحْتِرَامِ والإِجْلاَلِ. لَكِنْ هَبْ أَنَّ زَيْدًا وَقَفَ إِلَى جَنْبِهِ رَجُلٌ ثَانٍ : فَإِنَّ انْتِقَالَ نَظَرِكِ مِنْ اخْتِصَاصِ زَيْدٍ بِهِ إِلَى جَمْعِهِ لِرَجُلَيْنِ اِثْنَيْنِ سَيَتْبَعُهُ قَطْعًا إِسْقَاطٌ لِبَعْضِ خَوَاصّ زَيْدٍ وَالالْتِفَاتُ إِلَى اُلْمَعَانِي اُلْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُمْكِنَ جَمْعُهُمَا فِي مُشَاهَدَةٍ وَاحِدَةٍ. وَكُلَّمَا كَثُرَ النَّاسُ اُلْمُنْضَمُّونَ إِلَيْهِ، أَمْعَنَ النَّظَرُ فِي الإِسْقَاطِ حَتَّى إِذَا صَارُوا جَمْعًا غَفِيرًا فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ وَأَحْبَبْتَ أَنْ تَشْمَلَهُمْ فِي نَظَرٍ وَاحِدٍ، اُضْطُرِرْتَ لأَنْ تَقْلِبَهُمْ كُلَّهُمْ آحَادًا جِسْمَانِيَّةً ذَوَاتَ أَشْكَالٍ إِنْسَانِيَّةٍ مُبْهَمَةٍ مِنْ رِجَالٍ أَوْ نِسَاءٍ. أَيْ آحَادًا مُتَسَاوِيَةً لاَ تَفَاضُلَ بَيْنَهَا. إِذَنْ فَاُلشَّيْءُ اُلْوَاحِدُ أَيًّا كَانَتْ فَضِيلَتُهُ، لِأَنَّ اُلْفَضِيلَةَ اخْتِصَاصٌ لَهُ، إِذَا خَالَطَ كَثْرَةً تَطَّلِعُ عَلَيْهَا عَيْنٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنَّ خَوَاصَّهُ مُنْفَسِخَةٌ وَهْوَ مَائِلٌ إِلَى اُلْوِحْدَةِ اُلْمُجَرَّدَةِ بِقَدْرِ كَثْرَةِ اُلْكَثْرَةِ. كَذَلِكَ، فَقَدْ قُلْنَا إِنَّهُ بِالانْتَرْنَتْ صَارَتِ الأَمْثِلَةُ اللاَّمُتَنَاهِيَةُ وَاقِفَةً فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ مُنْكَشِفَةً مَعًا لِمِثَالٍ مِثَالٍ. إِذَنْ، فَهَاهُنَا كَثْرَةٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا تَطَّلِعُ عَلَيْهَا عَيْنٌ وَاحِدَةٌ. وَلِذَلِكَ قَطْعًا أَثَرَانِ مَذْمُومَانِ فَاسِخَانِ : أَحَدُهُمَا عَائِدٌ على اُلْمِثَالِ اُلْمُخَالِطِ، وَالثَّانِي عَائِدٌ عَلَى اُلْمِثَالِ اُلْمُطَّلِعِ.

  2) اُلأَثَرُ اُلْمَذْمُومُ اُلأَوَّلُ اُلْعَائِدُ عَلَى اُلْمِثَالِ اُلْمُخَالِطِ  

   فَأَمَّا الأَثَرُ اُلْعَائِدُ عَلَى اُلْمِثَالِ اُلْمُخَالِطِ فَهْوَ أَنَّ كُلَّ مِثَالٍ ذِي فَضْلٍ فَسَوْفَ تَرَاهُ اُلْعَيْنُ مُنْدَرِجًا فِي كَثْرَةٍ، وَإِذَا رَأَتْهُ كَذَلِكَ زَالَ فَضْلُهُ وَذَهَبَ اخْتِصَاصُهُ. بَلْ يُوجَدُ الأَشْنَعُ، وَهْوَ أَنَّ مُجَاوَرَةَ اُلْمِثَالِ الشَّرِيفِ لِأَمْثِلَةٍ أُخْرَى خَسِيسَةٍ وَحُكْمُ اُلْعَيْنِ اُلْوَاحِدَةِ عَلَى جَمِيعِهَا بِتَسَاوِيهَا سَيَرْفَعُ اُلْمُنَافَاةَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ وَيَجْعَلُ ضَرُورَةً، مَعَانِيًا مَا تَسْرِي مِنَ الصُّوَرِ اُلْخَسِيسَةِ إِلَى الصُّوَرِ اُلْفَاضِلَةِ.

  3) اُلأَثَرُ اُلْمَذْمُومُ اُلثَّانِي اُلْعَائِدُ عَلَى اُلْمِثَالِ اُلْمُطَّلِعِ  

   وَأَمَّا الأَثَرُ اُلْعَائِدُ عَلَى اُلْمِثَالِ اُلْمُطَّلِعِ فَهْوَ تَابِعٌ لِلأَثَرِ الأَوَّلِ بِفَرْعَيْهِ : اُلْفَرْعِ الأَوَّلِ اسْتِوَاءُ الأَمْثِلَةِ وَعَدَمُ تَفَاضُلِهَا. وَاُلْفَرْعِ الثَّانِي اضْطِرَابُ الأَمْثِلَةِ الفَاضِلَةِ وَشَوْبُهَا بِاُلْمَعَانِي اُلْخَسِيسَةِ. إِذْ أَنَّ اُلْمِثَالَ اُلْمُطَّلِعَ نَاقِصٌ، والنُّقْصَانُ هُوَ انْتِفَاءٌ لِلصِّفَةِ. فَلِلْكَمَالِ لاَ بُدَّ مِنَ الاتِّصَافِ اُلصَّحِيحِ، وَالاتِّصَافُ الصَّحِيحُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِالإِذْعَانِ لِلْمِثَالِ الصَّحِيحِ، وَاُلْمِثَالُ الصَّحِيحُ إِنَّمَا هُوَ اُلْمِثَالُ اُلْفَاضِلُ. وَفِيمَا مَضَى قَدْ كَانَ اُلْمِثَالُ، كَمَا أَسْلَفْنَا، تَابِعًا لِلْوَاقِعِ مَوْصُولاً بِالأَصْلِ، لِذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ بِذَاتِهِ مُنْفَصِلاً عَنْ إِرَادَةِ اُلْمُصَوِّرِ. أَمَّا بِالانْتَرْنَتْ، فَاُلْمِثَالُ النَّاقِصُ قَدْ صَارَ يَطْلُبُ التَّصْوِيرَ مِنْ مِثَالٍ يُرَجِّحُهُ هُوَ. لَكِنَّ التَّصْوِيرَ إِذْعَانٌ وَقَهْرٌ. وَاُلْمُذْعِنُ لاَ يُذْعِنُ إِلاَّ لِمَنْ قَضَى بِعُلُوِّهِ وَفَضْلِهِ. لَكِنَّ الأَمْثِلَةَ جَمِيعًا فِي عَيْنِ اُلْمِثَالِ النَّاقِصِ سَتَبْدُو مُتَسَاوِيَةً، لِمَا بَيَنَّا. فَإِنْ كَانَتْ هِمَّتُهُ ضَعِيفَةً وَنِيَّتُهُ بِهَا شَوْبٌ، وَهْوَ اُلْغَالِبُ، فَإِنَّ نَفْسَهُ اُلْكَسْلَى سَتُسَارِعُ إِلَى ذَاكَ الوَهْمِ الأَوَّلِ وَتَتْرُكُ اُلْعَمَلَ والتَّكْمِيلَ مُتَذَرِّعَةً بِأَنْ لاَ أَحَدَ مِنَ الأَمْثِلَةِ بِفَاضِلٍ، أَوْ بِأَنْ لاَ مُوجِبَ لَدَيْهَا لِلتَّرْجِيحِ. وَأَمَّا إِنْ كَانَتْ هِمَّتُهُ كَرِيمَةً ونِيَّتُهُ نَقِيَّةً وَاجْتَهَدَ فِي فَرْزِ اُلْمِثَالِ الفَاضِلِ مِنَ النَّاقِصِ، وَهْوَ اُلْقَلِيلُ النَّادِرُ، فَسَيَحْتَذِيهِ وَهْوَ مُضْطَرِبٌ مَشُوبٌ بِاُلْمَعَانِي اُلْخَسِيسَةِ الّتي سَرَتْ إِلَيْهِ مِنَ الأَمْثِلَةِ النَّاقِصَةِ اُلْمُجَاوِرَةِ. وَمَا صُوِّرَ عَلَى مِثَالٍ مَشُوبٍ، تَكُونُ صُورَتُهُ مَشُوبَةً مُضْطَرِبَةً.    

ــــــــــ

اُلْفَصْلُ الثَّالِثُ

الانْتَرْنَتْ وتَدَاخُلُ الأَمْكِنَةِ

 أ) كَيْفَ أَنَّ شَكْلِيَّةَ اُلْعَالَمِ إِنَّمَا هِيَ تَابِعَةٌ لِحُكْمِ اُلْبُعْدِ فِي مَعْرِفَةِ أَحَدِ اُلْمَكَانَيْنِ لِحَوَادِثِ الآخَرِ

   مِنَ اُلْمَعْرُوفِ أَنَّ لِلإِنْسَانِ جِهَةً مَعْنَوِيَّةً وَهْيَ الذَّاتُ أَوِ اُلْبَاطِنُ، وَجِهَةً حِسِّيَّةً وَهْيَ اُلْجِسْمُ اُلْمَخْصُوصُ الَّذِي بِهِ كَانَ الإِنْسَانُ جَوْهَرًا مُحَاطًا بِاُلْمَكَانِ وَجُزْءً طَبِيعِيًّا. وَاُلْجِسْمُ اُلْمَخْصُوصُ وَمَعَهُ كُلُّ الأُمُورِ اُلْمَحْسُوسَةِ يُسَمَّى أَيْضًا اُلْخَارِجَ. وَهْوَ بِهَذَا إِنَّمَا تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامٌ ضَرُورِيَّةٌ لَيْسَتْ لِإِرَادَتِهِ عَلَيْهَا مِنْ سُلْطَانٍ كَكَوْنِ كُلِّ جِسْمٍ فِي مَكَانٍ وَكُلِّ مَكَانٍ مَخْصُوصٍ لاَ يَشْغَلُهُ إِلاَّ جِسْمٌ وَاحِدٌ وَكُلِّ مَكَانٍ هُوَ مُبَايِنٌ لِكُلِّ مَكَانٍ غَيْرِهِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ بُعْدٍ طَوِيلٍ أَوْ قَصِيرٍ. فَيَلْزَمُ أَنَّ جِسْمًا لاَ يَصِيرُ فِي مَكَانٍ غَيْرِ مَكَانِهِ إِلاَّ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ وَقَطَعَ اُلْبُعْدَ الفَاصِلَ بَيْنَهُمَا. وَ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْلاَ الأَبْعَادُ الفَاصِلَةُ بَيْنَ الأَمْكِنَةِ لَكَانَتْ كُلُّهَا مَكَانًا وَاحِدًا، بَلْ نُقْطَةً وَاحِدَةً. وَالنُّقْطَةُ الوَاحِدَةُ لَيْسَتْ بِمَكَانٍ لِأَنَّ اُلْمَكَانَ وَلَوْ بِفَرْضِهِ وَاحِدًا ذُو امْتِدَادٍ، أَيْ هُوَ ذُو أَمَاكِنَ كَثِيرَةٍ، لاَ مَكَانٌ وَاحِدٌ. إِذَنْ فَكُلُّ العَالَمِ، فَلَوْ فُرِضَ ارْتِفَاعُ الأَبْعَادِ بَيْنَ أَمَاكِنِهِ لَصَارَ نُقْطَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ، وَهْوَ بِقَدْرِ مَا تَقْصُرُ مِنْهُ هَذِهِ الأَبْعَادُ بِعَيْنِهَا، فَرْضًا، مَالَ إِلَى أَنْ يَصِيرَ نُقْطَةً وَاحِدَةً ضَرُورَةً. وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ النُّقْطَةَ لاَ شَكْلَ لَهَا، بَلِ الشَّكْلِ لِلْمُسَطَّحِ، أَيْ لِذِي اُلْبُعْدَيْنِ، أَوْ لِلْمَكَانِيِّ أَيْ لِذِي الثَّلاَثَةِ أَبْعَادِ. ثُمَّ إِنَّ اُلْعَالَمَ فِي اُلْحَقِيقَةِ ذُو شَكْلٍ لأَنَّهُ مُنْبَسِطٌ، وَهْوَ مُنْبَسِطٌ لِأَنَّهُ ذُو أَمَاكِنَ غَيْرِ مَحْصُورَةِ اُلْعَدَدِ، وَهْوَ ذُو أَمَاكِنَ لأَنَّهُ ذُو أَبْعَادٍ فَاصِلَةٍ بَيْنَهَا. وَهَذَا اُلاخْتِلاَفُ اُلْحِسِّيُّ يَتْبَعُهُ اِخْتِلاَفٌ مَعْنَوِيٌّ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لِهَذِهِ الأَمَاكِنِ أَيْضًا صِفَاتٌ إِنْسَانِيَّةٌ دَالَّةٌ عَلَى أُمَمٍ وَشُعُوبٍ مُتَبَايِنَةٍ كَأَرْضِ اُلْعَرَبِ وَأَرْضِ الرُّومِ وَأَرْضِ اُلْعَجَمِ وَأَرْضِ اُلْهِنْدِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَالشَّرْطُ القَوِيُّ الَّذِي جَعَلَ اُلْعَالَمَ عَالَمًا إِنْسَانِيًّا ذَا شَكْلٍ كَمَا كَانَ ذَا شَكْلٍ فِي اُلْحِسِّ أَنَّ التَّبَاعُدَ بَيْنَ الأَمْكِنَةِ هُوَ مُقَيِّدٌ لِاطِّلاَعِ مَكَانٍ عَلَى حَوَادِثَ مَكَانٍ. إِذْ لَوْ لَمْ يَمْنَعْ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ بُعْدٍ كَوْنَ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِ الآخَرِ، صَارَتْ حَوَادِثُهُ بِعَيْنِهَا هِيَ حَوَادِثَ اُلْمَكَانِ الآخَرِ، لأَنَّ اُلْمَكَانَ إِنَّمَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ شَاهِدًا عَلَى حَادِثٍ إِنَّمَا يُلْحَقُ بِهِ اُلْحَادِثُ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، لَمْ تَبْقَ حَوَادِثُهُمَا سِلْسِلَتَيْنِ مُنْفَصِلَتَيْنِ، بَلْ تَدَاخَلَتَا فِي سِلْسِلَةٍ حَدَثِيِّةٍ وَاحِدَةٍ. فَمَثَلاً بَيْنَا زَيْدٌ يُرَاجِعُ تَاجِرًا بِالبَصْرَةِ فِي ثَمَنِ خُفٍّ، سَقَطَ عَمْرٌو ابْنُهُ فِي جُبٍّ سَحِيقٍ. لَكِنْ زَيْدٌ لَمْ يَجْزَعْ وَلَمْ يُهْرَعْ لِيَسْتَنْقِذَ ابْنَهُ، بَلْ وَاصَلَ مُرَاجَعَةَ التَّاجِرِ مُفَاكِهًا إِيَّاهُ. وَأَفْعَالُهُ اللاَّحِقَةُ كَشِرَائِهِ اُلْخُفَّ وَمُرُورِهِ عَلَى بَعْضِ الأَصْحَابِ ثُمَّ رُجُوعِهِ إِلَى اُلْخَانِ بَعْدَ صَلاَةِ اُلْعِشَاءِ لَنْ يَكُونَ مِنْ آنِ السُّقُوطِ مَبْنِيًّا أَصْلاً عَلَى هَذَا اُلْحَادِثِ. أَمَّا مَا سَيَلْحَقُ السُّقُوطَ فِي مَكَانِهِ، فَهْوَ أُمُورٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَيْهِ كَمَوْتِ عَمْرٍو وَحُزْنِ الأُمِّ وَقِيَامِ مَأْتَمٍ. لِذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَكَانُ زَيْدٍ مُطَّلِعًا عَلَى مَكَانِ عَمْرٍو آنَ وُقُوعِهِ، لانْفَصَلَتْ قَطْعًا أَفْعَالُهُ اللاَّحِقَةُ عَنْ فِعْلِ اُلْمُرَاجَعَةِ وَصَارَتْ سِلْسِلَتُهَا مَبْنِيَّةً ضَرُورَةً عَلَى حَادِثِ اُلْمَكَانِ الآخَرِ، أَيِ السُّقُوطَ : كَأَنْ يُرْسِلَ اُلْخُفَّيْنِ مِنْ يَدِهِ وَيُسَارِعَ لاسْتِنْقَاذِ ابْنِهِ مُسْتَصْرِخًا النَّاسَ، وَإِنْ عَمْرٌو قَضَى نَحْبَهُ، فَسَيَحْزَنُ، إِلَى غَيْرِهِ. عَلَى مَعْنَى أَنَّ اُلْحَادِثَيْنِ اُلْمُتَزَامِنَيْنِ حَادِثَ اُلْمُرَاجَعَةِ وَحَادِثَ السُّقُوطِ لَنْ تَتْبَعَهُمَا سِلْسِلَتَانِ مُنْحَازَتَانِ مِنَ اُلْحَوَادِثِ، بَلْ سِلْسِلَةٌ وَاحِدَةٌ. إِذًا، فَاُلْبُعْدُ اُلْمَحْسُوسُ بَيْنَ مَكَانَيْ زَيْدٍ وَعَمْرٍو هُوَ الَّذِي قَضَى بِأَنَّ زَمَنَ مَعْرِفَةِ زَيْدٍ بِحَادِثِ عَمْرٍو غَيْرُ مُوَافِقٍ لِزَمَنِ حَادِثِ عَمْرٍو كَمُوَافَقَةِ زَمَنِ حَادِثِهِ هُوَ لِحَادِثِ عَمْرٍو. إِذْ أَنَّ اِطِّلاَعَ اُلْمَكَانِ الأَوَّلِ عَلَى حَادِثِ اُلْمَكَانِ الثَّانِي إِنَّمَا يُوجِبُ إِمَّا وُرُودَ مَنْ يُخْبِرُ زَيْدًا بِهِ، وَهْوَ لَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ إِلاَّ بَعْدَ وَقْتٍ حَتَّى يَقْطَعَ اُلْمَسَافَةَ الطَّوِيلَةَ، وَإِمَّا رُجُوعَ زَيْدٍ إِلَى اُلْبَصْرَةِ، وَهَذَا أَيْضًا لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ وَقْتٍ أَطْوَلَ، لِلْمَسَافَةِ، وَلِتَأَخُّرِهِ فِي اُلْكُوفَةِ لِأَعْمَالٍ أُخْرَى، لِمَا قُلْنَا أَنَّ اُلْجِسْمَ لاَ يَصِيرُ فِي مَكَانٍ غَيْرَ مَكَانِهِ إِلاَّ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ وَقَطَعَ اُلْبُعْدَ اُلْفَاصِلَ بَيْنَهُمَا. وَلاَ رَيْبَ أَنَّهُ إِذَا صَارَتْ كُلُّ الأَمْكِنَةِ حَوَادِثُهَا وَاحِدَةً صَارَتْ خَوَاصُّهَا الإنْسَانِيَّةُ وَاحِدَةً. وَإِذَا صَارَتْ وَاحِدَةً، صَارَ اُلْعَالَمُ الإِنْسَانِيُّ غَيْرَ ذِي امْتِدَادٍ، أَيْ غَيْرَ ذِي شَكْلٍ، بَلْ كَأَنَّهُ مَحْضُ نُقْطَةٍ.   

   فَاُلْمَعْنَى اُلْمُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ مَا صَحَّ لِلْبُعْدِ حُكْمٌ عَلَى أَنَّ زَمَنَ مَعْرِفَةِ اُلْمَكَانِ بِحَادِثِ مَكَانٍ، مُتَأَخِّرٌ عَنْ زَمَنِ حُصُولِهِ، صَحَّ أَيْضًا أَنَّ لِلأَمَاكِنِ حَوَادِثَ مُخْتَلِفَةً. وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ، صَحَّ إِذًا أَنَّ اُلْعَالَمَ اُلْمَحْسُوسَ هُوَ أَيْضًا عَالَمٌ إِنْسَانِيٌّ مُنْبَسِطٌ ذُو أَمَاكِنَ مَعْنَوِيَّةٍ مُتَبَايِنَةٍ كَمَا هِيَ مُتَبَايِنَةٌ حِسًّا. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ كُلَّ العَالَمِ كُلَّمَا قَصُرَتْ أَبْعَادُ أَمَاكِنِهِ، فَرْضًا، مَالَ إِلَى أَنْ يَصِيرَ نُقْطَةً وَاحِدَةً ضَرُورَةً. كَذَلِكَ فَيُمْكِنُنَا اُلْقَوْلُ كُلَّمَا ضَعُفَ حُكْمُ اُلْبُعْدِ اُلْمَحْسُوسِ عَلَى تَأَخُّرِ زَمَنِ اُلْمَعْرِفَةِ بِاُلْحَادِثِ عَنْ زَمَنِ وُقُوعِهِ، مَالَ اُلْعَالَمُ الإِنْسَانِيُّ إِلَى أَنْ تَصِيرَ حَوَادِثُهُ حَادِثًا وَاحِدًا أَيْ مَكَانًا وَاحِدًا أَيْ نُقْطَةً وَاحِدَةً. وَاُلنُّقْطَةُ هِيَ عَدَمُ الشَّكْلِ، أَيْ عَدَمَ الصِّفَةِ. وَعَدَمُ الصِّفَةِ كَمَا أَسْلَفْنَا هُوَ إِبْهَامٌ وَعَدَمٌ. 

 ب) فِي أَنَّ الانْتَرْنَتْ هِيَ مُبْطِلَةٌ لِهَذَا اُلْحُكْمِ، وَبِبُطْلاَنِهِ يَمِيلُ اُلْعَالَمُ إِلَى اُلْكَوْنِ نُقْطَةً وَاحِدَةً

   وَإِذْ قَدْ قُلْنَا إِنَّ اُلْخَاصَّةَ الأُولَى “لِلأَنْتَرْنَتْ” أَنَّهَا تَجْعَلُ الأَشْيَاءَ حَاضِرَةً مَعًا بِاُلْفِعْلِ أَو بِاُلقُوَّةِ، وَإِنْ لَيْسَ بِذَاتِهَا، إِذَنْ، فَيَلْزَمُ أَنَّ لِهَذِهِ الآلَةِ أَثَرًا هَائِلاً وَهْوَ “بُطْلاَنُ حُكْمِ البُعْدِ.” بَلِ إِنَّ مُهَنْدِسِيهَا وَأَكَابِرَ “الشَّرِكَاتِ” ذَاتِ النِّسْبَةِ بِهَا كَـجُوجِلْ، قَدْ جَعَلُوا قُصْوَى غَايَاتِهِمْ وَأَقْوَى اجْتِهَادِهِمْ فِي أَنْ لاَ تَبْقَى بُقْعَةٌ مِنَ الأَرْضِ إِلاَّ وَتُوصَلُ بِعَصَبٍ مِنْهَا وَأَنْ يَصِيرَ زَمَنُ حُضُورِ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ، كَمْ كَانَتِ اُلْمَسَافَةُ بَيْنَهُمَا، قَرِيبًا مِنَ الآنِ بِقَدْرِ الاسْتِطَاعَةِ. وَهُمْ بِذَلِكَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ لَيُحْسِنُونَ صُنْعًا. وَلاَ يَدْرُونَ أَنَّ سَعْيَهُمْ ذَاكَ إِنَّمَا نِهَايَتُهُ تَدَاخُلُ الأمْكِنَةِ التَّامِ وَصيْرُورَتُهَا مَكَانًا وَاحِدًا، بَلْ نُقْطَةً وَاحِدَةً، أَيْ نَقْضَ العَالَمِ أَصْلاً وَفَسْخَ الصِّفَةِ مِنْهُ، إِذْ لاَ صِفَةَ إِلاَّ بِالشَّكْلِ، وَلاَ شَكْلَ إِلاَّ بِالامْتِدَادِ.

ــــــــــ

اُلْفَصْلُ الرَّابِعُ

الانْتَرْنَتْ وَفَنَاءُ التَّارِيخِ

 أ) حَقِيقَةُ اُلنَّشْأَةِ اُلزَّمَنِيَّةِ وَفِي أَنَّهَا ذَاتُ أَصْلٍ نَفْسَانِيٍّ

   وَالانْتَرْنَتْ أَيْضًا مُبْطِلَةٌ لِلزَّمَنِ مُفْنِيَةٌ لِلتَّارِيخِ كَمَا رَأَيْنَا أَنَّهَا مُبْطِلَةٌ لِلْمَكَانِ فَاسِخَةٌ لِلْعَالَمِ. ولِبَيَانِهِ نَذْكُرُ أَوَّلاً : إِنَّهُ مَعْلُومٌ لأَوَّلِ النَّظَرِ أَنَّ الزَّمَنَ هُوَ حَاضِرٌ مَحْفُوفٌ بِمَاضٍ قَدِ انْقَضَى ومُسْتَقْبَلٍ مُزْمَعٍ أَنْ يَكُونَ. وَالعَامَّةُ، مَعْدُودًا فِيهَا عُلَمَاءُ الطَّبِيعَةِ أَنْفُسُهُمْ، يَظُنُّونَ أَنَّ الزَّمَنَ هُوَ حَقِيقَةٌ خَارِجِيَّةٌ وَأَنَّ مَعَانِيَهِ الثَّلاَثَةَ اُلْمُؤَلَّفَةَ إِنَّمَا هِيَ أَحْوَالٌ طَبِيعِيَّةٌ مُبَايِنَةٌ لِلنَّفْسِ : فَمَثَلاً، اُلْحَاضِرُ هُوَ طُلُوعُ الشَّمْسِ الآنَ، واُلْمَاضِي هُوَ مَا تَقَدَّمَ طُلُوعَهَا الآنَ، وَاُلْمُسْتَقْبِلُ هُوَ مَا سَيَكُونُ وَلَيْسَ كَائِنًا الآنَ إِذِ الشَّمْسُ طَالِعَةٌ. أَمَّا اُلْحَقِيقَةُ عِنْدَ التَّدْقِيقِ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ. إِذْ هَذِهِ الأَحْوَالُ هِيَ زَمَنِيَّةٌ لَيْسَتْ لأَنَّهَا هِيَ نَفْسُهَا الزَّمَنُ، بَلْ لأَنَّهَا فِي الزَّمَنِ: عَلَى مَعْنَى أَنَّ هَذَا الطُّلُوعَ لِلشَّمْسِ هُوَ حَاضِرٌ لأَنَّهُ طُلُوعٌ فِي آنٍ مَوْصُوفٍ بِاُلْحَاضِرِ. وَمَا تَقَدَّمَ هَذَا الطُّلُوعَ فَهُوَ مَاضٍ لأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ فِي آنَاتٍ مُتَقَدِّمَةٍ عَلَى الآن اُلْمَوْصُوفِ بِاُلْحَاضِرِ. وَاُلأَحْوَالُ اُلْمُزْمَعُ أَنْ تَكُونَ بَعْدَ اُلْحَاضِرِ هِيَ مُسْتَقْبَلٌ لأَنَّهَا مُزْمَعَةٌ أَنْ تَكُونَ فِي آنَاتٍ مُتَأَخِّرَةٍ عَنِ الآنِ اُلْحَاضِرِ. لِذَلِكَ، فَقَدْ بَانَ فِي اُلْفَلْسَفَةِ أَنَّ الزَّمَنَ إِنَّمَا هُوَ مَحْضُ تَعَاقُبٍ لِلآنَاتِ بَعْضُهَا مَوْصُوفٌ بِاُلْحَاضِرِ وَبَعْضُهَا مَوْصُوفٌ بِاُلْمَاضِي القَرِيبِ فَاُلْمَاضِي اُلْبَعِيدِ فَاُلْمَاضِي الأَبْعَدِ، إِلَى مَا لاَ نِهَايَةٍ، وَبَعْضُهَا مَوْصُوفٌ بِاُلْمُسْتَقْبَلِ اُلْقَرِيبِ فَاُلْمُسْتَقْبَلِ اُلْبَعِيدِ فَاُلْمُسْتَقْبَلِ الأَبْعَدِ، إِلَى مَا لاَ نِهَايَةٍ. إِلاَّ أَنَّ هَذِهِ الآنَاتِ اُلْمُتَعَاقِبَةَ لَمَّا لَمْ تَكُنْ أَحْوَالاً طَبِيعِيَّةً لَزِمَ إِذًا أَنَّهَا أَحْوَالٌ نَفْسِيَّةٌ أَوْ شُعُورِيَّةٌ. وَقَدْ بَانَ فِي اُلْفَلْسَفَةِ أَيْضًا أَنَّ هَذِهِ الأَحْوَالَ إِنَّمَا هِيَ أَحْوَالٌ إِدْرَاكِيَّةٌ : عَلَى مَعْنَى أَنَّ اُلْحَاضِرَ هُوَ الإِدْرَاكُ اُلْحَاصِلُ. فَمَثَلاً إِنِّي أَرَى زَيْدًا، فَزَيْدٌ حَاضِرٌ بِذَاتِهِ، فَزَيْدٌ هُوَ فِي الآنِ اُلْحَاضِرِ. لَكِنَّ الزَّمَنَ لَيْسَ حَاضِرًا مَحْضًا، إِذَنْ فَهُوَ لَيْسَ إِدْرَاكًا مَحْضًا، بَلْ هُوَ حَاضِرٌ هُوَ نِهَايَةٌ لِمَاضٍ قَدْ كَانَ وَمَبْدَأٌ لِمُسْتَقْبَلٍ سَيَكُونُ. وَإِذْ مَعْنَى اُلْمَاضِي أَنَّهُ انْتِفَاءٌ لِحُضُورٍ قَدْ كَانَ لِاسْتِئْنَافِ حُضُورٍ آخَرَ، إِذَنْ، فَاُلْمَاضِي إِنَّمَا هُوَ انْتِفَاءٌ لإِدْرَاكٍ لاسْتِئْنَافِ إِدْارَكٍ آخَرَ. وَإِذْ أَنَّ اُلإِدْرَاكَ مُتَجَدِّدٌ أَبَدًا، إذًا فَالإِدْرَاكُ اُلْمُنْتَفِي لَيْسَ بِمَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلَ مَرَاتِبُ لاَ مُتَنَاهِيَةٌ كُلَّمَا قَرُبَتْ مِنَ الإِدْرَاكِ اُلْحَاصِلِ رَشَّهَا مِنْ مَعْنَاهُ فَحَصَلَ لَهَا مَعْنَى اُلْمَاضِي اُلْقَرِيبِ، وَكُلَّمَا بَعُدَتْ مِنْهُ حُرِمَتْ فَيْضَهُ فَصَارَتْ مَاضِيًا بَعِيدًا مُمْعِنًا فِي البُعْدِ. وَمَعْنَى اُلْمُسْتَقْبَلِ كَذَلِكَ هُوَ الإِدْرَاكُ اُلْمُزْمَعُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي يُهَيِّءُ لَهُ الإِدْرَاكُ اُلْحَاصِلُ. لَكِنْ هَذِهِ الإِدْرَاكَاتُ اُلْمُتَعَاقِبَةُ اُلْمُنْشِئَةُ لِمَعَانِي الزَّمَنِ الثَّلاَثَةِ وَلِمَرَاتِبِهِ اللاَّمُتَنَاهِيَةِ، لَهَا ثَلاَثُ خَوَاصُّ كُبْرَى : الأُولَى، إنَّهَا أَحْوَالٌ نَفْسِيَّةٌ مُنْشِئَةٌ لِلزَّمَنِ، لَكِنْ هِيَ نَفْسُهَا لَيْسَتْ فِي الزَّمَنِ. بَلِ الَّذِي فِي الزَّمَنِ هُوَ مُتَعَلَّقَاتُهَا. فَمَثَلاً إِدْرَاكِي اُلْحَاصِلُ لِوَجْهِ البَيْتِ اُلْمُتَأَخِّرِ عَنْ إِدْرَاكِي لِجِهَتِهِ الشَّرْقِيَّةِ هُوَ الَّذِي أَعْطَى لِوَجْهِ البَيْتِ ظُهُورًا حَاضِرًا كَانَ قَدْ تَقَدَّمَهُ ظُهُورٌ فِي اُلْمَاضِي القَرِيبِ لِجِهَتِهِ اُلشَّرْقِيَّةِ. أَمَّا نَفْسُ الإِدْرَاكِ اُلْحَاصِلِ فَلاَ يُقَالُ إِنَّ تَقَدُّمَ الإِدْرَاكِ اُلْمُنْصَرِمِ هُوَ تَقَدُّمٌ بِالزَّمَنِ، بَلْ بِالذَّاتِ، إِذْ أَنَّهُ بِهَذَا التَقَدُّمِ إِنَّمَا قَدْ نَشَأَ تَقَدُّمُ اُلْمَعْنَى الزَّمَنِيِّ اُلْمَاضِي عَلَى اُلْمَعْنَى الزَّمَنِيِّ اُلْحَاضِرِ. اُلثَّانِيَةُ، إِنَّ هَذِهِ الإِدْرَاكَاتِ اُلْمُتَعَاقِبَةَ هِيَ مُنْشِئَةٌ لِلزَّمَنِيَّةِ مَا بَقِيَتْ أَحْوَالاً تَعِيشُهَا النَّفْسُ وَلاَ تَتَّخِذَهُا مَعْلُومًا. فَأَمَّا إِنْ كَرَّتْ عَلَيْهَا بِاُلرَّوِيَّةِ وَاتَّخَذَتْهَا مَعْلُومًا صَارَتِ الإِدْرَاكَاتُ أَحْوَالاً نَفْسِيَّةً بَاطِنِيَّةً يَجْرِي عَلَيْهَا حُكْمُ الزَّمَنِ كَسَائِرِ الأُمُورِ البَاطِنِيَّةِ مِثْلَ الانْفِعَالاَتِ النَّفْسِيَّةِ أَوِ الأُمُورِ اُلْخَارِجِيَّةِ. أَمَّا الإِدْرَاكَاتُ اُلْمُنْشِئَةُ لِلزَّمَنِ فَتَكُونُ حِينَئِذٍ أَحْوَالاً أُخْرَى قَبْلَهَا تُعَاشُ وَلاَ تُعْلَمُ.ثَالِثًا، وَلأَنَّ هَذِهِ الإِدْرَاكَاتِ اُلْمُتَعَاقِبَةَ اللاَّمُتَنَاهِيَةَ إِنَّمَا هِيَ أَحْوَالٌ مَنْسُوبَةٌ لِنَفْسِ وَاحِدَةٍ، إِذَنْ، فَهُوَ مِنَ هَذَا الأَصْلِ الوَاحِدِ إِنَّمَا يَسْرِي مَعْنَى اُلْوِحْدَةِ اُلْمَبْثُوثَةِ فِي الإِدْرَاكَاتِ اُلسَّائِلَةِ حَتَّى يَلْزَمَ مِنْهَا عَلَى جِهَةِ الإِنْشَاءِ لَيْسَ فَقَطْ تّعَاقُبٌ مَحْضٌ لآنَاتٍ زَمَنِيَّةٍ، بَلْ كَذَلِكَ حَتَّى يَلْزَمَ مِنْهَا خَاصَّةً، مَعْنَى الزَّمَنِ الوَاحِدِ الكُلِّيِّ العَامِّ اللاَّمَحْدُودِ فِي الأَوَّلِ والآخِر ذِي الآنَاتِ الزَّمَنِيَّةِ اُلْمُتَعَاقِبَةِ.

 ب) مَعْنَى كَوْنِ الأَمْرِ زَمَنِيًّا، وَفِي قِسْمَيْهِ : الأَمْرِ الزَّمَنِيِّ الظَّاهِرِيِّ وَالأَمْرِ الزَّمَنِيِّ اُلْبَاطِنِيِّ، وَفِي اُلْفَرْقِ بَيْنَ تَأْلِيفَيْهِمَا

   وَبَعْدَ أَنْ بَيَنَّا، إِجْمَالاً، مَا حَقِيقَةُ النَّشْأَةِ الزَّمَنِيَّةِ وَذَكَرْنَا أَنَّهَا ذَاتُ أَصْلٍ نَفْسَانِيٍّ، فَلِنَنْظُرِ الآنَ فِي الأُمُورِ الزَّمَنِيَّةِ : إِذِ الأَمْرُ الزَّمَنِيُّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ ذِي أَحْوَالٍ مُرَتَّبَةٍ تَرْتِيبًا لاَ يُعْرَفُ إِلاَّ بِالزَّمَنِ. فَمَثَلاً زَيْدٌ زَمَنِيٌّ، لأَنَّهُ كَانَ لَهُ حَالُ العَدَمِ ثُمَّ حَالُ الوُجُودِ ثُمَّ حَالُ الطُّفُولَةِ ثُمَّ حَالُ الفُتُوَّةِ ثُمَّ حَالُ الكُهُولَةِ، إِلَى غَيْرِهِ. وَتَعَاقُبُ هَذِهِ الأَحْوَالِ إِنَّمَا يُعْرَفُ بِالزَّمَنِ : فَمَثَلاً، عَدَمُ زَيْدٍ قَدْ تَقَدَّمَ عَلَى وُجُودِهِ لأَنَّ الآنَ اُلْمُتَقَدِّمَ عَلَى الآنِ الَّذِي وَافَقَ وُجُودِ زَيْدٍ هُوَ مُوَافِقٌ لِعَدَمِهِ. وَهَذَا خِلاَفًا لِلأُمُورِ الَّتِي لَهَا أَحْوَالٌ مُرَتَّبَةٌ وَلاَ تُوصَفُ بِالزَّمَنِيِّةِ لأَنَّ تَرْتِيبَ أَحْوَالِهَا لاَ يُعْرَفُ بِالزَّمَنِ أَصْلاً : كَاُلْعَدَدِ مَثَلاً، فَأَجْزَاؤُهُ كَاُلْوَاحِدِ والإِثْنَيْنِ والثَّلاَثَةِ هِيَ مُرَتَّبَةٌ، وَلَكِنْ كُلُّهَا مَوْجُودَةٌ مَعًا فَوْقَ الزَّمَنِ. كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ قِسْمَةُ الأَمْرِ الزَّمَنِيِّ قِسْمَيْنِ : الأَمْرُ الزَّمَنِيُّ اُلْخَارِجِيُّ الطَّبِيعِيُّ، كَهَذِهِ الشَّجَرَةِ وَهَذَا الإِنْسَانِ وَهَذِهِ الشَّمْسِ. والأَمْرُ الزَّمَنِيُّ البَاطِنِيُّ وهو كُلُّ نَفْسٍ إِنْسَانِيَّةٍ مِنْ حَيْثُ مَا هِيَ مَشْعُورَةٌ لِنَفْسِهَا، وَجَمِيعُ مَا قَدْ يَعْرِضُ لَهَا مِنْ أَحْوَالٍ، كَالانْفِعَالاَتِ كَانْفِعَالِ اُلْحُزْنِ وَاُلْخَوْفِ وَاُلْغَضَبِ وَاُلْحَسَدِ وَاُلأَلَمِ وَاللَذَّةِ، أَوْ أَفْعَالٍ كَالنَّظَرِ والتَّفْكِيرِ وَاُلْحَدْسِ.

   وَهَاهُنَا نُرِيدُ أَنْ نُنَبِّهَ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ جِهَاتِ الشَّيْءِ إِلَى الشَّيْءِ لَيْسَتْ شَيْئًا زَائِدًا عَلَى حَقِيقَتِهِ، بَلْ عَيْنُ الشَّيْءِ هُوَ جِهَاتُهُ، وَعَيْنُ جِهَاتِهِ هُوَ الشَّيْءُ : فَمَثَلاً وُجُوهُ اُلْمُكَعَّبِ السِتَّةِ هِيَ عَيْنُ اُلْمُكَعَّبِ، وَاُلْمُكَعَّبُ هُوَ عَيْنُ وُجُوهِهِ السِتَّةِ. كَذَلِكَ فَإِنَّ أَحْوَالَ الشَّيْءِ إِلَيْهِ لَيْسَتْ شَيْئًا زَائِدًا عَلَيْهِ، بَلْ هُوَهُوَ فِي عَيْنِ أَحْوَالِهِ، وَعَيْنُ أَحْوَالِهِ هُوَ هُوَ. فَمَثَلاً زَيْدٌ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ مُنْفَصِلَةٍ عَنْ حَالِ وِلاَدَتِهِ فِي زَمَنِ كَذَا وَنَشْأَتِهِ فِي أُسْرَةِ كَذَا وَاكْتِسَابِهِ لِخُلُقِ كَذَا وَذَوْقِ كَذَا أَوْ عَنْ حَالِ الأَلَمِ الَّذِي ذَاقَهُ يَوْمَ كَذَا فِي السَّاعَةِ كَذَا أَوْ عَنِ اُلْفَرَحِ الَّذِي نَالَهُ يَوْمَ كَذَا لَمَّا بُشِّرَ بِغُلاَمٍ سَمَّاهُ عَمْرًوا، فَهَلُمَّ جَرًّا. بَلْ عَيْنُ زَيْدٍ عَيْنُ هَذِهِ الأَحْوَالِ جَمِيعًا، غَيْرَ سَاقِطٍ مِنْهَا حَالٌ وَاحِدَةٌ، وَعَيْنُ هَذِهِ الأَحْوَالِ جَمِيعًا، غَيْرَ سَاقِطٍ مَنْهَا حَالٌ وَاحِدَةٌ، عَيْنُ زَيْدٍ. لِذَلِكَ قِيلَ إِنَّ حَقِيقَةَ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّمَا هِيَ تَأْلِيفٌ مِنْ وُجُوهِهِ أَوْ أَحْوَالِهِ. فَيَلْزَمُ إِذًا، بِبَيَانٍ أَنَّ الأُمُورَ الزَّمَنِيَّةَ بِقِسْمَيْهَا مِنْ حَيْثُ مَا هِيَ زَمَنِيَّةٌ، إنَِّمَا هِيَ تَأْلِيفٌ مِنْ أَحْوَالِهَا الزَّمَنِيَّةِ : فَمَثَلاً حَقِيقَةُ زَيْدٍ هِيَ مَشْعُورَةٌ لَهُ. وَذَلِكَ، لأَنَّ وِلاَدَتَهُ فِي زَمَنِ كَذَا هِيَ مَوْصُولَةٌ، عِنْدَهُ، بِاكْتِسَابِهِ لِخُلُقِ كَذَا وَذَوْقِ كَذَا وَكِلاَهُمَا مَعًا مَوْصُولٌ بِالأَلَمِ الَّذِي ذَاقَهُ يَوْمَ كَذَا فِي السَّاعَةِ كَذَا وَهَذِهِ جَمِيعًا هِيَ مَوْصُولَةٌ بِاُلْفَرَحِ الَّذِي نَالَهُ يَوْمَ كَذَا لَمَّا بُشِّرَ بِغُلاَمٍ سَمَّاهُ عَمْرًوا، فَهَلُمَّ جَرًّا. لَكِنْ فِي التَّأْلِيفِ الَّذِي لِحَقَائِقِ الأُمُورِ الزَّمَنِيَّةِ، إِذَا تَعَلَّقَ بِأَحَدِ قِسْمَيْهَا، فَرْقٌ كَبِيرٌ عَنِ اُلْمُتَعَلِّقِ بِاُلْقِسْمِ الآخَرِ : إِذْ أَنَّ التَّأْلِيفَ الزَّمَنِيَّ لِلْحَقِيقَةِ النَّفْسِيَّةِ وَلِأَحْوَالِهَا البِاطِنِيَّةِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ عَمَلِ النَّفْسِ ذَاتِهَا. عَلَى مَعْنَى أَنَّ النَّفْسَ مِنْ جِهَةِ مَا هِيَ بَاطِنٌ زَمَنِيٌّ هِيَ مُؤَلَّفَةٌ وَهْيَ مُؤَلَّفَةٌ بِاُلْجِهَةِ الَّتِي مِنْهَا هِيَ مُنْشِئَةٌ لِلزَّمَنِ وغَيْرُ مَوْصُوفَةٍ بِالزَّمَنِيَّةِ كَمَا أَسْلَفْنَا. أَمَّا الأَمْرُ الزَّمَنِيُّ اُلْخَارِجِيُّ، كَهَذِهِ الشَّجَرَةِ أَوْ زَيْدٍ ذَاكَ مِنْ حَيْثُ مَا هُوَ جِسْمٌ طَبِيعِيٌّ ظَاهِرٌ، فَزَمَنِيَّتُهُ اُلْمُؤَلَّفَةُ لَيْسَتْ لَهُ مِنْ ذَاتِهِ أَصْلاً، بَلْ إِنَّهَا مُسْتَفَادَةٌ. وَبَيِّنٌ أَنَّهَا مُسْتَفَادَةٌ مِنْ عَيْنِ اُلْمَبْدَإِ الَّّذِي أَفَادَ مَا كَانَ أَحْرَى بِالزَّمَنِيَّةِ، أَعْنِي عَالَمَ البَاطِنِ، زَمَنِيَّتَهُ : أَلاَ وَهْوَ النَّفْسُ اُلْمُنْشِئَةُ لِلزَّمَنِ. لِذَلِكَ إِذَنْ، قَالَتِ الفَلاَسِفَةُ، إِنَّهُ بِالنَّفْسِ إِنَّمَا صَارَ لِلْعَالَمَيْنِ كِلَيْهِمَا عَالَمِ البَاطِنِ، وَعَالَمِ الظَّاهِرِ، حَقِيقَةٌ هِيَ بِالتَّكْوِينِ ذَاتُ زَمَنٍ وَذَاتُ تَارِيخٍ.

   أَمَّا الآنَ، فَنُرِيدُ أَنْ نُبَيِّنَ كَيْفَ أَنَّ الانْتَرْنَتْ مُفْنِيَةٌ لِلتَّارِيخِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَوَّلَيْنِ اثْنَيْنِ، إِحْدَاهُمَا مُتَعَلِّقٌ بِاُلْحَقِيقَةِ الزَّمَنِيَّةِ الظَّاهِرِيَّةِ، وَالثَّانِي مُتَعَلِّقٌ بِاُلْحَقِيقَةِ الزَّمَنِيَّةِ البَاطِنِيَّةِ :

 ج) بَيَانُ كَيْفَ أَنَّ الانْتَرْنَتْ هِيَ مُفْنِيَةٌ لِلتَّارِيخِ مِنَ اُلْوَجْهِ اُلْمُتَعَلِّقِ بِاُلزَّمَنِيَّةِ الظَّاهِرِيَّةِ

   فَأَمَّا اُلْوَجْهُ الأَوَّلُ، فَهَذِهِ صُورَتُهُ : مِنَ اُلْمَعْلُومِ وَبَعْضُهُ قَدْ ذَكَرْنَاهُ، أَنَّ التَّأْلِيفَ الزَّمَنِيَّ إِنَّمَا يُفِيدُ كُلَّ أَمْرٍ زَمَنِيٍّ بِقِسْمَيْهِ ثَلاَثَةَ أَشْيَاءَ بَيِّنَةٍ :

الأَوَّلَ، تَعَاقُبِيَّةَ الأَحْوَالِ. وَهْيَ الكَوْنُ بِحَالٍ خَلاَ مِنْهَا الأَمْرُ الزَّمَنِيُّ لَمَّا كَانَ بِحَالٍ أُخْرَى. فَمَثَلاً زَيْدٌ هُوَ شَابٌّ. وَهِذِهِ اُلْحَالُ قَدْ خَلاَ مِنْهَا لَمَّا كَانَ طِفْلاً.    

ثَانِيًا، تَرْتِيبَ اُلأَحْوَالِ الزَّمَنِيَّةِ. وَهْوَ أَنَّ الأَحْوَالَ الَّتِي لاَ تَثْبُتُ مَعًا لِلأَمْرِ الزَّمَنِيِّ، بَعْضُهَا يَثْبُتُ بِأَنَّهُ مُتَأَخِّرُ عَنْ بَعْضِهَا وَبَعْضُهَا مُتَقَدِّمٌ عَلَى بَعْضِهَا وَلاَ يُمْكِنُ مُخَالَفَةُ التَّرْتِيبِ. عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ بِالتَّأْلِيفِ الزَّمَنِيِّ إِنَّمَا صَحَّ مَثَلاً أَنَّ شَبَابِيَّةَ زَيْدٍ هِيَ بَعْدَ طُفُولَتِهِ وَأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُخَالَفَ فِي التَّرْتِيبِ بِالدَّعْوَى أَنَّ طُفُولَتَهُ هِيَ بَعْدَ شَبَابِيَّتِهِ.

ثَالِثًا، تَأْلِيفَ الأَحْوَالِ اُلزَّمَنِيَّةِ. إِذْ أَنَّ اُلْحَقِيقَةَ الزَّمَنِيَّةَ لَيْسَتْ فَقَطْ أَحْوَالَهَا حَالاً حَالاً مِنْ حَيْثِ مَا هِيَ مُتَعَاقِبَةٌ، بَلْ إِنَّهَا كُلِّيَّةُ أَحْوَالِهَا مِنْ حَيْثُ مَا هِيَ مُتَعَاقِبَةٌ عَلَى التَّرْتِيبِ الزَّمَنِيِّ : فَمَثَلاً زَيْدٌ لَيْسَ هُوَ حَالُ العَدَمِ ثُمَّ هُوَ حَالُ الوِلاَدَةِ ثُمَّ هُوَ حَالُ الطُّفُولَةِ ثُمَّ هُوَ حَالُ الأَلَمِ ذَاتَ يَوْمٍ ثُمَّ هُوَ حَالُ الشَّبَابِ ثُمَّ هُوَ حَالُ اُلْمَرْزُوقِ اِبْنًا الآن، إِلَى غَيْرِهِ. بَلْ زَيْدٌ هُوَ كُلِّيَّةُ هَذِهِ الأَحْوَالِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ اُلْحَالَ الأَخِيرَةَ هِيَ اُلْحَالُ اُلْحَاضِرَةُ الَّتِي مَاضِيهَا اُلْقَرِيبُ إِنَّمَا هُوَ تِلْكَ اُلْحَالُ بِعَيْنِهَا الَّتِي مَاضِيهَا القَرِيبُ إِنَّمَا هُوَ تِلْكَ اُلْحَالُ الأُخْرَى بِعَيْنِهَا الَّتِي مَاضِيهَا القَرِيبُ إِنَّمَا هُوَ تِلْكَ اُلْحَالُ الأُخْرَى بِعَينِهَا، فَهَلُمَّ جَرًّا. وَالشَّيْءُ اُلْحَاضِرُ إِذَا أُخِذَ مَعَ اعْتِبَارِ سِلْسِلَةِ أَحْوَالِهِ اُلْمُتَرَتِّبَةِ التَّرَتُّبَ الزَّمَنِيَّ اُلْمَذْكُورَ، سُمِّيَتْ تِلْكَ السِّلْسِلَةُ تَارِيخَ الشَّيْءِ.

  1) ذِكْرٌ لِلصُّورَةِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا لِلنَّفْسِ إِنْشَاءٌ لِلْحَقِيقَةِ الزَّمَنِيَّةِ بِقِسْمَيْهَا

   لَكِنْ لِسَائِلٍ أَنْ يَسْأَلَ : إِنَّا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الفَاعِلَ لِلتَّأْلِيفِ الزَّمَنِيِّ، أَعْنِي أَنَّ اُلْمُنْشِئَ لِزَمَنِيَّةِ اُلْحَقَائِقِ الزَّمَنِيَّةِ إِنَّمَا هُوَ النَّفْسُ بِوَاسِطَةِ إِنْشَائِهَا لأَصْلِ الزَّمَنِ. لَكِنْ مَا ذُكِرَ بَعْدُ كَيْفَ تَتِمُّ هَذِهِ النَّشْأَةُ. وَاُلْجَوَابُ : لَقَدْ قُلْنَا إِنَّ الإِدْرَاكَ اُلْحَاصِلَ يُعْطِي اُلْحُضُورَ. أَيْ أَنَّ الإِدْرَاكَ اُلْحَاصِلَ تُؤَوِّلُهُ النَّفْسُ عَلَى صُورَةِ الآنِ اُلْحَاضِرِ. وَهْيَ أَيْضًا إِنَّمَا تُؤَوِّلُ الإِدْرَاكَ اُلْمُنْقَضِي قَبْلَهُ عَلَى صُورَةِ اُلْمَاضِي القَرِيبِ فَالَّذِي قَبْلَهُ عَلَى صُورَةِ اُلْمَاضِي اُلْبَعِيدِ فَالَّذِي قَبْلَهُ عَلَى صُورَةِ اُلْمَاضِي الأَبْعَدِ مِنَ اُلْبَعِيدِ، إِلَى غَيْرِهِ. وَالنَّفْسُ، بِجَمْعِهَا بَيْنَ التَّأْوِيلِ وَالتَّأْلِيفِ بَيْنَ هَذِهِ الصُّوَرِ إِنَّمَا يَكُونُ إِنْشَاؤُهَا لِلزَّمَنِ. كَذَلِكَ فَإِنَّ مَادَّةً مَا، إِذَا كَانَتْ حَاصِلَةً فِي الإِدْرَاكِ اُلْحَاصِلِ أَوَّلَتْهَا النَّفْسُ بِوَاسِطَةِ صُورَةِ الآنِ اُلْحَاضِرِ إِلَى مَادَّةٍ حَاضِرَةٍ. ثُمَّ إِذَا كَانَتْ قَدْ كَانَتْ حَاصِلَةً فِي الإِدْرَاكِ الَّذِي قَبْلَهُ أَوَّلَتْهَا إِلَى صُورَةِ اُلْمَادَّةِ اُلْمَاضِيَةِ مِنْ قَريبٍ. ثُمَّ إِذَا كَانَتْ قَدْ كَانَتْ حَاصِلَةً فِي الإِدْرَاكِ الَّذِي قَبْلَ قَبْلَ الإِدْرَاكِ الأَوَّلِ، أَوَّلَتْهَا إِلَى صُورَةِ اُلْمَادَّةِ اُلْمَاضِيَةِ مِنْ بَعِيدٍ. ثُمَّ إِذَا كَانَتْ قَدْ كَانَتْ حَاصِلَةً فِي الإِدْرَاكِ الَّذِي قَبْلَ قَبْلَ قَبْلَ الإِدْرَاكِ الأَوَّلِ، أَوَّلَتْهَا إِلَى صُورَةِ اُلْمَادَّةِ اُلْمَاضِيَةِ مِنْ بَعِيدٍ أَبْعَدَ، فَهَلُمَّ جَرًّا. إِذَنْ، فَالشَّيْءُ الزَّمَنِيُّ هُوَ ذُو حَقِيقَةٍ أَنَّهُ كُلِّيَّةٌ مِنَ الأَحْوَالِ لاَ يَحْوِيهَا تَأْوِيلٌ وَاحِدٌ. بَلْ إِنَّ بَعْضَهَا تُؤَوِّلُهُ النَّفْسُ بِأَنَّهُ حَاضِرٌ وَبَعْضُهَا بِأَنَّهُ مَاضٍ قَرِيبٌ وَبَعْضُهُ بِأَنَّهُ مَاضٍ أَبْعَدُ. لَكِنْ لَيْسَ هَذَا كُلُّ فِعْلِ النَّفْسِ فِي إِنْشَاءِ اُلْحَقِيقَةِ الزَّمَنِيَّةِ اُلْوَاحِدَةِ. بَلَ كَاُلْحَالِ فِي إِنْشَائِهَا لِلزَّمَنِ اُلْوَاحِدِ، لاَبُدَّ مَعَ تَأْوِيلِ أَحْوَالِ الشَّيْءِ إِلَى مَرَاتِبِهِ الزَّمَنِيَّةِ اُلْمَذْكُورَةِ أَنْ تُؤَلَّفَ هَذِهِ الأَحْوَالَ تَأْلِيفًا وَاحِدًا يَجْعَلُهَا إِنَّمَا تَنْحُو إِلَى حَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ حَيْثُ تَكُونُ كُلُّ حَالٍ حَالٍ إِنَّمَا هِيَ مُلْحَقَةٌ بِحَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهَذِهِ اُلْحَقِيقَةُ اُلْوَاحِدَةُ إِنَّمَا تَكُونُ أَيْضًا مُلْحَقَةً بِكُلِّ حَالٍ حَالٍ. وَشَرْحُ ذَلِكَ : أَنَّ النَّفْسَ لاَ تُنْشِئَ فَقَطْ أَحْوَالاً زَمَنِيَّةً مُطْلَقَةً تُؤَلِّفُ بَيْنَهَا تَأْلِيفًا زَمَنِيًّا. فَمَثَلاً هِيَ لاَ تُنْشِئُ حَالَ وِلاَدَةٍ مُطْلَقَةٍ مُتَقَدِّمَةً عَلَى حَالِ طُفُولَةٍ مُطْلَقَةٍ مُتَقَدِّمَةً عَلَى حَالِ أَلَمٍ ذَاتَ يَوْمٍ مُطْلَقَةٍ مُتَقَدِّمَةً عَلَى حَالِ شَبَابِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ. وَمَعَ إِنْشَائِهَا لِهَذِهِ الأَحْوَالِ اُلْمُطْلَقَةِ فَهْيَ تُفِيدُهَا بِالتَّأْلِيفِ كُلِّيَّةً مُسْتَعَارَةً. بَلْ كُلُّ حَالٍ تُنْشِئُهَا النَّفْسُ، فَهْيَ حَالٌ تُشِيرُ بِذَاتِهَا إِلَى ذَاتٍ وَاحِدَةٍ، كَحَالِ الطُّفُولَةِ اُلْمُنْشَأَةِ، فَهْيَ تُشِيرُ بِذَاتِهَا إِلَى ذَاتِ زَيْدٍ اُلْوَاحِدَةِ. لأَجْلِ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ إِنْشَاءُ الأَحْوَالِ الزَّمَنِيَّةِ وَالتَّأْلِيفُ بَيْنَهَا لَيْسَ تَرْكِيبًا مِنْ خَارِجٍ لأَحْوَالٍ مُطْلَقَةٍ غَيْرِ ذَاتِ قِوَامٍ، بَلْ هُوَ تَقْوِيمٌ وَتَحْقِيقٌ لِحَقِيقَةٍ ثَابِتَةٍ وُمَتَعَيِّنَةٍ. عَلَى مَعْنَى أَنَّ إِلْحَاقَ اُلْحَالِ الزَّمَنِيَّةِ بِالذَّاتِ اُلْوَاحِدَةِ اُلْمُشَارِ إِلَيْهَا يُفِيدُهَا، أَيِ اُلْحَالَ، اُلتَّشَخُّصَ وَالتَعَيُّنَ. وَإِلْحَاقُ الذَّاتِ اُلْوَاحِدَةِ بِالأَحْوَالِ الزَّمَنِيَّةِ إِنَّمَا يُفِيدُهَا القِوَامِيَّةَ وَاُلْمَاهِيَةَ. 

  2) تَخْصِيصُ اُلْقَوْلِ فِي الإِنْشَاءِ اُلْمُتَعَلِّقِ بِاُلْحَقِيقَةِ اُلزَّمَنِيَّةِ الظَّاهِرِيَّةِ اِعْتِمَادًا عَلَى مِثَالِ زَيْدٍ اُلْمُصَادَفِ عَلَى هَيْئَةِ اُلْعَابِدِ   

   وَإِذْ قَدْ بَيَنَّا مَا حَقِيقَةُ الإِنْشَاءِ لِلأُمُورِ الزَّمَنِيَّةِ بِقِسْمَيْهَا، فَلِنَخُصَّ القَوْلَ فِي الأَمْرِ الزَّمَنِيِّ الظَّاهِرِيِّ : فَلَقَدْ قُلْنَا إِنَّهُ يُبَايِنُ اُلْأَمْرَ اُلْبَاطِنِيَّ بِأَنَّ مُنْشِئَهَ لَيْسَ ذَاتَهُ، بَلِ النَّفْسُ الشَّاهِدَةُ لَهُ مِنْ خَارِجٍ. وَهِيَ تُؤَلِّفُهُ بِوَاسِطَةِ تَأْلِيفِهَا لإِدْرَاكَاتِهَا اُلْخَارِجِيَّةِ اُلْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ. إِذَنْ فَالتَّرْتِيبُ الزَّمَنِيُّ لِلصِّفَاتِ اُلْمُقَوِّمَةِ لِحَقِيقَةِ الشَّيْءِ اُلْمُمْتَدِّ زَمَنِيًّا وَالَّذِي ذَاتُهُ غَيْرُ مَشْهُودَةٍ لِلنَّفْسِ شُهُودًا بَاطِنِيًّا مُطَابِقًا، بَلْ شُهُودًا ظَاهِرِيًّا مَفْرُوضًا مَدْلُولاً عَلَيْهَا فَقَطْ بِوَاسِطَةِ الصِّفَاتِ، إِنَّمَا هُوَ تَابِعٌ عَلَى التَّمَامِ لِتَرْتِيبِ الإِدْرَاكَاتِ. وَلِنُأْخُذْ الآنَ مِثَالاً عَلَى الأَمْرِ الزَّمَنِيِّ الظَّاهِرِيِّ وَلِنُرِ مِنْهُ كَيْفَ أَنَّ قِوَامَهُ إِنَّمَا بِالصِّفَاتِ الزَّمَنِيَّةِ اُلْمُرَتَّبَةِ، وَكَيْفَ أَنَّ تَرْتِيبَهَا أَعْنِي كَيْفَ أَنَّ تَقَوَّمَ الأَمْرَ اُلْمَذْكُورَ إِنَّمَا هُوَ تَابِعٌ لِلتَّأْلِيفِ الإِدْرَاكِيِّ :

   هَبْ أَنَّكَ ذَاتَ فَجْرٍ قَدْ دَخَلْتَ إِلَى مَسْجِدِ اُلْقَرْيَةِ لِلصَّلاَةِ فَرَأَيْتَ زَيْدًا يُصَلِّي بِخُشُوعٍ كَبِيرٍ، فَحِينَئِذٍ إِمَّا أَنْ تَكُونَ لَيْسَ لَكَ مَعْرِفَةٌ بِمَاضِيهِ أَصْلاً، أَوْ لَكَ مَعْرِفَةٌ بِمَاضِيهِ القَرِيبِ فَقَطْ، أَوْ مَعْرِفَةٌ بِمَاضِيهِ البَعِيدِ أَيْضًا. عَلَى مَعْنَى أَنَّكَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ لَيْسَ لَكَ إِدْرَاكَاتٌ بِهِ سَابِقَةٌ أَصْلاً، أَوْ لَكَ بِهِ إِدْرَاكَاتٌ قَرِيبَةٌ فَقَطْ، أَوْ إِدْرَاكَاتٌ بَعِيدَةٌ أَيْضًا.

فَفِي الأَوَّلِ : سَتَكُونُ مَعْرِفَتُكَ بِزَيْدٍ مَحْصُورَةً فِيمَا يُعْطِيهِ إِيَّاكَ اُلْحَاضِرُ فَقَطْ وَهْوَ هَيْئَةُ الرَّجُلِ العَابِدِ. لَكِنَّ اُلْحَاضِرَ مَا هُوَ إِلاَّ جِهَةٌ وَاحِدَةٌ رَقِيقَةٌ، فَلاَ تَتِمُّ حَقِيقَةُ زَيْدِ إِلاَّ بِوَصْلِهِ بِاُلْجِهَاتِ الأُخْرَى لاَ سِيَّمَا اُلْمَاضِي بِمَرَاتِبِهِ البَعِيدَةِ وَاُلْقَرِيبَةِ. وَإِذْ قَدْ يَكُونُ مَاضِي زَيْدٍ حَتَّى رُؤْيَتِكِ إِيَّاهُ خِلاَفَ مَا تَرَاهُ الآنَ، فَهُوَ احْتِمَالٌ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا، سَيَسْرِي حُكْمُهُ لاَ مَحَالَةَ على مَادَّةِ اُلْحَاضِرِ لِيَجْعَلَ وَصْفَ زَيْدٍ بِاُلْعَابِدِ وَصْفًا مُحْتَمَلاً غَيْرَ مَقْطُوعٍ بِهِ.

وَفِي الثَّانِي : وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَكَ مَعَ رُؤْيَتِكَ لِزَيْدٍ مَعْرِفَةٌ بِمَاضِيهِ القَرِيبِ مِثْلَ أَنَّكَ تَعْرِفُهُ مُنْذُ أُسْبُوعٍ فَقَطْ، أَنْتَ فِيهِ قَدْ تَكَرَّرَتْ رُؤْيَتُكَ إِيَّاهُ عَلَى اُلْهَيْئَةِ اُلْمَذْكُورَةِ. فَحِينَئِذٍ فَإِنَّ وَصْفَهُ بِاُلْعَابِدِ وَإِنْ يَبْقَى مُحْتَمَلاً غَيْرَ مَقْطُوعٍ، لِجَهْلِكَ بِاُلْمَاضِي اُلْبَعِيدِ، فَإِنَّهُ احْتِمَالٌ أَرْجَحُ وَوَصْفٌ أَقْرَبُ إِلَى القَطْعِ مِنَ الأَوَّلِ.

وَفِي الثَّالِثِ : وَهْوَ أَنْ يَكُونَ لَكَ مَعَ رُؤْيَتِكِ لِزَيْدٍ مَعْرِفَةٌ بِمَاضِيهِ القَرِيبِ وَاُلْبَعِيدِ وَلِهَذِهِ وُجُوهٌ :

الأَوَّلُ، مَا تَعْرِفُهُ مِنْ مَاضِي زَيْدٍ اُلْبَعِيدِ وَاُلْقَرِيبِ أَنَّهُ ذُو عِبَادَةٍ وَتَنَسُّكٍ. إذًا، فَهَيْئَةُ اُلْحَاضِرِ هِيَ وَصْفٌ مُطَابِقٌ لِزَيْدٍ : إِنَّهُ رَجُلٌ عَابِدٌ.

الثَّانِي، مَا تَعْرِفُهُ مِنْ مَاضِي زَيْدٍ اُلْبَعِيدِ وَاُلْقَرِيبِ أَنَّهُ تَارَةً يُقْبِلُ عَلَى اُلْعِبَادَةِ بِقُوَّةٍ وَتَارَةً يَفْتُرُ عَنْهَا حَتَّى التَّرْكِ. إذًا فَهَيْئَةُ اُلْحَاضِرِ إِنَّمَا هِيَ إِحْدَى نَوْبَاتِ زَيْدٍ، وَاُلْوَصْفُ اللاَّئِقُ بِهِ : إِنَّهُ رَجُلٌ قُلَّبٌ حَيْرَانٌ رَقِيقُ الإِيمَانِ.

الثَّالِثُ، مَا تَعْرِفُهُ مِنْ مَاضِي زَيْدٍ اُلْبَعِيدِ وَاُلْقَرِيبِ حَتَّى الرُّؤْيَةِ أَنَّهُ ذُو فِسْقٍ وفُجُورٍ. إذًا فَاُلْهَيْئَةُ اُلْحَاضِرَةُ مَوْصُولَةً بِمَاضِي زَيْدٍ تُوجِبُ هَذَا اُلْوَصْفَ : إِنَّهُ رَجُلٌ تَائِبٌ.

   فَهَلُمَّ جَرًّا.  

وَاُلْخُلاَصَةُ اُلْمُسْتَفَادَةُ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الصِّفَةَ لِزَيْدٍ لَيْسَتْ جِهَةً وَاحِدَةً مُنْفَرِدَةً، بَلْ هِيَ جِهَاتٌ زَمَنِيَّةٌ كَثِيرَةٌ مُؤَلَّفَةٌ تَأْلِيفًا زَمَنِيًّا. فَفِي اُلْمِثَالِ كَانَتْ جِهَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ زَيْدٍ، الحَاضِرُ، لَهَا هَيْئَةُ اُلْعَابِدِ. وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ وُصِفَ بِاُلتَّائِبِ، لأَنَّ اُلْوَصْفَ إِنَّمَا هُوَ تَأْلِيفٌ مِنْ تِلْكُمُ اُلْجِهَةِ وَجِهَاتِ اُلْمَاضِي الأُخْرَى. ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ صِفَةَ التَّائِبِ لَمْ تَصِحَّ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهَا تَأْلِيفًا مِنْ جِهَاتٍ كَثِيرَةٍ، بَلْ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ هَذِهِ اُلْجِهَاتُ هِيَ ذَاتُ تَرْتِيبٍ زَمَنِيٍّ بَيِّنٍ : إِذْ لَوْ كَانَتْ مَثَلاً مَادَّةُ اُلْمَاضِي، أَيْ هَيْئَةَ الفَاجِرِ، مُتَأَخِّرَةً عَنْ مَادَّةِ اُلْحَاضِرِ، وَهْيَ هَيْئَةُ اُلْعَابِدِ، لانْقَلَبَتْ صِفَةُ زَيْدٍ مِنْ التَّائِبِ إِلَى ضِدِّهَا، اُلْعَاصِي. وَذَلِكَ لَعَمْرِي خِلاَفًا لِلتَّأْلِيفِ اُلْمَكَانِيِّ. فَمَثَلاً اُلْمُكَعَّبُ جِسُمٌ ذُو سُطُوحٍ مُرَبَّعَاتٍ سِتَّةٍ، فَمِنْ أَيِّ جِهَةٍ بَدَأَ يَظْهَرُ لَكَ فَإِنَّهُ إِذَا تَمَّ تَأْلِيفُ جِهَاتِهِ كُلِّهَا فَاُلْخَارِجُ أَبَدًا وَصْفٌ وَاحِدٌ: إِنَّهُ مُكَعَّبٌ. [انظر الرّسم] :

سَوَاءٌ كَانَتِ اُلْعَيْنُ اُلنَّاظِرَةُ إِلَى اُلْجِهَاتِ اُلسِتِّ مِنَ اُلْمُكَعَّبِ قَدْ بَدَأَتْ مِنْ اُلْجِهَةِ اُلْمُرَقَّمَةِ 1 حَتَّى اِنْتَهَتْ إِلَى اُلْجِهَةِ اُلْمُرَقَّمَةِ 6 أَوِ اُلْعَكْسُ، فَاُلْجُمْلَةُ اُلْمُؤَلَّفَةُ مِنَ النَّظَرَاتِ اُلسِتِّ تُعْطِي دَائِمًا حُكْمًا وَاحِدًا : هَذَا اُلْمَرْئِيُّ هُوَ مُكَعَّبٌ.                                        ر  

وَإِذْ قَدْ قُلْنَا إِنَّ الصِّفَةَ هِيَ تَأْلِيفٌ إِدْرَاكِيٌّ، إِذًا فَصِفَةُ التَّائِبِ مَا صَحَّتْ لِزَيْدٍ إلاّ لِأَنَّ الإِدْرَاكَ اُلْحَاصِلَ مُتَعَلِّقٌ بِمَادَّةٍ حَاضِرَةٍ بِذَاتِهَا وَهْيَ هَيْئَةُ اُلْعَابِدِ، وَهَذَا الإِدْرَاكُ قَدَ نَشَبَتْ بِهِ سِلْسِلَةٌ من الإِدْرَاكَاتِ اُلْمُنْتَفِيَةِ اُلْمُتَرَتِّبَةِ ذَوَاتِ تَعَلُّقٍ كُلِّهَا بِمَادَّةٍ وَاحِدَةٍ غَائِبَةٍ وَهْيَ هَيْئَةُ اُلْفَاجِرِ. أَمَّا لَوْ كَانَتِ الإِدْرَاكَاتُ اُلْمُنْتَفِيَةُ لَهَا تَعَلُّقٌ بِمَادَّةٍ غَائِبَةٍ هِيَ هَيْئَةُ اُلْعَابِدِ، وَالإِدْرَاكُ اُلْحَاصِلُ لَهُ تَعَلُّقٌ بِمَادَّةٍ حَاضِرَةٍ بِذَاتِهَا هِيَ هَيْئَةُ اُلْفَاجِرِ، لَصَارَ اُلْوَصْفُ اُلْحَقِيقُ بِزَيْدٍ : إِنَّهُ عَاصٍ. 

   إِذَنْ، فَبَعْدَ هَذِهِ اُلْمُقَدِّمَةِ الطَّوِيلَةِ وَاُلْمِثَالِ اُلْمَبْسُوطِ، لِنَعُدْ إلى شَأْنِ “الأَنْتَرْنَتْ”، فَقَدْ قُلْنَا إِنَّ خَاصَّةَ هَذِهِ الآلَةِ أَنَّهَا تُحْضِرُ الأَشْيَاءَ مَعًا. لَكِنْ هُوَ إِحْضَارٌ يَخْتَلِفُ مَثَلاً عَنْ عَمَلِ اُلسَّيَارَةِ الَّتِي تَنْقُلُ زَيْدًا مِنَ اُلْكُوفَةِ إِلَى اُلْبَصْرَةِ لِتَجْعَلَهُ حَاضِرًا بِذَاتِهِ بَيْنَ يَدَيّ عَمْرٍو فِي البَصْرَةِ. إِذِ الأَشْيَاءُ بِالانْتَرْنَتْ لَيْسَتْ مَادَّتُهَا مَا يَحْضُرُ بِذَاتِهِ، بَلِ اُلْوَسَائِطُ اُلْوَهْمِيَّةُ اُلْمُحْضِرَةُ إِيَّاهَا. وَقَدْ حَصَرْنَاهَا فِي أَرْبَعٍ : الصُّورَةِ اُلْمُتَحَرِّكَةِ، وَالصُّورَةِ الثَّابِتَةِ، وَالصَّوْتِ اُلْمُجَرَّدِ مِنْ صُورَةٍ، وَالخَطِّ. وَغَيْرَ شَكٍّ أَنَّ الصُّورَةَ اُلْمُتَحَرِّكَةَ هِيَ أَشْبَهُ بِمَعْنَى اُلْحُضُورِ بِالذَّاتِ مِنْ الصَّوْتِ اُلْمُجَرَّدِ وَهَذَا مِنَ الصُّورَةِ الثَّابِتَةِ وَهَذِهِ مِنَ اُلْخَطِّ. وَلَكِنْ نَحْنُ سَنَقْصُرُ كَلاَمَنَا فِي مِثَالِ الصُّورَةِ اُلْمُتَحَرِّكَةِ إِذْ مَا سَيَظْهَرُ مِنْهَا قَدْ يَسْهُلُ بَيَانُهُ أَيْضًا فِي سَائِرِ اُلْوَسَائِطِ.

   اِعْلَمْ أَنَّ الصُّوَرَ اُلْمُتَحَرِّكَةَ الَّتِي يُرَى فِيهَا مَثَلاً زَيْدٌ اُلْمُقِيمُ الآنَ فِي اُلْكُوفَةِ يُمْكِنُ قِسْمَتُهَا إِلَى نَوْعَيْنِ :

نَوْعٍ أَوَّلٍ، تَكُونُ فِيهِ هَذِهِ الصُّوَرُ مُسَاوِقَةً فِي الزَّمَنِ لِهَيْئَاتِ زَيْدٍ اُلْوَاقِعِيَّةِ. فَمَثَلاً هَيْئَةُ الضَّحِكِ الظَّاهِرَةُ الآنَ فِي اُلصُّورَةِ هِيَ بِعَيْنِهَا هَيْئَةُ زَيْدٍ الضَّاحِكِ فِي اُلْوَاقِعِ وَاُلْعَيْنِ. وَهْوَ نَوْعٌ إِنَّمَا يَصِحُّ بِاُلْوَاسِطَةِ الصِّنَاعِيَّةِ اُلْوَهْمِيَّةِ الَّتِي تُنْعَتُ بِلُغَةِ اُلْيَوْمِ “آلَةَ اُلبَثِّ اُلْمُبَاشِرِ” أَوْ “آلَةَ اُلْبَثِّ اُلْحَيِّ”. وَاُلْعِبَارَةُ اُلصَّحِيحَةُ أَنْ نَقُولَ “آلَةُ اُلبَثِّ اُلْمُسْتَقِيمِ.” وَنَوْعٍ ثَانٍ، تَكُونُ فِيهِ الصُّوَرُ غَيْرَ مُسَاوِقَةٍ فِي الزَّمَنِ لِهَيْئَاتِ زَيْدٍ فِي اُلْوَاقِعِ وَاُلْعَيْنِ. فَمَثَلاً قَدْ يُرَى الآنَ صُورَةٌ ضَاحِكَةٌ لِزَيْدٍ، وَزَيْدٌ اُلْحَقُّ فِي ذَلِكَ الآنَ كَانَ قَدْ هِيلَ عَلَيْهِ التُّرَابُ. وَهَذَا النَّوْعُ إِنَّمَا يَصِحُّ بِاُلْوَاسِطَةِ الصِّنَاعِيَّةِ اُلْمَعْرُوفَةِ بِآلَةِ حِفْظِ الصُّوَرِ أَوْ “فِيدِيُو”.

  3) اِسْتِطْرَادٌ لِشَرْحِ مَعْنَى إِدْرَاكِ اُلشَّيْءِ فِي صُورَةٍ، وَفِي اُلْفَرْقِ بَيْنِ اُلإِدْرَاكِ اُلْمُطْلَقِ وَاُلإِدْرَاكِ فِي صُورَةٍ

   وَمَعَ ذَلِكَ، فَلاَبُدَّ أَنْ نَشْرَحَ أَوَّلاً مَا مَعْنَى إِدْرَاكِ زَيْدٍ فِي الصُّورَةِ أَوْ ظُهُورِهِ فِيهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ بِالنَّوْعِ الأَوَّلِ أَوِ الثَّانِي. وَلِبَيَانِهِ، فَلِنَفْرَضْ أَنَّكَ قَدْ وَقَعْتَ عَرَضًا عَلَى صُورَةٍ لِزَيْدٍ يُلْقِي مَوْعِظَةً بِمَسْجِدِ سَعِيدِ بْنِ اُلْمُسَيِّبِ فِي اُلْكُوفَةِ، فَلَحَنَ لَحْنًا فَاحِشًا. فَحِينَئِذٍ أَنْتَ قَدْ لاَ تَعْلَمُ هَذِهِ الصُّورَةَ “حَيَّةً” أَمْ مَحْفُوظَةً. وَمَعَ ذَلِكَ، فَلَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ اُلْجَهْلِ تَأْثِيرٌ أَصْلاً فِي إِدْرَاكِكَ لِزَيْدٍ وَلِهَيْئَاتِهِ الظَّاهِرَةِ فِي الصُّورَةِ. فَمَا مَعْنَى لَيْتَ شِعْرِي هَذَا الإِدْرَاكِ. لَقَدْ قُلْنَا إِنَّ الإِدْرَاكَ اُلْمُطْلَقَ يُحْضِرُ الشَّيْءَ بِذَاتِهِ، وَإِذَا حَضَرَ بِذَاتِهِ جَازَتْ مُعَامَلَتُهُ. إذًا، فَإِدْرَاكُ صُورَةِ زَيْدٍ لَيْسَ إِدْرَاكًا مُطْلَقًا لِزَيْدٍ. إِذْ لَوْ كَانَهُ، لَكَانَ زَيْدٌ حَاضِرًا بِذَاتِهِ فَجَازَتْ مُعَامَلَتُهُ، فَجَازَ لَكَ مَثَلاً أَنْ تَقُومَ إِلَيْهِ لِتُسَارَّهُ بِاُلْخَطَإِ. وَلَكِنْ صُورَةُ زَيْدٍ أَيْضًا لَيْسَتْ خَيَالاً مَحْضًا، سَوَاءٌ تَعَلَّقَ بِمَوْضُوعٍ وَاقِعِيٍّ كَتَخَيُّلِي لِصَدِيقِي فُلاَنٍ اُلْمُقِيمِ الآنَ بِبَارِيسَ، أَوْ بِمَوْضُوعٍ مُصْنُوعٍ بَحْتَةً كَتَخَيُّلِي الآنَ لِصُورَةِ العَنْقَاء. إِذْ خَاصَّةُ اُلْخَيَالِ اُلْمَحْضِ أَنَّهُ تَابِعٌ بِحَذَافِيرِهِ لِلإِرَادَةِ وَاُلْهَوَى. أَمَّا فِي مِثَالِنَا فَلَيْسَ بِهَوَايَ إِنِّي أَرَى الآنَ صُورَةَ زَيْدٍ اُلْوَاعِظِ. لِذَلِكَ فَهْيَ صُورَةٌ قَدْ جَمَعَتْ بَيْنَ خَصْلَةِ الإِدْرَاكِ اُلْمَحْضِ وَخَصْلَةِ اُلْخَيَالِ اُلْمَحْضِ. وَشَرْحُ ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ جِهَةِ مَا أَنَّ الصُّورَةَ غَيْرُ تَابِعَةٍ لِإِرَادَتِكِ، بَلْ أَنْتَ قَدِ انْفَعَلْتَ عَنْهَا انْفِعَالاً مَحْضًا فَهْيَ إِدْرَاكٌ. لَكِنَّهُ إِدْرَاكٌ ذُو تَعَلُّقٍ لَيْسَ بِزَيْدٍ نَفْسِهِ، بَلْ بِاُلْمَحْسُوسَاتِ مِنْ شَاشَةٍ بِاللَّوْرِيَّةِ وَأَلْوَانٍ وَأَشْكَالٍ وَاقِعَةٍ عَلَيْهَا تَابِعَةٍ لِسُقُوطِ حُزْمَاتٍ إِلِكْتُرُونِيَّةٍ، إِلَى غَيْرِهِ. وَكُلُّ مَادَّةٍ مَادَّةٍ حِسِّيَّةٍ، لِلْإِدْرَاكِ تَعَلُّقٌ بِهَا لاَ مَحَالَةَ، فهي تَدْخُلُ في تَأْلِيفِ اُلْمَوْضُوعِ بِنَحْوَيْنِ اثْنَينِ : فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مَادَّةً لِفِعْلٍ وَاحِدٍ بَسِيطٍ، فَيَلْزَمُ مِنْهَا مَوْضُوعٌ وَاحِدٌ بَسِيطٌ، وَهْوَ اُلْمُدْرَكُ اُلْحَاضِرُ بِذَاتِهِ : فَمَثَلاً هَذِهِ التُّفَّاحَةُ الَّتِي تَرَاهَا وَتَشْتَهِي أَكْلَهَا هِيَ مَوْضُوعٌ وَاحِدٌ بَسِيطٌ تَابِعٌ لِفِعْلِ الإِدْرَاكِ اُلْبَسِيطِ الَّذِي بِتَأْلِيفِهِ لِمَحْسُوسَاتٍ شَتَّى مِنْ رَائِحَةٍ وَلَوْنٍ وَطَعْمٍ وَشَكْلٍ، صَارَ لِلْفِعْلِ مُتَعَلَّقٌ حَاضِرٌ بِذَاتِهِ : التُفَّاحَةُ الشَّهِيَّةُ. وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مَادَّةً لِفِعْلٍ مُرَكَّبٍ، اُلْفِعْلُ الأَوَّلُ يُعْطِي مُتَعَلَّقَهُ، فَيَنْبَنِي عَلَيْهِ فِعْلٌ ثَانٍ مُرَكَّبٌ يَلْزَمُهُ مُتَعَلَّقٌ مَخْصُوصٌ : كَمَا فِي اُلْمِثَالِ اُلْمَذْكُورِ. إِذْ أَنَّ إِدْرَاكَ زَيْدٍ في صُورَةٍ إِنَّمَا هُوَ فِعْلٌ مُرَكَّبٌ مِنْ فِعْلٍ إِدْرَاكِيٍّ أَوَّلٍ مُعْطٍ لِلْمَادَّةِ اُلْمَحْسُوسَةِ مِنْ شَاشَةٍ وَأَلْوَانٍ، فَهَلُمَّ جَرًّا. فَيَنْبَنِي عَلَى هَذِهِ اُلْمَادَّةِ فِعْلٌ ثَانٍ مُؤَوِّلٌ يُصَيِّرُهَا مِثَالاً مُتَشَبِّهًا بِزَيْدٍ الغَائِبِ دَالاًّ عَلَى أنّ مَا تَرَاهُ هُوَ يَنُوبُ عَنْ مَا يُحْمَلُ عَلَى زَيْدٍ حَقًّا لَوْ كَانَ حَاضِرًا بِذَاتِهِ، وَذَلِكَ بِعَيْنِهِ مَامَعْنَى إِدْرَاكُ زَيْدٍ في صُورَةٍ. وَاُلْفِعْلُ الأَوَّلُ مِنْ خَصْلَةِ الإِدْرَاكِ، وَاُلْفِعْلُ الثَّانِي اُلْمُنْبَنِي مِنْ خَصْلَةِ اُلْخَيَالِ. وَيَنْبَغِي أَنْ نَذْكُرَ شَيْئًا ضَرُورِيًّا وَهْوَ أَنَّ حَمْلَ اُلْهَيْئَاتِ اُلْمَحْسُوسَةِ فِي الصُّورَةِ عَلَى أَنَّهَا هَيْئَاتُ زَيْدٍ فِي اُلْوَاقِعِ وَاُلْعَيْنِ، إِنَّمَا بِعَمَلٍ مِنَ اُلْخَيَالِ مَقْرُونًا بِنَوْعٍ مِنَ الاسْتِدْلاَلِ. وَالاسْتِدْلاَلُ هُوَ أَنْ تَتَبَيَّنَ مُشَابَهَةَ اُلْهَيْئَاتِ اُلْمَحْسُوسَةِ فِي الصُّورَةِ لِمَا عَرَفْتَهُ مِنْ هَيْئَاتِ زَيْدٍ العَيْنِيَّةِ، فَيَتَسَلَّطُ الاِسْتِدْلاَلُ عَلَى التَّأْوِيلِ اُلْخَيَالِيِّ قَائِدًا إِيَّاهُ لِحَمْلِِ اُلْهَيْئَاتِ الصُّورِيَّةِ عَلَى أَنَّهَا هَيْئَاتُ زَيْدٍ اُلْوَاقِعِيِّ، لاَ بِأَنَّهَا هَيْئَاتُ رَجُلٍ مُبْهَمٍ مِنْ صُنْعِ اُلْخَيَالِ اُلْمَحْضِ. لِذَلِكَ فَلَوْ أَنْتَ قَابَلْتَ زَيْدًا يَوْمًا فِي اُلْكُوفَةِ، فَقَدْ تَلُومُهُ على لَحْنِهِ اُلْفَاحِشِ الَّذِي مَا كَانَ قَدْ ظَهَرَ لَكَ عِيَانًا، بَلْ فِي صُورَةٍ.

  4) تَخْلِيصُ مَعْنًى مُفِيدٍ جِدًّا مِنَ اُلشَّرْحِ اُلْمُتَقَدِّمِ، وَهْوَ ضَرُورَةُ اُلْفَصْلِ بَيْنَ زَمَنِيَّةِ اُلشَّيْءِ وَزَمَنِيَّةِ صُورَةِ اُلشَّيْءِ

   وَمِمَّا سَبَقَ فَقَدْ نَتَبَيَّنُ مَعْنًى ذَا بَالٍ جِدًّا وَهْوَ أَنَّ زَمَنِيَّةَ صُورَةِ زَيْدٍ هِيَ غَيْرُ زَمَنِيَّةِ زَيْدٍ، وَإِنِ اتَّفَقَتَا، فَبِاُلْعَرَضِ : إِذْ هَيْئَةُ زَيْدٍ اُلْوَاقِعِيَّةِ لَهَا مُوجِبٌ وَاقِعِيٌّ وَلَهَا تَرْتِيبٌ زَمَنِيٌّ مَعَ سَائِرِ اُلْهَيْئَاتِ ضَرُورِيٌّ لَيْسَ لِلْإِرَادَةِ عَلَيْهِ مِنْ سُلْطَانٍ. فَفِي اُلْمِثَالِ الأَوَّلِ، لَيْسَ بِهَوَايَ أَنِّي أَرَى الآن هَيْئَةَ زَيْدٍ اُلْعَابِدِ، وَلاَ بِهَوَايَ أَنِّي أَرَاهَا مُتَأَخِّرَةً عَنْ هَيْئَةِ اُلْمُخَالَفَةِ اُلْمُتَقَدِّمَةِ، وَلاَ بِهَوَايَ أَنَّ هَذِهِ اُلْمُخَالَفَةَ قَدْ طَالَتْ فِي اُلْمَاضِي، لِذَلِكَ وَجَبَ وَصْفُ زَيْدٍ بِأَنَّهُ كَانَ عَاصِيًا لاَ مُخْطِئًا، وَلاَ بِهَوَايَ تَأْلِيفُ حَاضِرِ زَيْدٍ بِمَاضِيهِ إِنَّمَا يُوجِبُ وَصْفَ التَّائِبِ. أَمَّا زَمَنِيَّةُ صُورَةِ زَيْدٍ فَهْيَ زَمَنِيَّةُ اُلْمَادَّةِ الَّتِي يَنْبَنِي عَلَيْهَا اُلْفِعْلُ اُلْمُرَكَّبُ اُلْمُؤَوِّلُ لِلْهَيْئَاتِ اُلْمَحْسُوسَةِ اُلْمُشَابِهَةِ عَلَى أَنَّهَا هَيْئَاتُ زَيْدٍ اُلْوَاقِعِيِّ العَيْنِيِّ. وَهِيَ تَخْتَصُّ مِنْ زَمَنِيَّةِ زَيْدٍ بِأَنَّ ظُهُورَهَا وَتَرْتِيبَهَا تَابِعٌ لِلإِرَادَةِ. فَمَثَلاً، لِنَفْرِضْ أَنَّهُ قَدْ أُدْرِجَ في اُلْيُوتِيُوبْ أَشْرِطَةٌ مُصَوَّرَةٌ لِزَيْدٍ، بَعْضُهُا يُرِيهِ يَفْسُقُ، وَبَعْضُهَا يُرِيهِ يُصَلِّي وَيَقْنُتُ. فَلاَ جَرَمَ أَنَّ هَذِهِ اُلْمَوَادَّ هِيَ مَوْجُودَةٌ مَعًا وَأَنَّهُ لِمَنْ شَاءَ أَنْ يَبْدَأَ بِمَا أَحَبَّ مِنْ شَرِيطٍ لِيُشَاهِدَهُ، وَأَنْ يُرَتِّبَهَا عَلَى هَوَاهُ أَوْ أَنْ يَجْعَلَ مِنَ اُلْوَقْتِ بَيْنَ تَصَفُّحِ شَرِيطٍ وَآخَرَ، كَمْ شَاءَ. إذًا، فَبِهَذَا اُلْفِعْلِ إِنَّمَا يَتِمُّ تَأْلِيفٌ، لَيْسَ لِهَيْئَاتِ زَيْدٍ اُلْوَاقِعِيَّةِ، بَلْ لِلْمَوَادِ اُلْمُصَوِّرَةِ لِهَيْئَاتِ زَيْدٍ.

  5) ذِكْرٌ بِأَنَّ الانْتَرْنَتْ إِذْ تَرْفَعُ هَذَا اُلْفَصْلَ تُوجِبُ لَبْسًا مُسْتَحْكِمًا حَيْثُ إِنَّهَا تُقِيمُ تَأْلِيفَ اُلصُّورَةِ بِمَنْزِلَةِ تَأْلِيفِ اُلصِّفَةِ

   وَلِذَلِكَ لَعَمْرِي لاَزِمٌ عَظِيمٌ. وَلِبَيَانِهِ نَقُولُ : قَدْ قُلْنَا إِنَّ إِدْرَاكَ الصُّورَةِ هُوَ فِعْلٌ مُرَكَّبٌ يَحْمِلُ هَيْئَاتٍ مَحْسُوسَةٍ فِي مَادَّةٍ عَلَى أَنَّهَا هَيْئَاتٌ وَاقِعِيَّةٌ عَيْنِيَّةٌ. وَهَذِهِ اُلْحَقِيقَةُ إِنَّمَا يَتْبَعُهَا لَبْسٌ مُسْتَحْكَمٌ وهو إِقَامَةُ تَأْلِيفِ الصُّورَةِ بِمَنْزِلَةِ تَأْلِيفِ الصِّفَةِ. وَإِذَا أُقِيمَ الأَوَّلُ مَقَامَ الثَّانِي فَنَتِ الصِّفَةُ لاَ مَحَالَةَ. فَمَثَلاً، اُلْمَعْلُومُ مِنْ زَيْدٍ بِالإِدْرَاكِ أَنَّهُ تَائِبٌ. والتَّوْبَةُ إِنَّمَا تَقْتَضِي كَمَا رَأَيْنَا هَيْئَاتٍ مُرَتَّبَةً تَرْتِيبًا زَمَنِيًّا مَا، بَيْنَهَا فُصُولٌ زَمَنِيَّةٌ مَا. أَمَّا إِذَا اِتَّخَذْتَ طَرِيقَ الصُّورَةِ فَقَدْ تَبْدَأُ بِمُشَاهَدَةِ شَرِيطٍ عَنْ زَيْدٍ فِي هَيْئَةِ العَابِدِ ثُمُّ تُعْقِبُهُ بِمُشَاهَدَةِ شَرِيطٍ لَهُ فِي هَيْئَةِ اُلْفَاجِرِ. فَيَلْتَبِسَ لَدَيْكَ تَأْلِيفُ الصُّورَةِ بِتَأْلِيفِ الصِّفَةِ، فَيَقِرُّ بِنَفْسِكَ ذَوْقٌ عَنْ زَيْدٍ بِأَنَّهُ رَجُلٌ فَاجِرٌ. بَلْ وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ تَرْتِيبَ اُلْهَيْئَاتِ اُلْمُصَوَّرَةِ كَتَرْتِيبِهَا فِي اُلْوَاقِعِ، فَاللَّبْسُ ثَابِتٌ. إِذْ أَنَّ مُشَاهَدَةَ الصُّوَرِ عَادَةً إِنَّمَا تَكُونُ مُتَقَارِبَةً جِدًّا، لِذَلِكَ فَقَدْ يَحْصُلُ وَهْمٌ لاَ فِكَاكَ مِنْهُ بِأَنَّ اُلْهَيْئَاتِ هِيَ مُتَقَارِبَةٌ فِي اُلْوَاقِعِ كَتَقَارُبِهَا فِي اُلصُّورَةِ. فَيَخْرُجُ لَكَ ذَوْقٌ ضَرُورِيٌّ بِأَنَّ زَيْدًا مَثَلاً، هُوَ يَجْمَعُ بِلاَ حَرَجٍ بَيْنَ اُلْعِبَادَةِ وَشُرْبِ اُلْخَمْرِ كَجَمْعِهِ بَيْنَ اُلْعِبَادَةِ وَشُرْبِ اُلْمَاءِ، مَثَلاً. وَاعْلَمْ أَنَّ أَصْحَابَ اُلْخُصُومَةِ قَدْ يُعَوِّلُونَ جِدًّا عَلَى اللَّبْسِ اُلْمَذْكُورِ لِتَصْغِيرِ ذَاتٍ وَنَحْلِهَا صِفَةً مَذْمُومَةً، كَأَنْ يَجْمَعُوا لَهَا فِي شَرِيطٍ وَاحِدٍ صُوَرًا تَتَكَرَّرُ فِيهَا عِبَارَةٌ وَاحِدَةٌ فَيَتَوَهَّمُهَا اُلْمُشَاهِدُ بِصِفَةِ اُلْمِهْذَارِ.

 د) بَيَانُ كَيْفَ أَنَّ الانْتَرْنَتْ هِيَ مُفْنِيَةٌ لِلتَّارِيخِ مِنَ اُلْوَجْهِ اُلْمُتَعَلِّقِ بِاُلزَّمَنِيَّةِ اُلْبَاطِنِيَّةِ

   وَأَمَّا اُلْوَجْهُ الثَّانِي اُلْمُتَعَلِّقُ بِالأَمْرِ الزَّمَنِيِّ اُلْبَاطِنِيِّ، فَهَذِهِ صُورَتُهُ : لَقَدْ قُلْنَا إِنَّ اُلْبَاطِنَ هُوَ النَّفْسُ مِنْ حَيْثُ مَا تَكُونُ مَشْعُورَةً لِنَفْسِهَا، أَيْ هُوَ ذَلِكَ اُلْمَعْنَى الَّذِي إِلَيْهِ إِنَّمَا يُشِيرُ اُلْمُتَكَلِّمُ إِذَا قَالَ “أَنَا”.

  1) بَيَانُ مَا خَوَاصُّ اُلْبَاطِنِ، وَمَا خَوَاصُّ أَحْوَالِهِ قِيَاسًا إِلَى خَوَاصِّ الظَّاهِرِ وَأَحْوَالِهِ، وَذِكْرٌ لِشُرُوطِ إِلْحَاقِ الأَسْبَابِ اُلظَّاهِرِيَّةِ بِاُلأَنَائِيَّةِ وَاُلزَّمَنِيَّةِ اُلْبَاطِنِيَّةِ

   وَهَاهُنَا يَنْبَغِي أَنْ نَذْكُرَ مَا خَوَاصُّ اُلْبَاطِنِ أَوْ “أَنَا”، وَمَا خَوَاصُّ أَحْوَالِهِ بِالإِضَافَةِ إِلَى أَنَا قِيَاسًا إِلَى خَوَاصِّ الظَّاهِرِ، وَخَوَاصِّ أَحْوَالِهِ بِالإِضَافَةِ إِلَى أَنَا أَيْضًا. اِعْلَمْ أَنَّ اُلْخَاصَّةَ اُلْعُظْمَى الَّتِي لِـ”أَنَا” أَنْ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنَا بُعْدٌ، أَصْلاً. عَلَى مَعْنَى أَنَّ ثُبُوتَهُ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ شَيْئًا، وَثُبُوتَهُ لأَنَا شَيْئًا آخَرَ كَمَا فِي الظَّاهِرِ، كَهَذَا الإِنْسَانِ اُلْمَحْسُوسِ اُلْمُشَارِ إِلَيْهِ. إِذْ هُوَ إِنْسَانٌ ثَابِتٌ فِي نَفْسِهِ أَوَّلاً، وَإِنْ أَحَبَّ أَنَا أَنْ يُثْبِتَهُ لِنَفْسِهِ أَثْبَتَهُ بِوَاسِطَةِ الرُّؤْيَةِ. فَالرُّؤْيَةِ إِنَّمَا هِيَ ثُبُوتُ الإِنْسَانِ لأَنَا، وَ هِيَ مُبَايِنَةٌ لِثُبُوتِهِ فِي نَفْسِهِ. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، كَانَ قَدْ تَعَلَّقَ بِالإِدْرَاكِ اُلْخَارِجِيِّ مَسْأَلَةُ مُطَابَقَةِ الثَّابِتِ لأَنَا، لِلثَّابِتِ فِي نَفْسِهِ، وَكَانَتْ حَقِيقَةُ اُلْمَعْرِفَةِ فِيهِ مُبَايِنَةً لِحَقِيقَةِ اُلْوُجُودِ. أَمَّا “أَنَا” إِلَى أَنَا فَلَيْسُ لَهُ أَلْبَتَّةَ ثُبُوتٌ فِي نَفْسِهِ مُنْفَصِلاً عَنْ ثُبُوتِهِ لأَنَا. بَلْ إِنَّ نَفْسَ ثُبُوتِ “أَنَا” فِي نَفْسِهِ، ثُبُوتُهُ لأَنَا، وَنَفْسَ ثُبُوتِهِ لأَنَا ثُبُوتُهُ فِي نَفْسِهِ. عَلَى مَعْنَى أَنَّ شُعُورَ أَنَا بـ”أَنَا” هُوَ مُقَوِّمٌ لأَنَائِيَّةِ “أَنَا” وَأَنَائِيَّةُ “أَنَا” هِيَ مُقَوِّمَةٌ لِشُعُورِ أَنَا بِأَنَائِيَّتِهِ. كَذَلِكَ فَإِنَّ الأَحْوَالَ اُلْبَاطِنِيَّةَ كَالأَلَمِ وَاُلْفَرَحِ وَاُلْحُزْنِ وَاُلْخَوْفِ هِيَ مُخْتَصَّةٌ جِدًّا مِنْ أَحْوَالِ الظَّاهِرِ بِأَنَّ نَفْسَ ثُبُوتِهَا هُوَ نَفْسُ شُعُورِ أَنَا بِهَا، وَنَفْسَ شُعُورِ أَنَا بِهَا هُوَ نَفْسُ ثُبُوتِهَا. وَلَيْسَ هَذَا فَقَطْ، إِذْ أَنَا لَيْسَ يَشْعُرُ بِحَالٍ بَاطِنِيَّةٍ مُجَرَّدَةٍ وَيَشْعُرُ بِأَنَائِيَّةِ “أَنَا” عَلَى التَّعَاقُبِ أَوْ مَعًا ثُمَّ إِنَّهُ يُلْحِقُ اُلْحَالَ بِ”أَنَا” مِنْ خَارِجٍ، فَحِينَئِذٍ فَقَطْ إِنَّمَا يَحْصُلُ لَهُ وَصْفُ اُلْحَالِ بِأَنَّهُ حَالُ أَنَا. أَيْ أَنَّ أَنَائِيَّةَ اُلْحَالِ لَيْسَتْ وَصْفًا إِضَافِيًّا مُسْتَفَادًا مِنْ مُقَايَسَةِ اُلْحَالِ إِلَى “أَنَا” كَمَا فِي الظَّاهِرِ : فَمَثَلاً، إِنِّي أَرَى زَيْدًا يَصْرُخُ مَعَ تَقَبُّضٍ فِي الوَجْهِ وَالأَطْرَافِ. فَهَذَا التَّقَبُّضُ هُوَ دَلِيلٌ عِنْدِي عَلَى ثُبُوتِ أَلَمٍ، وَلَمْ أَكُنْ مِنْ نَفْسِ إِدْرَاكِي إِيَّاهُ كَانَ ثُبُوتُ الأَلَمِ فِي نَفْسِهِ. كَذَلِكَ فَإِنَّ خُصُوصِيَّةَ الأَلَمِ بِزَيْدٍ إِنَّمَا هُوَ تَابِعٌ لإِلْحَاقِي أَنَا مِنْ خَارِجٍ لِلأَلَمِ اُلْمُؤَوَّلِ بِذَاتِ زَيْدٍ اُلْمُدْرَكَةِ بِوَاسِطَةِ الرُّؤْيَةِ. بَلْ إِنَّ نَفْسَ شُعُورِ أَنَا بِاُلْحَالِ هُوَ نَفْسُ ثُبُوتِهَا، وَنَفْسَ ثُبُوتِهَا هُوَ نَفْسُ ثُبُوتِ أَنَائِيَّتِهَا. لِذَلِكَ، فَمَتَى انْفَكَّتْ أَنَائِيَّةُ اُلْحَالِ مِنْ ثُبُوتِهِ، بَطَلَ أَنْ تَكُونَ اُلْحَالُ بَاطِنِيَّةً وَسَقَطَتْ لاَ مَحَالَةَ مِنْ سِلْكِ “أَنَا” النَّاظِمِ لِجُمْلَةِ الأَحْوَالِ البَاطِنِيَّةِ. فَمَثَلاً، لَوِ انْفَكَّتْ أَنَائِيَّةُ اُلْخَوْفِ مِنْ ثُبُوتِهِ، لَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ خَوْفِي أَنَا وَلَصَارَ خَوْفًا مُؤَوَّلاً مُلْحَقًا بِبَاطِنٍ مُؤَوَّلٍ : إِذْ أَعْنِي بِاُلْبَاطِنِ اُلْمُؤَوَّلِ اُلْبَاطِنَ اُلْمَوْضُوعَ بِاُلْفَرْضِ بِوَاسِطَةِ اِسْتِدْلاَلِي أَنَا عَلَى أَنَّ اُلْجِسْمَ الظَّاهِرَ بِاُلْحَوَاسِّ إِنَّمَا هُوَ ذُو “أَنَا” أَيْضًا كَمَا أَنَّ جِسْمِي أَنَا هُوَ ذُو “أَنَا” بِالشُّعُورِ، لاَ بِالاسْتِدْلاَلِ. وَأَعْنِي بِاُلْخَوْفِ اُلْمُؤَوَّلِ اسْتِدْلاَلِي مِنْ هَيْئَةِ التَّقَبُّضِ الظَّاهِرَةِ بِاُلْجِسْمِ اُلْمَذْكُورِ عَلَى ثُبُوتِ حَالٍ مُشَابِهَةٍ لِلْحَالِ الَّتِي يَقْتَرِنُ حُصُولُهَا لِي بِهَيْئَةٍ فِي جِسْمِي أَنَا، مُشَابِهَةٍ لِهَيْئَةِ اُلْجِسْمِ الآخَرِ. ثُمَّ مِنَ اُلْمَعْلُومِ أَنَّ الأَحْوَالَ اُلْبَاطِنِيَّةَ إِنَّمَا تَقْتَرِنُ دَائِمًا بِأَسْبَابٍ ظَاهِرِيَّةٍ. فَمَثَلاً، خَوْفِي أَنَا ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ كُنْتُ طِفْلاً اُلْمُرَتَّبُ فِي سِلْسِلَةِ الأَحْوَالِ الزَّمَنِيَّةِ الوَاحِدَةِ اُلْمُقَوِّمَةِ لأَنَاي قَدْ كَانَ سَبَبُهُ تَوْبِيخَ اُلْمُعَلِّمِ فُلاَنٍ لِتَهَاوُنِي فِي اُلْعَمَلِ. وَهْوَ لاقْتِرَانِ اُلْحَالِ بِسَبَبِهَا مَعَ عِلْمِ النَّفْسِ بِهِ إِنَّمَا يَسْرِي مِنَ اُلْحَالِ الَّتِي قُلْنَا إِنَّ أَنَائِيَّتَهَا هِيَ ثَابِتَةٌ بِنَفْسِ ثُبُوتِهَا هِيَ، إِلَى السَّبَبِ كَذَلِكَ، مَعْنَى الأَنَائِيَّةِ وَالنِّسْبَةِ إِلَى “أَنَا”. فَمَثَلاً، التَّوْبِيخُ اُلْمَخُوفُ لَمْ يَثْبُتْ كَحَدَثٍ ظَاهِرِيٍّ فِي سِلْسِلَةِ حَوَادِثِ أَمْرٍ ظَاهِرِيٍّ. بَلْ إِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ كَحَدَثِي أَنَا وَكَحَلَقَةٍ فِي سِلْسِلَةِ أَحْوَالِي الزَّمَنِيَّةِ اُلْمُقَوِّمَةِ لأَنَاي. وَقُلْ أَيْضًا فِي اُلْبَيْتِ اُلْمَأْلُوفِ وَالصَّدِيقِ اُلْمَأْنُوسِ وَاُلْمِلْعَقَةِ اُلْمُعْتَادَةِ وَاُلْحَاكِمِ اُلْمَخْشِيِّ، فَهَلُمَّ جَرًّا. وَبِاُلْعَكْسِ فَمَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَا بِاقْتِرَانِ ظَاهِرَاتٍ أَوْ أَحْوَالٍ ظَاهِرِيَّةٍ بِأَحْوَالٍ بَاطِنِيَّةٍ، خَلَتْ تِلْكَ الظَّاهِرَاتُ وَالأَحْوَالُ مِنَ اُلْمَعْنَى الأَنَائِيِّ بَتَاتًا فَاسْتَحَالَ إِذًا انْدِرَاجُهَا أَصْلاً فِي ضِمْنِ التَّارِيخِيَّةِ الكُلِّيَّةِ اُلُمُقَوِّمَةِ لـ”أَنَا” أَوِ البَاطِنِ. وَجَهْلُ النَّفْسِ بِالاقْتِرَانِ الضَّرُورِيِّ قَدْ يَكُونُ لأَحَدِ الأَسْبَابِ : إِمَّا أَنَّهَا قَدْ عَلِمَتْهُ أَوَّلاً جَيِّدًا ثُمَّ إِنَّهَا نَسِيَتْهُ. وَهُنَالِكَ فَإِنَّ جُزْءَ اُلْحَوَادِثِ وَالأَحْوَالِ التَّابِعَةِ لِلاقْتِرَانِ اُلْمَنْسِيِّ تَنْحَسِرُ مِنَ التَّيَّارِ التَّارِيخِيِّ اُلْوَاحِدِ للنَّفْسِ. أَوْ أَنَّ الاقْتِرَانَ كَانَ ضَعِيفًا فَضَعُفَ مِنَ اُلْحَالِ الظَّاهِرَةِ مَعْنَى الأَنَائِيَّةِ فَمَالَبِثَتْ أَنْ بَايَنَتِ الزَّمَنِيَّةَ اُلْمَذْكُورَةَ. وَإِمَّا أَنَّ البَاطِنَ قَدْ نَآى أَصْلاً الظَّاهِرَاتِ وَالأَحْوَالِ، فَبَقِيَتْ أَحْوَالاً وَظَاهِرَاتٍ ظَاهِرِيَّةً قَدْ حُرِمَهَا الزَّمَنُ البَاطِنِيُّ، بَتَاتًا. 

  2) اُلْبَاطِنُ اُلْحَقِيقِيُّ وَاُلْبَاطِنُ اُلْمَعْنَوِيُّ، وَفِي اُلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا لاَ سِيَّمَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الأَحَوَالَ وُاُلْحَوَادِثَ اُلْمُلْحَقَةَ بِالأَوَّلِ هِيَ مُقَوِّمَةٌ لَهُ فَقَطْ، وَهْيَ لِلثَّانِي مُقَوِّمَةٌ وَمُبْقِيَةٌ عَلَى ثُبُوتِهِ

   هَذَا الَّذِي تَكَلَّمْنَا فِيهِ هُوَ اُلْبَاطِنُ اُلْحَقِيقِيُّ. لَكِنْ هُنَاكَ بَاطِنٌ آخَرُ خِصَالُهُ شَبِيهَةٌ بِاُلْمَذْكُورِ آنِفًا قَدْ نُسَمِّيهِ بِاُلْبَاطِنِ اُلْمَعْنَوِيِّ : وَأَعْنِي بِهِ مَا يُقَالُ عَادَةً إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أُمَّةٍ مَثَلاً رُوحًا بِهَا إِنَّمَا يَشْعُرُ كُلُّ فَرْدٍ مِنْهَا أَنَّهُ جُزْءٌ تَسْرِي فِيهِ ذَاتٌ وَاحِدَةٌ هِيَ بِعَيْنِهَا السَّارِيَةُ فِي سَائِرِ الأَفْرَادِ كَاُلْيَدِ مِنَ الإِنْسَانِ اُلْوَاحِدِ فَهْيَ تَشْعُرُ بِأَنَّ الذَّاتَ السَّارِيَةَ فِي الرِّجْلِ اُلْمُسْتَعْمِلَةَ لَهَا هِيَ بِعَيْنِهَا السَّارِيَةُ فِيهَا اُلْمُسْتَعْمِلَةُ لَهَا. لِذَلِكَ كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرِّجْلِ وِحْدَةٌ حَقِيقِيَّةٌ غَيْرُ مُسْتَعَارَةٍ. وَكَمَا أَنَّ الأَجْزَاءَ البَدَنِيَّةَ صَارَتْ بِالذَّاتِ الوَاحِدَةِ مُلْحَقَةً بِحَقِيقَةٍ بَاطِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوِيَّةٍ وَاحِدَةٍ وانْفِعَالاَتٍ وَاحِدَةٍ وَزَمَنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ وَقَصْدٍ وَاحِدٍ، إِلَى غَيْرِهِ، كَذَلِكَ فَإِنَّ الأَفْرَادَ فِي الأُمَّةِ هِيَ مُلْحَقَةٌ بِوَاسِطَةِ الذَّاتِ الوَاحِدَةِ إِلَى هُوِيَّةٍ وَاحِدَةٍ وَشُعُورٍ وَاحِدٍ وَاِنْفِعَالاَتٍ وَاحِدَةٍ وَزَمَنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ وَقَصْدٍ وَاحِدٍ. لَكِنَّ اُلْفَرْقَ اُلْكَبِيرَ بَيْنَ الذَّاتَيْنِ أَنَّ الذَّاتَ اُلْحَقِيقِيَّةَ إِنَّمَا تَثْبُتُ بِذَاتِهَا أَوَّلاً ثُمَّ هِيَ مِنْ وَرَاءِ ثُبُوتِهَا إِنَّمَا تَثْبُتُ اُلْوِحْدَةُ لِلأَجْزَاءِ وَالأَحْوَالِ وَتَثْبُتُ نِسْبَتُهَا الوَاحِدَةُ إِلَى “أَنَا” وَاحِدٍ. أَمَّا الذَّاتُ اُلْمَعْنَوِيَّةُ فَإِنَّ ثُبُوتَهَا بِالتَّرْبِيَةِ وَالنَّشْأَةِ إِذْ هُوَ تَابِعٌ لاجْتِمَاعِ الأَجْزَاءِ وَلِتَسَاكُنِهَا وَلِتَعَاشُرِهَا وَلِحُضُورِ بَعْضِهَا لِبَعْضٍ. وَهْيَ بَعْدَ أَنْ تَثْبُتَ تَصِيرُ الأَحْوَالُ وَاُلْحَوَادِثُ كَذَلِكَ مُلْحَقَةً بِهَا مُسْتَفِيدَةً مِنْهَا الأَنَائِيَّةَ وَاُلْوِحْدَةَ وَاُلْهُوِيَّةَ كَمَا فِي الذَّاتِ الأُولَى. لَكِنْ هَذَا الإِلْحَاقُ لَيْسَ يُفِيدُ الذَّاتَ التَّقْوِيمَ فَقَطْ، كَمَا فِي الذَّاتِ اُلْحَقِيقِيَّةِ، بَلْ يُفِيدُهَا بَقَاءَ الثُّبُوتِ وَاسْتِمْرَارَهُ أَيْضًا. عَلَى مَعْنَى أنّ الذَّاتَ اُلْحَقِيقِيَّةَ بِالإِلْحَاقِ بِهَا إِنَّمَا تَصِيرُ الأَحْوَالُ وَاُلْحَوَادِثُ أَحْوَالَهَا وَحَوَادِثَهَا هِيَ كَمَا رَأَيْنَا. وَهْيَ إِذَا أُلْحِقَتْ بِهَا أَحْوَالُهَا وَحَوَادِثُهَا تَقَوَّمَتْ وَانْتَشَأَتْ كَحَقِيقَةٍ تَارِيخِيَّةِ مُمْتَدَّةٍ زَمَنِيًّا. لَكِنَّ ثُبُوتَهَا فِي نَفْسِهَا لَيْسَ بِالتَّقْوِيمِ، بَلْ هِيَ مُتَقَوِّمَةٌ لأَنَّهَا مُتَقَدِّمَةُ الثُّبُوتِ. أَمَّا الذَّاتُ اُلْمَعْنَوِيَّةُ فَكَذَلِكَ بِالإِلْحَاقِ إِنَّمَا تَصِيرُ الأَحْوَالُ وَاُلْحَوَادِثُ أَحْوَالَهَا وَحَوَادِثَهَا هِيَ، لَكِنَّهُ إِلْحَاقٌ إِنَّمَا يُفِيدُهَا مَعًا التَّقْوِيمَ وَبَقَاءَ الثُّبُوتِ : فَمَثَلاً أَوَّلُ النَّاسِ الَّذِينَ عَاشُوا فِي جَنُوبِ اُلْجَزِيرَةِ اُلْعَرَبِيَّةِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَامِعٌ سِوَى اُلْمَكَانِ. وَبِاُلْمُعَاشَرَةِ وَاُلْمُسَاكَنَةِ تَرَبَّتْ فِيهِمْ رُوحٌ أَشْعَرَتْهُمْ بِأَنَّهُمْ أَفْرَادٌ فِي ذَاتِ وَاحِدَةٍ. وَهَذَا أَوَّلُ الثُّبُوتِ للذَّاتِ. لِذَلِكَ، فَقَدْ صَارُوا يُلْحِقُونَ اُلْحَوَادِثَ وَالأَحْوَالَ الَّتِي تَعْرِضُ لَهُمْ بِهَا، فَيُفِيدُهَا الإِلْحَاقُ تَقْويِمًا كَكَوْنِهَا ذَاتًا هِيَ اليَوْمَ حِمْيَرِيَّةٌ مُتَأَخِّرَةً عَنْ حَقِيقَتِهَا السَّبَئِيَّةِ مُتَأَخِّرَةً عَنْ حَقِيقَتِهَا اُلْمَعِينِيَّةِ. لَكِنْ بِالإِلْحَاقِ إِنَّمَا تَسْتَفِيدُ هَذِهِ الذَّاتُ أَيْضًا بَقَاءَ الثُّبُوتِ. إِذْ لَوْلاَ اسْتِمْرَارُ الأَحْوَالِ الأَنَائِيَّةِ الَّتِي تُجَدِّدُ مِنْ هَؤُلاَءِ الأَفْرَادِ شُعُورَهُمْ بِالذَّاتِ الوَاحِدَةِ لانْدَثَرَتْ إِذَنْ وِحْدَتُهُمْ البَاطِنِيَّةُ وَانْتَثَرُوا وَحَدَاتٍ مُجَرَّدَاتٍ، وَلارْتَفَعَ مِنَ اُلْحَوَادِثِ وَالأَحْوَالِ مَعْنَى أَنَّهَا حَوَادِثُ أُمَّةٍ وَاحِدَةٍ وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ تَارِيخِهَا وَمِنْ حَقِيقَتِهَا الزَّمَنِيَّةِ.

  3) بَيَانٌ لِوَجْهٍ أَوَّلٍ فِي إِفْنَاءِ الانْتَرْنَتْ لِلزَّمَنِ اُلْبَاطِنِيِّ اُلْمَعْنَوِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ اُلْمَادَّةَ اُلْوَاقِعِيَّةَ الإِدْرَاكِيَّةَ هِيَ أَسْبَقُ إِلْحَاقًا بِالزَّمَنِ اُلْمَعْنَوِيِّ اُلْوَاقِعِيِّ مِنَ اُلْمَادَّةِ اُلْوَاقِعِيَّةِ اُلْوَهْمِيَّةِ

   وَهَاؤُمُ الآنَ ذِكْرَنَا لِوُجُوهِ الإِفْنَاءِ بِالانْتَرْنَتْ لِزَمَنِ البَاطِنِ وَلاَ سِيَّمَا البَاطِنَ اُلْمَعْنَوِيَّ : لَقَدْ قُلْنَا إِنَّ اُلْوَاقِعَ ثَابِتٌ وَاجِبٌ بِذَاتِهِ وَنِسْبَةُ النَّفْسِ إِلَيْهِ نِسْبَةُ الانْفِعَالِ وَالإِذْعَانِ وَهْيَ إِنْ تَلَقَّتْهُ بِلاَ وَاسِطَةٍ بِوَاسِطَةِ الإِدْرَاكِ اُلْمَحْضِ كَانَ اُلْحُكْمُ عَلَيْهَا لَهُ ضَرُورَةً قَاسِرًا إِيَّاهَا عَلَى الصَّبْرِ وَالتَّأَنِّي. فَمَثَلاً، لَوْ أَحْبَبْتُ الانْتِقَالَ مِنَ اُلْبَيْتِ إِلَى السُّوقِ فَلاَ مَنَاصَ لِي مِنَ الصَّبْرِ مَعَ الطَّرِيقِ نِصْفَ سَاعَةٍ، وَهْيَ اُلْمُدَّةُ اَلْوَاجِبَةُ لِلْقَطْعِ. لأَجْلِ ذَلِكَ، كَانَتِ اُلْمُعَاشَرَةُ الأَصْلِيَّةُ الطَّوِيلَةُ لِلذَّاتِ إِنَّمَا هِيَ مَعَ اُلْوَاقِعِ. وَإِذْ بَيَنَّا أَنَّ طُولَ اُلْمُعَاشَرَةِ هُوَ الشَّرْطُ البَيِّنُ فِي تَشَرُّبِ الشَّيْءِ مِنَ الأَنَائِيَّةِ، إِذَنْ فَاُلْوَاقِعُ اُلْمُحِيطُ بِبَاطِنٍ وَاحِدٍ، إِذْ يَنْفَعِلُ مِنْهُ البَاطِنُ انْفِعَالاً وَاحِدًا مُعْطِيًا لِوَاقِعٍ وَاحِدٍ مُجْمَلٍ، إِنَّمَا هُوَ وَاقِعٌ وَاحِدٌ مُشْرَبٌ مِنَ الأَنَائِيَّةِ مُلْحَقٌ بِاُلْبَاطِنِ الوَاحِدِ. كَذَلِكَ فَاُلْحَوَادِثُ وَاُلأَحْوَالُ اُلْمَنْسُوبَةُ لِلْوَاقِعِ الوَاحِدِ هِيَ مُلْحَقَةٌ أَيْضًا بِوَاسِطَتِهِ بِالزَّمَنِ البَاطِنِيِّ. وَإِذْ هِيَ، أي اُلْحَوَادِثَ إِنَّمَا تَنْتَظِمُ فِي الوَاقِعِ الوَاحِدِ كَسِلْسِلَةٍ وَاقِعِيَّةٍ وَاحِدَةٍ مُنْحَازَةِ اُلْحَقِيقَةِ، كَذَلِكَ فَإِنَّهَا تَنْتَظِمُ فِي الزَّمَنِيَّةِ اُلْمُلْحَقَةِ بِهَا كَسِلْسِلَةٍ زَمَنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ مُنْحَازَةِ اُلْحَقِيقِةِ. فَبِهَذَا قَدْ نَعْرِفُ إِذَنْ مَا مَعْنَى نَشْأَةِ التَّارِيخِ الوَاحِدِ وَمَا مَعْنَى اسْتِئْثَارِكُلِّ أُمَّةٍ أُمَّةٍ بِتَارِيخٍ مَخْصُوصٍ يُلْحَقُ بِهَا كَمَا لِكُلِّ إِنْسَانٍ إِنْسَانٍ مَاضٍ مَخْصُوصٌ يُلْحَقُ بِهِ مُقَوِّمًا لِحَقِيقَتِهِ الزَّمَنِيَّةِ اُلْمُنْفَرِدَةِ. لَكِنَّ اُلْحَادِثَ إِذَا تُلُقِّيَ بِالإِدْرَاكِ اُلْمَحْضِ كَانَ لُحُوقُهُ بِاُلْوَاقِعِ الوَاحِدِ لُحُوقًا بِالذَّاتِ لاَ بِعَمَلٍ مِنَ النَّفْسِ. أَيْ أَنَّ اُلْحَادِثَ هُنَاكَ إِنَّمَا يَكُونُ دَالاًّ بِذَاتِهِ عَلَى خُصُوصِيَّتِهِ بِاُلْوَاقِعِ اُلْمَخْصُوصِ. فَمَثَلاً، لَوْ رَأَيْتَ جَارًا لَكَ يُجَدِّدُ بَابَ بَيْتِهِ، فَاخْتِصَاصُ التَّجْدِيدِ بِاُلْبَيْتِ اُلْمَخْصُوصِ لِلْجَارِ اُلْمَخْصُوصِ لَنْ يَكُونَ عِنْدَكَ بَتَاتًا إِنَّمَا هُوَ أَثَرٌ تَابِعٌ لِمُقَايَسَةٍ نَفْسِيَّةٍ بَيْنَ أَمْرَيْنِ : بَلْ إِنَّ اُلْحَادِثَ بِنَفْسِ ظُهُورِهِ إِنَّمَا يَظْهَرُ بِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِاُلْوَاقِعِ اُلْمَخْصُوصِ. أَمَّا لَوْ قُدِّمَ لَكَ صُورَةٌ لِبَابٍ فَبَيِّنٌ أَنَّ اُلْبَابَ اُلْمُصَوَّرَ هُوَ لَيْسَ فَقَطْ لاَ يَدُلُّ بِنَفْسِ ظُهُورِهِ الصُّورِيِّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِوَاقِعٍ مَخْصُوصٍ، بَلْ إِنَّهُ لاَ يَدُلُّ كَذَلِكَ عَلَى انْدِرَاجِهِ فِي اُلْوَاقِعِ اُلْمُجْمَلِ، أَصْلاً. إِذْ حَتَّى يَثْبُتَ انْدِرَاجُهُ فِيهِ، فَلاَبُدَّ أَنْ يُقَاسَ إِلَى هَيْئَةِ كُلِّ بَابٍ وَاقِعِيٍّ مَا. فَإِنْ هُوَ شَابَهَهُ قَضَتْ إِذَنْ النَّفْسُ بِأَنَّ مَادَّةَ البَابِ اُلْمُصَوَّرِ مَادَّةٌ وَاقِعِيَّةٌ حَقًّا. ثُمَّ هِيَ، أَعْنِي اُلْمَادَّةَ حَتَّى يَثْبُتَ أَيْضًا اخْتِصَاصُهَا مَثَلاً بِاُلْبَيْتِ اُلْمَخْصُوصِ لِلْجَارِ اُلْمَخْصُوصِ، فَلاَ بُدَّ كَذَلِكَ مِنْ مُقَايَسَةٍ أُخْرَى أَشَدَّ تَرْكِيبًا مِنَ الأُولَى. وَلاَ شَكَّ أَنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ مَا لاَزِمُ هَذَا الَّذِي قِيلَ، أَلاَ وَهْوَ أَنَّهُ بِالإِدْرَاكِ اُلْمَحْضِ إِنَّمَا يَنْتَظِمُ كُلُّ حَادِثٍ بِذَاتِهِ انْتِظَامًا مَخْصُوصًا فِي سِلْسِلَةِ الزَّمَنِ البَاطِنِيِّةِ اُلْمَخْصُوصَةِ وَاُلْوَاحِدَةِ. أَمَّا بِغَيْرِ الإِدْرَاكِ، فَلاَ يَكُونُ لَهُ انْتِظَامٌ فِي الزَّمَنِ البَاطِنِيِّ الكُلِّي إِلاَّ بِوَاسِطَةِ عَمَلٍ نَفْسِيٍّ، لاَ مَحَالَةَ. إِذَنْ فَلِنَفْرِضْ فَرْضًا وَهُوَ أَنَّ الانْتَرْنَتْ لاَ تَشْتَمِلُ إِلاَّ عَلَى حَوَادِثَ وَاقِعِيَّةٍ وَهْمِيَّةٍ. وَأَعْنِي بِاُلْوَاقِعِ اُلْوَهْمِيِّ الوَهْمَ الَّذِي مَادَّتُهُ هِيَ بِعَيْنِهَا مَادَّةُ الوَاقِعِ، وَلاَ يَخْتَلِفَانِ إِلاَّ فِي هَيْئَةِ الظُّهُورِ. كَزَيْدٍ الوَهْمِيِّ وَزَيْدٍ اُلْمُقِيمِ الآنَ بِاُلْبَصْرَةِ، فَكِلاَهُمَا حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ، لَكِنَّ الأَوَّلَ ظُهُورُهُ بِاُلْصُّورَةِ وَالثَّانِيَ ظُهُورُهُ بِالإِدْرَاكِ. وَلِنَفْرِضْ أَيْضًا أَنَّهَا حَوَادِثُ مُصَوَّرَةٌ مُنْتَزَعَةٌ مِنْ وَاقِعٍ وَاحِدٍ مَخْصُوصٍ كَقَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ بِجَنُوبِ فَرَنْسَا. فَاُلْمُتَلَقِّي لِلْحَوَادِثِ بِالانْتَرْنَتْ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ اُلْقَرْيَةِ لَهُ إِلَيْهَا سَبِيلاَنِ : سَبِيلُ الإِدْرَاكِ وَبِهِ يُعْطَى اُلْمَادَّةَ الَّتِي بِهَا يَظْهَرُ الظَّاهِرُ، وَسَبِيلُ التَّأْوِيلِ وَبِهِ يُلْحِقُ اُلْمُتَلَقِّي بِعَمَلٍ ثَانٍ اُلْمَادَّةَ الظَّاهِرَةَ، كَرَجُلٍ مُسَجَىَّ قَدْ تُوُفِّيَ مُصَوَّرٍ، بِاُلْوَاقِعِ اُلْمَخْصُوصِ. وَإِذْ مِنَ اُلْمَعْلُومِ أَنَّ مَايَثْبُتُ بِذَاتِهِ هُوَ رَاجِحٌ عَلَى مَايَثْبُتُ بِوَاسِطَةٍ، فَمَثَلاً لَوْ كَانَ إِقْبَالُ زَيْدٍ عَلَى عَمَلٍ بِبَاعِثٍ ذَاتِيٍّ وَعَمْرٌو إِقْبَالُهُ بِأَمْرٍ خَارِجِيٍّ، فَإِنَّ زَيْدًا سَيَكُونُ أَسْبَقَ إِلَيْهِ مِنْ عَمْرٍو. إِذَنْ، فَمَا هُوَ مُلْحَقٌ بِالذَّاتِ بِالزَّمَنِيَّةِ البَاطِنِيَّةِ إِنَّمَا هو اُلْحَوَادِثُ الَّتِي هِيَ مُتَعَلَّقُ إِدْرَاكِ اُلْمُتَلَقِّي، وَقَدْ قُلْنَا إِنَّهَا لَيْسَتْ اُلْمَادَّةَ الظَّاهِرَةَ كَالرَّجُلِ اُلْمُسَجَّى، بَلْ هِيَ نَفْسُ ظُهُورِ اُلْمَادَّةِ كَالشَّاشَةِ اُلْمَحْسُوسَةِ وَالصُّوَرِ اُلْمَحْسُوسَةِ وَالتَّعَاقُبِ اُلْمَحْسُوسِ لِلصُّوَرِ، إِلَى غَيْرِهِ. وَإِذْ هَذِهِ حَوَادِثُ عَارِضَةٌ لِلْمُتَلَقِّي إِذًا، فَهْيَ الأَسْبَقُ بِالانْتِظَامِ فِي زَمَنِيَّتِهِ اُلْمَخْصُوصَةِ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ، أَيِ اُلْمُتَلَقِّي نَظْمٌ لِمَادَّةِ اُلْحَوَادِثِ بِزَمَنِيَّةِ القَرْيَةِ اُلْمَخْصُوصَةِ. لِذَلِكَ فَإِنَّ القَرْيَةَ وَإِنْ صَحَّتْ لَهَا اُلْحَوَادِثُ فَإِنَّهَا مُنْقَضِيَةٌ مِنْ غَيْرَ أَنْ يَبْقَى لَهَا ثُبُوتٌ فِي وِحْدَتِهَا الزَّمَنِيَّةِ أَوْ انْدِرَاجٌ ضِمْنَ مَاضِيهَا التَّارِيخِيِّ الوَاحِدِ اُلْمَخْصُوصِ.

  4) بَيَانٌ لِوَجْهٍ ثَانٍ فِي إِفْنَاءِ الانْتَرْنَتْ لِلزَّمَنِ اُلْبَاطِنِيِّ اُلْمَعْنَوِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى فَرْضِ أَنَّ اُلْمَادَّةَ اُلْوَاقِعِيَّةَ اُلْوَهْمِيَّةَ قَدْ تَسْبِقُ إِلْحَاقًا بِالزَّمَنِ اُلْمَعْنَوِيِّ اُلْوَاقِعِيِّ، اُلْمَادَّةَ اُلْوَاقِعِيَّةَ الإِدْرَاكِيَّةَ

   ثُمَّ هَبْ أَنَّ اُلْمَادَّةَ الظَّاهِرَةَ هِيَ مُلْحَقَةٌ بِاُلْوَاقِعِ قَبْلَ مَادَّةِ الظُّهُورِ : فَمَثَلاً أَنَّ حَالَ التَّسْجِيَةِ لِلرَّجُلِ اُلْمَيِّتِ اُلْمُصَوَّرِ هِيَ مُلْحَقَةٌ بِاُلْوَاقِعِ اُلْمَخْصُوصِ لِلْقَرْيَةِ قَبْلَ إِلْحَاقِ اُلْمَادَّةِ اُلْمَحْسُوسَةِ مِنْ صُوَرٍ وَغَيْرِهَا. كَذَِلكَ فَإِنَّ شَرْطَ الأَنَائِيَّةِ هُوَ مَفْقُودٌ مِنَ اُلْمَادَّةِ اُلْوَهْمِيَّةِ. إِذْ أَنَّ صَبْرَ البَاطِنِ وَإِذْعَانِهِ إِنَّمَا هُوَ لِمَادَّةِ الظُّهُورِ كَالصُّوَرِ اُلْمَحْسُوسَةِ، لِذَلِكَ كَانَتْ مُعَاشَرَتُهُ لِلْمَادَّةِ الظَّاهِرَةِ كَالرَّجُلِ اُلْمُسَجَّى غَيْرَ مُنَاسِبَةٍ لَهَا فِي الوَاقِعِ. عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا مُعَاشَرَةٌ مُقَصِّرَةٌ فِي الطُّولِ. وَإِذْ قَصَّرَتْ فِي الطُّولِ جَفَّتِ اُلْمَادَّةُ إِذَنْ مِنَ اُلْمَعْنَى الأَنَائِيِّ وَمَالَتْ بِتَعَاظُمٍ إِلَى الكَوْنِ بِهَيْئَةِ الوِعَاءِ الظَّاهِرِ اُلْمُجَرَّدِ مِنْ كُلِّ خُصُوصِيَّةٍ أَوْ نِسْبَةٍ إِلَى ذَاتٍ. لَكِنَّ الوَاقِعَ إِذَا خَلاَ مِنَ الأَنَائِيَّةِ تَجَرَّدَ مِنَ البَاطِنِ، وَإِذَا تَجَرَّدَ مِنَ البَاطِنِ خَلاَ لاَ مَحَالَةَ مِنْ مَعْنَى التَّارِيخِ أَوِ الزَّمَنِيَّةِ اُلْمُقَوِّمَةِ.

  5) لاَزِمٌ آخَرُ مُوجِبٌ لِبُطْلاَنِ اُلْمَعْنَى التَّارِيخِيِّ قَائِمٌ عَلَى أَنَّ الانْتَرْنَتْ هِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى حَوَادِثَ لاَ مُتَنَاهِيَةٍ مُنْتَزَعَةٍ مِنْ أُمَمٍ غَيْرِ مَحْصُورَةٍ

   لَكِنَّ الانْتَرْنَتْ إِنَّمَا تَشْتَمِلُ عَلَى أَحْوَالٍ وَحَوَادِثَ وَاقِعِيَّةٍ لاَ مُتَنَاهِيَةٍ مُنْتَزَعَةٍ مِنْ أُمَمٍ كَثِيرَةٍ وَمِنْ وَاقِعَاتٍ غَيْرِ مَحْصُورَةٍ. فَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا غَيْرُ مَانِعَةٍ لِبِنَاءِ اُلْمَعْنَى التَّارِيخِيِّ بِالأَدِلَّةِ السَّالِفَةِ، فَإِنَّهَا لَنْ تَخْلُوَ مِنْ لَوَازِمَ أُخْرَى :

   I) سَرْدٌ لِلشُّرُوطِ الَّتِي بِهَا إِنَّمَا تُلْحَقُ اُلْحَوَادِثُ بِالتَّارِيخِ اُلْوَاحِدِ ذِي اُلْحَقِيقَةِ اُلْمُنْحَازَةِ، وَبَيَانٌ لِوُجُوهِ اُلْمُشَابَهَةِ وَالاِفْتِرَاقِ بَيْنَ وَظَائِفِ الانْتَرْنَتْ الثَّلاَثِ وَاُلْوَظَائِفِ اُلنَّفْسِيَّةِ الثَّلاَثِ

   إِذْ أَنَّ اُلْحَوَادِثَ حَتَّى تَثْبُتَ كَأَجْزَاءٍ فِي سِلْسِلَةٍ زَمَنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ مُلْحَقَةٍ بِشُعُورٍ وَاحِدٍ كَالتَّارِيخِ الوَاحِدِ اُلْمُقَوِّمِ لِذَلِكَ الشُّعُورِ الوَاحِدِ، وَلَيْسَ كَأَجْزَاءٍ فِي سِلْسِلَةٍ زَمَنِيَّةٍ ظَاهِرِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ، أَوْ فِي سِلْسِلَةٍ مُلْحَقَةٍ بِشُعُورٍ آخَرَ اعْتِبَاطًا، فَلاَ بُدَّ مِنْ شُرُوطٍ بَعْضُهَا قَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ : أَوَّلاً، أَنْ يَكُونَ اُلْحَادِثُ مُشْرَبًا مِنَ الأَنَائِيَّةِ، أَيْ أَنْ يَكُونَ شُعُورُ الشُّعُورِ بِنِسْبَةِ اُلْحَادِثِ إِلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ إِنَّمَا هُوَ شُعُورٌ مُنْبَجِسٌ مِنَ الشُّعُورِ الوَاحِدِ سَارِيًا فِي اُلْحَادِثِ بِنَفْسِ شُعُورِ الشُّعُورِ بِذَاتِهِ. ثَانِيًا، أَنْ يَكُونَ حِفْظٌ لِلْحَادِثِ وَحِفْظٌ لِتَرْتِيبِهِ. إِذْ لَوْلاَ اُلْحِفْظُ لَمَا اأْتَلَفَتْ سِلْسِلَةٌ تَارِيخِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكَانَ الأَمْرُ كَالرَّقْمِ فِي اُلْمَاءِ. وَهَاهُنَا، فَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ اُلْمَحْفُوظُ وَالتَّرْتِيبُ اُلْمَحْفُوظُ مُشْرَبَيْنِ أَيْضًا مِنَ الأَنَائِيَّةِ. ثَالِثًا، أَنْ يَكُونَ تَذَكُّرٌ لِلْحَادِثِ اُلْمَحْفُوظِ عَلَى تَرْتِيبِهِ. وَنَزِيدُ تَأْكِيدًا عَلَى شَيْءٍ وَهْوَ أَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُفِيدَ فِي البِنَاءِ التَّارِيخِيِّ اُلْمُقَوِّمِ إِلاَّ إِذَا كَانَتْ أَحْوَالاً شُعُورِيَّةً لِشُعُورٍ وَاحِدٍ. عَلَى مَعْنَى إِلاَّ إِذَا كَانَ الشُّعُورُ النَّافِخُ هُوَ بِعَيْنِهِ الشُّعُورَ اُلْحَافِظَ اُلْمُرَتِّبَ هُوَ بِعَيْنِهِ الشُّعُورَ الذَّاكِرَ اُلْمُسْتَرْجِعَ. أَوْ بِبَيَانٍ أَشَدَّ إِلاَّ إِذَا كَانَتِ اُلْجِهَةُ الَّتِي بِهَا يُصَوِّرُ الشُّعُورُ هِيَ غَيْرَهَا الَّتِي بِهَا يَحْفَظُ وَيُرَتِّبُ وَكِلْتَاهُمَا هِيَ غَيْرَهَا الَّتِي بِهَا يَذْكُرُ وَيَسْتَرْجِعُ. لَكِنَّ الشُّعُورَ إِنَّمَا هُوَ يَذْكُرُ مِنْ حَيْثُ هُوَ نَفْسُهُ اُلْحَافِظُ اُلْمُرَتِّبُ مِنْ حَيْثُ هُوَ نَفْسُهُ النَّافِخُ اُلْمُصَوِّرُ. ثُمَّ لَكَ أَنْ تَتَبَيَّنَ أَنَّ لِلانْتَرْنَتْ وَظَائِفَ ثَلاَثًا مُشَابِهَةً لِوَظَائِفِ النَّفْسِ الثَّلاَثِ : الأُولَى مُشَابِهَةٌ لِوَظِيفَةِ الإِدْرَاكِ، وَهْيَ نَقْلُ الوَاقِعِ اُلْمُنْتَزَعِ إِلَى اُلْهَيْئَةِ الوَهْمِيَّةِ. الثَّانِيَةُ مُشَابِهَةٌ لِوَظِيفَةِ اُلْحِفْظِ، وَهْيَ خَزْنُ الوَاقِعِ الوَهْمِيِّ. الثَّالِثَةُ مُشَابِهَةٌ لِوَظِيفَةِ التَّذَكُّرِ، وَهْيَ مَا لَهَا مِنْ سَبِيلٍ إِلَى اسْتِظْهَارِ الوَاقِعِ الوَهْمِيِّ اُلْمَخْزُونِ مَتَى قُصِدَ إِلَيْهِ. لَكِنْ بَيْنَ الأَمْرَيْنِ فَرْقٌ عَظِيمٌ، وَهْوَ أَنَّ النَّفْسَ هِيَ شُعُورٌ وَاحِدٌ شَاعِرٌ بِذَاتِهِ مَبْثُوثٌ فِي وَظَائِفِهِ بِاُلْوَصْفِ اُلْمَذْكُورِ. أَمَّا الانْتَرْنَتْ فَهْيَ ظَاهِرٌ مَحْضٌ وَوَظَائِفُهَا إِنَّمَا هِيَ أَجْزَاءٌ كُلٌّ قَائِمٌ بِذَاتِهِ لاَ يَجْمَعُ بَيْنَهَا شُعُورٌ وَاحِدٌ أَصْلاً وَلاَ يُحِيلُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِذَاتِهِ، بَلْ مِنْ خَارِجٍ بِوَاسِطَةِ قَصْدِ اُلْمُسْتَعْمِلِ وَعَمَلِهِ. عَلَى مَعْنَى أَنَّ الانْتَرْنَتْ هِيَ مَجْمُوعُ هَذِهِ الأَجْزَاءِ : جُزْءُ الانْتِزَاعِ وَجُزْءُ اُلْخَزْنِ وَجُزْءُ الاسْتِظْهَارِ، لاَ أَنَّ الاسْتِظْهَارَ هُوَ جِهَةٌ لِذَاتٍ لِلآلَةِ هِيَ بِعَيْنِهِا اُلْخَازِنَةُ بِجِهَةٍ أُخْرَى، هِيَ بِعَيْنِهَا اُلْمُنْتَزِعَةُ بِجِهَةٍ أُخْرَى.

   II) بَيَانُ كَيْفَ أَنَّ اُلْخَوَاصَّ اُلتَّابِعَةَ لِوَظَائِفِ الانْتَرْنَتْ الثَّلاَثِ خِلاَفًا لِلْخَوَاصِّ اُلنَّفْسِيَّةِ، هِيَ مُوجِبَةٌ لاسْتِوَاءِ اُلْحَوَادِثِ، وَاسْتِوَاؤُهَا هُوَ مَانِعٌ لإِلْحَاقِهَا بِاُلسِّلْسِلَةِ اُلزَّمَنِيَّةِ اُلْمَخْصُوصَةِ 

   لأَجْلِ ذَلِكَ كَانَ أَمْرُ اُلْمُنْتَزَعَاتِ ثُمَّ اُلْمَخْزُونَاتِ ثُمَّ اُلْمُسْتَظْهَرَاتِ إِلَى الانْتَرْنَتْ هُوَ مُغَايِرٌ بَتَاتًا لأَمْرِ اُلْمُدْرَكَاتِ ثُمَّ اُلْمَحْفُوظَاتِ ثُمَّ اُلْمُسْتَذْكَرَاتِ إِلَى النَّفْسِ. إِذْ فِي الوَضْعِ الثَّانِي الأَشْيَاءُ اُلْمَذْكُورَةُ إِنَّمَا هِيَ أَحْوَالٌ لِلشُّعُورِ لاَ أَشْيَاءُ فِي الشُّعُورِ. أَمَّا فِي الوَضْعِ الأَوَّلِ فَالأَشْيَاءُ اُلْمَذْكُورَةُ إِنَّمَا هِيَ أَشْيَاءُ فِي الانْتَرْنَتْ وَلَيْسَتْ بِأَحْوالٍ لَهَا : إِذْ لَيْسَ لِلآلَةِ مَعْنًى وَاحِدٌ مَبْثُوثٌ فِيهَا جَمِيعًا. بَلْ إِنَّمَا هِيَ تَحْتَوِيهَا كَمَا يَحْتَوِي فَضَاءٌ إِقْلِيدِيٌّ هَبَاءَاتٌ سَابِحَةٌ بِانْفِرَادٍ وَاسْتِقْلاَلٍ. فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ اُلْحَوَادِثَ وَالأَحْوَالَ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْهَا هَذِهِ الآلَةُ كُلُّهَا مُتَسَاوِيَةٌ : أَيْ لَيْسَ لِبَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ خُصُوصِيَّةٌ بِالإِضَافَةِ إِلَى ذَاتِ الآلَةِ وَلاَ خُصُوصِيَّةَ أَوْ تَرْتِيبَ لِبَعْضِهَا بِالإِضَافَةِ إِلَى بَعْضٍ. لِذَلِكَ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ لِلْحَوِادِثِ فِي الانْتَرْنَتْ انْتِظَامٌ وَاحِدٌ فِي سِلْسِلَةٍ زَمَنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ مُنْحَازَةِ اُلْحَقِيقَةِ، لاَ كَسِلْسِلَةٍ زَمَنِيَّةٍ ظَاهِرِيَّةٍ، وَلاَ كَسِلْسِلَةٍ زَمَنِيَّةٍ بَاطِنِيَّةٍ، خِلاَفًا لَهَا، أَيْ اُلْحَوَادِثَ، إِذَا كَانَتْ فِي النَّفْسِ. إِذْ مَا مِنْ حَادِثٍ تَحْتَوِيهِ النَّفْسُ إِلاَّ وَيَنْتَظِمُ بِذَاتِهِ فِي سِلْسِلَةٍ زَمَنِيَّةٍ مُنْحَازَةِ اُلْحَقِيقَةِ : فَإِنْ كَانَ مُشْرَبًا بِالأَنَائِيَّةِ انْدَرَجَ ضِمْنَ سِلْسِلَةِ الشُّعُورِ التَّارِيخِيِّ الوَاحِدَةِ اُلْمُقَوِّمَةِ لأَنَا، وَاُلْمُبْقِيَةِ لِثُبُوتِهِ إِذَا كَانَ أَنَا، الأَنَا اُلْمَعْنَوِيَّ، وَإِنْ كَانَ مُلْحَقًا بِذَاتٍ مُؤَوَّلَةٍ انْدَرَجَ ضِمْنَ تَارِيخِيَّةِ اُلْغَيْرِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا وَلاَ ذَاكَ، انْدَرَجَ ضِمْنَ السِّلْسِلَةِ الزَّمَنِيَّةِ الظَّاهِرِيَّةِ اُلْمُطْلَقَةِ. إِذَنْ فَيُمْكِنُ تَجْرِيدُ هَذِهِ القَاعِدَةِ وَهْيَ أَنَّ العَالَمَ إِذَا انْتَقَلَ إِلَى الوُجُودِ الوَهْمِيِّ ضَاعَ مِنْهُ الزَّمَنُ، وَتَجَرَّدَتْ حَوَادِثُهُ مِنَ الوَصْفِ الزَّمَنِيِّ كَحَوَادِثَ مُنْتَظِمَةٍ فِي سَلاَسِلَ زَمَنِيَّةٍ مُنْحَازَةِ اُلْحَقِيقَةِ. وَإِذْ أَنَّ العَادَةَ طَبِيعَةٌ مُكْتَسَبَةٌ، كَذَلِكَ فَإِنَّ مُخَالَطَةَ النَّفْسِ الطَّوِيلَةَ للانْتَرْنَتْ قَدْ أَكْسَبَتْهَا طَبْعًا مُشَابِهًا لِطَبْعِهَا. وَقَدْ قُلْنَا إِنَّ اُلْحَوادِثَ هِيَ مُتَسَاوِيَةٌ فِي عَيْنِ الآلَةِ، كَذَلِكَ فَإِنَّ حَوَادِثَ اُلْعَالَمِ قَدْ صَارَتْ فِي حُكْمِ اُلْمُتَسَاوِيَةِ فِي عَيْنِ النَّفْسِ. فَإِذَا تَسَاوَتْ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ لِلنَّفْسِ إِلْحَاقٌ لِبَعْضِهَا بِالسِّلْسِلَةِ الزَّمَنِيَّةِ الوَاحِدَةِ اُلْمَخْصُوصَةِ : فَمَثَلاً، قَدْ كَانَتْ حَوَادِثُ فِي وَاقِعٍ مَخْصُوصٍ اسْمُهُ تُونِسُ، كَقَتْلِ فَرْحَات حَشَّادٍ أَوِ اُلْخَمِيسِ الأَسْوَدِ أَوِ انْتِفَاضَةِ اُلْخُبْزِ، إِلَى غَيْرِهِ. وَهَذِهِ اُلْحَوَادِثُ إِنَّمَا هِيَ بَعْضٌ مِنْ حَوَادِثَ اُلْعَالَمِ اللاَّمُتَنَاهِيَةِ. لَكِنَّهَا هِيَ مِنْ دُونِ اُلْبَاقِيَةِ، الَّتِي  أُدْرِجَتْ فِي سِلْسِلَةٍ زَمَنِيَّةٍ بَاطِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ اسْمُهَا تَارِيخُ تُونِسَ. وَهْيَ مَا أُدْرِجَتْ إِلاَّ لأَنَّ بَاطِنَ الوَاقِعِ اُلْمَخْصُوصِ قَدْ رَجَّحَهَا عَنِ اُلْحَوادِثِ الغَرِيبَةِ وَأَلْحَقَهَا بِالسِّلْسِلَةِ اُلْمَذْكُورَةِ عَلَى الشُّروطِ اُلْمُبَيَّنَةِ فِيمَا سَلَفَ : مِنْ أَنَائِيَّةٍ وَحِفْظٍ وَتَرْتِيبٍ وَتَذَكُّرٍ، فَهَلُمَّ جَرَّا. أَمَّا لَوْ صَارَ البَاطِنُ نَظَرُهُ إِلَى حَادِثِ الوَاقِعِ اُلْمَخْصُوصِ كَقَتْلِ سِيَاسِيٍّ فِي تُونِس كَنَظَرِهِ إِلَى عَيْنِ اُلْحَادِثِ فِي بَلَدٍ غَرِيبٍ كَسَنْغَافُورَةَ، فَقَطْعًا إِنَّهَا مُسَاوَاةٌ هِيَ مَانِعَةٌ لِلتَّرْجِيحِ. وَإِذَا ارْتَفَعَ التَّرْجِيحُ، امْتَنَعَتِ الشُّرُوطُ اُلْمُقَوِّمَةُ لِلْحَادِثِ كَحَادِثٍ مَخْصُوصٍ بِالتَّارِيخِ اُلْمَخْصُوصِ لِتَونِسَ. لِذَلِكَ، فَإنَّ أَمْكِنَةَ العَالَمِ هِيَ لَنْ تَخْلُوَ مِنَ النَّاسِ وَسَيَبْقَى لِكُلِّ مَكَانٍ أَحْوَالٌ وَحَوَادِثُ كَثِيرَةٌ. لَكِنَّهُ سَتَكُونُ أَحْوَالاً وَحَوَادِثَ مَادِّيَّةً مَحْضَةً، غَيْرَ مُؤَوَّلَةٍ إِلَى فُصُولٍ زَمَنِيَّةٍ مَوْصُولَةٍ إِلَى تَارِيخِ أُمَّةٍ أُمَّةٍ. وَقَدْ نُعْطِي هَذَا التَّشْبِيهَ اُلْمُفِيدَ :  إِنَّ أَهْلَ الأَرْضِ إِنَّمَا يَنْقَسِمُونَ أُمَمًا وَشُعُوبًا لَيْسَ فَقَطْ لأَنَّهُ كُلُّ جُمْلَةٍ مِنَ النَّاسِ يَحْوِيهَا مَكَانٌ وَاحِدٌ هِيَ بِهِ تُوصَفُ بِالأُمَّةِ. بَلْ لأَنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ أَيْضًا هِيَ ذَاتُ بَاطِنٍ يُثْبِتُهُ وَيُقَوِّمُهُ سِلْسِلَةٌ تَارِيخِيَّةٌ مَخْصُوصَةٌ هِيَ مِنْ نَسْجِ البَاطِنِ لأَحْدَاثِ الوَاقِعِ اُلْمَخْصُوصِ، وَتَأْوِيلِهَا إِيَّاهَا إِلَى فُصُولٍ مِنَ التَّارِيخِ. إِذَنْ، فَقَدْ نَحْصِرُ حَقِيقَةَ كُلِّ أُمَّةٍ فِي سِلْسِلَتِهَا الزَّمَنِيَّةِ وَنَرْمُزُ لِكُلِّ سِلْسِلَةٍ، أَعْنِي لِكُلِّ أُمَّةٍ، بِخَيْطٍ وَاحِدٍ، وَنَرْمُزُ لِحَوَادِثِهَا اُلْمَادِّيَّةِ اُلْمَحْضَةِ بِاُلصُّوفِ، وَتَأْوِيلِ هَذِهِ اُلْحَوَادِثِ إِلَى فُصُولٍ زَمَنِيَّةٍ مَوْصُولَةٍ لِلْخَيْطِ الوَاحِدِ اُلْمَذْكُورِ، بِغَزْلٍ لِلصُّوفِ :

قِطَعٌ مِنْ صُوفٍ، وَهِيَ رَمْزٌ لِلْحَوَادِثِ اُلَمَادِيَّةِ اُلْمَحْضَةِ.
قِطْعَةٌ مِنْ خَيْطٍ مَغْزُولَةٌ مَوْصُولَةٌ إِلَى وِحْدَةِ اُلْخَيْطِ الأَصْلِيَّةِ، وَهْيَ رَمْزٌ لِلْفَصْلِ الزَّمَنِيِّ اُلْمُؤَوَّلِ اُلْمَوْصُولِ إِلَى السِّلْسِلَةِ الزَّمَنِيَّةِ الوَاحِدَةِ الأَصْلِيَّةِ.
غَزْلٌ لِلصُّوفِ، وَهْوَ رَمْزٌ لِتَأْوِيلِ البَاطِنِ لِلْحَوَادِثِ اُلْمَحْضَةِ إِلَى  فُصُولٍ تَارِيخِيَّةٍ.
وِحْدَةُ اُلْخَيْطِ الأَصْلِيَّةُ، وَهْيَ رَمْزٌ لِسِلْسِلَةٍ زَمَنِيَّةٍ بَاطِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ أُمَّةِ أ.
وِحْدَةُ اُلْخَيْطِ الأَصْلِيَّةُ، وَهْيَ رَمْزٌ لِسِلْسِلَةٍ زَمَنِيَّةٍ بَاطِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ أُمَّةِ ب.
وِحْدَةُ اُلْخَيْطِ الأَصْلِيَّةُ، وَهْيَ رَمْزٌ لِسِلْسِلَةٍ زَمَنِيَّةٍ بَاطِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ أُمَّةِ ج.

                                                            فَهَلُمَّ جَرًّا.

لَكِنْ إِذَا تَسَاوَتِ اُلْحَوَادِثُ فِي عَيْنِ بَاطِنٍ وَاحِدٍ، كَبَاطِنِ أ، صَارَتْ حَوَادِثُهُ هُوَ، بِمَنْزِلَةِ حَوَادِثَ ب أو ج أَوْ غَيْرِهِمَا.

حَوَادِثُ أ
حَوَادِثُ ب
فَهَلُمَّ جَرًّا
حَوَادٍِثُ ج

وَذَلِكَ مُبْطِلٌ لِشُرُوطِ إِلْحَاقِ اُلْحَوَادِثِ اُلْمَخْصُوصَةِ بِالزَّمَنِيَّةِ اُلْمَخْصُوصَةِ. فَتَبْقَى إِذًا الأَبْعَادُ الزَّمَنِيَّةُ اُلْمُجَرَّدَةُ مَمْلُوَّةً مِنَ اُلْحَوَادِثِ اُلْمَادِيَّةِ، لَكِنَّهَا خَاوِيَةً مِنَ اُلْفُصُولِ التّّارِيخِيَّةِ اُلْمُتَمِّمَةِ وَاُلْمُقَوِّمَةِ لِلْوِحْدَةِ التَّارِيخِيَّةِ لأُمَّةِ أ، مَثَلاً.

أَبْعَادٌ زَمَنِيَّةٌ مَمْلُوَّةٌ بِحَوَادِثَ مَادِيَّةٍ خَاوِيَةٍ مِنَ اُلْفُصُولِ التَّارِيخِيَّةِ.
أُمَّةُ أ

وَإِذْ بَيَنَّا أَنَّ الإِلْحَاقَ لِلْفُصُولِ التَّارِيخِيَّةِ اُلْمُتَجَدِّدَةِ إِنَّمَا يُفِيدُ الذَّاتَ اُلْمَعْنَوِيَّةَ أَوِ الأُمَّةَ مَعًا التَّقْوِيمَ وَبَقَاءَ الثُّبُوتِ، فَبِاُلْعَكْسِ إِذًا، إِنَّ بُطْلاَنَ هَذَا الإِلْحَاقَ، لَيْسَ  فَقَطْ هُوَ يَحْرِمُهَا زِيَادَةً فِي عُمُرِهَا التَّارِيخِيِّ مَعَ بَقَاءِ الذَّاتِ وَسَلاَمَةِ الأَصْلِ، كَمَا قَدْ يُوهِمُ اُلْمِثَالُ الآنِفُ، كَشَجَرَةٍ قُطِعَتْ أَغْصَانُهَا وَبَقِيَ جِذْعُهَا وَعُرُوقُهَا. بَلْ إِنَّ وِحْدَتَهَا التَّارِيخِيَّةَ الأَصْلِيَّةَ إِنَّمَا يَسْرِي فِيهَا اُلْفَنَاءُ وَذَاتُهَا الأُولَى اُلْمَعْنَوِيَّةُ يُسَارِعُ إِلَيْهَا التَّفَسُّخُ بِقَدْرِ مَا يَطُولُ البُعْدُ الزَّمَنِيُّ اُلْخَالِي مِنَ اُلْفُصُولِ التَّارِيخِيَّةِ.

أَبْعَادٌ زَمَنِيَّةٌ مَمْلُوَّةٌ بِحَوَادِثَ مَادِيَّةٍ خَاوِيَةٍ مِنَ اُلْفُصُولِ التَّارِيخِيَّةِ.
أمّة أ
تَفَسُّخُ الفُصُولِ الزَّمَنِيَّةِ الأَصْلِيَّةِ بِقَدْرِ طُولِ خُلُوِّ الزَّمَنِ مِنَ الفُصُولِ التَّارِيخِيَّةِ اُلْمُتَجَدِّدَةِ. وَقَدْ يُفْضِي تَوَسُّعُ التَّفَسُّخِ إِلَى فَنَاءِ الذَّاتِ اُلْمَعْنَوِيَّةِ وَانْمِحَاقِ الأُمَّةِ أَصْلاً.

وَمِنْ هَذَا يُعْلَمُ كَذَلِكَ أَنَّ اُلْعِبَارَاتِ اُلْمُكَرَّرَةَ خَاصَّةً فِي اُلْخُصُومَاتِ السِّيَاسِيَّةِ، وَهْيَ “إِنَّ التَّارِيخَ سَيُسَجِّلُ” أَوِ “إِنَّ التَّارِيخَ سَيَذْكُرُ” يُشْبِهُ أَنَّهَا لَمْ تَعُدْ صَحِيحَةً عَلَى التَّمَامِ هَذَا اليَوْمَ. لأَنَّ البَاطِنَ اُلْوَاحِدَ الَّذِي هُوَ نَفْسُهُ اُلْحَافِظُ، وَذِلِكَ مَعْنَى أَنْ يَكْتُبَ التَّارِيخُ، وَهُوَ نَفْسُهُ الذَّاكِرُ مِنْ حَيْثُ هُوَ نَفْسُهُ مَا كَانَ اُلْحَافِظَ، قَدْ شُلَّتْ يَدُهُ فَلَمْ يَعُدْ يَكْتُبُ أوْ أُصِيبَ بِالأَلْزَاهَيْمِرْ، فَلَمْ يَعُدْ يَذْكُرُ، لَيْسَ فَقَطْ الفُصُولَ اُلْقَرِيبَةَ مِنْ تَارِيخِهِ، بَلْ كَذَلِكِ الفُصُولَ  الأَصْلِيَّةَ وَاُلْبَعِيدَةَ.

 هـ) بَيَانُ كَيْفَ أَنَّ الانْتَرْنَتْ هِيَ مُفْنِيَةٌ لِلتَّارِيخِ بِوَجْهِ آخَرَ مُنْفَرِدٍ : وَهْوَ أَنَّهَا مِمَّا تُصَيِّرُ كُلَّ جِهَاتِ اُلشَّيْءِ ظَاهِرَةً مَعًا دُفْعَةً وَاحِدَةً

   وَهُنَاكَ وَجْهٌ آخَر لِفَنَاءِ الزَّمَنِ وَالتَّارِيخِ. فَهَذَانِ تَابِعَانِ لِلْحَرَكَةِ، وَاُلْحَرَكَةُ تَابِعَةٌ لِلنُّقْلَةِ. وَيُمْكِنُ قِسْمَةُ اُلْحَرَكَةِ إِلَى أَصْنَافٍ ثَلاَثَةٍ :

حَرَكَةٌ طَبِيعِيَّةٌ مَحْضَةٌ، كَهُوِيِّ الإِنْسَانِ إِذَا سَقَطَ مِنْ شَاهِقٍ.

وَحَرَكَةٌ طَبِيعِيَّةٌ مَخْلُوطَةٌ بِالإِرَادَةِ، كَحَرَكَةِ اُلْجَائِعِ طَلَبًا لِلطَّعَامِ.

وَحَرَكَةٌ إِرَادِيَّةٌ قَدْ تَخْتَلِطُ بِبَعْضِ الطَّبِيعَةِ يُمْكِنُ وَسْمُهَا بِاُلْحَرَكَةِ اُلْمَعْرِفِيَّةِ، وَهْيَ اُلْمُوَلِّدَةُ حَقًّا لِلتَّارِيخِ وَاُلْحَضَارَةِ. وَلاَ أَعْنِي بِاُلْمَعْرِفَةِ عُلُومَ الخَاصَّةِ فَقَطْ، بَلْ كُلَّ الصُّوَرِ الإِنْسَانِيَّةِ : فَالصَّدَاقَةُ مَعْرِفَةٌ وَاُلْبُنُوَّةُ مَعْرِفَةٌ وَالزَّوْجِيَّةُ مَعْرِفَةٌ وَاُلْحِرَفُ مَعْرِفَةٌ وَتَدْبِيرُ اُلْمَعَاشِ وَاُلْمَنْزِلِ مَعْرِفَةٌ وَتَدْبِيرُ اُلْمَدِينَةِ مَعْرِفَةٌ وَاُلْعَقَائِدُ مَعْرِفَةٌ وَاُلْحُرُوبُ مَعْرِفَةٌ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.

   وَالشَّيْءُ لَهُ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ لاَ يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً، بَلْ لاَ يَظْهَرُ لَكَ مِنْهُ وَجْهٌ إِلاَّبِسَتْرِهِ لِلْوُجُوهِ الأُخْرَى. لِذَلِكَ فَلِتَتَكَامَلَ مَعْرِفَتُهُ من أَنْقَصِهَا إِلَى أَتَمِّهَا، فَلاَ بُدَّ مِنْ أَحَدِ العَمَلَيْنِ : إِمَّا اُلْحَرَكَةُ حَوْلَهُ لِلاطِّلاَعِ عَلَى مَا أَمْكَنَ مِنْ وُجُوهِهِ، أَوْ تَقْلِيبُ الشَّيْءِ، أَيْ تَحْرِيكَهُ لِتَتَعَاقَبَ وُجُوهُهُ عَلَى النَّظَرِ. وَإِذْ لاَ حَرَكَةَ إِلاَّ فِي زَمَنٍ، إِذَنْ فَاُلْمَعْرِفَةُ بِالشَّيْءِ هِيَ فِي زَمَنٍ لاَ مَحَالَةَ. وَلِنُبَيِّنْ هذا بِمِثَالٍ :

لِنَفْرِضْ جِسْمًا مِنْ حَدِيدٍ مُصْمَتٍ قَدْ صِيغَ فِي شَكْلِ مَنْشُورٍ. وَلِنَفْرِضْ عَيْنًا لَيْسَ لَهَا عِلْمٌ سَابِقٌ بِحَقِيقَتِهِ قَدْ بَدَأَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ : فَهْيَ لَنْ تَرَى مِنْهُ رُؤْيَةً تَامَّةً إِلاَّ جِهَةً وَاحِدَةً، وَلِيَكُنْ أَوَّلاً سَطْحًا مُرَبَّعًا. فَاُلْعَيْنُ قَدْ تَبْنِي عَلَى هَذِهِ اُلْمَعْرِفَةِ الأُولَى حُكْمًا أَوَّلاً : إِنَّ هَذَا إِمَّا مُكَعَّبٌ أَوْ مُتَوَازِي السُّطُوحِ أَوْ هَرَمٌ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. [انْظُرِ الرَّسْمَ] :

مَرْتَبَةٌ أُولَى

ثَمَّ إِذَا أُدِيرَ اُلْمُجَسَّمُ وَوَقَعَتْ اُلْعَيْنُ عَلَى جِهَتِهِ الثَّانِيَةِ فَرَأَتْ سَطْحًا مُرَبَّعًا أَيْضًا، فَهَذِهِ اُلْمَعْرِفَةُ الثَّانِيَةُ مُقْتَرِنَةً بِاُلْمَعْرِفَةُ الأُولَى سَتُرَجِّحُ اُلْحُكْمَ الأَوَّلَ بِأَنَّ هَذَا قَدْ يَكُونُ مُكَعَّبًا :

مَرْتَبَةٌ ثَانِيَةٌ
مَرْتَبَةٌ ثَالِثَةٌ

 ثُمَّ إِذَا أُدِيرَ إِدَارَةً ثَالِثَةً وَوَقَعَتِ اُلْعَيْنُ عَلَى سَطْحٍ مُتَوَازِي الأَضْلاَعِ مُخْتَلِفِهَا، فَهَذِهِ اُلْمَعْرِفَةُ الثَّالِثَةُ مُقْتَرِنَةً بِاُلْمَعَارِفِ السَّابِقَةِ سَيَتْبَعُهَا عِلْمٌ مُطَابِقٌ يَلْزَمُهُ حُكْمٌ وَاحِدٌ مُطَابِقٌ : إِنَّهُ مَنْشُورٌ :

وَلَكِنْ لِتَعْلَمْ أَنَّ مَا قِيلَ فِي اُلْمِثَالِ مِنْ مُسَاوَقَةِ اُلْحُكْمِ لِلْمَعْرِفَةِ إِنَّمَا يَخْتَصُّ بِاُلْمَعَارِفِ اُلْعِلْمِيَّةِ التَّمْحِيصِيَّةِ، أَمَّا فِي اُلْمَعَارِفِ اُلْعَامِيَّةِ الذَّائِعَةِ، فَكَثِيرًا مَا تَكُونُ جِهَةُ اُلْحُكْمِ مُخَالِفَةً لِجِهَةِ اُلْمَعْرِفَةِ : فَمَثَلاً زَيْدٌ لَمْ يَعْرِفْ عَمْرًوا إِلاَّ مِنْ مُعَامَلَةٍ وَاحِدَةٍ حِينَمَا قَصَدَهُ لِلاقْتِرَاضِ فَلَمْ يُجِبْهُ مُعْتَذِرًا بِضِيقِ ذَاتِ اُلْيَدِ. فَزَيْدٌ قَدْ يَقْضِي رَأْسًا : عَمْرٌو رَجُلٌ بَخِيلٌ. ثُمَّ إِنَّهُ يَنْبَنِي عَلَى مَا سَبَقَ أَنَّ الأَعْمَالَ أَيْضًا هِيَ زَمَنِيَّةٌ : إِذْ أَنَّهُ مِنَ اُلْمَعْلُومِ أَنَّ اُلْعَمَلَ تَابِعٌ لِلْحُكْمِ، وَاُلْحُكْمُ زَمَنِيٌّ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْمَعْرِفَةِ الزَّمَنِيَّةِ، إذًا فَاُلْعَمَلُ زَمَنِيٌّ. لَكِنْ يَنْبَغِي هَاهُنَا التَّذْكِيرُ جَيِّدًا بِأَنَّ اُلْعَمَلَ لَيْسَ مَوْقُوفًا فَقَطْ عَلَى اُلْحُكْمِ اُلْمَبْنِيِّ عَلَى مَعْرِفَةٍ مُطَابِقَةٍ، وَلاَ عَلَى اُلْحُكْمِ اُلْجَازِمِ اُلْمُخَالِفِ لِلْمَعْرِفَةِ اُلْمُطَابِقَةِ، بَلْ جُلُّ أَعْمَالِ النَّاسِ إِنَّمَا هِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى احْتِمَالاَتٍ وتَخْمِينَاتٍ لَيْسَ غَيْرُ.

   فَلَوْ فَرَضْنَا الآنَ فَرْضًا مُحَالاً بِأَنَّ الشَّيْءَ لَهُ جِهَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ يَجُوزُ مَعْرِفَةُ جِهَاتِهِ اُلْكَثِيرَةِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، فَسَيَلْزَمُ ضَرُورَةً أَنَّ هَذِهِ اُلْمَعْرِفَةَ مَعْرِفَةٌ مُطَابِقَةٌ، وَاُلْمَعْرِفَةُ اُلْمُطَابِقَةُ لاَ زِيَادَةَ فِيهَا وَلاَ نُقْصَانَ أَلْبَتَّةَ، فَهْيَ وَاحِدَةٌ قَطْعًا، وَأَيْضًا فَاُلْحُكْمُ اُلْمَبْنِيُّ عَلَيْهَا هُوَ وَاحِدٌ، وَاُلْعَمَلُ اُلْمَبْنِيُّ عَلَى اُلْحُكْمِ اُلْوَاحِدِ وَاحِدٌ لاَ تَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ اُلْكَثْرَةُ إِلاَّ مِنْ جِهَةِ اُلْمَادَّةِ. كَذَلِكَ فَكُلُّمَا مَالَ الشَّيْءُ لِأَنْ تَكُونَ جِهَاتُهُ وَاحِدَةً أَوْ قَوِيَ جَوَازُ أَنْ تَكُونَ مَعْرِفَةُ جِهَاتِهِ، ضَرْبَةً وَاحِدَةً، مَالَ اُلْحُكْمُ لِأَنْ يَصِيرَ وَاحِدًا، وَأَيْضًا مَالَ اُلْعَمَلُ لِأَنْ يَصِيرَ وَاحِدًا.

   وَبَعْدُ، فَلِنَعُدْ لِلْمِثَالِ وَلِنَزِدْ عليه فَرْضًا وَهْوَ أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ مِنْ أَحَدِ اُلْمَرَاتِبِ يَتْبَعُهُ عَمَلٌ ضَرُورَةً. وَلِنَفْرِضْهُ رِهَانًا بِمِقْدَارٍ مِنَ النُّقُودِ عَلَى أَنَّ اُلْجِسْمَ اُلْمَرْئِيَّ مِنْ بَعِيدٍ هُوَ مُكَعَّبٌ. وَاُلْقَاعِدَةُ فِيهِ أَنَّ سَهْمَ الرِّهَانِ مِنَ اُلْمَرْتَبَةِ الأُولَى عِشْرُونَ دِينَارًا وَجَائِزَةُ اُلْفَائِزِ مَائَةُ دِينَارًا، وَسَهْمُ الرِّهَانِ مِنَ اُلْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ ثَلاَثُونَ دِينَارًا وَجَائِزَةُ اُلْفَائِزِ مَائَةَ دِينَارًا أَيْضًا، وَمَنْ بَدَأَ مِنَ اُلْمَرْتَبَةِ الأُولَى فَقَدْ يَزِيدُ فِي الرِّهَانِ عِشْرِينَ دِينَارًا فِي اُلْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ وَجَائِزَتُهُ مَائَتَا دِينَارًا. وَلِنَفْرِضْ أَنَّ أَصْحَابَ الرِّهَانِ نَفَرٌ ثَلاَثَةٌ :

زَيْدٌ الَّذِي دَخَلَ الرِّهَانَ مِنَ اُلْمَرْتَبَةِ الأُولَى، وَعَمْرٌو الَّذِي دَخَلَ الرِّهَانَ مِنَ اُلْمَرْتَبَةِ الأُولَى وَزَادَ عَلَيْهِ فِي اُلْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ، وَاُلْحَارِثُ الَّّذِي دَخَلَ الرِّهَانَ فِي اُلْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ. فَهَؤُلاَءِ لَنْ يَظْهَرَ لَهُمْ مِنَ اُلْجِسْمِ فِي اُلْمَرْتَبَةِ الأُولَى إِلاَّ جِهَةٌ وَاحِدَةٌ وَهْيَ سَطْحٌ مُرَبَّعٌ، وَهَذِهِ اُلْمَعْرِفَةُ اُلْجُزْئِيَّةُ هِيَ بِعَيْنِهَا الّتي تَدْخُلُ فِي اُلْمَعْرِفَةِ الكُلِّيَّةِ اُلْمُتَعَلِّقَةِ بِمُكَعَّبٍ لَوْكَانَ كُلُّ اُلْجِسْمِ مُكَعَّبًا. لِذَلِكَ فَالثَّلاَثَةُ فِي اُلْمَرْتَبَةِ اُلْمَذْكُورَةِ سَيَحْصُلُ لَهُمْ تَرْجِيحٌ ضَعِيفٌ مَبْنِيٌّ عَلَى قِيَاسٍ خَفِيٍّ وَهْوَ أَنَّ اُلْمُكَعَّبَ مَا مَعْرِفَتُهُ اُلْكُلِّيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِنْ مَعَارِفَ جُزْئِيَّةٍ مُتَعَلِّقَاتٍ بِسُطُوحٍ مُرَبَّعَاتٍ مُتَسَاوِيَاتٍ. وَتِلْكَ اُلْمَعْرِفَةُ اُلْجُزْئِيَّةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِسَطْحٍ مُرَبَّعٍ : إِذًا، فَمِنَ اُلْمُحْتَمَلِ أَنْ يَكُونَ هَذَا اُلْجِسْمُ مُكَعَّبًا حَقًّا. لَكِنْ زَيْدٌ قَدِ اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا التَّرْجِيحِ الضَّعِيفِ وَدَخَلَ الرِّهَانَ مِنَ اُلْمَرْتَبَةِ الأُولَى وَهْوَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ التَّرَيُّثِ فَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ فِي اُلْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ إِذْ قَوِيَ التَّرْجِيحُ بِظُهُورِ اُلْوَجْهِ الثَّانِي عَلَى أَنَّهُ كَذَلِكَ سَطْحٌ مُرَبَّعٌ. أَمَّا عَمْرٌو فَقَدْ دَخَلَ أَيْضًا الرِّهَانَ مِنْ اُلْمَرْتَبَةِ الأُولَى ثُمَّ زَادَ عَلَيْهِ فِي اُلْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ لِفَرْطِ الطَّمَعِ. فَأَمَّا اُلْحَارِثُ فَلَمْ يَدْخُلِ الرِّهَانَ إِلاَّ مِنَ اُلْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ.

   إِذَنْ فَيُمْكِنُ اسْتِنْبَاطُ أَمْرٍ مُفِيدٍ وَهْوَ أَنَّ الَّذِي جَعَلَ اُلْعَمَلَ فِي اُلْفَرْضِ كَثِيرًا ذَا امْتِدَادٍ زَمَنِيٍّ وَذَا تَارِيخٍ إِنَّمَا هُوَ نَوْعُ اُلْمَعْرِفَةِ. وَتَحْرِيرُ ذَلِكَ أَنَّ البُعْدَ الزَّمَنِيَّ مَثَلاً الَّذِي بَيْنَ اُلْخَامِسَةِ مَسَاءً وَاُلْخَامِسَةِ وَالنِّصْفِ لَمْ يَبْقَ خَاوِيًا، بَلْمُلِئَ بِرِهَانٍ. والرِّهَانُ إِنَّمَا امْتَدَّ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى أَعْمَالٍ كَثِيرَةٍ مُتَعَاقِبَةٍ، وَهْيَ قَدْ كَثُرَتْ وَتَعَاقَبَتْ فَلِأَنَّ اُلْجِسْمَ لاَ تَظْهَرُ وُجُوهُهُ كُلُّهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً. لِذَلِكَ، فَلَوْ فُرِضَ مِنَ اُلْمَرْتَبَةِ الأُولَى أَنَّ لِلإِنْسَانِ عُيُونًا كَثِيرَةً قَوِيَّةً عَلَى أَنْ تَرَى مَعًا كُلَّ الوُجُوهِ، لَصَارَ عَمَلُ النَّفَرِ الثَّلاَثَةِ عَمَلاً وَاحِدًا غَيرَ ذِي مَرَاتِبَ أَصْلاً، وَلَمَا شَغَلَ الرِّهَانُ مِنَ البُعْدِ الزَّمَنِيِّ اُلْمَذْكُورِ إِلاَّ فَصْلاً ضَيِّقًا جِدًّا تَارِكًا بَاقِيهِ خَالِيًا خَاوِيًا :

كَذَلِكَ فَمَا قَدْ صَحَّ فِي اُلْمِثَالِ وَمَا بُنِيَ عَلَيْهِ مِنْ بَيَانٍ يَصِحُّ فِي الإِنْسَانِ، أَيْ هُوَ أَيْضًا ذُو وُجُوهٍ لاَ تَظْهَرُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً. ولِأَجْلِ هَذِهِ اُلْخَاصَّةِ بِعَيْنِهَا إِنَّمَا كَانَ لَهُ امْتِدَادٌ فِي الزَّمَنِ يُسَمَّى تَارِيخًا وَحِقَبًا وَسِيرَةً، فَهَلُمَّ جَرًّا. فَمَثَلاً زَيْدٌ يَرَى مِنْ عَمْرٍو التَّاجِرِ الوَافِدِ إِلَى اُلْبَصْرَةِ مِنَ اُلْكُوفَةِ لِسَانًا حُلْوًا وَحَدِيثًا دَائِمًا فِي مَحَاسِنِ اُلْحَلاَلِ وَذَمِّ السُّحْتِ وَمُثَابَرَةً عَلَى صَلاَةِ اُلْجَمَاعَةِ. لَكِنْ هُوَ مَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا اُلْمَرْئِيَّ مِنْ عَمْرٍو هُوَ إِحْدَى جِهَاتِهِ لاَ كُلُّهَا إِذْ أَنَّ ظُهُورَ جِهَةٍ مِنْهَا يَتْبَعُهُ ضَرُورَةً تَوَارِي بَاقِيهَا عَنِ النَّظَرِ. فَعَمْرٌو مَعَ مَا ظَهَرَ مِنْهُ لِزَيْدٍ، لَهُ جِهَاتٌ كَثِيرَةٌ مَسْتُورَةٌ : فَجِهَةٌ إِذْ هُوَ فِي بَيْتِهِ وَجِهَةٌ إِذْ كَانَ فِي اُلْكُوفَةِ وَجِهَةٌ إِذْ كَانَ فِي بَغْذَاذَ لِتِجَارَةٍ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. إِذَنْ، فَزَيْدٌ قَدْ يُعَوِّلُ عَلَى اُلْجِهَةِ الظَّاهِرَةِ اُلْمَحْمُودَةِ لِيُلْحِقَ بِهَا سَائِرَ اُلْوُجُوهِ اُلْمَخْفِيَّةِ عَلَى أَنَّهَا كُلَّهَا تُشِيرُ إِلَى وَصْفٍ وَاحِدٍ : عَمْرٌو رَجُلٌ وَرِعٌ. ثُمَّ إِنَّهُ قَدْ يَبْنِي عَلَى هَذِهِ اُلْمَعْرِفَةِ عَمَلاً مَخْصُوصًا وَهْوَ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ بِمَالٍ كَثِيرٍ لِلتِّجَارَةِ عَلَى أَنْ يُقَسَّمُ الرِّبْحُ بِالسَّوِيَّةِ. فَاُنْظُرْ كَيْفَ كَانَ الأَمْرُ سَيَكُونُ لَوْ فُرِضَ لِزَيْدٍ عُيُونٌ كَثِيرَةٌ مُنْتَشِرَةٌ فِي اُلْمَكَانِ يَصِيرُ مَعَهَا كُلُّ جِهَاتِ عَمْرٍو ظَاهِرَةً ضَرْبَةً وَاحِدَةً : فَزَيْدٌ سَيَقُولُ إِنَّ هَذِهِ اُلْجِهَةَ كَانَتْ سَتَدُلُّ عَلَى وَرَعِ عَمْرٍو لَوْ قَوَّتْهَا اُلْجِهَاتُ البَاقِيَةُ أَوْ لَمْ تُنَافِهَا. لَكِنْ هَا عَيْنِي الَّتِي بِبَغْذَاذَ تُخْبِرُنِي بِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ احْتَالَ عَلَى اُلْحَارِثِ وَهَرَبَ بِمَالِهِ إِلَى اُلْبَصْرَةِ. وَهُنَالِكَ فَإِنَّ فَصْلاً عَرِيضًا مِنَ الزَّمَنِ سَيَبْقَى حَتْمًا خَالِيًا من سِلْسِلَةٍ تَامَّةٍ مِنَ الأَعْمَالِ والسِّيَرِ وَاُلْحَوَادِثِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ زَيْدًا كَانَ لَنْ يَقْصِدَ عَمْرًوا وَلَنْ يُجَالِسَهُ كَثِيرًا وَلَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ بِمَالٍ قَدِ ادَّخَرَهُ وَلَنْ يَذْهَبَ إِلَى القَاضِي يَشْكُوهُ بَعْدَ أَنْ هَرَبَ بِمَالِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.

   فَإِذَا تَفَطَّنَّا الآنَ أَنَّ لِلانْتَرْنَتْ سِرًّا عَجِيبًا وَهْوَ أَنَّ شَأْنَهَا أَنَّهُ إِذَا أُلْحِقَتْ بِالإِنْسَانِ، صَيَّرَتْهُ ذَا عُيُونٍ كَثِيرَةٍ مُنْتَشِرَةٍ فِي اُلْمَكَانِ، ذَاتِ اطِّلاَعٍ عَلَى كُلِّ جِهَاتِ الشَّيْءِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، حُكْمًا، فَإِنَّهُ يَبِينُ إِذَنْ أَنَّ هَذِهِ الآلَةَ أَيْضًا هِيَ مُبْطِلَةٌ لِلزَّمَنِ مُفْنِيَةٌ لِلتَّارِيخِ. فَمَثَلاً زَيْدٌ اليَوْمَ قَدْ وَقَعَتْ عَيْنُهُ فِي اُلْبَصْرَةِ عَلَى جِهَةِ الوَرَعِ مِنْ عَمْرٍو، لَكِنْ عَيْنُهُ الثَّانِيَةُ فِي بَغْذَاذَ وَاسْمُهَا “فايس بوك” تُرِيهِ أَيْضًا جِهَةَ الاحْتِيَالِ مِنْهُ، وعَيْنُهُ الثَّالِثَةُ فِي اُلْكُوفَةِ تُرِيهِ جِهَةَ الفِسْقِ، فَهَلُمَّ جَرًّا.

ــــــــــ

اُلْفَصْلُ اُلْخَامِسُ

الانْتَرْنَتْ وَفُضُولُ اُلْمَعْرِفَةِ

 أ) فِي مَعْنَى فُضُولِ اُلْمَعْرِفَةِ وَذِكْرٌ لأَنْوَاعِهِ اُلْخَمْسَةِ اُلْكُبْرَى

   اعْلَمْ أَنَّ اُلْمُرَادَ بِفُضُولِ اُلْمَعْرِفَةِ كُلُّ مَعْرِفَةٍ لاَ فَائِدَةَ لَهَا عَائِدَةً إِلَى الإِنْسَانِ لاَ إِلَى بَدَنِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ أَسْبَابٍ وَلاَ إِلَى نَفْسِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ أَسْبَابٍ. وَاُلْفَائِدَةُ لَهَا ثَلاَثَةُ مَعَانٍ : الأَوَّلُ، إِصْلاَحُ الشَّيْءِ وإِعَادَتُهُ إلى أَصْلِهِ، مِثْلَ فَائِدَةِ الدَّوَاءِ أَنْ يُعِيدَ العُضْوَ اُلْمُخْتَلَّ إِلَى اعْتِدَالِهِ الطَّبِيعِيِّ. الثَّانِي، تَحْسِينُ الشَّيْءِ وَتَكْمِيلُهُ كَالفَرَسِ الَّذِي كَمَالُهُ الأَخِيرُ سُرْعَةُ اُلْعَدْوِ وَمُطَاوَعَةُ الفَارِسِ، فَفَائِدَةُ الرِّيَاضَةِ وَالسِّيَاسَةِ أَنْ تَبْلُغَ بِهِ غَايَةَ مَا يُمْكِنُ مِنْ كَمَالِهِ ذَاكَ. وَالثَّالِثُ، تَلاَفِي ضَرَرٍ كَفَائِدَةِ التُّرْسِ فِي الوِقَايَةِ مِنْ جُرْحِ السَّيْفِ. وَانْتِفَاءُ اُلْفَائِدَةِ الَّذِي هُوَ خُلُوُّ الشَّيْءِ مِنَ اُلْمَنْفَعَةِ قَدْ لاَ يَصْحَبُهُ ضَرَرٌ، مِثْلَ بُطْلاَنِ صَلاَةِ التَّطَوُّعِ بِلاَ وُضُوءٍ. إِذْ لاَ أَجْرَ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ لاَ عُقُوبَةَ مِنْهَا. وَقَدْ يَصْحَبُهُ ضَرَرٌ مِثْلَ مَا سَنَحْكِي فِيهِ عَنْ فُضُولِ اُلْمَعْرِفَةِ. وَقَدْ يُمْكِنُ قِسْمَةُ اُلْمَعَارِفِ الَّتِي تُنْعَتُ بِاُلْفُضُولِ إِلَى خَمْسَةِ أَنْوَاعٍ كُبْرَى : الأَوَّلُ، الصُّوَرُ وَالأَخْبَارُ اُلْقَبِيحَةُ كَاُلْمُتَعَلِّقَةِ بِاُلْفُحْشِ وَاُلْفُجُورِ. وَالثَّانِي، أَسْرَارُ النَّاسِ وَعَوْرَاتُهُمْ وَمَا يَنْبَغِي إِخْفَاؤُهُ. وَالثَّالِثُ، الأُمُورُ الغَرِيبَةُ الخَارِجَةُ عَنِ اُلْمَأْلُوفِ. وَالرَّابِعُ، أُمُورُ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَاُلْعَبَثِ. وَاُلْخَامِسُ، نَفْسُ حَوَادِثَ اُلْعَالَمِ وتَعَاقُبَاتِهَا وَتَوَاتُرَاتِهَا. وَهَذِهِ كُلُّهَا مِمَّا تَبُثُّهُ بَثًّا هَائِلاً وَاسِعًا جِدًّا آلَةُ الانْتَرْنَتْ.

  1) اُلنَّوْعُ الأَوَّلُ مِنْ فُضُولِ اُلْمَعْرِفَةِ، وَهْوَ اُلصُّوَرُ وَالأَخْبَارُ اُلْقَبِيحَةُ، وَبَيَانٌ لِتَوَابِعِهِ اُلْمُضِرَّةِ اُلْفَاسِخَةِ وَهْيَ : رَفْعُ مِيزَانِ اُلْجَمَالِ، وَ إِشَاعَةُ آدَابِ اُلْعُرْيِ، وَتَغْلِيبُ الصِّفَاتِ الطَّبِيعِيَّةِ عَلَى الصِّفَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ

   فَأَمَّا اُلنَّوْعُ الأَوَّلُ، فَضَرَرُهُ مَعْرُوفٌ. لَكِنَّ اُلْمُتَعَلِّقَ مِنْهُ بِفَسْخِ الصِّفَةِ، فَيُمْكُنُ حَصْرُهُ فِي أَشْيَاءَ ثَلاَثَةٍ :

الأَوَّلُ، رَفْعُ مِيزَانِ اُلْجَمَالِ وَتَأْكِيدُ مِيزَانِ القُبْحِ. وَاُلْجَمَالُ اعْتِدَالٌ وَتَنَاسُبٌ. فَهْوَ وَاحِدٌ وَمَحْدُودٌ، والقُبْحُ خُرُوجٌ عَنْهُمَا، فَهْوَ كَثِيرٌ وَلاَ مَحْدُودٌ. كَذَلِكَ فَالصِّفَةُ وَاحِدَةٌ وَمَحْدُودَةٌ، وَاللاَّصِفَةُ كَثِيرَةٌ وَلاَ مَحْدُودَةٌ. إِذًا فَالصِّفَةُ جَمَالٌ وَاللاَّصِفَةُ قُبْحٌ. ثُمَّ إِنَّ اُلْعَالَمَ هُوَ قَائِمٌ عَلَى النِّظَامِ وَاُلْحِسَابِ وَالتَّنَاسُبِ. فَهْوَ جَمَالٌ وَصِفَةٌ. لَكِنَّ اُلْجَمَالَ لاَ يُوزَنُ إِلاَّ بِمِيزَانِ اُلْجَمَالِ كَمَا أَنَّ الذَّهَبَ لاَ يُوزَنُ إِلاَّ بِمِيزَانِ الذَّهَبِ. إِذًا، فَإِذَا ارْتَفَعَ مِيزَانُ اُلْجَمَالِ فَالإِنْسَانُ لَنْ يَذُوقَ العَالَمَ إِلاَّ بِمِيزَانِ اُلْقُبْحِ. وَإِذْ لاَ تَفْرِقَةَ فِي الذَّوْقِ اُلْوَاحِدِ بَيْنَ ذَوْقِ الشَّيْءِ وَالشَّيْءِ اُلْمَذُوقِ، فَالذَّوْقُ قَطْعًا إِنَّمَا يُلْحِقُ مَا ظَهَرَ فِيهِ مِنَ الشَّيْءِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِلشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ، كَاللِّسَانِ اُلْمُخْتَلِطِ بِاُلْمَرَارَةِ فَإِنَّهُ يُلْحِقُ صِفَةَ اُلْمَرَارَةِ بِاُلْعَسَلِ فِي نَفْسِهِ، كَذَلِكَ، فَالإِنْسَانُ لَنْ يَكُونَ تَجَلِّي اُلْعَالَمِ لَهُ إِلاَّ فِي صُورَةِ اُلْقُبْحِ وَاُلْبَشَاعَةِ، وَذَلِكَ بِعَيْنِهِ فِي مَعْنَى بُطْلاَنِ الصِّفَةِ وانْفِسَاخِهَا مِنْهُ.

الثَّانِي، إِشَاعَةُ آدَابِ اُلْعُرْيِ وَخَلْعِ اُلْحَيَاءِ. وَكِلاَهُمَا مُوجِبَانِ بَيِّنَانِ لِفَسْخِ الصِّفَةِ، أَوَّلاً فَسْخُ صِفَةِ الإِنْسَانِيَّةِ اُلْكُلِّيَّةِ الَّتِي بِهَا انْفَصَلَ الإِنْسَانُ عَنِ الطَّبِيعَةِ. وَثَانِيًا فَسْخُ الصِّفَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ “الثَّقَافِيَّةِ” الَّتِي بِهَا انْقَسَمَ الإِنْسَانُ إِلَى أُمَمٍ وَحَضَارَاتٍ، خِلاَفًا لانْقِسَامِ البَهَائِمِ إِلَى أَنْوَاعٍ طَبِيعِيَّةٍ ثَابِتَةٍ. إِذْ مِنَ اُلْمَعْلُومِ أَنَّ الإِنْسَانَ إِنَّمَا يَمْتَازُ عَنْ سَائِرِ اُلْكَائِنَاتِ بِاُلْعَقْلِ، فَهْوَ كَمَالُهُ وَشَرَفُهُ. وَاُلسِّرُّ فِي أَنَّ اُلْعَقَلَ شَرَفُ الإِنْسَانِ أَنَّهُ بِهِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَكُونَ لَهُ جِهَاتٌ فِي اُلْفِعْلِ مُنْفَصِلَةٌ عَنْ حُكْمِ الطَّبِيعَةِ البَحْتَةِ وَأَنْ يَزِيدَ عَلَيْهَا مَا لَيْسَ من عَمَلِهَا الصِّرْفِ : فَمَثَلاً الإِنْسَانُ حِينَ اُلْوِلاَدَةِ لاَ يَكُونُ فِيهِ أَوْ عَلَيْهِ إِلاَّ مَا أَعْطَتْهُ إِيَّاهُ الطَّبِيعَةُ. فَحَالُهُ هُنَاكَ مُسَاوِيَةٌ لِحَالِ بَقِيَّةِ اُلْحَيَوَانَاتِ. وَاُلْبَهَائِمُ بَعْدَ اُلْوِلاَدَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُزَادُ عَلَيْهَا مَا يَكْسُو جِسْمَهَا كَاُلْفَرْخِ، فَهْوَ أَيْضًا زِيَادَةٌ هِيَ مِنْ عَمَلِ الطَّبِيعَةِ. أَمَّا الإِنْسَانُ، فَبَعْدَ اُلْوِلاَدَةِ فَهْوَ أَيْضًا يُلْقَى عَلَيْهِ مَا يَسْتُرُ بَدَنَهُ. وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَيْسَتْ مِنْ عَمَلِ الطَّبِيعَةِ قَطْعًا : لأَنَّ عَمَلَ الطَّبِيعَةِ وَاحِدٌ وَمُطَّرِدٌ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ آثَارُهُ بِالنَّوْعِ كَاخْتِلاَفِ رِيشِ الطَّيْرِ بِاخْتِلاَفِ نَوْعِهِ. لَكِنْ لِكُلِّ نَوْعٍ وَاحِدٍ نَوْعٌ وَاحِدٌ مِنَ اُلرِّيشِ أَبَدًا. أَمَّا الإِنْسَانُ، فَهَيْئَةُ كِسَائِهِ إِنَّمَا تَخْتَلِفُ بِاُلْجِنْسِ وَاُلْعُمْرِ وَالأَمْكِنَةِ وَالأَزْمِنَةِ. إِذًا، فَاُلسِّتْرُ الَّذِي يُدْنِيهِ الإِنْسَانُ عَلَى بَدَنِهِ إِذْ لَيْسَ بِأَثَرٍ مَحْضٍ لِلطَّبِيعَةِ، فَهْوَ عَمَلٌ إِنْسَانِيٌّ حَقِيقِيٌّ مَبْدَؤُهُ فِيهِ هُوَ اُلْمُسَمَّى بِاُلْعَقْلِ. لِذَلِكَ كَانَ فِعْلُ السِّتْرِ الَّذِي هُوَ فِي نَفْسِهِ انْقِطَاعٌ وَانْفِصَالٌ عَنِ الطَّبِيعَةِ، هُوَ فِي نَفْسِهِ أَيْضًا دَلِيلاً وَأَمَارَةً عَلَى ثُبُوتِ اُلْمَعْنَى اُلشَّرِيفِ العَقْلِ لِلإِنْسَانِ وَعَلَى مُبَايَنَتِهِ البَيِّنَةِ لِسَائِرِ البَهَائِمِ وَفَضْلِهِ اُلْكَبِيرِ عَلَيْهَا. وَمِنْ هَذَا يُمْكِنُ كَذَلِكَ أَنْ نَفْهَمَ لِمَ الأَسْوِيَاءُ مِنَ النَّاسِ يَسْتَحْيُونَ مِنَ اُلْعُرْيِ : فَاُلْحَيَاءُ هُوَ شَفَقَةٌ وَخَوْفٌ مِنْ أَذًى مَعْنَوِيٍّ. وَالأَذَى اُلْمَعْنَوِيُّ هُوَ أَلَمٌ نَفْسِيٌّ يَسْتَشْعِرُهُ الإِنْسَانُ بِسَبَبِ وَصْفٍ مُسْتَشْنَعٍ يَلْحَقُهُ مِنَ اُلْغَيْرِ إِمَّا قَوْلاً أَوْ ظَنًّا. وَبَيِّنٌ أَنَّ الأَذَى اُلْمَعْنَوِيَّ الَّذِي يَخْشَاهُ اُلْمُسْتَحْيِ مِنَ العُرْيِ أَنْ تَلْتَبِسَ صِفَتُهُ الإِنْسَانِيَّةُ بِالصِّفَةِ اُلْبَهِيمِيَّةِ وَأَنْ يَتَقَرَّرَ أَنْ لاَ مُبَايَنَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّبِيعَةِ. وَلَمَّا كَانَ اُلْخَوْفُ مِنَ الشَّيْءِ مَا يَصُونُ الإِنْسَانُ مِنَ اُلْوُقُوعِ فِيهِ، لَزِمَ أَنَّهُ إِذَا ارْتَفَعَ اُلْخَوْفُ مِنْهُ صَارَ الإِنْسَانُ عَلَى حَذَرٍ مِنَ اُلْوُقوُعِ فِيهِ. كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ إِذَا نُزِعَ حَيَاءُ اُلْمَرْءِ مِنَ اُلْعُرْيِ، أَيْ ذَهَبَ خَوْفُهُ مِنْ أَنْ يُسَوَّى بِاُلْبَهَائِمِ، أَقْبَلَ عَلَى العُرْيِ بِلاَ غَضَاضَةٍ. وَإِذَا صَارَ هَذَا حَالُهُ، فَقَدْ تَبَرَّأَ مِنْ صِفَةِ الإِنْسَانِيَّةِ وَدَخَلَ فِي حَرِيمِ البَهِيمِيَّةِ، بِلاَ مِرْيَةٍ. فَذَاكَ فَسْخٌ أَوَّلٌ. أَمَّا اُلْفَسْخُ الثَّانِي فَظَاهِرٌ : إِذْ لَوْ فَرَضْنَا أَنَّ اُلْمَعْرِفَةَ مَقْصُورَةٌ عَلَى البَصَرِ وَأَنَّهُ قَدْ جُمِعَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ أَخْلاَطٌ مِنَ النَّاسِ جُلِبُوا مِنْ أَمَاكِنَ مُتَبَايِنَةٍ، فَإِنْ كَانُوا كُسَاةً اسْتَطَعْتَ بِالنَّظَرِ اُلْمُجَرَّدِ أَنْ تَصِفَ مَا الأُمَمُ وَالشُّعُوبُ اُلْمُلْحَقَةُ بِهَا آحَادُهُمْ مِنْ أَثْوَابِهِمْ الَّتِي هِيَ بَعْضُ خَوَاصِّهِمْ “الثَّقَافِيَّةِ” الزَّائِدَةِ عَلَى الطَّبِيعَةِ : فَمَثَلاً هَذَا مِنْ لِبَاسِهِ هُوَ بَاكِسْتَانِيٌّ أَوْ أَفْغَانِيٌّ وَذَاكَ نَجْدِيٌّ أَوْ حِجَازِيٌّ وَذاك سُودَانِيٌّ وَذَاكَ رُومَانِيٌّ. وَأَمَّا إِذَا كَانُوا عُرَاةً فَلَنْ يَبْقَى لِلْقِسْمَةِ إِلاَّ طَرِيقُ اُلْخَواصِّ اُلْبَدَنِيَّةِ كَقِسْمَةِ اُلْبَهَائِمِ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، كَقَوْلِنَا هَذَا فِيلٌ أَفْرِيقِيٌّ لِطُولِ ذَيْلِهِ وَذَاكَ فِيلٌ هِنْدِيٌّ لِقِصَرِ ذَيْلِهِ. كَذَلِكَ فَهَذَا رَجُلٌ أَفْرِيقِيٌّ لِسَوَادِ بَشَرَتِهِ وَذَاكَ أُورُوبِيٌّ لِزُرْقَةِ عَيْنَيْهِ وَذَاكِ صِينِيٌّ لِضِيقِ عَيْنَيْهِ.

الثَّالِثُ، تَغْلِيبُ الصِّفَاتِ الطَّبِيعِيَّةِ عَلَى الصِّفَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ : فَالإِنْسَانُ لَهُ بَدَنٌ هُوَ جُزْءٌ مِنَ الطَّبِيعَةِ، أَمَّا حَقِيقَتُهُ فَهْيَ مَعْنَى شَرِيفٌ مُبَايِنٌ لِلطَّبِيعَةِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الرُّوحُ أَوِ العَقْلُ. لِذَلِكَ فَالأَفْعَالُ الَّتِي مَبْدَؤُهَا اُلْعَقْلُ هِيَ أَفْعَالٌ إِنْسَانِيَّةٌ عَلَى اُلْحَقِيقَةِ، وَالأَفْعَالُ الَّتِي مَبْدَؤُهَا اُلْبَدَنُ اُلْمَحْضُ فَهْيَ أَفْعَالٌ طَبِيعِيَّةٌ غَرِيبَةٌ عَنْ مَعْنَى الإِنْسَانِيَّةِ. وَاُلْفَصْلُ بَيْنَ فِعْلِ الطَّبِيعَةِ وَفِعْلِ اُلْعَقْلِ أَنَّ الطَّبِيعَةَ لاَ تُقَيِّدُ نَفْسَهَا بِنَفْسِهَا وَأَنْ لاَ حَدَّ لِفِعْلِهَا. أَمَّا اُلْعَقْلُ، فَيُقَيِّدُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ وَلِفِعْلِهِ حَدٌّ. وَإِذِ الإِنْسَانُ هُوَ مُرَكَّبُ بَدَنٍ وَعَقْلٍ، فَلاَ جَرَمَ أَنَّهُ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى فِعْلِهِ اللاَّقَيْدُ واللاَّحَدُّ فَقَدْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الصِّفَةُ الطَّبِيعِيَّةُ اُلْغَرِيبَةُ، وَحَيْثُ غَلَبَ عَلَى فِعْلِهِ القَيْدُ واُلْحَدُّ فَقَدْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ صِفَتُهُ اُلْحَقِيقِيَّةُ. وَلِتَعْلَمْ أَنَّ اُلْحُكَمَاءَ وَالأَنْبِيَاءَ إِنَّمَا أَتَوْا بِاُلشَّرَائِعِ وَاُلْحِكَمِ مِنْ أَجْلِ تَقْوِيَةِ حَاكِمِ اُلْعَقْلِ عَلَى حَاكِمِ الطَّبِيعَةِ، فَبَيَّنُوا مَا اُلْقُيُودُ واُلْحُدُودُ وَذَكَرُوا مَا اُلشَّرُّ وَاُلْخَيْرُ وَمَا اُلْعَدْلُ وَاُلْجُورُ وَمَا العِفَّةُ وَاُلْفُجُورُ وَمَا اُلْحَلاَلُ وَاُلْحَرَامُ. إذًا، فَالأَنْتَرْنَتْ فَبِمَا تَبُثُّهُ مِنَ الأَخْبَارِ وَالصُّوَرِ اُلْمَذْكُورَةِ فَإِنَّمَا تَحُضُّ عَلَى اللاَّقَيْدِ وَاللاَّحَدِّ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا تُقَوِّي فِعْلَ الطَّبِيعَةِ عَلَى فِعْلِ اُلْعَقْلِ مُغَلِّبَةً الصِّفَاتَ الطَّبِيعِيَّةَ اُلْغَرِيبَةَ عَلَى الصِّفَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ  اُلْحَقِيقِيَّةِ، لاَ مَحَالَةَ.

  2) اُلنَّوْعُ اُلثَّانِي مِنْ فُضُولِ اُلْمَعْرِفَةِ وَهْوَ أَسْرَارُ النَّاسِ وَعَوْرَاتُهُمْ وَمَا يَنْبَغِي إِخْفَاؤُهُ

   وَالنَّوْعُ الثَّانِيمِنْ فُضُولِ اُلْمَعْرِفَةِ هُوَ أَسْرَارُ النَّاسِ وَعَوْرَاتُهُمْ وَمَا يَنْبَغِي إِخْفَاؤُهُ. وَالأَوَّلُ أَعَمُّ مِنَ الثَّانِي وَالثَّانِي أَعَمُّ مِنَ الثَّالِثِ. وَاُلْمَقْصُودُ بِمَا يَنْبَغِي إِخْفَاؤُهُ اُلأُمُورُ اُلْقَادِحَةُ فِي اُلْعِرْضِ اُلْمُنَافِيَةُ لِقَوَاعِدِ اُلشَّرْعِ أَوِ اُلْعُرْفِ أَوْ مَحَاسِنَ اُلْخُلُقِ. وَهْيَ أَيْضًا عَوْرَاتٌ، لِأَنَّ مَنْ لَحِقَتْهُ شَانَتْهُ وَعَابَتْهُ. وَ مِنَ اُلْعَوْرَاتِ نَقَائِصُ يَحْذَرُ صَاحِبُهَا أَلاَّ تُعْرَفَ وَهْيَ فِي نَفْسِهَا لَيْسَتْ وَاجِبَةَ الإِخْفَاءِ، كَكَوْنِ الرَّجُلِ قَدْ أَفْلَسَ أَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ. أَمَّا السِّرُّ فَهْوَ كُلُّ أَمْرٍ يُحِبُّ اُلْمَرْءُ أَنْ يُخْفِيَهُ وَقَدْ يَكُونُ إِمَّا نَقْصًا وَعَيْبًا، أَوْ فَضْلاً وَخَيْرًا كَكَوْنِهِ رَبِحَ مَالاً كَثِيرًا. وَفِي اُلْجُمْلَةِ، يُمْكِنُ قِسْمَةُ النَّوْعِ الثَّانِي مِنْ فُضُولِ اُلْمَعْرِفَةِ بِحَسَبِ مُتَعَلَّقِهَا إِلَى : أَوَّلاً، نَقَائِصُ النَّاسِ وَعُيُوبُهُمْ. وَثَانِيًا، مَا قَدْ يُصِيبُهُمْ مِنْ خَيْرَاتٍ لَيْسَ لِلْمَعْرِفَةِ بِهَا مِنْ فَضِيلَةٍ أَوْ فَائِدَةٍ أَلْبَتَّةَ. وَلاَ شَكَّ فِي أَنَّ هَذَا الضَّرْبَ مِنَ اُلْفُضُولِ مُضِرٌّ وفَاسِخٌ لِلصِّفَةِ لِهَذِهِ الأَسْبَابِ اُلْكُبْرَى :

أَوَّلاً، إِنَّ اسْتِقْصَاءَ الأَسْرَارِ وَتَتَبُّعَ العَوْرَاتِ هُوَ رَصْدٌ لِحَالِ اُلْغَيْرِ. وَهَذَا اُلْعَمَلُ وَإِنْ لَمْ يُضِرْ فَلاَ يُفِيدُ أَصْلاً، إِذِ الرَّاصِدُ إِنَّمَا يُنْفِقُ وَقْتَهُ بَاطِلاً. وَكُلَّمَا طَالَ الرَّصْدُ طَالَ الزَّمَنُ الضَّائِعُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ. لِذَلِكَ قِيلَ “مَنِ اسْتَوَى يَوْمَاهُ فَهْوَ مَغْبُونٌ وَمَنْ كَانَ يَوْمُهُ شَرًّا مِنْ أَمْسِهِ فَهْوَ مَلْعُونٌ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي زِيَادَةٍ كَانَ فِي نُقْصَانٍ.” بَلْ غَالِبًا مَا يَكُونُ أَمْرُ اُلْمَرْصُودِ خَيْرًا مِنَ الرَّاصِدِ. لأَنَّ الأَخِيرَ مُقْتَصِرٌ عَلَى الفُرْجَةِ الَّتِي غَايَةُ مَا تُفِيدُهُ الشَّمَاتَةُ والتَّشْهِيرُ، أَمَّا الأَوَّلُ فَقَدْ لاَ يَكُونُ شَاعِرًا أَصْلاً بِالرَّاصِدِ، بَلْ مُنْصَرِفٌ لِلْعَمَلِ وَاُلْكَدِّ، فَهْوَ عَلَى رَجَاءٍ أَنْ يَتَلاَفَى نَقْصَهُ ثُمَّ قَدْ يَدْخُلُ بَعْدَهَا فِي الزِّيَادَةِ وَاُلْكَمَالِ.

ثَانِيًا، إِنَّ اُلْعِلْمَ هُوَ صُورَةٌ نَفْسِيَّةٌ لِلْمَعْلُومِ. لِذَلِكَ فَإِنَّ اُلْمَعْرِفَةَ قَدْ تَلْزَمُهَا خَوَاصُّ نَفْسِيَّةٌ تَابِعَةٌ لِخَوَاصِّ اُلْمَعْلُومِ. وَاُلْمِثَالُ اُلْبَيِّنُ عَلَيْهِ أَنَّ اُلْمَعْلُومَ إِذَا كَانَ كَامِلاً لَحِقَ النَّفْسَ العَارِفَةَ ضَرْبُ كَمَالٍ، وَإِذَا كَان نَاقِصًا لَحِقَهَا نُقْصَانٌ وَضَعْفٌ. وَمَا يُؤَكِّدُهُ قَوْلُ اُلْحُكَمَاءِ “شَرَفُ اُلْعِلْمِ مِنْ شَرَفِ اُلْمَعْلُومِ.” وَلِذَلِكَ تَجِدُ اُلْمُكْثِرِينَ مِنْ تَتَبُّعِ الآفاتِ وَالسَّوْءَاتِ نُفُوسَهُمْ دَائِمًا مَرِيضَةً وَاهِنَةً مَنْهُوكَةً. 

ثَالِثًا، اعْلَمْ أَنَّ الإِنْسَانَ هُوَ نُقْصَانٌ بِاُلْجِبِلَّةِ وَمَادَّةٌ قَابِلَةٌ لِلتَّكْمِيلِ مِنَ اُلْمَهْدِ إِلَى اللَّحْدِ. وَلاَ أَعْنِي بِالتَّكْمِيلِ الزِّيَادَةَ اللاَّحِقَةَ بِاُلْبَدَنِ أَوْ بِأَسْبَابِ اُلْبَدَنِ، بَلْ الزِّيَادَةَ اللاَّحِقَةَ بِالنَّفْسِ اُلْمُقَوِيَّةَ مِنْهَا لِلصِّفَاتِ اللاَّئِقَةِ بِمَعْنَاهَا اُلْحَقِيقِيِّ، أَيْ اُلْعَقْلَ. وَإِذِ النَّاقِصُ لاَ يُكَمِّلُهُ إِلاَّ الأَكْمَلُ، فَالإِنْسَانُ سَوَاءٌ كَانَ فِي نِهَايَةِ النُّقْصَانِ أَوْ فِي مَرْتَبَةٍ رَفِيعَةٍ مِنَ اُلْكَمَالِ، مُحْتَاجٌ أَبَدًا إِلَى غَيْرِهِ لِيَتَرَقَّى. وَحَقِيقَةُ التَّكْمِيلِ هِيَ، مِنْ جِهَةِ اُلأَكْمَلِ نَفْسُ فِعْلِهِ فِي النَّاقِصِ، وَمِنْ جِهَةِ النَّاقِصِ نَفْسُ انْفِعَالِهِ مِنَ الأَكْمَلِ. لِذَلِكَ تَكُونُ ثَمَرَةُ التَّكْمِيلِ تَامَّةً وَكَامِلَةً بِقَدْرِ قَبُولِ الأَنْقَصِ فِعْلَ الأَكْمَلِ : فَإِذَا قَابَلَهُ بِبَعْضِ اُلْعِصْيَانِ نَقَصَتْ الثَّمَرَةُ بِقَدْرِهِ. وَإِنْ قَابَلَهُ بِعِصْيَانٍ تَامٍّ بَطَلَتْ الثَّمَرَةُ أَصْلاً وَبَقِيَ النَّاقِصُ عَلَى نَقْصِهِ الأَصْلِيِّ بِلاَ زِيَادَةٍ أَلْبَتَّةَ، كَالصَّخْرَةِ اُلْمُمْتَنِعَةِ بِاُلْكُلِّيَّةِ عَنْ حَفْرِ النَّاحِتِ فَإِنَّهَا تَبْقَى مُظْلِمَةً هُيُولاَنِيَّةً فَقِيرَةً مِنْ نُورِ اُلصُّورَةِ وَبَهَائِهَا. إِذًا، فَلاَ اسْتِكْمَالَ لِلنَّاقِصِ إِلاَّ بِالإِذْعَانِ وَالانْقِيَادِ وَاُلْمُجَاهَدَةِ وَالكَدِّ. لَكِنَّ النَّفْسَ تَنْطَوِي عَلَى خَصْلَتَيْنِ مَذْمُومَتَيْنِ وَهُمَا اُلْكِبْرُ والكَسَلُ. فَإِنِ اسْتَسْلَمَتْ لَهُمَا أَوْ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، فَوَّتَا عَلَيْهَا الاسْتِكْمَالَ : إِذِ اُلْكِبْرُ يَمْنَعُهَا الإِذْعَانَ، وَاُلْكَسَلُ يَمْنَعُهَا اُلْمَجَاهَدَةَ. لَكِنَّ النَّفْسَ أَيْضًا تَعْلَمُ أَنَّ اُلْكَمَالَ شَرَفٌ وَرِفْعَةٌ، وَبَقَاؤُهَا دُونَهُ مَعَ جَوَازِهِ وَإِمْكَانِهِ خِسَّةٌ وَدَنَاءَةٌ. لِذَلِكَ فَهْيَ سَتَحْتَالُ لِتَحْمِلَ جُبْنَهَا عِنْدَ نَفْسِهَا أَوْ عِنْدَ غَيْرِهَا لاَ عَلَى ضَعْفِهَا هِيَ، بَلْ عَلَى أَنَّ هَذَا اُلْمُكَلَّفَ بِتَكْمِيلِهَا لَيْسَ بِكَامِلٍ حَقًّا أَوْ أَنَّ اُلْكَامِلَ الَّذِي يُذْعَنُ لَهُ لَيْسَ هُوَ مَوْجُودًا أَصْلاً : كَالتِّلْمِيذِ اُلْمُتَهَاوِنِ فَقَدْ يَجْتَهِدُ لِأَنْ يَظْفَرَ مِنْ أُسْتَاذِهِ بِزَلَّةٍ، فَإِنْ أَصَابَهَا اسْتَبْشَرَ بِهَا وَأَصَرَّتْ نَفْسُهُ عَلَى تَرْكِ الاسْتِفَادَةِ مُعْتَذِرَةً بِأَنَّ الاسْتَاذَ جَاهِلٌ، أَيْ نَاقِصًا وَالنَّاقِصُ لاَ يُفِيدُ نَاقِصًا. أَوْ كَاُلْفَاسِقِ التَّارِكِ لِوَاجِبَاتِ الشَّرْعِ واُلْمُوغِلِ فِي نَوَاهِيهِ، فَقَدْ يَجْتَهِدُ لِأَنْ يَظْفَرَ مِنْ كُلِّ ذِي فَضْلٍ أَوْ إِمَامٍ فِي الدِّينِ بِزَلَّةٍ، فَإِنْ أَصَابَهَا فَرِحَ بِهَا جِدًّا وَأَصَرَّتْ نَفْسُهُ عَلَى أَنْ تُصِمَّ أُذُنَيْهَا عَنْ سَمَاعِ كُلِّ مَوْعِظَةٍ، مُعْتَذِرَةً بِأَنَّ اُلْفَضِيلَةَ مُمْتَنِعَةٌ أَلْبَتَّةَ إِذْ هِيَ مَفْقُودَةٌ فِي اُلْمَتْبُوعِينِ فَكَيْفَ بِالأَتْبَاعِ. بَلِ اُلْخَطْبُ أَفْدَحُ إِذْ لَوْ كَانَتِ النَّفْسُ إِنَّمَا تَبْنِي حُكْمَهَا عَلَى زَلَّةٍ متُحَقِّقَةٍ ثَبَتَتْ لَدَيْهَا بَعْدَ تَحَرٍّ وَتَمْحِيصٍ لَكَانَ الأَمْرُ أَهْوَنَ، لَكِنَّ هَوَاهَا يَجْعَلُهَا غَيْرَ مُنْصِفَةٍ قَطْعًا وَمُسَارِعَةً لِأَوَّلِ شُبْهَةٍ يُرْمَى بِهَا الكَامِلُ وَإِنْ كَانَتْ إِفْكًا وَبُهْتَانًا مُبِينًا، وَكَمَا قِيلَ قَدِيمًا “لَنْ تَعْدَمَ اُلْحَسْنُاءُ ذَامًّا.” إذًا، فَآلَةُ الانْتَرْنَتْ فَبِمَا تَهْتِكُهُ مِنْ سِتْرٍ وَتَنْشُرُهُ مِنْ قَوَادِحَ بَعْضُهُ حَقٌّ وَجُلُّهُ بَاطِلٌ، صَارَتْ اُلْمُعِينَ اُلْمُوَفَّقَ أَبَدًا لِلنَّفْسِ حَتَّى تَرْمِي ظِهْرِيًّا كُلَّ كَامِلٍ وتَسْكُنَ هِيَ هَانِئَةً مُطْمَئِنَّةً إِلَى نَقْصِهَا وَفَسَادِهَا وَظُلْمَتِهَا.

  3) اُلنَّوْعُ اُلثَّالِثُ مِنْ فُضُولِ اُلْمَعْرِفَةِ وَهْوَ الأُمُورُ الغَرِيبَةُ الخَارِجَةُ عَنِ اُلْمَأْلُوفِ

   وَالنَّوْعُ الثَّالِثُمِنْ فُضُولِ اُلْمَعْرِفَةِ الأُمُورُ اُلْخَارِجَةُ عَنِ اُلْمَأْلُوفِ، وَمَنْ أَحَبَّهَا فَلَيْسَ مِنْ وَاسِطَةٍ تَدُلُّهُ مِنْهَا عَلَى مَا لاَ يَتَنَاهَى أَوْلَى مِنَ الانْتَرْنَتْ، وَنُرِيدُ بِهَا :

أَوَّلاً، أَنْوَاعًا مِنَ اُلْمَخْلُوقَاتِ الَّتِي لَمْ تُعْهَدْ رُؤْيَتُهُا كَأَصْنَافٍ مِنَ الدَّوَابِ أَوِ اُلْحَشَرَاتِ أَوِ النَّبَاتِ.

ثَانِيًا، صُوَرًا خَلْقِيَّةً خَارِجَةً جِدًّا عَنِ اعْتِدَالِ الصُّوَرِ الأَصْلِيَّةِ كَوَجْهِ إِنْسَانٍ ذِي ثَلاَثَةِ أَعْيُنٍ أَوْ شَاةٍ مَوْلُودَةٍ ذَاتِ أَرْجُلٍ خَمْسَةٍ.

ثَالِثًا، أَعْمَالاً عَجِيبَةً كَالشَّعْوَذَةِ وَالسِّحْرِ وَحَمْلِ الأَثْقَالِ اُلْهَائِلَةِ.

رَابِعًا، أَعْمَالاً خُلُقِيَّةً مُنْحَرِفَةً يَأْبَاهَا اُلْعُرْفُ وَالشَّرْعُ وَيَتَقَذَّرُهَا اُلْمَعْنَى الإِنْسَانِيُّ اُلسَّوِيُّ.

فَهَلُمَّ جَرًّا.

وَهَذِهِ الأَصْنَافُ هِيَ مِنْ فُضُولِ اُلْمَعْرِفَةِ لِأَنَّهَا تَشْتَرِكُ فِي ضَرَرٍ وَاحِدٍ، وآحَادَهَا تَخْتَصُّ بِضَرَرٍ ضَرَرٍ جُلُّهُ بَيِّنٌ. أمَّا اُلْمُشْتَرَكُ فَهْوَ عَدَمُ فَائِدَتِهَا. وَإِنْ كَانَتْ لَهَا فَائِدَةٌ، فَقَلِيلَةٌ قِلَّةً لاَ تَقُومُ بِاُلْوَقْتِ الطَّوِيلِ اُلْمُضَيَّعِ فِيهَا. وَتَضْيِيعُ اُلْوَقْتِ، وَإِنْ لَمْ يَصْحَبْهُ آفَةٌ أَوْ مُوبِقَةٌ مُضِرٌّ بِمُجَرَّدِهِ، لِأَنَّ الإِنْسَانَ يَخْسِرُ مِنَ اُلْكَمَالِ وَالزِّيَادَةِ بِمِقْدَارِهِ. ثُمَّ إِنَّ اُلْوُلُوعَ بِالنَّادِرِ والإِمْعَانَ فِيهِ قَدْ يُرَبِّي فِي النَّفْسِ طَبْعًا فَاسِدًا جِدًّا وَهْوَ “حُبُّ الشَّاذِ” : فَهْيَ وَإِنْ كَانَ إِقْبَالُهَا الأَوَّلُ عَلَى شَاذٍّ لَيْسَ بِمُنْكَرٍ فِي نَفْسِهِ، فَقَدْ تَتَمَادَى حَتَّى تَطْلُبَ كُلَّ شَاذٍّ مُنْكَرٍ أَوْ غَيْرَ مُنْكَرٍ، بَلْ قَدْ يَصِيرُ مَآلُهَا أَنْ تُصْبِحَ غِبْطَتُهَا أَشَدَّ كُلَّمَا كَانَ اُلْمُنْكَرُ أَشْنَعَ.

  4) اُلنَّوْعُ الرَّابِعُ مِنْ فُضُولِ اُلْمَعْرِفَةِ وَهْوَ أُمُورُ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَاُلْعَبَثِ

   وَاُلنَّوْعُ الرَّابِعُمِنْ فُضُولِ اُلْمَعْرِفَةِ أُمُورُ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَاُلْعَبَثِ. فَهَذِهِ فَائِدَتُهَا مَحْصُورَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِشُرُوطٍ الظَّاهِرُ مِنْهَا فَائِدَتَانِ :

الأُولَى، لاَ بُدَّ لِلإِنْسَانِ مِنْ بَعْضِ اللَّهْوِ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى اُلْحَقِّ لِيُجِمَّ نَفْسَهُ وَيُرَوِّحَ عَنْهَا “فَإِنَّ النُّفُوسَ إِذَا كَلَّتْ مَلَّتْ وَإِذَا مَلَّتْ عَمِيَتْ.”

اُلثَّانِي، إِنَّ اللَّعِبَ ضَرُورِيٌّ لِلطِّفْلِ، لاَ سِيَّمَا فِي سِنِينِهِ الأُولَى، لِأَنَّهُ اُلْوَاسِطَةُ الَّتِي بِهَا يَبْنِي إِدْرَاكَهُ لِلْعَالَمِ وَاُلْعَمَلُ الَّذِي بِهِ يُحَصِّلُ أُولَى اُلْمَبَادِئِ اُلْعَقْلِيَّةِ، كَمَا كَانَ قَدَ أَفَاضَ فِيهِ اُلعَلاَّمَةُ السُّوِيسِرِيُّ جَانْ بِيَاجِيهْ.

وَاُلشُّرُوطُ اُلْمُقَيِّدَةُ لِلْفَائِدَةِ هِيَ شُرُوطٌ فِي نَوْعِ اُللَّعِبِ وَفِي نَفْسِ اللَّعِبِ وَفِي زَمَنِ اُللَّعِبِ. فَأَمَّا فِي نَوْعِ اللَّعِبِ، فَيَنْبَغِي أَلاَّ يَكُونَ سَخِيفًا أَوْ مُنْكَرًا وَإِلاَّ أَوْرَثَ رَاحَةً وَهْمِيَّةً وَغَثَاثَةً فِي النَّفْسِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُخْتَارَ لِلطِّفْلِ مِنَ الأَلْعَابِ اُلْمُبَلِّغَةَ لِمَقْصُودِ تَقْوِيَةِ الذِّهْنِ وَتَكْمِيلِ اُلْعَقْلِ. وَأَمَّا فِي نَفْسِ اللَّعِبِ، فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ اُلْمُقَامَرَةِ أو قَتْلِ اُلْوَقْتِ. وَأَمَّا فِي زَمَنِ اللَّعِبِ، فَيَنْبَغِي أَلاَّ يَكُونَ مُزَاحِمًا لِزَمَنِ اُلْحَقِّ والوَاجِبِ وَأَنْ تَكُونَ نِسْبَتُهُ إِلَى زَمَنِ اُلْجِدِّ مَا عَدَا لِلأَطْفَالِ الصِّغَارِ جِدًّا، نِسْبَةَ القَلِيلِ إِلَى اُلْكَثِيرِ وَالنَّادِرِ إِلَى اُلْغَالِبِ. فَإِنْ خَلاَ اللَّعِبُ مِنْ فَوَائِدِهِ اُلْقَلِيلَةِ أَوْ لَمْ تَتِمَّ شُرُوطُهُ اُلْمَذْكُورَةُ صَارَ إِمَّا بِنَفْسِهِ ضَارًّا كَاُلْقِمَارِ اُلْمُفْضِي إِلَى الإِفْلاَسِ، أَوْ بِوَاسِطَةِ كَوْنِهِ إِفْنَاءً لِلْوَقْتِ بَاطِلاً فَيُسَمَّى حِينَئِذٍ عَبَثًا. وَنَحْنُ سَنُبَيِّنُ مِنْ هَذَا الضَّرَرِ مَا لَهُ أَثَرٌ فِي فَسْخِ الصِّفَةِ :

   I) ضَرَرُ الانْتَرْنَتْ مِنْ جِهَةِ زَمَنِ اللَّعِبِ بِرَبْطِهِ بِمَعَادِنِ النَّاسِ الأَرْبَعَةِ ذَوَاتِ الإِقْبَالِ عَلَيْهِ

   فَأَوَّلاً : إِنْ خَرَجَ زَمَنُ اللَّهْوِ إِلَى زَمَنِ اُلْجِدِّ مِنَ النِّسْبَةِ اُلْمَقْبُولَةِ أَوْ قَرُبَ مِنْ مُسَاوَاتِهِ أَوْ فَضُلَ عَلَيْهِ، وَقَعَ الضَّرَرُ اُلْمُشْتَرَكُ اُلْمُشَارُ إِلَيْهِ آنِفًا وَهْوَ تَضْيِيعُ اُلْوَقْتِ وَتَفْوِيتُ اُلْكَمَالِ وَالزِّيَادَةِ. وَإِذْ أَنَّ النَّفْسَ، إِجْمَالاً، تَمِيلُ إِلَى اُلْهَزْلِ وَتَسْتَثْقِلُ اُلْجِدَّ وَمَعَادِنُهَا شَتَّى : فَمِنْهَا مَا يَسْتَفِزُّهُ أَدْنَى لَهْوٍ وَلاَ يَمْنَعُهُ مِنَ اُلشُّرُوعِ فِيهِ أَوْ لاَ يَنْقَطِعُ عَنْهُ إِلاَّ بِمُوجِبٍ خَارِجِيٍّ قَاهِرٍ. وَمِنْهَا مَا يَسْتَفِزُّهُ بَعْضُ اللَّهْوِ فَقَطْ وَلاَ يَمْنَعُهُ عَنِ الشُّرُوعِ فِيهِ أَوْ لاَ يَنْقَطِعُ عَنْهُ إِلاَّ بِمُوجِبٍ قَاهِرٍ. وَمِنْهَا مَا يَسْتَفِزُّهُ بَعْضُ اللَّهْوِ وَلاَ يَمْنَعُهُ مِنَ الشُّرُوعِ إِلاَّ مُوجِبٌ خَارِجِيٌّ قَاهِرٌ لَكِنْ قَدْ يُمْسِكُ إِمَّا مَلاَلَةً سَرِيعَةً أَوْ هِمَّةً وَاسْتِحْضَارًا لِوَاجِبٍ. وَمِنْهَا مَا يَسْتَفِزُّهُ بَعْضُ اللَّهْوِ لَكِنْ لاَ يَشْرَعُ فِيهِ إِلاَّ بِهِمَّةٍ مُحِقَّةٍ وَيَنْقَطِعُ عَنْهُ بِهِمَّةٍ مُحِقَّةٍ. وَمِنْهَا مَا لاَ يَسْتَفِزُّهُ اللَّهْوُ أَصْلاً، وَهَؤُلاَءِ قَلِيلٌ جِدًّا مِنَ اُلْعُبَّادِ وَالأَنْبِيَاءِ وَأَصْحَابِ اُلْهِمَمِ اُلْعَالِيَةِ، فَهُمْ خَارِجُونَ عَنْ مَقْصُودِ كَلاَمِنَا الَّذِي إِنَّمَا يَشْمَلُ عُمُومَ النَّاسِ وَجُمْهُورَهُمُ الَّذِي قَلَّمَا يَخْلُو اُلْوَاحِدُ مِنْهُمْ مِنْ بَعْضِ اُلْمَيْلِ إِلَى لَعِبٍ وَ لَهْوٍ.

   إِذَنْ، فَاُلْمَعْدِنُ الأَوَّلُ لَوْلاَ الانْتَرْنَتْ لَكَانَ اُلْقَاهِرُ اُلْخَارِجِيُّ أَكْثَرَ اسْتِطَاعَةً عَلَى ضَبْطِ أَدَوَاتِ اللَّعِبِ الَّتِي فِي قُدْرَتِهِ. وَبِذَلِكَ لاَ يُتْرَكُ مُهْمَلاً مُسْتَرْسِلاً فِي تَضْيِيعِ اُلْوَقْتِ بِلاَ حِسَابٍ : كَأَبٍ يَمْنَعُ عَنِ ابْنِهِ اُلْكُرَةَ إِلاَّ فِي أَوْقَاتِ اُلْفَرَاغِ اُلْمُسْتَحَقَّةِ. أَمَّا بِالانْتَرْنَتْ فَقَدْ صَارَ اُلْقَاهِرُ اُلْخَارِجِيُّ عَاجِزًا، وَلَمْ يَبْقَ مَا يَكُفُّ هَذَا اُلْمَعْدِنَ عَنْ إِنْفَاقِ اُلْوَقْتِ الطَّوِيلِ بَاطِلاً.

وَاُلْمَعْدِنُ الثَّانِي،  فَإِنْ أَصَابَ مَطْلُوبَهُ الْتَحَقَ بِاُلْقَوْلِ السَّابِقِ. وَإِذْ لَيْسَ كُلُّ لَهْوٍ يَسْتَفِزُّهُ، كَانَ عُرُوضُ اُلْوَقْتِ اُلْمُضَيَّعِ لَهُ أَقَلَّ مِنَ اُلْمَعْدِنِ الأَوَّلِ. وَقَبْلَ الانْتَرْنَتْ كَانَتْ كُلُّ الأَوْقَاتِ الَّتِي تُمْنَعُ فِيهَا آلَةُ اللَّهْوِ أَوْقَاتًا قَدْ صِينَتْ مِنَ الضَّيَاعِ. وَلَكِنْ بَعْدَ الانْتَرْنَتْ لَمْ يَبْقَ تَقْرِيبًا أَدَاةُ لَهْوٍ مَفْقُودَةً، لِذَلِكَ يَكَادُ اُلْمَعْدِنُ الثَّانِي الآنَ إِنَّمَا يُسَاوِي الأَوَّلَ فِي تَضْيِيعِ اُلْوَقْتِ.

وَاُلْمَعْدِنُ الثَّالِثُ،  فَاُلْبَعْضُ مِنْ أَمْرِهِ يُقَاسُ عَلَى مَا سَبَقَ وَيُزَادُ عَلَيْهِ : إِنْ كَانَ مَا يَجْعَلُ هَذَا اُلْمَعْدِنَ يَنْقَطِعُ عَنِ اللَّهْوِ مَلاَلَةٌ سَرِيعَةٌ، فَهْيَ خَصْلَةٌ مَحْمُودَةٌ ثَمَرَتُهَا حِفْظُ اُلْوَقْتِ مِنَ الضَّيَاعِ اُلْكَثِيرِ. لَكِنْ بَعْدَ الانْتَرْنَتْ فَقَدْ لاَ يَبْقَى لِهَذِهِ اُلْخَصْلَةِ أَثَرٌ. لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ سَبَبُ اُلْمَلاَلَةِ تِكْرَارَ جِنْسٍ وَاحِدٍ مِنَ اللَّعِبِ لاَ نَفْسَ اللَّعِبِ. وَهَذِهِ الآلَةُ إِنَّمَا تَشْتَمِلُ عَلَى أَنْوَاعٍ لاَ مُتَنَاهِيَةٍ مِنَ الأَلْعَابِ اُلْمُسْتَطْرَفَةِ.

وَاُلْمَعْدِنُ الرَّابِعُ، وَهَذَا قَدْ يَصْعُبُ تَصَوُّرُ اخْتِلاَفِ حَالِهِ فِي اللَّعِبِ بَعْدَ الانْتَرْنَتْ عَنْ قَبْلِهَا. وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ لِحُدُوثِ هَذِهِ الآلَةِ حُكْمٌ مَا، مُتَجَدِّدٌ عَلَيْهِ، إِذْ مِنْ قَبْلِهَا قَدْ يَكُونُ السِّرُّ فِي ثَبَاتِ هِمَّتِهِ عَلَى اُلْحَقِّ فِي اللَّعِبِ أَنَّ نَفْسَهُ لَمْ تُصِبْ بَعْدُ مَا يُصْبِيهَا مِنَ اللَّهْوِ، وَهْيَ الآنَ قَدْ وَجَدَتْهُ مِنْ هَذِهِ الآلَةِ اُلْعَجِيبَةِ. إِذًا، فَهَذَا اُلْمَعْدِنُ سَيَغْدُو بَعْدَ أَنْ كَانَ حَافِظًا لِلْوَقْتِ مُضَيِّعًا لِكَثِيرٍ مِنْهُ.  

   II) ضَرَرُ الانْتَرْنَتْ مِنْ جِهَةِ مَادَّةِ اللَّعِبِ

   أَمَّا الضَّرَرُ الثَّانِي فَمُتَعَلِّقٌ بِمَادَّةِ اللَّعِبِ : وَهَذَا قَدْ يَنْدَرِجُ تَحْتَ مَا قِيلَ فِي الصُّوَرِ اُلْقَبِيحَةِ وَلَكِنْ لَهُ أَيْضًا بَيَانٌ مَخْصُوصٌ.  فَمِنَ اُلْمَعْلُومِ أَنَّ الأَلْعَابَ قَدِيمًا قَدْ اسْتَنْبَطَتْهَا حِكْمَةُ الشُّعُوبِ وَتَدْبِيرُهَا عَلَى مَرِّ الزَّمَنِ، وَهْيَ تَشْتَمِلُ عَلَى مَقَاصِدَ ذَاتِ تَعَلُّقٍ بِخَوَاصِّ أُمَّةٍ أُمَّةٍ فِي التَّرْبِيَةِ وَاُلْعَادَاتِ وَاُلْعِبَادَاتِ واُلْمَعَاشِ وَالأَفْرَاحِ وَالأتْرَاحِ. أَيْ أَنَّ اللَّعِبَ لَمْ يَكُنْ خَالِيًا مِنْ مَعْنًى كُلِّيٍّ مَبْنِيٍّ عَلَى قَوَاعِدَ وَأُصُولٍ، وَكَانَ الإتْيَانُ بِهِ تَثْبِيتًا لِلْفَرْدِ فِي اُلْجُمْلَةِ الإِنْسَانِيَّةِ التَّابِعِ لَهَا وتَقْوِيَةً لِلصِّفَةِ اُلْكُلِّيَّةِ اُلْجَمَاعِيَّةِ. لَكِنْ فِي وَقْتٍ مَا، أَخَذَ يُطْلَبُ الانْفِصَالُ عَنْ ذَاكَ اُلْمَعْنَى، ثُمَّ تَمَادَى حَتَّى صَارَ اُلْيَوْمَ إِنَّمَا هُوَ إِبْدَاعٌ فَرْدِيٌّ مَحْضٌ لِأَجْلِ اللَّهْوِ اُلْمَحْضِ. لِذَلِكَ فَاللَّعِبُ لَمْ يَعُدْ وَاسِطَةً تَسْرِي مِنْهَا صِفَةُ اُلْكُلِّ إِلَى اُلْجُزْءِ. بَلْ هُنَاكَ الأَشْنَعُ وَهْوَ أَنَّ فَحْوَى الأَلْعَابِ قَدْ صَارَتْ مِنْ فَيْضِ خَيَالاَتٍ مُتَجَرِّدَةٍ إِجْمَالاً مِنْ أَيِّ مُرَاعَاةٍ لِلْقَاعِدَةِ وَالنِّظَامِ : إِذْ لَمْ تَعُدْ لَهَا مِنْ هِمَّةٍ إِلاَّ الإِمْتَاعُ، وَالإِمْتَاعُ مَبْنَاهُ عَلَى الانْفِعَالِ، وَكَثِيرٌ مِنَ الانْفِعَالِ تَابِعٌ لِلإهَاجَةِ، وَمِنَ الإِهَاجَةِ مَا يَكُونُ سَبَبُهُ اُلْمَعْرِفَةَ بِاُلْغَرِيبِ وَاُلْغَيْرَ اُلْمَأْلُوفِ. وَإِذْ أَنَّ الطَّبِيعَةَ وَالنِّظَامَ مَأْلُوفَانِ، انْدَفَعَتْ تِلْكُمُ اُلْخَيَالاَتُ اُلْمُتَفَرِّدَةُ الفَاسِدَةُ فِي صِنَاعَةِ أَشْكَالٍ مُنَافِيَةٍ مَا أَمْكَنَ لِمِثَالِ الطَّبِيعَةِ فَأَخْرَجَتْهَا مُمْعِنَةً فِي اُلْقُبْحِ مُمْعِنَةً فِي اللاَّتَنَاسُبِ مُشْتَمِلَةً عَلَى أَعْمَالٍ وَحَوَادِثَ مُمْعِنَةٍ فِي اُلْخُرُوجِ عَنِ قَوَاعِدِ اُلْخُلُقِ اُلْحَسَنِ واعْتِدَالِ اُلسِّيرِةِ. وَهَذَا اُلْوَصْفُ يَسْرِي أَيْضًا عَلَى قِصَصِ الصُّوَرِ اُلْمُتَحَرِّكَةِ الَّتِي أَصْبَحَتْ تَعُجُّ بِكَائِنَاتٍ مُصَوَّرَةٍ خَارِجَةٍ جِدًّا عَنْ قَانُونِ التَّنَاسُبِ، كَرَجُلٍ رَأْسُهُ أَعْظَمُ مِنْ سَائِرِ اُلْبَدَنِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مُشَاهَدَةَ الأَطْفَالِ الدَّائِمَةِ لَهَا لَأَضَرُّ عَلَيْهِمْ مِنَ اُلسُّمِّ الذُّعَافِ، إِذْ هِيَ تُغْفِلُهُمْ عَنْ مَعْرِفَةِ الطَّبِيعَةِ وَالنِّظَامِ وَتُغَذِّيهِمْ مِنَ البَشَاعَةِ وَاُلْقُبْحِ وتُخَرِّبُ نُفُوسَهُمُ اُلغَضَّةَ اُلْمُسْتَعِدَّةَ لِأَنْ تَنْتَقِشَ بِاُلْخَيْرِ وَاُلْجَمَالِ. وَضَرَرُ الانْتَرْنَتْ بِرَبْطِهَا بِمَادَّةِ اللَّعِبِ أَنَّهَا لَمَّا شَقَّتْ كُلَّ الأُمَمِ وَالشُّعُوبِ، فَقَدْ أَخَذَتْ تَنْزِعُ مِنْهَا أَلْعَابَهَا الخَاصَّةَ وتَصْرِفُهَا إِلَى لَعِبٍ لَمْ يَبْقَ فِعْلاً فِي اُلْمَكَانِ الأَصْلِيِّ بَلْ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ وَهْمِيٍّ، وَذِي فَحْوًى لَمْ يَبْقَ فَحْوَاهَا الأَصْلِيَّ العُرْفِيَّ الأَدَبِيَّ، بَلْ مَادَّةً فَاضَ بِهَا خَيَالُ مَجْهُولٍ غَايَةُ هَمِّهِ الإِهَاجَةُ والامْتَاعُ الفَاسِدُ. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَضْرَارِ اُلْخَفِيَّةِ لِلانْتَرْنَتْ بِرَبْطِهَا بِاللَّعِبِ وَاللَّهْوِ.

  5) اُلنَّوْعُ اُلْخَامِسُ مِنْ فُضُولِ اُلْمَعْرِفَةِ وَهْوَ نَفْسُ حَوَادِثِ اُلْعَالَمِ وتَعَاقُبَاتِهَا وَتَوَاتُرَاتِهَا

   وَالنَّوْعُ اُلْخَامِسُمِنْ فُضُولِ اُلْمَعْرِفَةِ، نَفْسُ حَوَادِثِ اُلْعَالَمِ وتَعَاقُبِهَا وَتَوَاتُرِهَا. وَاُلْمَقْصُودُ بِاُلْحَوَادِثِ الأُمُورُ اُلْمُسْتَجِدَّةُ ذَاتُ اُلْبَالِ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ، كَالزَّوَاجِ وَالطَّلاَقِ أَوْ مِنْ أَحْوَالِ الأُمَمِ كَاُلْحَرْبِ وَالسِّلْمِ أَوْ مِنْ أَحْوَالِ أَهْلِ التَّدْبِيرِ وَالفَضْلِ كَسِجْنِ سِيَاسِيٍّ مَعْرُوفٍ أَوْ مَوْتِ عَالِمٍ كَبِيرٍ أَوْ مِنْ أَحْوَالِ الطَّبِيعَةِ كَالزَّلاَزِلِ وَاُلْفَيَاضَانَاتِ. وَاُلْمَعْرِفَةُ بِاُلْحَادِثِ قَدْ تَكُونُ ضَرُورِيَّةً كَمَعْرِفَةِ اُلْمُطَلِّقِ بِطَلاَقِهِ، أَوْ قَرِيبًا مِنَ الضَّرُورَةِ كَمَعْرِفَةِ اُلْمَرْءِ بِوَفَاةِ جَارِهِ اُلْمُسِنِّ اُلْمَرِيضِ إِذَا سَمِعَ الوَاعِيَةَ مِنْ بَيْتِهِ، وَقَدْ تَكُونُ بِسَعْيٍ إِمَّا هَيِّنٍ كَسُؤَالِ الزَّوْجِ زَوْجَهُ عَنْ خِطْبَةِ ابْنِ فُلاَنٍ لابْنَةِ فُلاَنَةٍ صَاحِبَتِهَا، أَوْ أَوْسَطَ كَمَعْرِفَةِ الرَّجُلِ بِوُقُوعِ زِلْزِالٍ بِبَلَدٍ نَاءٍ مِنْ صَحِيفَةٍ هُوَ لاَ يَقْتَنِيهَا إِلاَّ مِنْ بَلْدَةٍ مُجَاوِرَةٍ مَعَ فَرْضِ أَنَّ اُلْوَسَائِلَ الإِعْلاَمِيَّةَ البَاقِيَةَ مَفْقُودَةٌ بَعْدُ، أَوْ بِسَعْيٍ مُسْتَقْصٍ جِدًّا كَمَعْرِفَةِ رَجُلٍ مِنْ تُونِسَ بِانْقِلاَبِ اُلْحُكْمِ فِي البَرَازِيلِ بَعْدَ انْتِقَالِهِ إِلَيْهَا مَعَ فَرْضِ أَنَّ وَسَائِلَ الإِعْلاَمِ اُلْمَكْتُوبَةِ وَاُلْمَسْمُوعَةِ وَاُلْمَرْئِيَّةِ مَفْقُودَةٌ بَعْدُ. وَلاَ شَكَّ أَنَّ اُلْقِسْمَ الثَّانِي مِنَ هَذِهِ اُلْمَعْرِفَةِ، أَعْنِي مَا لاَ يَتِمُّ إِلاَّ بِسَعْيٍ هُوَ مَا قَدْ يُوصَفُ بِاُلْفُضُولِ، لأَنَّ الأَوَّلَ هُوَ فِي حُكْمِ اللاَّإِرَادِيِّ. وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ نَقُولَ إِنَّ اُلْمَعْرِفَةَ بِاُلْحَوَادِثِ وَلَوْ بِسَعْيٍ لَيْسَ بِمُجَرَّدِهَا مَذْمُومَةً، بَلْ قَدْ تَصِيرُ مَحْمُودَةً مَنْدُوبَةً أَوْ وَاجِبَةً : فَمَثَلاً وَاجِبٌ عَلَى اُلْمُلُوكِ أَنْ يَسْتَقْصُوا عَنْ أَحْوَالِ الأُمَمِ النَّائِيَةِ فِي صَغِيرِهَا فَضْلاً عَنْ حَوَادِثِهَا اُلْعَظِيمَةِ. وَهْوَ مَحْمُودٌ مَثَلاً لِلشَّخْصِ اُلْوَاحِدِ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى الانْتِقَالاَتِ الكُبْرَى العَارِضَةِ لِلنَّاسِ مِنْ حَيَاةٍ إِلَى مَوْتٍ وَمِنْ غِنىً إِلَى فَقْرٍ وَمِنْ رِفْعَةٍ إِلَى وَضَاعَةٍ وَمِنْ اجْتِمَاعٍ إِلَى فُرْقَةٍ، إِذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ اُلْعِبْرَةِ أَوِ اُلْمَوْعِظَةِ أَوِ التَّعَلُّمِ. لَكِنَّ اُلْحَقَّ إِنَّ عَامَّةَ النَّاسِ طَلَبُهُمْ لِلْحَوَادِثِ إِنَّمَا مَبْنَاهُ عَلَى شَهَوَاتٍ جُلُّهَا مَذْمُومٌ كَاُلشَّمَاتَةِ. أَمَّا أَدَقُّهَا وَأَعَمُّهَا وأَثْبَتُهَا وَهْيَ الَّتِي تَعْنِينَا فَهْيَ الاسْتِلْذَاذُ بِإِدْرَاكِ نَفْسِ الانْتِقَالِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ. وَكُلَّمَا كَانَتِ اُلْمُبَايَنَةُ أَوِ اُلْمُضَادَّةُ بَيْنَهُمَا شَدِيدَةً، كَانَ الانْتِقَالُ شَدِيدًا، وَإِذَا كَانَ الانْتِقَالُ شَدِيدًا كَانَ إِدْرَاكُهُ، أَعْنِي اللَذَّةَ، شَدِيدَةً أَيْضًا. لِذَلِكَ تَلَذُّذُ النَّفْسِ مِنْ أَخْبَارِ اُلْحَوَادِثِ اُلْعُظْمَى أَقْوَى مِنَ اُلْحَوَادِثِ الصُّغْرَى، لأَنَّ مَعْرِفَتَهَا بِاُلْحَادِثِ اُلْعَظِيمِ إِدْرَاكٌ لِانْتِقَالٍ قَوِيٍّ، وَالانْتِقَالُ قَوِيٌّ لِأَنَّ اُلْمُضَادَّةَ بَيْنَ اُلْحَالِ الأَصْلِيَّةِ وَاُلْحَالِ اُلْمُتَجَدِّدَةِ قَوِيَّةٌ جِدًّا. فَإِنْ كَانَ البَاعِثُ لِمَعْرِفَةِ اُلْحَادِثِ هَذَا الاسْتِلْذَاذَ اُلْمَذْمُومَ عُدُّتْ إِذًا مِنَ اُلْفُضُولِ. وَقَدْ يُقَالُ، وَلِمَ كَانَ طَلَبُ الاسْتِلْذَاذِ بِإِدْرَاكِ الانْتِقَالاَتِ اُلْعَظِيمَةِ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ مَذْمُومًا، أُجِيبَ :

أَوَّلاً، لأَنَّ كَثْرَةَ اُلْحَوَادِثِ مِنْ كَثْرَةِ الآفَاتِ. وَمَنْ أَحَبَّهَا تَمَنَّ لِلنَّاسِ اُلْمَصَائِبَ والنَّوَازِلَ كَالَّذِي حِرْفَتُهُ تَجْهِيزُ اُلْمَوْتَى، فَصَوْتُ النَّعِيِّ لَأَشْهَى عِنْدَهُ مِنْ غِنَاءِ اُلْقَيِّنَةِ. لِذَلِكَ تَرَى الصَّحَافَةَ كَمْ حِرْصِهَا عَلَى مَا يُسَمَّى “السَّبْقُ الصَّحَفِيُّ” وَقَنَوَاتِ الإِعْلاَمِ مُولَعَةٌ بِالأَخْبَارِ العَاجِلَةِ وَإِيرَادِ الفَوَاجِعِ، لِعِلْمِهَا بِأَنَّ اسْتِلْذَاذَ النَّاسِ إِنَّمَا بِنَفْسِ الانْتِقَالاَتِ. أَمَّا حَاصِلُ الانْتِقَالِ فَمَا يَلْبَثُونُ أَنْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُ تَشَوُّقًا لِانْتِقَالٍ آخرَ.

ثَانِيًا، إِنَّ النَّفْسَ إِذَا بَقِيَتْ هِمَّتُهَا مَحْصُورَةً فِي نَفْسِ الانْتِقَالِ فَإِنَّ كُلَّ اُلْوَقْتِ الَّذِي تَبْقَاهُ فِيهِ وَقْتٌ مُضَيَّعٌ بَاطِلٌ. لِأَنَّ انْشِغَالَهَا بِالانْتِقَالاَتِ إِنَّمَا يُفِيدُ إِذَا كَانَ عَلَى جِهَةِ اُلْمَوْعِظَةِ وَالاعْتِبَارِ : وَالاعْتِبَارُ هُوَ تَفْرِيعٌ لِقَاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ مِنْ صُورَةٍ مُرَكَّبَةٍ مِنْ نَظَرٍ فِي حَالٍ مُلْحَقَةٍ بِشَيْءٍ مَنْظُورًا إِلَيْهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ قَدِ انْتَقَلَ إِلَيْهَا الشَّيْءُ لِتَقَدُّمِهِ عَلَى حَالٍ مَا. فَمَثَلاً زَيْدٌ يَعْلَمُ أَنَّ عَمْرًوا قَدْ كَسَبَ مَالاً كَثِيرًا بِالظُّلْمِ وَاُلْحِيلَةِ. ثُمَّ إِنَّ عَمْرًوا يَغِيبُ إِلَى دِمَشْقَ. فَبَعْدَ زَمَنٍ، إِذَا رَأَى زَيْدٌ رَجُلاً قَدِمَ مِنْ دِمَشْقَ فَقَدْ يُحِبُّ أَنْ يُعَرِّفَهُ إِنْ كَانَ عَمْرٌو قَدِ انْتَقَلَ إِلَى حَالٍ مُضَادَّةٍ. فَإِنْ أَخْبَرَهُ : لَقَدْ صَادَرَ اُلْوَالِي كُلَّ مَالِهِ وَأَوْدَعَهُ السِّجْنَ. فَالاعْتِبَارُ هُوَ : إِنَّ عَمْرًوا قَدِ انْتَقَلِ إِلَى سُوءٍ بَعْدَ نِعْمَةٍ نَالَهَا ظُلْمًا. إذًا، فَالظُّلْمُ مَرْتَعُهُ وَخِيمٌ وَوَاجِبٌ عَلَى اُلْعَاقِلِ الحَازِمِ اجْتِنَابُهُ.  فَلاَ رَيْبَ إِذَنْ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الاعْتِبَارِ مِنَ اُلْحَادِثِ التَّرَيُّثَ عِنْدَهُ وَالتَّرَوِّي فِيهِ. فَإِذَا كَانَتْ مَعْرِفَةُ اُلْحَادِثِ الثَّانِي مُتَرَاخِيَةً جِدًّا عَنِ اُلْمُتَقَدِّمِ، فَالنَّفْسُ الَّتِي هَوَاهَا فِي مَحْضِ الانْتِقَالِ قَدْ تُضْطَرُّ لِلصَّبْرِ مَعَ اُلْحَادِثِ الأَوَّلِ فَيَنْكَشِفُ لَهَا بِأَخَرَةٍ لُمْعَةٌ مِنْ فَضِيلَةِ الاعْتِبَارِ انْكِشَافًا مَا كَانَ فِي هِمَّتِهَا ابْتِدَاءً. أَمَّا إِنْ كَانَتْ مَعَارِفُ الأَحْدَاثِ مُتَقَارِبَةً جِدًّا، فَلَيْسَ فَقَطْ النَّفْسُ اُلْمَذْكُورَةُ قَدْ يُقْضَى بِاُلْيَأْسِ التَّامِّ مِنْ أَنْ تَشُمَّ رَائِحَةَ الاعْتِبَارِ، بَلِ النُّفُوسُ اُلْمُقْتَصِدَةُ الَّتِي شَأْنُهَا ذَلِكَ قَدْ يَحْمِلُهَا تَيَّارُ اُلْحَوَادِثِ اُلْقَوِيُّ، فَتَجِفُّ مِنَ اُلْعِبْرَةِ وتُصْبِحُ طَالِبَةً أَيْضًا لِلانْتِقَالاَتِ بِمُجَرَّدِهَا. وَلَعَمْرِي إِنَّ الانْتَرْنَتْ لَيْسَ حَسْبُ قَدْ جَعَلَتْ بَعْضَ اُلْمَعَارِفِ اُلْحَدَثِيَّةِ مُتَقَارِبَةً، بَلْ مُتَزَامِنَةً، واُلْحَوَادِثَ اُلْمُتَعَلِّقَةَ بِهَا لَيْسَ حَسْبُ مَحْصُورَةَ اُلْعَدَدِ وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً، بَلْ لاَ مُتَنَاهِيَةً. لِذَلِكَ نَرَى أَنَّ خُلُقًا مَعْرِفِيًّا فَاسِدًا أَعْنِي طَلَبَ الاسْتِلْذَاذِ بِمَحْضِ اُلْحَوَادِثِ والاسْتِكْثَارِ مِنْهَا، صَارَ اُلْيَوْمَ قَرِيبًا مِنْ أَنْ يَعُمَّ النَّاسَ جَمِيعًا. وَقَدْ قُلْنَا إِنَّ الضَّرَرَ الظَّاهِرَ مِنْ هَذِهِ اُلْمَعْرِفَةِ تَضْيِيعُ الوَقْتِ وَتَفْوِيتُ الكَمَالِ وَالزِّيَادَةِ.

   وَلَهَا كَذَلِكَ ضَرَرٌ آخَرُ خَفِيٌّ وَهْوَ أَنَّ اُلْحَادِثَ هُوَ انْتِقَالُ شَيْءٍ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَالانْتِقَالُ حَرَكَةٌ، وَاُلْحَرَكَةُ عَرَضٌ لِلْمُتَحَرِّكِ. وَالأُمُورُ الكَثِيرَةُ اُلْمُتَحَرِّكَةُ تَخْتَلِفُ بِذَوَاتِهَا، أَمَّا مِنْ جِهَةِ اُلْحَرَكَةِ فَمُتَّفِقَةٌ. لَكِنَّ النَّظَرَ إِذَا تَعَلَّقَ بِاُلْحَرَكَةِ غَفَلَ عَنِ اُلْمُتَحَرِّكِ. إِذَنْ فَالنَّظَرُ مَا انْصَرَفَ إِلَى الانْتِقَالاَتِ اُلْمَحْضَةِ وَأَقَامَ بِهَا بَدَا لَهُ كُلُّ اُلْعَالَمِ كَحَرَكَةٍ صِرْفَةٍ يُمْكِنُ تَمْثِيلُهَا بِخَطَّ وَاحِدٍ مُسْتَقِيمٍ، وَظَهَرَ كَالسَّيَلاَنِ الدَّائِمِ اُلْعَارِي مِنْ كُلِّ صُورَةٍ أَوْ مَعْنَى.

 ب) بَيَانُ كَيْفَ أَنَّ الانْتَرْنَتْ قَدْ تَضُرُّ أَيْضًا بِنَفْسِ مَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنْ مَعَارِفَ هِيَ مُتَنَزِّهَةٌ مِنَ اُلْفُضُولِ

   ثُمَّ إِنَّ القَارِئَ قَدْ يَعْجَبُ إِنْ قُلْنَا أَيْضًا : بَلْ إِنَّ لِلأَنْتَرْنَتْ كَذَلِكَ أَوْجُهَ ضَرَرٍ مِنْ نَفْسِ اُلْمَعَارِفِ الَّتِي هِيَ لَيْسَتْ بِاُلْمَذْمُومَةِ وَالَّتِي قَدْ لاَ تُعَدُّ أَصْلاً مِنَ اُلْفُضُولِ، كَاُلْمَعَارِفِ الفَلَكِيَّةِ وَاُلْهَنْدَسِيَّةِ وَالطِبِّيَّةِ والدِّينِيَّةِ وَاُلْفَلْسَفِيَّةِ والأَدَبِيَّةِ والسِّيَاسِيَّةِ والتَّارِيخِيَّةِ. وَنَحْنُ لِنُبَيِّنَهُ سَنَذْكُرُ أَوَّلاً مَا حَقِيقَةُ التَّعَلُّمِ وَنُورِدُ بَعْضَ آدَابِهِ : 

  1) حَقِيقَةُ اُلتَّعَلُّمِ وَذِكْرٌ لِبَعْضِ آدَابِهِ  

   اعْلَمْ أَنَّ التَعَلُّمَ هُوَ اجْتِهَادُ النَّفْسِ وَتَعَمُّدُهَا حَتَّى تَخْرُجَ مِنَ اُلْجَهْل بِعِلْمٍ أَوْ صِنَاعَةٍ إِلَى العِلْمِ بِهِمَا مَا أَمْكَنَ. وَلَكِنْ كُلُّ عِلْمٍ فَهُوَ كُلٌّ ذُو أَجْزَاءٍ كَاُلْبَيْتِ الوَاحِدِ، بَعْضُهَا يَقُومُ مِنْهُ أَيْ مِنَ الكُلِّ العِلْمِيِّ بِمَنْزِلَةِ الأَسَاسِ، وَبَعْضُهَا بِمَنْزِلَةِ اُلْجُدُرَانِ، وَبَعْضُهَا بِمَنْزِلَةِ السَّقْفِ، وَبَعْضُهَا بِمَنْزِلَةِ الأَمْرِ اُلْمُقَوِّمِ، وَبَعْضُهَا بِمَنْزِلَةِ الأَمْرِ اُلْمُحَسِّنِ. لِذَلِكَ، وَإِذْ أَنَّ اُلْمَقْصُودَ الأَخِيرِ للتَّعَلُّمِ إِنَّمَا أَنْ يَصِيرَ الكُلُّ العِلْمِيُّ مُتَمَثَّلاً، فَقَدْ وَجَبَ إِذَنْ أَنْ يَكُونَ تَحْصِيلُ النَّفْسِ لأَجْزَائِهِ وَمَعْرِفَتُهَا بِهِ تَحْصِيلاً مُوَافِقًا ضَرُورَةً لِتَرْتِيبِهَا في اُلكُلِّ وَنِظَامِهِ. فَمَثَلاً، الطِبُّ هُوَ عِلْمٌ مَقْصُودُهُ الأَخِيرُ اُلْمَعْرِفَةُ بِأَحْوَالِ الصِحَّةِ والسُّقْمِ فِي اُلبَدَنِ وَطُرُقِ عِلاَجِهَا. فَاُلْعَالِمُ بِهِ عَالِمٌ أَيْضًا بِأَنَّ اُلْجَاهِلَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُحَصِّلَ هَذَا اُلْمَقْصُودَ إِلاَّ بَعْدَ تَحْصِيلِهِ اُلْمَعْرِفَةَ بِتَشْرِيحِ اُلْبَدَنِ وَخَوَاصِّ الأَدْوِيَةِ. وَهَذِهِ لاَ يُمْكِنُ تَحْصِيلُهَا إِلاَّ بَعْدَ تَحْصِيلِ اُلْمَعْرِفَةِ بِاُلأُمُورِ الطَّبِيعِيَّةِ العَامَّةِ وَبِاُلْكِيمِيَائِيَّاتِ وَبِالرِّيَاضِيَاتِ. وَهَذِهِ لاَ يُمْكِنُ تَحْصِيلُهَا إِلاَّ بَعْدَ تَحْصِيلِ آلاَتِ اُلْمَعْرِفَةِ مِنْ لُغَةٍ وَمَبِادِئِ اُلْحِسَابِ وَمَبَادِئِ العِلْمِ الطَّبِيعِيِّ، فَهَلُمَّ جَرًّا. وَلَمَّا كَانَ اُلْجَاهِلُ بِاُلْعِلْمِ جَاهِلاً بِأَجْزَائِهِ، فَبِاُلْحَرِيِّ هُوَ جَاهِلٌ بِتَرْتِيبِ أَجْزِائِهِ وَما نِظَامُهَا. لِذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى مُرْشِدٍ مُعَلِّمٍ، ضَرُورَةً. عَلَى مَعْنَى أَنَّ اُلْحَاجَةَ لِلْمُعَلِّمِ لَيْسَ فَقَطْ لِإِفَادَةِ مَادَّةِ اُلْمَعْرِفَةِ، بَلْ لِإِفَادَةِ تَرْتِيبِهَا : فَمَثَلاً زَيْدٌ طِفْلٌ صَغِيرٌ أَبُوهُ دَفَعَ بِهِ إِلَى التَّعَلُّمِ وَرَجَاؤُهُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ طَبِيبًا. لَكِنَّهُ تَلَقَّاهُ مِنْهُ اُلْمُعَلِّمُ لِيُلْزِمَهُ اُلْمَرْتَبَةَ الأُولَى الوَاجِبَةَ. ثُمَّ تَلَقَّاهُ الأُسْتَاذُ لِيُلْزِمَهُ اُلْمَرْتَبَةَ الثَّانِيَةَ الوَاجِبَةَ الَّتِي لاَ تَصِحُّ إِلاَّ بِاُلْبِنَاءِ عَلَى اُلْمَرْتَبَةِ الأُولَى. ثُمَّ تَلَقَّاهُ الأُسْتَاذُ الأَعْظَمُ لِيُلْزِمَهُ اُلْمَرْتَبَةَ الثَّالِثَةَ الَّتِي لاَ تَصِحُّ إِلاَّ بِاُلْبِنَاءِ عَلَى اُلْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ. وَهَذَا الإِلْزَامُ مِنْ خَارِجٍ بِكُلِّ مَرْتَبَةٍ عَلَى تَرْتِيبِهَا لَهُ فَوَائِدُ، وَهْيَ أَنْ اُلْمُتَعَلِّمَ لَنْ يَرَى مِنْ وَاجِبٍ فِي تَعَلُّمِهِ إِلاَّ مَا كَانَ مَقْصُودَ مَرْتَبَتِهِ. فَزَيْدٌ الطِّفْلُ مَثَلاً لَنْ يَرَى وَاجِبَهُ اُلْمَعْرِفِيَّ كَمَا يَرَاهُ أَبُوهُ، عِلْمَ الأَسْقَامِ والصِحَّةِ أَوْ عِلْمَ التَّفَاضُلِ والتَّكَامُلِ، بَلْ فَقَطْ أَنْ يُحْسِنَ اُلْقِرَاءَةَ وَاُلْجَمْعَ وَالضَّرْبَ. أَيْ أَنَّهُ إنّمَا يَقِيسُ اُلْوَاجِبَ إِلَى مَقْصُودِ اُلْمَرْتَبَةِ. وَمَقْصُودُ اُلْمَرْتَبَةِ هُوَ اُلْمُنَاسِبُ لاسْتِعْدَادِ اُلْمُتَعَلِّمِ صَاحِبِهَا. وَاُلْمُنَاسِبُ لِلاسْتِعْدَادِ هُوَ اُلْمُمْكِنُ. فَإِذَا قِيسَ الوَاجِبُ إِلَى اُلْمُمْكِنِ، لَمْ يَتْرُكْ يَأْسًا وَحَيْرَةً وَأَسَفًا. بَلْ أَمَلاً وَإِقْبَالاً وَتَجَرُّدًا. لِذَلِكَ، فَاُلْمُتَعَلِّمُ وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ اُلْعِلْمِيُّ الأَخِيرُ لاَ يَتِمُّ إِلاَّ فِي مَرْتَبَةٍ بَعَدَ مَرَاتِبٍ، فَإِنَّهُ بِالإِلْزَامِ إِنَّمَا يَسْتَفِيدُ الصَّبْرَ عَلَى كُلِّ مَرْتَبَةٍ. وَبِهَذَا الصَّبْرِ تَحْصُلُ فَائِدَتَانِ بَيِّنَتَانِ : الأُولَى، أنّ الانْتِقَالَ مِنْ مَرْتَبَةٍ إِلَى مَرْتَبَةٍ يَكُونُ بَعْدَ الاسْتِعْدَادِ اُلْحَقِيقِيِّ. كَزَيْدٍ اُلْمُنْتَقِلِ إِلَى الثَّانَوِيِّ بَعْدَ أَنِ اسْتَوْفَى الابْتِدَائِيَّ وَصَبَرَ عَلَيْهِ. إذًا فَهُوَ ذُو اسْتِعْدَادٍ حَقِيقِيٍّ أَنْ يَتَلَقَّى اُلْمَعَارِفَ الثَّانِيَةَ الَّتِي لاَ تَنْبَنِي إِلاَّ عَلَى أُولَى حَقِيقِيَّةٍ. الثَّانِيَةُ، أَنَّ اُلْمَعْرِفَةَ أَيًّا كَانَ قَدْرُهَا هِيَ خَيْرٌ. لِذَلِكَ، فَاُلْمُتَعَلِّمُ وَلَوْ قَصَّرَ عَنِ اُلْمَرْتَبَةِ الأَخِيرَةِ أَوْ دُونَهَا مِنَ اُلْمَرَاتِبِ، فَهُوَ بِمَا حَصَّلَ مِنْ مَعْرِفَةٍ فِي اُلْمَرَاتِبِ الأُخْرَى بِصَبْرِهِ عَلَيْهَا وَعَدَمِ يَأْسِهِ لِقَيْسِ اسْتِعْدَادِهِ بِاُلْمَقْصُودِ الأَخِيرِ، قَدِ اسْتَفَادَ مَعْرِفَةً مَا، هِيَ مُفِيدَةٌ لَهُ قَطْعًا، وَبَعْضُهَا قَدْ يَكُونُ ضَرُورِيًّا. فَزَيْدٌ مَثَلاً قَدْ قَصَّرَ عَنْ مَقْصُودِ أَبِيهِ فِي كَوْنِهِ طَبِيبًا. لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي الابْتِدَائِيِّ، قَدْ عَمِلَ بِهِمَّةِ الابْتِدَائِيِّ، فَاُسْتَفَادَ مَعَارِفَهُ. وَلَمَّا صَارَ إِلَى الثَّانَوِيِّ عَمِلِ بِهِمَّتِهِ فَاُسْتَفَادَ مَعَارِفَهُ. وَ اُلْيَوْمَ، هُوَ رَجُلُ أَعْمَالٍ بَارِعٌ يُحْسِنُ التَّفَاهُمَ جِدَّا مَعَ نُظَرَاءٍ لَهُ مِنْ أُمَمٍ أُخْرَى بِحِذْقِهِ لِلْفِرَنْسِيَّةِ وَالأَنْجلِيزِيَّةِ. وَلاَ تَشِذُّ عَنْهُ شَارِدِةٌ فِي أَمْرِ عَمَلِهِ وَتِجَارَتِهِ لِمَعْرِفَتِهِ اُلْجَيِّدَةِ بِاُلْحِسَابِ والرِّيَاضِيَّاتِ.

  2) بَيَانٌ لِضَرَرِ الانْتَرْنَتْ بِمَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنْ مَعَارِفَ هِيَ مُتَنَزِّهَةٌ مِنَ اُلْفُضُولِ،  بِاُلْبِنَاءِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مَقْرُونًا بِاُلتَّنْبِيهِ عَلَى أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا عَائِدٌ إِلَى الانْتَرْنَتْ، وَالثَّانِي عَائِدٌ إِلَى اُلْمُسْتَعْمِلِ 

   أَمَّا بَيَانُ وَجْهِ ضَرَرِ الانْتَرْنَتْ بِاُلْمَعَارِفِ اُلْمَذْكُورَةِ فَبِاُلْبِنَاءِ عَلَى هَذِهِ اُلْمُقَدِّمَةِ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلَى أَمْرَيْنِ : أَمْرٍ يَخُصُّهَا هِيَ، وَأَمْرٍ يَخُصُّ اُلْمُسْتَعْمِلَ لَهَا بِاُلإِضَافَةِ إِلَيْهَا. فَالَّذِي يَخُصُّهَا هِيَ، أَوَّلاً، أَنَّ الانْتَرْنَتْ إِنَّمَا تَسْتَوْعِبُ كُلَّ أَنْوَاعِ اُلْمَعَارِفِ وَقَدْ لاَ يَشِذُّ مِنْهَا عِلْمٌ وَاحِدٌ. ثَانِيًا، وَهْيَ تَسْتَوْعِبُهَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ وَبِكُلِّ لِسَانٍ وَقَدْ لاَ يَشِذُّ مِنْهَا لِسَانٌ وَاحِدٌ. ثَالِثًا، وَهْيَ تَسْتَوْعِبُهَا وَهْيَ مَبْسُوطَةٌ بِنَوْعَيْ اُلْبَسْطِ : بِاُلْبَسْطِ الصِّنَاعِيِّ الدَّقِيقِ الَّذِي لاَ يَفْهَمُهُ إِلاَّ أَهْلُ الذِّكْرِ، وَبِاُلْبَسْطِ اُلْمُيَسِّرِ اُلْمُسَهِّلِ حَتَّى يَسْتَسِيغَهُ العَامَّةُ وَغَيْرُ الرَّاسِخِينَ. رَابِعًا، وَهْيَ تَسْتَوْعِبُهَا وَهْيَ لاَ مُتَنَاهِيَةٌ فِي الكَمِّ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ بِاُلْعَدَدِ. خَامِسًا، وَهْيَ تَسْتَوْعِبُهَا وَهْيَ مَوْجُودَةٌ جَمِيعًا مَعًا فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ. عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا هِيَ غَيْرُ دَالَّةٍ بِذَاتِهَا لِكُلِّ فَحْوَى عَلَى مَا مَرْتَبَتُهُ مِنَ اُلْعِلْمِ، فَمَا مَرْتَبَتُهُ مِنَ التَّعَلُّمِ. وَلَيْسَ لَهَا نَظَرٌ أَصْلاً أَوْ مَرَاعَاةٌ لِلْوَارِدِ عَلَى ذَلِكَ الفَحْوَى حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ، دَفَعَتْهُ عَنْهُ مُلْزِمَةً إِيَّاهُ بِاُلْمَرَاتِبِ اُلْمُتَقَدِّمَةِ الضَّرُورِيَّةِ. أَمَّا الأَمْرُ الَّذِي يَخُصُّ اُلْمُسْتَعْمِلَ للانْتَرْنَتْ بِالإِضَافَةِ إِلَيْهَا : فَهُوَ أَنَّهُ لاَ وَاسِطَةَ عَادَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا. عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ مُرْشِدٍ خَارِجِيٍّ  يَدُلُّهُ عَلَى نَوْعِ اُلْمَجْهُولِ اُلْمَطْلُوبِ مِنْهُ مَعْرِفَتُهُ وَيُلْزِمُهُ بِاُلْفَحْوَى اُلْمُنَاسِبِ لاسْتِعْدَادِهِ وَيَمْنَعُ عَنْهُ الفَحَاوِي الَّتِي تَفُوتُ اسْتِعْدَادَهُ. وَإِنْ هُوَ، أَيْ اُلْمُسْتَعْمِلَ سَبَقَ بِاُلْوُقُوعِ عَلَى اُلْفَحْوَى اُلْمَعْرِفِيِّ مِنْ غَيْرِ إِشَارَةِ اُلْمُرْشِدِ، فَمِنْ شَأْنِ الأَخِيرِ أَيْضًا أَنْ يُدْرِكَهُ بِالتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الفَحْوَى إِمَّا أَنَّهُ لا يُلاَئِمُهُ نَوْعُهُ أَوْ أَنَّهُ لاَ تُلاَئِمُهُ مَرْتَبَتُهُ صَارِفًا إِيَّاهُ إلى اُلْمَرَاتِبِ اُلْمُتَقَدِّمَةِ الوَاجِبَةِ أَوْ، إِنْ لاَ ءَمَهُ نَوْعُهُ وَمَرْتَبَتُهُ، فَمِنْ شَأْنِ اُلْمُرْشِدِ أَنْ يُوَبِّخَهُ عَلَى أَنَّهُ قَدِ اسْتَقَلَّ بِإِرَادَتِهِ فِي تَعْيِينِ مَقْصُودِ اُلْمَعْرِفَةِ وَلَمْ يَتَّخِذْ لَهَا أَوَّلاً دَلِيلاً. وَهُوَ بِِاجْتِمَاعِ الأَمْرَيْنِ اُلْخَاصَّيْنِ إِنَّمَا تَلْزَمُ آفَاتٌ كُبْرَى هِيَ :

   I) الآفَةُ الأُولَى اُللاَّزِمَةُ : عَدَمُ اُلْكَمَالِ اُلْمَعْرِفِيِّ اُلْحَقِيقِيِّ

   أَوَّلاً، عَدَمُ اُلْكَمَالِ اُلْمَعْرِفِيِّ اُلْحَقِيقِيِّ. وَهَذَا يَلْزَمُ خَاصَّةً مِنِ انْتِفَاءِ اُلْمُرْشِدِ الدَّالِ وَاُلْمُلْزِمِ بِمَا نَوْعُ اُلْمَجْهُولِ اُلْوَاجِبِ مَعْرِفَتُهُ. إِذْ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ اُلتَّعَلُّمَ هُوَ انْتِقَالٌ مِنْ شَيْءٍ مَجْهُولٍ إِلَى مَعْرِفَتِهِ، أَيْ أَنَّهُ حَرَكَةٌ مَبْدَؤُهَا مَجْهُولٌ وَمُنْتَهَاهَا تَحْصِيلُ اُلْمَجْهُولِ مَعْلُومًا، فَلَيْسَ مِنْ شَكٍّ بِأَنَّ اُلْمَجْهُولَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُقْصَدَ بِاُلْحَرَكَةِ حَتَّى يُلاَقَى عَلَى صِفَةِ اُلْمَعْلُومِ إِلاَّ إِذَا كَانَتِ النَّفْسُ تَعْلَمُ أَوَّلاً مَا الشَّيْءُ الَّذِي تَجْهَلُهُ حَتَّى تَطْلُبَهُ بِالتَّعَلُّمِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ شَرْطَ التَّعَلُّمِ لَيْسَ فَقَطْ العِلْمُ بِاُلْمَجْهُولِ، بَلِ العِلْمُ أَوَّلاً بِاُلْمَجْهُولِ بِأَنَّهُ مَجْهُولٌ.  فَمَثَلاً، جَانْ عَامِلٌ فِرَنْسِيٌّ جَاهِلٌ بِاُلإِسْلاَمِ، وَهَذَا جَهْلٌ يَعْلَمُهُ. لِذَلِكَ فَقَدْ يَصِيرُ مَطْلُوبُهَ أَنْ يَعْرِفَ مَا حَقِيقَتُهُ، فَيَقْرَأُ كُتُبًا يُحَصِّلُ بِهَا مَعْرِفَةً عَنْهُ. ثُمَّ إِنَّ جَانْجَاهِلٌ بِأَنَّ خَامِسَ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ هُوَ الوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ اُلْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، لَكِنَّهُ هُوَ جَاهِلٌ أَيْضًا بِأَنَّهُ جَاهِلٌ بِاُلْحُكْمِ الأُمَوِيِّ وَبِأَنَّهُ جَاهِلٌ بِأَنَّهُ كَانَ خِلاَفَةً مُلْكًا وَبِأَنَّهُ جَاهِلٌ بِأَنَّهُ قَدْ تَدَاوَلَ عَلَيْهَا أَكْثَرُ مَنْ خَمْسَةِ خُلَفَاءٍ وَبِأَنَّه جَاهِلٌ بِأَنَّ خَامِسَهُمْ كَانَ اُلْوَلِيدَ. لِذَلِكَ، فَمَا لَمْ يَتَسَلَّطْ عَلَيْهِ مِنْ خَارِجٍ مَنْ يُعَلِّمُهُ جَهْلَهُ اُلْمَذْكُورَ فَإِنَّهُ لَيْسَ فَقَطْ لَنْ يَعْلَمَ مَنْ خَامِسُ اُلْخُلَفَاءِ، بَلْ لَنْ يَتَحَرَّكَ أَلْبَتَّةَ لِيَصِيرَ هَذَا اُلْمَجْهُولُ مَعْلُومًا. إِذَنْ، فَحَقِيقَةُ التَّعَلُّمِ وَقِوَامُهُ لَيْسَ فِي مَعْرِفَةِ اُلْمَجْهُولِ، بَلْ فِي مَعْرِفَةِ اُلْمَجْهُولِ بِأَنَّهُ مَجْهُولٌ، وَلَيْسَتْ كَثْرَةُ اُلْمُتَعَلَّمَاتِ في كَثْرَةِ اُلْمَجْهُولاَتِ اُلَْمَعْلُومَةِ، بَلْ فِي مَعْرِفَةِ اُلْمَجْهُولاَتِ الكَثِيرَةِ بِأَنَّهَا مَجْهُولَةٌ، وَلَيْسَ كَمَالُ التَّعَلُّمِ وَشَرَفُهُ فِي مَعْرِفَةِ اُلْمَجْهُولِ الكَامِلِ الشَّرِيفِ، بَلْ فِي مَعْرِفَةِ اُلْمَجْهُولِ الكَامِلِ الشَّرِيفِ بِأَنَّهُ مَجْهُولٌ. لَكِنَّ العِلْمَ بِاُلْمَجْهُولِ بِأَنَّهُ مَجْهُولٌ إِنَّمَا هُوَ تَابِعٌ لِلْعِلْمِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ الَّذِي يُنَبِّهُ عَلَى مَجْهُولِيَّةِ اُلْمَجْهُولِ هُوَ اُلْعِلْمُ : إِمَّا عِلْمُ اُلْمُعَلِّمِ حِينَمَا يَقِيسُ الأَمْرَ اُلْمَعْلُومَ عِنْدَهُ إِلَى عِلْمِ اُلْمُتَعَلِّمِ، فَيَرَى مَعًا خُلُوَّ اُلْمُتَعَلِّمِ مِنَ اُلْمَعْرِفَةِ بِهِ وَخُلُوَّهُ مِنَ السُّؤَالِ عَنْهُ، فَيَقْضِي بِأَنَّ الأَمْرَ لَيْسَ فَقَطْ هُو مَجْهُولاً لِلْمُتَعَلِّمِ، بَلْ مَجْهُولُ اُلْمَجْهُولِيَّةِ أَيْضًا. أَوْ عِلْمُ اُلْمُتَعَلِّمِ اُلْمُنْفَرِدِ عَنِ اُلْمُعَلِّمِ حِينَمَا يَعْلَمُ الشَّيْءَ نَاقِصًا فَيَعْلَمُ بِعِلْمِهِ لِلْجُزْءِ أَنَّ الشَّيْءَ هُوَ كُلٌّ لاَ تَتِمُّ مَعْرِفَتُهُ إِلاَّ بِمَعْرِفَةِ جُزْئِهِ القَرِيبِ اُلْمُتَمِّمِ. أَيْ هُوَ عَالِمٌ إِذًا بِمَجْهُولِيَّةِ الشَّيْءِ وَمَجْهُولِيَّةِ اُلْجُزْءِ اُلْمُتَمِّمِ. كَالَّذِي يُرِيدُ أنْ يَعْرِفَ زَرْبِيَّةً مَفْرُوشَةً طُمِسَ نِصْفُهَا بِخِزَانَةٍ. فَهُوَ يَعْلَمُ بِأَنَّهُ جَاهِلٌ بِهَا وَجَاهِلٌ بِجُزْءٍِ مِنْهَا. وَإِذْ تَقَرَّرَ أَنَّ اُلْعِلْمَ بِاُلْمَجْهُولِ بِأَنَّهُ مَجْهُولٌ هُوَ تَابِعٌ لِلْعِلْمِ، فَلاَ جَرَمَ أَنَّهُ بِقَدْرِ كَمَالِ اُلْعِلْمِ وَحَقِّيَتِهِ إِنَّمَا يَكُونُ كَمَالُ العِلْمِ بِاُلْمَجْهُولِ وَحَقِّيَتِهِ. وَبِقَدْرِ كَمَالِ اُلْعِلْمِ بِاُلْمَجْهُولِ وَحَقِّيَتِهِ إِنَّمَا يَكُونُ أَيْضًا كَمَالُ العِلْمِ نَفْسِهِ اُلْمُتَحَقِّقِ. لَكِنَّ اُلْمُتَعَلِّمَ هُوَ ذُو عِلْمٍ نَاقِصٍ، إِذَنْ فَعِلْمُهُ بِاُلْمَجْهُولِ بِأَنَّهُ مَجْهُولٌ نَاقِصٌ أَيْضًا. أَمَّا اُلْمُعَلِّمُ، فَذُو عِلْمٍ تَامٍّ. إِذَنْ فَعِلْمُهُ بِاُلْمَجْهُولِ بِأَنَّهُ مَجْهُولٌ تَامٌّ أَيْضًا. لِذَلِكَ فَاُلْمُتَعَلِّمُ لَوْ اُنْفَرَدَ لَمْ يَسْتَفِدْ إِلاَّ مَعْرِفَةً نَاقِصَةً. وَهُوَ إِنَّمَا يَسْتَفِيدُ كَمَالَهَا اُلْحَقِيقِيَّ بِاُلْمُعَلِّمِ وَاُلْمُرْشِدِ اُلْخَارِجِيِّ. وَعَلَى هَذَا يَبِينُ جَيِّدًا أَنَّ الانْتَرْنَتْ لَمَّا كَانَ اُلْمُسْتَعْمِلُ لَهَا لاَ وَاسِطَةَ عَادَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، بَلْ إِنَّ مَزِيَّتَهَا عِنْدَ جُلِّ النَّاسِ أَنَّهَا قَدْ أَغْنَتْ عَنِ اُلْمُعَلِّمِ، فَإِنَّهَا قَدْ أَوْهَمَتِ اُلْمُتَعَلِّمَ أَنَّهُ قَدْ يَنْفَرِدُ بِاُلتَّعَلُّمِ. وَهَذَا الانْفِرَادُ كَمَا ذَكَرْنَا إِنَّمَا يُفْضِي قَطْعًا إِلَى نُقْصَانِ اُلْمَعْرِفَةِ وَعدَمِ كَمَالِهَا اُلْحَقِيقِيِّ.  

   II) الآفَةُ الثَّانِيَةُ اُللاَّزِمَةُ : اِسْتِوَاءُ اُلْمَعَارِفِ

   ثَانِيًا، اسْتِوَاءُ اُلْمَعَارِفِ وَالشُّعُورُ بِلاَ ضَرُورَةِ التَّرْجِيحِ بَيْنَهَا أَصْلاً وَاُلْبَقَاءُ خَارِجَهَا. فَلَقَدْ قُلْنَا إِنَّ اُلْمُتَعَلِّمَ بِالانْتَرْنَتْ هُوَ مُجَرَّدٌ مِنَ اُلْوَاسِطَةِ اُلْقَاهِرَةِ وَاُلْمُرْشِدِ اُلْمُلْزِمِ. لِذَلِكَ، كَانَ بَاعِثُهُ إِلَى اُلْمَعْرِفَةِ مَبْنَاهُ عَلَى الإِرَادَةِ. عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ بِإِرَادَتِهِ هُوَ إِنَّمَا يَنْبَعِثُ أَوَّلاً إِلَى أَنْ يَتَعَلَّمَ، وَثَانِيًا إِلَى أَنْ يَتَعَلَّمَ فَنًّا دُونَ غَيْرِهِ. وَالإِرَادَةُ لِلتَّرْجِيحِ وَهِيَ تَابِعَةٌ لِمَيْلِهِ وَتَقْدِيرِهِ. إِذَنْ فَمَا اُلْمَيْلُ الَّذِي عَسَى أَنْ يَبْعَثَ الإِرَادَةَ اُلْمُسْتَقِلَّةَ إِلَى التَّعَلُّمِ وَإِلَى الاسْتِئْثَارِ بِعِلْمٍ مَا. اعْلَمْ أَنَّ مَيْلَ النَّفْسِ إِلَى عِلْمٍ مَخْصُوصٍ هُوَ اُلْبَاعِثُ عَادَةً عَلَى نَفْسِ التَّعَلُّمِ. فَمَثَلاً زَيْدٌ مَالَ إِلَى عِلْمِ اُلْفِقْهِ، لِذَلِكَ فَهُو قَدِ انْبَعَثَ إِلَى طَلَبِ اُلْعِلْمِ مِنْ عِلْمِ اُلْفِقْهِ وَسَائِرِ اُلْعُلُومِ اُلْمُسْتَعْمَلَةِ فِيهِ، كَاُلْقُرْآنِ والسُنَّةِ وَالسِّيرَةِ. وَقَدْ لاَ يَكُونُ، فِي الأَقَلِّ، اُلْبَاعِثُ الأوّلُ عَلَى التَّعَلُّمِ اُلْمَيْلَ إِلَى عِلْمٍ مَخْصُوصٍ، بَلْ هِمَّةٌ مُجْمَلَةٌ لِلنَّفْسِ تَعَافُ أَنْ تَكُونَ جَاهِلَةً وَتُحِبُّ أَنْ تُعْرَفَ بِاُلْعِلْمِ وَاُلْمَعْرِفَةِ. وَهْيَ بَعْدَئِذٍ إِنَّمَا تَقَعُ عَلَى اُلْعِلْمِ اُلْمُوَافِقِ لِمَيْلِهَا وَاسْتِعْدَادِهَا. لَكِنْ مَا مَعْنَى أَنْ تَمِيلَ نَفْسٌ إِلَى عِلْمٍ. قَدْ يُجَابُ أَنْ يَجْذِبَهَا إِلَيْهِ كَمَا يَجْذِبُ اُلْمِغْنَطِيسُ اُلْحَدِيدَ. وَهَذَا جَوَابٌ مَجَازِيٌّ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِأَنَّهُ جَعَلَ اُلْمَيْلَ انْفِعَالاً لِلنَّفْسِ. بَلْ إِنَّ اُلْمَيْلَ هُوَ مِنْهَا فِعْلٌ: وَحَقِيقَتُهُ أَنَّهُ مِنْهَا رُؤْيَةٌ إِلَى العِلْمِ اُلْمَخْصُوصِ بِأَنَّهُ فَاضِلٌ أَوْ هُوَ الأَفْضَلُ، لِذَلِكَ فَاُلْمُتَحَلِّي بِهِ هُوَ فَاضِلٌ أَوْ أَفْضَلُ، أَوْ أَنَّ غَيْرَ اُلْمُتَحَلِّي بِهِ لَيْسَ بِفَاضِلٍ وَلاَ الأَفْضَلَ. وَمعْنَى فَضِيلَةِ اُلْعِلْمِ إِمَّا أَنَّهُ مِنَ اُلْعُلُوِمِ الَّتِي هِيَ فِي طَرِيقِ اُلْعِلْمِ النَّافِعِ فِي فَوْزِ الإِنْسَانِ بِاُلسَّعَادَةِ العُظْمَى وَهَذَا العِلْمُ النَّافِعُ هو الأَفْضَلُ : كَاُلْفَيْلَسُوفِ إِذْ يَعُدُّ العِلْمَ بِاُلْوُجُودِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، اُلْفَاضِلَ مُطْلَقًا، وَيَعُدُّ سَائِرَ العُلُومِ كَاُلْمَنْطِقِ وَالطَّبِيعِيَّاتِ فَاضِلَةً لأَنَّهَا مُقَدِّمَاتٌ ضَرُورِيَّةٌ لِلْعِلْمِ اُلغَايَةِ، أَوْ كَاُلْفَقِيهِ الَّذِي يَعُدُّ اُلْمَعْرِفَةَ بِأَحْكَامِ اُلشَّرْعِ لِلْعَمَلِ بِهَا هُو اُلْمُنْجِي الأَخِيرُ، فَهُوَ العِلْمُ الأَفْضَلُ، وَسَائِرُ اُلْعُلُومِ كَالسُنَّةِ والأُصُولِ هِيَ فَاضِلَةٌ لِأَنَّهَا مُقَدِّمَاتٌ ضَرُورِيَّةٌ لِلْعِلْمِ اُلْغَايَةِ. وَإِمَّا أَنَّ اُلْعِلْمَ الفَاضِلَ مُطْلَقًا هُوَ الأَصَحُّ عَلَى الإِطْلاَقِ، وَاُلْعُلُومُ الأُخْرَى هِيَ فَاضِلَةٌ بِقَدْرِ قُرْبِ صِحَّتِهَا مِنَ اُلْعِلْمِ الأَفْضَلِ : كَالَّذِي يَعُدُّ اليَوْمَ أَنَّ الرِّيَاضِيَّاتَ هِيَ الأَصَحُّ عَلَى الإِطْلاَقِ، فَهِيَ الأَفْضَلُ عَلَى الإِطْلاَقِ. لَكِنَّ اُلْمُبْتَدِئَ فِي عِلْمٍ لَيْسَ عَنْ تَحْقِيقٍ هُوَ يَرَى أَنَّهُ فَاضِلٌ أَوْ أَفْضَلُ، بَلْ عَنْ ظَنٍّ وَتَقْلِيدٍ. كَاُلْمُبْتِدِئِ فِي الفَلْسَفَةِ، إِذْ لَيْسَ عَنْ تَحْقِيقٍ هُوَ يَرَى أَنَّهَا عِلْمٌ بِاُلْوُجُودِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، إِذَنْ فَهُوَ الأَفْضَلُ، بَلْ عَنْ تَقْلِيدٍ وَسَمَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ. بل إِنَّهُ عِنْدَهُ إِنَّمَا ذَلِكَ اُلْعِلْمُ هُوَ الأَفْضَلُ لِأَنَّ سَائِرَ العُلُومِ هِيَ خَسِيسَةٌ وَمُهَلْهَلَةٌ، كَالَّذِي يُؤْمِنُ بِدِينٍ فَالَّذِي يُثَبِّتُهُ فِيهِ إِنَّمَا ظَنُّهُ بِأَنَّ سَائِرَ الأَدْيَانِ مَحْشُوَّةٌ خُرَافَاتٍ وَأَكَاذِيبَ، أَشَدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِدِينِهِ نَفْسِهِ. لِذَلِكَ أَنْتَ تَرَى أَنَّ جُلَّ اُلْمُؤْمِنِينَ بِدِينٍ إِنَّمَا طَرِيقَتُهُ فِي تَثْبِيتِ عَقِيدَتِهِ هُوَ تَتَبُّعُ نَوَاقِصَ سَائِرِ الأَدْيَانِ وَلاَ سِيَّمَا اُلْمُزَاحِمَةَ مِنْهَا.  إِذَنْ فَإِقْبَالُ اُلْمُتَعَلِّمِ اُلْمُنْفَرِدِ عَلَى عِلْمٍ مَخْصُوصٍ هُوَ لِظَنِّهِ وَترْجِيحِهِ بِأَنَّ ذَلِكَ العِلْمَ هُوَ فَاضِلٌ أَوْ الأَفْضَلُ. وَإِذْ هُوَ مُبْتَدِئٌ وَغَيْرُ عَالِمٍ بَعْدُ بِكُنْهِ العِلْمِ اُلْمَقْصُودِ وَلاَ العُلُومِ الأُخْرَى، كَانَ إِذَنْ مَنْشَؤُ التَّرْجِيحِ لَدَيْهِ إِنَّمَا هُوَ فَقَطْ ظَنٌّ بِفَضِيلَةِ العِلْمِ اُلْمُخْتَارِ مَقْرُونًا بِظَنٍّ أَنَّ حَقِيقَةَ اُلْمَعَارِفِ الأُخْرَى هِيَ قَاصِرَةٌ وَخَسِيسَةٌ. لَكِنَّ اُلْعُلُومَ وَإِنْ كَانَتْ مُتَفَاضِلَةً حَقًّا، فَجُلُّهَا فِي نَفْسِهَا هِيَ لَذَوَاتُ أُصُولٍ وَقَوَاعِدَ وَدِقَّةٍ وَجَمَالٍ يُنَزِّهَانِهَا أَلْبَتَّةَ عَنْ وَصْفَيِ اُلْخِسَّةِ وَاُلْوَهَنِ الَّذِي يُلْحِقُهُ بِهَا وَهْمُ اُلْمُتَعَلِّمِ اُلْمُبْتَدِئِ. لَكِنَّ اُلْمُتَعَلِّمَ إِنَّمَا لِمُقَابَلَتِهِ ظَنَّهُ فِي العِلْمِ اُلْمُخْتَارِ بِوَهْمِهِ عَنْ سَائِرِ اُلْعُلُومِ قَدْ صَحَّ لَهُ التَّرْجِيحُ. إِذَنْ، فَمِنْ شَرْطِ تَرْجِيحِ العِلْمِ اُلْمَظْنُونِ أَنْ تَكُونَ سَائِرُ اُلْمَعَارِفِ مَوْهُومَةً. لِذَلِكَ فَلَوْ زَاحَمَتِ اُلْمَعْرِفَةَ بِاُلْعِلْمِ اُلْمَظْنُونِ فِي ابْتِدَائِهَا، اُلْمَعْرِفَةُ بِسَائِرِ العُلُومِ، فَإِنَّ اُلْمُقَابِلَ لِلظَنِّ لَنْ يَكُونَ مَعْرِفَةً وَهْمِيَّةً. وَبِهَذَا إِنَّمَا يَرْتَفِعُ شَرْطُ التَّرْجِيحِ فَيَرْتَفِعُ التَّرْجِيحُ. وَنَضْرِبُ لِذَلِكَ مَثَلاً : زَيْدٌ فَتًى لَيْسَ لَهُ بَعْدُ صَدِيقٌ وَهُوَ سَيِّئُ الظَنِّ بِالنَّاسِ وَيُحِبُّ أَلاَّ يُصَادِقَ إِلاَّ الأَفْضَلَ الكَامِلَ حَتَّى لاَقَى عَمْرًوا، فَظَنَّهُ أَنَّهُ الصَّدِيقُ اُلْمَرْجُوُّ لِبَعْضِ اُلْخِصَالِ اُلْبَادِيَةِ أَوَّلاً. فَأَمَّا لَوْ زَيْدٌ فِي بَدْءِ مُعَاشَرَتِهِ عَمْرًوا قَدْ خَلَطَهَا بِمُعَاشَرَتِهِ لِنُفُوسٍ أُخْرَى، فَقَدْ تَظْهَرُ لَهُ مِنْ هَؤُلاَءِ خِصَالٌ شَأْنُهَا أَنْ تَمْنَعَ أَنْ تَكُونَ مُقَابَلَةُ عَمْرٍو بِهَؤُلاَءِ مُقَابَلَةَ الفَاضِلِ بِاُلسَّيِّءِ، فَلاَ تَبْقَى إِذَنْ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلَى اُلبَقِيَّةِ. لِذَلِكَ، فَلَوْ كَانَ عَلَى زَيْدٍ مُرْشِدٌ وَأَحَبَّ أَنْ يُصَادِقَ عَمْرًوا، لاَ لأَنَّهُ ذُو خِصَالٍ والآخَرُونَ سَيِّئُونَ، بَلْ لأَنَّهُ ذُو خَصْلَةٍ مَخْصُوصَةٍ كَكَوْنِهِ عَفِيفًا مَثَلاً، وَاُلْبَقِيَّةُ لاَ يَخْلُونَ أَيْضًا مِنْ خِصَالٍ كَالرَّحْمَةِ وَاُلْبِرِّ والنَّجْدَةِ، فَقَدْ يُوصِيهِ بِمُصَاحَبَةِ عَمْرٍو وَيَمْنَعُ عَنْهُ فِي أَوَّلِ اُلْمُصَاحَبَةِ اخْتِلاَطَهُ بِغَيْرِهِ مَا اسْتَطَاعَ. كَذَلِكَ اُلْمُتَعَلِّمُ فِي بَدْءِ تَعَلُّمِهِ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ مُرْشِدٌ، فَهُوَ لَيْسَ فَقَطْ سَيَدُلُّهُ عَلَى اُلْعِلْمِ اُلْمَخْصُوصِ الفَاضِلِ اُلْمُلاَئِمِ لاسْتِعْدَادِهِ، بَلْ سَيَمْنَعُ عَنْهُ أَيْضًا أَنْ تُزَاحِمَهُ مَعَارِفُ أُخْرَى، إِمَّا حِينَمَا يَرَاهُ يَطْلُبُهَا هُوَ بِاجْتِهَادِ كَأَنْ يُطَالِعَ مَرَّةً كِتَابًا فِي عِلْمِ كَذَا وَمَرَّةً فِي عِلْمِ كَذَا، أَوْ حِينَمَا تَصِيرُ لَهُ عَلَى طَرَفِ اُلْيَدِ كَمَا فِي الانْتَرْنَتْ حَيْثُ قُلْنَا إِنَّهَا تَسْتَوْعِبُ كُلَّ اُلْمَعَارِفِ بِكُلِّ لِسَانٍ. وَإِذْ قَدْ قُلْنَا كَذَلِكَ بِأَنَّ اُلْمُسْتَعْمِلَ لِهَذِهِ الآلَةِ لَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ مُرْشِدٍ يَذُبُّ عَنْهُ اُلْمَعَارِفَ الأُخْرَى اُلْمُزَاحِمَةِ، فَاُلْمُتَعَلِّمُ اُلْمُنْفَرِدُ إِنَّمَا تَخْتَلِطُ بِأَوَّلِ تَعَلُّمِهِ عُلُومٌ كَثِيرَةٌ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، لَمْ تَكُنْ اُلْمَعَارِفُ اُلْمُقَابِلَةُ لِلْعِلْمِ اُلْمَقْصُودِ مَوْهُومَةً، وَذَاكَ بِعَيْنِهِ رَافِعٌ لِشَرْطِ التَّرْجِيحِ. وَبِارْتِفَاعِ التَّرْجِيحِ تَسْتَوِي إِذَنْ كُلُّ اُلْمَعَارِفِ وَيَمْتَنِعُ الإِمْعَانُ فِي إِحْدَاهَا : لِأَنَّ الإِمْعَانَ إِنَّمَا هُوَ اخْتِيَارٌ وَتَرْجِيحٌ. 

   III) الآفَةُ الثَّالِثَةُ اُللاَّزِمَةُ : اَلْيَأْسُ مِنَ اُلْمَعْرِفَةِ وَاُلْحُكْمُ بِاُلْعَجْزِ اُلضَّرُورِيِّ

   ثَالِثًا، اليَأْسُ مِنَ اُلْمَعْرِفَةِ وَاُلْحُكْمُ بِاُلْعَجْزِ الضَّرُورِيِّ وَبِلاَ فَائِدَتِهَا فِي كُلِّ مَرْتَبَةٍ. وَهُوَ بَيِّنٌ بِمَا أَسْلَفْنَا : إِذْ لَمَّا خَلاَ اُلْمُتَعَلِّمُ اُلْمُنْفَرِدُ بِالانْتَرْنَتْ مِنْ مُرْشِدٍ خَارِجِيٍّ حَارِسٍ، فَإِنَّهُ قَدْ تَسَلَّطَتْ عَلَيْهِ دُفْعَةً وَاحِدَةً مَعَارِفُ لاَ مُتَنَاهِيَةٌ فِي الكَمِّ غَيْرُ مَحْصُورَةِ اُلْعَدَدِ. وَإِذْ هُوَ بَعْدُ غِرٌّ، فَإِنَّهُ سَيَقِيسُ عِلْمَهُ إِلَى اُلْمَعْرِفَةِ اللاَّمُتَنَاهِيَةِ. وَإِذْ مِنَ اُلْمُمْتَنِعِ الإِحَاطَةُ بِاللاَّمُتَنَاهِيِّ، فَإِنَّهُ سَيَقِرُّ عِنْدَهُ بِامْتِنَاعِ اُلْمَعْرِفَةِ أَصْلاً وَبِأَنْ لاَ مَنَاصَ مِنَ اُلْجَهْلِ. وَقَدْ قُلْنَا أَيْضًا إِنَّ اُلْمَعَارِفَ بِالانْتَرْنَتْ صَارَتْ مَرَاتِبُهَا جَمِيعًا مَعًا فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ، لِذَلِكَ فَإِنَّ اُلْمُتَعَلِّمَ سَيَقِيسُ وَاجِبَهُ اُلْمَعْرِفِيِّ إِلَى غَيْرِ مَقْصُودِ مَرْتَبَتِهِ، أَيْ إِلَى غَيْرِ اُلْمُنَاسِبِ لاسْتِعْدَادِ اُلْمُتَعَلِّمِ صَاحِبِ اُلْمَرْتَبَةِ، وَغَيْرُ اُلْمُنَاسِبِ للاسْتِعْدَادِ هُوَ اُلْمُمْتَنِعُ. إِذَنْ، فَسَيَقِرُّ فِي نَفْسِ اُلْمُتَعَلِّمِ كَذَلِكَ بِأَنَّ اُلْمَعْرِفَةَ لَمُمْتَنِعَةٌ عَلَيْهِ وَأَنْ لاَ رَجَاءَ لَهُ فِيهَا، وَلَنْ يَبْقَى لَهُ صَبْرٌ عَلَى مَرْتَبَتِهِ اُلْمُنَاسِبَةِ، فَيُحْرَمُ فَائِدَتَهَا وَخَيْرَ كُلِّ مَعْرِفَةِ. كَالَّذِي بَعْدُ في الابْتِدَائِيِّ وَقَاسَ وَاجِبَهُ إِلَى عِلْمِ التَّفَاضُلِ والتَّكَامُلِ، فَلَمَّا يَئِسَ مِنْ فَهْمِهِ عَادَ بِاُلْحُكْمِ عَلَى نَفْسِهِ بِعَجْزِهَا الذَّاتِي عَنِ اُلْمَعْرِفَةِ أَصْلاً، فَأَدْبَرَ كَذَلِكَ عَنْ اسْتِفَادَتِهِ مِمَّا فِي مَرْتَبَتِهِ اُلْمُنَاسِبَةِ، فَامْتَدَّ جَهْلُهُ لَيْسَ فَقَطْ إلى عِلْمِ التَّفَاضُلِ وَالتَّكَامُلِ، بَلْ إِلَى نَفْسِ القِرَاءَةِ وَاُلْكِتَابَةِ، أَوِ اُلْجَمْعِ وَالضَّرْبِ.

   IV) الآفَةُ اُلرَّابِعَةُ اُللاَّزِمَةُ : اُلْوَهْمُ بِاُلْمَعْرِفَةِ وَاُلتَّشْغِيبُ وَاُلْعِنَادُ          

   رَابِعًا، اُلْوَهْمُ بِاُلْمَعْرِفَةِ وَتَرَسُّخُ مَعَانِي اُلْعِنَادِ وَاُلْتَّشْغِيبِ وَالاسْتِطَالَةِ. وَهَذِهِ الآفَةُ صَارَتْ مُنْتَشِرَةً كَثِيرًا، وَهِيَ لَعَمْرِي لَإِحْدَى اُلْمَوَانِعِ اُلْكُبْرَى لِكُلِّ تَعَلُّمٍ حَقِيقِيٍّ لاَئِقٍ بِالإِنْسَانِيَّةِ وبِتَأَدُّبِهَا، كَمَا أَنَّ أَهْلَ الذِّكْرِ فِي كُلِّ فَنٍّ إِنَّمَا يَلْحَقُهُمْ اليَوْمَ مِنْهَا عَنَتٌ مِنَ العَامَّةِ وَمُكَابَدَةٌ لَهَا شَدِيدَةٌ. وَوُجُوهُ لُزُومِهَا مِنَ الانْتَرْنَتْ، بِاجْتِمَاعِ الأَمْرَيْنِ اُلْمَذْكُورَيْنِ وَبِمَا بَانَ فِي اللَّوَازِمِ الآنِفَةِ هِيَ : أَوَّلاً، إِنَّ الاسْتِغْنَاءَ الوَهْمِيَّ لِلْمُتَعَلِّمِ بِالانْتَرْنَتْ عَنِ اُلْمُعَلِّمِ لَمْ يُفْقِدْهُ فَقَطْ مُرْشِدًا يُلَقِّنُهُ اُلْعِلْمَ وَيَدُلُّهُ عَلَى مَسَالِكِهِ وَيُلْزِمُهُ مَرَاتِبَهِ، بَلْ أَفْقَدَهُ كَذِلِكَ مُقَدِّرًا يُنَبِّهُهُ عَلَى مَا مَنْزِلَتُهُ فِي اُلْمَعْرِفَةِ وَهَلْ هُوَ مِنْهَا عَلَى طَرَفِ النُّقْصَانِ أَوِ اُلْكَمَالِ. لِأَنَّ التَّقْدِيرَ هُوَ قِيَاسُ اُلْمُقَدَّرِ إِلَى شَيْءٍ يُعَدُّ اُلْمِعْيَارَ : فَإِنْ قَصَّرَ عَنْهُ عُلِمَ بِأَنَّ اُلْمُقَدَّرَ نَاقِصٌ، وَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ عُلِمَ بِأَنَّ اُلْمُقَدَّرَ تَامٌّ. فَمَثَلاً زَيْدٌ قِيسَ مَا لَهُ مِنْ مَالٍ إِلَى كُلِّ اُلْحَاجَاتِ الضَّرُورِيَّةِ اُلْمُقَوِّمَةِ لِلْمَعِيشَةِ فَأُلْفِيَ أَنَّ مَالَهُ لاَ يَفِي بِهَا، وَهُوَ حِينَئِذٍ قَدْ عُلِمَ بِأَنَّ زَيْدًا فَقِيرٌ. وَإِذْ أَنَّ التَّقْدِيرَ هُوَ جَمْعٌ بَيْنَ طَرَفَيِ اُلْمُقَدَّرِ وَاُلْمُقَدِّرِ، فَغَيْرَ شَكٍّ أَنَّ الفَاعِلَ لِلتَّقْدِيرِ هُوَ عَالِمٌ بِاُلطَّرَفَيْنِ. عَلَى مَعْنَى أَنَّ كُلَّ فَاعِلٍ لِلتَّقْدِيرِ إِنَّمَا يَقِيسُ مَعْلُومًا لَهُ إِلَى مَعْلُومٍ لَهُ، لاَ مَحَالَةَ. كَذَلِكَ فَاُلْمُتَعَلِّمُ إِذَا قَدَّرَهُ اُلْمُعَلِّمُ، فَإِنَّهُ سَيَقِيسُ عِلْمَ اُلْمُتَعَلِّمِ، وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ إلى عِلْمِهِ هُوَ، وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ. وَهُنَالِكَ فَسَوْفَ يَرَى قُصُورَ العِلْمِ الأَوَّلِ عَنِ اُلْعِلْمِ الثَّانِي، وَبِرُؤْيَتِهِ إِيَّاه إِنَّمَا يَكُونُ لَهُ اُلْحُكْمُ اُلْمُطَابِقُ بِأَنَّ اُلْمُتَعَلِّمَ هُو ذُو عِلْمٍ نَاقِصٍ مُحْتَاجٍ إِلَى تَكْمِيلٍ. إِذَنْ، وَإِذْ تَوَهَّمَ اُلْمُتَعَلِّمُ أَنَّهُ قَدْ يَسْتَغْنِي عنِ المُقَدِّرِ الخَارِجِيٍّ فَقَدْ تَوَهَّمَ أَيْضًا بِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَكُونَ هُوَ نَفْسُهُ مُقَدِّرًا لِنَفْسِهِ. لَكِنْ قُلْنَا إِنَّ التَّقْدِيرَ قِيَاسُ مَعْلُومٍ إِلَى مَعْلُومٍ. وَلَيْسَ لِلْمُتَعَلِّمِ إِلاَّ اُلْمَعْلُومُ النَّاقِصُ. فَقِيَاسُهُ إِذَنْ إِنَّمَا هُوَ إِلْحَاقُ نَاقِصٍ بِنَاقِصٍ. وَالنَّاقِصُ غَيْرُ قَاصِرٍ عَنِ النَّاقِصِ. لِذَلِكَ فَاُلْمُتَعَلِّمُ اُلْمُقَدِّرُ ذَاتَهُ لَنْ يَرَى اُلْقُصُورَ. وَمَا لَمْ يَرَهُ لَمْ يَرَ نُقْصَانًا، وَمَا لَمْ يَرَ نُقْصَانًا فَلَنْ يَرَى إِلاَّ الكَمَالَ. وَإِذْ أَنَّ الكَامِلَ هُوَ الغَايَةُ فِي الشَّيْءِ، وَمَا بَعْدَهُ لَيْسَ مَطْلُوبًا، فَبَيِّنٌ أَنَّ مَا خَالَفَ الكَامِلَ فَهُوَ نَاقِصٌ. لِأَجْلِ ذَلِكَ، كَانَ اُلْمُتَوَهِّمُ فِي نَفْسِهِ الكَمَالَ، عَلَى غَيْرِ صَوَابٍ، شَدِيدَ التَّطَاوُلِ وَاُلْعِنَادِ لأَهْلِ اُلْمَعْرِفَةِ، لأَنَّ مُخَالَفَةَ قَوْلِ اُلْعَالِمِ لِكَمَالِهِ اُلْمَوْهُومِ إِنَّمَا تُوجِبُ عِنْدَهُ نُقْصَانَ قَوْلِ العَالِمِ وَإِنْكَارًا لِصِفَتِهِ. ثانِيًا، اعْلَمْ أَنَّ اُلْمُعَلِّمَ قَدْ يَسْتَعِينُ فِي التَّعْلِيمِ بِطَرِيقٍ لِلتَّفْهِيمِ مَعْرُوفٍ، وَهُوَ ضَرْبُ اُلْمَثَلِ وَالتَّشْبِيهِ. وَالتَّشْبِيهُ هُوَ سَوْقُ مَعْنَى مَعْلُومٍ لِلْمُتَعَلِّمِ ذِي مُنَسَابَةٍ مَعَ اُلْمَعْنَى اُلْمَجْهُولِ حَتَّى يَسْتَطِيعَ اُلْمُتَعَلِّمُ التَّدَرُّجَ مِنْهُ لإِدْرَاكِ اُلْمَعْنَى اُلْمَجْهُولِ. فَمَثَلاً، قَدْ يُرِيدُ فَيْلَسُوفٌ أَفْلاَطُونِيٌّ أَنْ يُدْنِيَ مِنْ فَهْمِ مُبْتَدِئٍ غِرٍّ كَيْفَ أَنَّ عَالَمَ اُلْمُثُلِ هُوَ أَتَمُّ مِنْ عَالَمِ اُلْحِسِّ، فَيَأْتِيهِ بِهَذَا التَّشْبِيهِ : إِنَّ نِسْبَةَ عَالَمِ اُلْمُثُلِ إِلَى عَالَمِ اُلْحِسِّ كَنِسْبَةِ النُّورِ إِلَى الظُّلْمَةِ. وَهُنَالِكَ، فَاُلْغِرُّ قَدْ يَتَدَرَّجُ بِذَاتِهِ مِنْ عِلْمِهِ بِأَنَّ النُّورَ أَتَمُّ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى تَصْدِيقِهِ بِأَنَّ عَالَمَ اُلْمُثُلِ أَتَمُّ مِنْ عَالَمِ اُلْحِسِّ. لَكِنْ أَنْتَ تُدْرِكُ، بِلاَ شَكٍّ أَنَّ البِنَاءَ عَلَى التَّشْبِيهِ هُوَ غَيْرُ البِنَاءِ عَلَى اُلْجُزْءِ العِلْمِيِّ أَوِ الكُلِّ اُلْعِلْمِيِّ. إِذْ قَدْ قُلْنَا إِنَّ اُلْعِلْمَ إِمَّا هُوَ كُلٌّ قِوَامُهُ أَجْزَاءٌ هِيَ مُقَدِّمَاتٌ وَقَضَايَا عِلْمِيَّةٌ، أَوْ أَجْزَاءٌ لِكُلٍّ عِلْمِيٍّ مِنْ مُقَدِّمَاتٍ بَيِّنَةٍ أَوْ قَضَايَا مُبَيَّنَةٍ عَلَى تَرْتِيبٍ حَتَّى تَنَحَلَّ إِلَى اُلْمُقَدِّمَاتِ اُلْبَيِّنَةِ. لِذَلِكَ كَانَ التَّصْدِيقُ اُلْمَبْنِيُّ عَلَى التَّشْبِيهِ لاَ يُفِيدُ اُلْمُتَعَلِّمَ عِلْمًا، بَلْ ظَنًّا فَقَطْ أَوْ إِقْنَاعًا. إِذَنْ، فَلِتَعْلَمْ أَيْضًا أَنَّ مَا يُسَمَّى بِتَسْهِيلِ اُلْمَعَارِفِ وَتَيْسِيرِهَا لِلْعَامِيِّ إِنَّمَا هِيَ كُلُّهَا عِبَارَةٌ عَنْ تَشْبِيهَاتٍ وَضَرْبِ أَمْثِلَةٍ. وَاُلْمُتَعَلِّمُ بِهَا بِغَيْرِ دَلِيلٍ قَلَّمَا يَنْجُو مِنْ هَذَا الوَهْمِ : وَهْوَ أَنَّ مَا أَدْرَكَهُ بِاُلْبِنَاءِ عَلَى التَّشْبِيهَاتِ اُلْمُسْتَفَادَةِ مِنْ مُطَالَعَتِهِ لِلْمَعَارِفِ اُلْمُيَسَّرَةِ اُلْمَزْعُومَةِ هُوَ مَعَارِفُ اُلْعِلْمِ بِعَيْنِهِ، لِظَنِّهِ بِأَنَّ البِنَاءَ عَلَى التَّشْبِيهِ وَاُلْبِنَاءَ عَلَى اُلْعِلْمِ سَوَاءٌ. وَإِذَا تَوَرَّطَ فِي ذَاكَ اُلْوَهْمِ تَوَرَّطَ لاَ مَحَالَةَ فِي وَهْمِ أَنَّهُ عَالِمٌ وَأَنَّهُ ذُو أَهْلِيَّةٍ تَامَّةٍ فِي مُنَاطَحَةِ أَهْلِهِ وَاُلْجُرْأَةِ عَلَيْهِمْ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُقَاوَمَةَ اُلْجَاهِلِ بِاُلشَّيْءِ لِلْعَالِمِ بِهِ إِنَّمَا تُسَمَّى عِنَادًا وَتَشْغِيبًا. لَكِنْ قَدْ قُلْنَا إِنَّ الانْتَرْنَتْ إِنَّمَا تَسْتَوْعِبُ مَعَارِفَ لاَ مُتَنَاهِيَةً مَبْسُوطَةً بَسْطًا مُيَسَّرًا مُسَهَّلاً : لِذَلِكَ كَانَتْ قَدْ لَزِمَتْ مِنْهَا الآفَةُ الرَّابِعَةُ اُلْمَذْكُورَةُ وَهْيَ اُلْوَهْمُ بِاُلْمَعْرِفَةِ وَتَرَسُّخُ مَعَانِي العِنَادِ وَاُلْتَّشْغِيبِ وَالاسْتِطَالَةِ. ثَالِثًا، وَاُلْعَجِيبُ أَنَّ الآفَةَ الثَّانِيَةَ بِعَيْنِهَا وَهْيَ اسْتِوَاءُ اُلْمَعَارِفِ وَاُلْبَقَاءُ خَارِجَهَا مِمَّا قَدْ تَلْزَمُ مِنْهَا أَيْضًا الآفَتَانِ اُلْمُتَضَادَّتَانِ غَايَةَ التَّضَادِ بِجِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، أَعْنِي آفَةَ اليَأْسِ اُلْمَعْرِفِيِّ وَهَذِهِ الآفَةَ : العِنَادَ والاسْتِطَالَةَ. أَمَّا الأُولَى، فَحِينَمَا يَكُونُ الوَاقِفُ عَلَى الاسْتِوَاءِ غَيْرَ غَافِلٍ كَذَلِكَ عَنْ أََنَّ كُلَّ عِلْمٍ هُوَ ذُو أَسْرَارٍ لاَ يُمْكِنُ الوُقُوفُ عَلَيْهَا إِلاَّ بالإِمْعَانِ فِيهِ، وَإِذْ هُوَ عَالِمٌ بِأَنَّ الإِمْعَانَ مُتَعَذِّرٌ فِي كُلِّ عِلْمٍ لِتَعَذُّرِ التَّرْجِيحِ، إِذَنْ، فَهُوَ سَيَسْتَلْزِمُ بِأَنَّ اُلْمَعْرِفَةَ لَمُمْتَنِعَةٌ عَنْهُ بَتَاتًا. أَمَّا الثَّانِيَةُ، فَحِينَمَا يَكُونُ الوَاقِفُ عَلَى الاسْتِوَاءِ غَافِلاً عَنْ أَنَّهُ لِكُلِّ عِلْمٍ أَسْرَارٌ وَدَقَائِقُ. إِذْ هُوَ سَيَبْنِي عَلَى اسْتِوَائِهَا، لاَ، امْتِنَاعَ الإِمْعَانِ فِيهَا، لأَنَّ الإِمْعَانَ فِي الشَّيْءِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ ذُو عُمْقٍ وَسِرٍّ، وَهُوَ لاَ يُثْبِتُهُمَا، بلْ إِنَّهُ سَيَبْنِي لاَضَرُورَةَ الإِمْعَانِ فِيهَا. وَبَيِّنٌ أَنَّهُ لَوْ كَانَتِ اُلْعُلُومُ غَيْرَ مُحْتَاجَةٍ لِلإِمْعَانِ، فَأَيًّا كَانَ قَدْ يَنْتَقِلُ بَيْنَهَا بِيُسْرٍ مُسْتَوْفِيًا الكَثِيرَ مِنْهَا فِي زَمَنٍ قَلِيلٍِ. وَهَذَا أَيْضًا لَعَمْرِي مَاكَانَ مَنْشَأَ الوَهْمِ بِاُلْمَعْرِفَةِ وَالتَّشْغِيبِ الكَبِيرِ.

ــــــــــ

اُلْبَابُ الثَّانِي

 اُلتَّوَابِعُ اُلنَّفْسِيَّةُ وَالإِنْسَانِيَّةُ لِلانْتَرْنَتْ وَفَسْخِ اُلصِّفَةِ

اُلْفَصْلُ الأَوَّلُ

الاكْتِئَابُ وَغَيْرُهُ مِنَ الآفَاتِ النَّفْسِيَّةِ وَاُلْخُلُقِيَّةِ

 أ) الآفَةُ النَّفْسِيَّةُ الأُولَى اللاَّزِمَةُ مِنَ الانْتَرْنَت، وَهْيَ الاِكْتِئَابُ

  1) تَعْرِيفٌ مُجْمَلٌ لِلاكْتِئَابِ وَذِكْرٌ لأَظْهَرِ عَلاَمَاتِهِ

   وَالاكْتِئَابُ مَرَضٌ نَفْسَانِيٌّ حَقِيقَتُهُ اسْتِبْدَادُ اُلْمَعَانِي العَدَمِيَّةِ بِالنَّفْسِ، وَمِنْ أَسْبَابِهِ اُلْقَوِيَّةِ إِفْرَاطُ اُلْهَمِّ أَوِ اُلْخَوْفِ. وَلَهُ عَلاَمَاتٌ كَكَوْنِ النَّفْسِ قَلِقَةً شَدِيدَةَ التَّفَزُّعِ، سَيِّئَةَ الظَنِّ جِدًّا تَتَوَهَّمُ الضَّرَرَ، تَخَافُ مِمَّا لاَ يُخَافُ مِنْهُ عَادَةً، مُسْتَوْحِشَةً كَرِبَةً لَيْسَ لِأَفْعَالِهَا قَصْدٌ جَامِعٌ أَوْ غَرَضٌ مُرْشِدٌ كَسِلَةٌ فَاشِلَةٌ خَامِلَةٌ. 

  2) مُقَدِّمَةٌ طَوِيلَةٌ فِي اُلْخَوْفِ وَفِي أَرْكَانِهِ وَفِي اِخْتِلاَفِهِ مِنْ حَيْثُ الشِّدَّةِ وَاُلضُّعْفِ، وَمِنْ حَيْثُ اُلْكَمِّ وَاُلطُّولِ، وَفِي حَقِيقَةِ اُلْخَوْفِ وَاُلْمَخُوفِ، وَفِي ضَرْبٍ مِنَ اُلْمُشَابَهَةِ بَيْنَ الأَلَمِ النَّفْسِيِّ وَالأَلَمِ اُلْبَدَنِيِّ، وَفِي ذِكْرِ اللاَّزِمِ اُلْبَيِّنِ مِنْ كُلِّ مَا تَقَدَّمَ  

   وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مَوْجُودٍ لَكِنَّهُ مُمْكِنُ اُلْوُجُودِ. فَإِذَا كَانَتْ أَكْثَرُ أَسْبَابِهِ حَاصِلَةً وَغَلَبَ عَلَى النَّفْسِ وُقُوعُهُ وَكَانَ مَخْشِيًّا تَوَلَّدَ مِنْهُ أَلَمٌ يُسَمَّى خَوْفًا. وَ اُلْخَوْفُ يَنْبَنِي عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ :

الأَوَّلُ، اُلْمَكْرُوهُ اُلْمَخُوفُ، كَفَتًى دَخَلَ فِي مُنَافَسَةٍ لِلْعَمَلِ، فَاُلْمَكْرُوهُ أَنْ تَكُونَ ثَمَرَةُ اُلْمُنَافَسَةِ عَدَمَ اُلْقَبُولِ.

الثّاني، السَّبَبُ اُلْمُؤَدِّي إِلَى اُلْمَخُوفِ، أَيِ السَّبَبَ الَّذِي إِذَا ثَبَتَ حَصَلَ غَالِبًا اُلْمَكْرُوهُ، كَكَوْنِ اُلْمُخْتَبِرِ ظَالِمًا وَلاَ يُحَابِي إِلاَّ مَنْ لَهُمْ نِسْبَةٌ إِلَى أَهْلِ اُلْحُضْوَةِ وَاُلْجَاهِ، وَاُلْفَتَى لاَ سَنَدَ لَهُ.

الثَّالِثُ، العِلْمُ بِاُلسَّبَبِ اُلْمُؤَدِّي إِلَى اُلْمَخُوفِ. إِذْ لَيْسَ يَكْفِي لِتَوَلِّدِ أَلَمِ اُلْخَوْفِ أَنْ يُوجَدَ أَكْثَرُ أَسْبَابِ اُلْمَخُوفِ، بَلْ لاَ بُدَّ مِنْ أَنْ يُعْلَمَ أَيْضًا إِفْضَاؤُهَا إِلَى اُلْمَكْرُوهِ. فَمَثَلاً اُلْفَتَى إِنْ جَهِلَ ظُلْمَ زَيْدٍ اُلْمُخْتَبِرِ وَكَانَ قَدْ اسْتَعَدَّ جَيِّدًا لِلامْتِحَانِ، فَسَيُقْبِلُ عَلَى اُلْمُنَافَسَةِ بِارْتِيَاحٍ مَعَ أَنَّ السَّبَبَ اُلْمُؤَدِّي إِلَى مَكْرُوهِ عَدَمِ القَبُولِ ثَابِتٌ.

الرَّابِعُ، نَفْسُ اُلْخَوْفِ وَهْوَ تَأَلُّمُ النَّفْسِ بِسَبَبِ عِلْمِهَا بِالسَّبَبِ اُلْمُؤَدِّي إِلَى اُلْمَخُوفِ، كَاُلْفَتَى اُلْعَالِمِ بِظُلْمِ اُلْمُخْتَبِرِ، وَخُلُوِّهِ مِنَ السَّنَدِ، فَهْوَ عِلْمٌ مُنْشِئٌ لِأَلَمٍ بِالنَّفْسِ يُسَمَّى خَوْفًا.

وَأَلَمُ اُلْخَوْفِ قَدْ يَكُونُ شَدِيدًا أَوْ مُعْتَدِلاً أَوْ ضَعِيفًا بِحَسَبِ ثَلاَثَةِ أُمُورٍ:

الأَوَّلُ، الشَّيْءُ اُلْمَخُوفُ. فَلَيْسَ اُلْخَوْفُ مِنَ الأَسَدِ كَاُلْخَوْفِ مِنَ اُلْكَلْبِ.

الثَّانِي، الأَسْبَابُ اُلْمُؤَدِّيَةُ إِلَى اُلْمَخُوفِ. إِذْ قَدْ يَكُونُ مَخُوفٌ أَشَدَّ مِنْ مَخُوفٍ، وَاُلْخَوْفُ مِنَ الأَشَدِّ أَضْعَفُ مِنَ الأَضْعَفِ، لأَنَّ أَسْبَابَ الأَوَّلِ وَاهِنَةٌ وَأَسْبَابُ الثَّانِي قَوِيَّةٌ : فَمَثَلاً قَدْ يَخَافُ اُلْمَرْءُ إِذَا أُلْقِيَ فِي غَابَةٍ عَظِيمَةٍ لِعِلْمِهِ بِوُجُودِ أَسَدٍ وَاحِدٍ غَيْرِ ظَاهِرٍ، لَكِنَّ خَوْفَهُ مِنَ اُلْكَلْبِ إِذَا جُمِعَ بِهِ كَرْهًا، أَقْوَى.

الثَّالِثُ، خَوَرُ النَّفْسِ وِحدَّتُهَا. فَمِنْهُمْ مَنْ يَخَافُ الفَأْرَ، وَمِنْهُمْ مَنَ لاَ يَخْشَى الأَسَدَ.

ثُمَّ إِنَّ اُلْخَوْفَ لَهُ اخْتِلاَفٌ آخَرُ مِنْ جِهَةِ الكَمِّ وَالطُّولِ. أَمَّا اُلْكَمُّ، فَهْوَ أَنَّ الأَسْبَابَ اُلْمُوَلِّدَةَ لِلْخَوْفِ، أَيْ اُلْمَخُوفَاتِ قَدْ تَكُونُ مَخُوفًا وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ بَيْنَ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، كَكَوْنِ زَيْدٍ لَهُ عَدُوٌّ وَاحِدٌ هُوَ مِنَ الرَّعِيَّةِ يَخْشَى كَيْدَهُ، وَعَمْرٌو لَهُ عَدُوٌّ مِنَ الرَّعِيَّةِ وَهْوَ يَخَافُ السُّلْطَانَ أَيْضًا لِمَا بَلَغَهُ عَنْهُ مِنْ طَعْنِهِ فِيهِ، أَيْ مِنْ طَعْنِ عَمْرٍو فِي اُلسُّلْطَانِ. وَأَمَّا الطُّولُ، فَأَلَمُ اُلْخَوْفِ قَدْ لاَ يَبْقَى إِلاَّ لَحَظَاتٍ، كَخَوْفِ زَيْدٍ مِنْ سُلْطَانٍ غَاشِمٍ أَسَاءَ لَدَيْهِ الأَدَبَ، فَهْوَ إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ بِاُلْعُقُوبَةِ أَوْ بِاُلْعَفْوِ. وَقَدْ يَطُولُ كَثِيرًا كَخَوْفِ الأَبِ عَلَى ابْنٍ لَهُ مِنَ الفُجُورِ. ويُشْبِهُ أَنَّهُ فِي اُلْعَرَبِيَّةِ اِسْمُ اُلْهَمِّ أَوِ الغَمِّ يُطْلَقُ عَلَى خَوْفٍ شَدِيدٍ مُمْتَدٍّ فِي الزَّمَنِ أَوْ مُتَكَرِّرٍ فِيهِ، وَإِنْ تَخَلَّلَهُ انْفِرَاجٌ، أَوْ عَلَى خَوْفٍ أَسْبَابُهُ كَثِيرَةٌ، وَإِنْ خَلاَ مِنْ مَخُوفٍ شَدِيدٍ. فَمَثَلاً الإِنْسَانُ لاَ يُقَالُ إِنَّهُ قَرِينُ جَمَاعَةٍ إِلاَّ إِذَا لاَبَسَهَا طَوِيلاً، وَزَيْدٌ قَرِينُ جَمَاعَةٍ مِنَ اُلْغُوَاةِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُلاَبَسَةَ السُّفَهَاءِ قَدْ تُورِدُ السِّجْنَ، وَوُرُودُ الابْنِ لِلسِّجْنِ أَمْرٌ مَخُوفٌ جِدًّا لِلأَبِ. إذًا، فَعِلْمُ عَمْرٍو بِمُلاَبَسَةِ ابْنِهِ زَيْدٍ لِلسُّفَهَاءِ يَتَوَلَّدُ مِنْهُ خَوْفٌ قَوِيٌّ. وَإِذْ أَنَّ زَيْدًا قَرِينٌ لَهُمْ، أَعْنِي مُلاَبِسٌ لَهُمْ طَوِيلاً، إِذًا فَخَوْفُ عَمْرٍو اُلْقَوِيُّ هُوَ طَوِيلٌ أَيْضًا. لِذَلِكَ نَقُولُ : عَمْرٌو مَهْمُومٌ لِمَكَانِ ابْنِهِ. وَلَكِنْ لَوْ عَمْرٌو أَسَاءَ الأدَبَ لَدَى سُلْطَانٍ غَاشِمٍ، فَالأَلَمُ سَيَكُونُ قَصِيرًا نُسَمِّيةِ خَوْفًا لاَ نُسَمِّيهِ هَمًّا. كَذَلِكَ فَكَمَا أنّ القَطَرَاتِ إِذَا كَثُرَتْ وَاجْتَمَعَتْ صَارَتْ سَيْلاً جَارِفًا، كَذَلِكَ كَثْرَةُ اُلْمَخُوفَاتِ إِذَا اجْتَمَعَتْ وَإِنْ خَلَتْ مِنْ مَخُوفٍ عَظِيمٍ، قَدْ تُورِثُ خَوْفًا قَوِيًّا يُسَمَّى هَمًّا. فَمَثَلاً الرَّجُلُ قَدْ تَكُونُ لَهُ خُصُومَةٌ مَعَ جَارِهِ فِي حَدِّ أَرْضَيْهِمَا وَهْوَ يَخْشَى مِنْ مَيْلِ اُلْقَاضِي عَلَيْهِ. فَهَذَا اُلْخَوْفُ لَوْ انْفَرَدَ قَدْ لاَ يُورِثُ هَمًّا. لَكِنْ لَوِ اقْتَرَنَ بِخُصُومَاتٍ أُخْرَى مَعَ إِخْوَتِهِ فِي اُلْمِيرَاثِ، وَشَرِيكِهِ فِي التِّجَارَةِ، فَهَلُمَّ جَرًّا، فَسَيَنْشَأُ هَمٌّ كَبِيرٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ اُلْهَمَّ أَوِ اُلْغَمَّ هُوَ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهَ اُلْيَوْمَ “ضَغْطَ اُلْحَيَاةِ”.  

   وَبَعْدُ فَاعْلَمْ أَوَّلاً أَنَّ الأَلَمَ النَّفْسِيَّ كَاُلْخَوْفِ هُوَ انْفِعَالٌ لِلنَّفْسِ لَهُ مُتَعَلَّقٌ يُوصَفُ بِاُلْمَخُوفِ كَخَوْفِي مِنَ الأَسَدِ : فَالأَسَدُ مَخُوفٌ. وَهَاهُنَا لاَ بُدَّ مِنَ تَفْصِيلِ أَمْرٍ ذِي بَالٍ وَهْوَ أَنَّهُ لاَ يَنْبَغِي إِطْلاَقًا أَنْ نَفْهَمَ عَلاَقَةَ الشَّيْءِ اُلْمَخُوفِ بِانْفِعَالِ اُلْخَوْفِ بِأَحَدِ هَذَيْنِ اُلْمَعْنَيَيْنِ :

أَوَّلاً، إِنَّ اُلْخَوْفَ هُوَ مَعْنًى طَبِيعِيٌّ يَسْرِي مِنَ اُلْمَخُوفِ اُلْمَوْصُوفِ بِهِ وَصْفًا طَبِيعِيًّا إِلَى النَّفْسِ فَيَحْدُثُ فِيهَا أَلَمُ اُلْخَوْفِ بِطَرِيقِ التَّأْثِيرِ، كَالنَّارِ الَّتِي تَسْرِي مِنْهَا اُلْحَرَارَةُ الطَّبِيعِيَّةُ إِلَى اُلْبَدَنِ، فَيَصِيرُ حَارًّا.

ثَانِيًا، كَلاَّ إِنَّ الشَّيْءَ فِي ذَاتِهِ لاَ يَحْمِلُ صِفَةَ اُلْمَخُوفِ، بَلْ هُوَ أَبَدًا مُتَعَلَّقٌ لِفِعْلٍ إِدْرَاكِيٍّ صِرْفٍ، وَاُلْخَوْفُ انْفِعَالٌ ذَاتِيٌّ مَحْضٌ، وَلُحُوقُ صِفَةِ اُلْمَخُوفِ بِاُلشَّيْءِ إِنَّمَا هُوَ بِعَمَلٍ حُكْمِيٍّ يُلْحِقُ اُلْمَعْنَى الذَّاتِيَّ بِاُلشَّيْءِ، فَيَظْهَرُ الشَّيْءُ بِصِفَةِ اُلْمَخُوفِ. فَمَثَلاً إِنِّي لاَقَيْتُ اُلأَسَدَ اُلْمَخُوفَ، تَفْسِيرُهُ : إِنِّي رَأَيْتُ جِسْمًا ذَا هَيْئَةٍ وَلَّدَتْ فِيَّ انْفِعَالَ اُلْخَوْفِ، فَحَمَلْتُ الانْفِعَالَ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِلْجِسْمِ اُلْمُدْرَكِ، فَظَهَرَ الأَسَدُ اُلْمَخُوفُ. وَهَذَا التَّأْوِيلُ بَعِيدٌ لِأَنَّهُ قَدْ جَعَلَ وَصْفَ الشَّيْءِ التَّابِعِ لِلْانْفِعَالِ، عَمَلاً مَنْطِقِيًّا صُورِيًّا إِرَادِيًّا. بَلِ اُلْبَيَانُ اُلْحَقُّ لِعَلاَقَةِ الانْفِعَال بِاُلْمُنْفَعِلِ مِنْهُ كَاُلْخَوْفِ بِاُلْمَخُوفِ، هُوَ أَنَّ الشَّيْءَ اُلْمَخُوفَ هُوَ مُتَعَلَّقٌ وَاحِدٌ لِفِعْلٍ مُرَكَّبٍ مِنْ فِعْلٍ وَانْفِعَالٍ، الأَوَّلُ يُعْطِي اُلْمَوْضُوعَ وَالثَّانِي يَكْسُوهُ مَعْنَى اُلْخَوْفِ. وَأَعْنِي باُلْمُتَعَلَّقِ اُلْوَاحِدِ الشَّيْءَ اُلْمَخُوفَ. فَلَيْسَ الأَمْرُ إذًا فِعْلاً يُثْبِتُ اُلْمَوْضُوعَ أَوَّلاً، ثُمَّ انْفِعَالٌ تَابِعٌ لِثُبُوتِ اُلْمَوْضُوعِ، ثُمَّ فِعْلٌ ثَالِثٌ يُلْحِقُ الانْفِعَالَ بِاُلْمَوْضُوعِ، كَصِفَةٍ. وَاُلْمَعْلُومُ اُلثَّانِي اُلْوَاجِبُ هُوَ أَنَّ الأَلَمَ النَّفْسِيَّ لَهُ مُشَابَهَةٌ بِالأَلَمِ اُلْبَدَنِيِّ فِي هَذَا اُلْمَعْنَى : وَهْوَ أَنَّهُ فِي حَقِيقَتِهِ حَالُ غَيْبَةٍ لِلنَّفْسِ عَنِ العَالَمِ بِمِقْدَارِ قُوَّتِهِ. فَإِنْ كَانَ اُلأَلَمُ عَظِيمًا غَابَتْ بِاُلْكُلِّيَةِ عَنِ اُلْوُجُودِ وَتَحَقَّقَتْ فَقَطْ بِاُلْمَعْنَى اُلْمُؤْلِمِ اُلْمُسْتَغْرِقِ لَهَا. إذًا، فَيَلْزَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ النَّفْسَ مَا لَمْ تَكُنْ صُلْبَةً، وَتَسَلَّطَ عَلَيْهَا هَمٌّ شَدِيدٌ أَوْ حَاصَرَتْهَا اُلْمَخَاوِفُ، فَسَدَّتْ عَلَيْهَا مَنَافِذَ الاطِّلاَعِ عَلَى العَالَمِ، فَإِنَّهَا عَلَى خَطَرِ أَنْ تَلْحَقَهَا هَذِهِ اُلْعِلَّةُ أَوِ الآفَةُ، وَهْيَ : أَنْ تَبْقَى مُثْبِتَةً لِلْعَالَمِ، لَكِنَّهُ عَالَمٌ هُوَ عِنْدَهَا، لَيْسَ بِوَضْعٍ مِنْهَا، بَلْ فِي نَفْسِهِ مَخُوفٌ مَرْهُوبٌ. وَإِنْ قَوِيَتِ اُلْعِلَّةُ بَطَلَ اُلْعَالَمُ وَصَارَ عَيْشُ اُلنَّفْسِ خَوْفًا مَحْضًا وَفَزَعًا صِرْفًا لاَ تَعْرِفُ لَهُ مُوجِبًا غَرِيبًا، فَتَتَوَهَّمُ أَنَّ مَحْضَ اُلْمَعِيشَةِ هُوَ خَوْفٌ صِرْفٌ أَيْ أَلَمًا صِرْفًا. وَتِلْكَ بِعَيْنِهَا مَا حَالُ اُلْمَرِيضِ اُلْمُكْتَئِبِ : فَمِنْ خَوَاصِّهِ خَوْفُهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَمِمَّا لاَ يُخَافُ مِنْهُ عَادَةً وَظَنُّهُ بِاُلنَّاسِ اُلْمَكِيدَةَ لَهُ. وَمِنْ خَوَاصِّهِ أَيْضًا أَنْ قَدْ يَصِيرُ لَهُ مَيْلٌ قَوِيٌّ لِلانْتِحَارِ، إِذْ لَيْسَ يَرَى لِلْمَعِيشَةِ مِنْ مَعْنًى لأَنَّهُ لَيْسَ لِمَحْضِ الأَلَمِ مِنْ مَعْنًى إِذِ اُلْمَعْنَى نُورٌ لاَ يَفِيضُ إِلاَّ مِنَ اُلْوُجُودِ، وَاُلْوُجُودُ عِنْدَهُ مُنْتَفٍ أَصْلاً. 

  3) بَيَانٌ لِكَيْفَ أَوْجَبَتِ الانْتَرْنَتْ فُشُوًّا وَاسِعًا لِلاكْتِئَابِ مِنْ جِهَةِ أَلَمِ اُلْخَوْفِ وَإِفْرَاطِ اُلْهَمِّ

   وَالآنَ نُرِيدُ أَنْ نُبَيِّنَ كَيْفَ أَوْجَبَتِ الانْتَرْنَتْ فُشُوًّا وَاسِعًا لِمَرَضِ الاِكْتِئَابِ بِوَاسِطَةِ أَلَمِ اُلْخَوْفِ وَإِفْرَاطِ اُُلْهَمِّ. فَإِذْ هَذِهِ الآلَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى مَالاَ يَتَنَاهَى مِنَ اُلْمَكْرُوهَاتِ، فَلَوْ فَسَّرْنَا لِمَ هِيَ تَصِيرُ مَخُوفَاتٍ لِلنَّفْسِ فَسَنَعْلَمُ اُلْمَطْلُوبَ. وَاُلْبَيَانُ عِنْدِي بِوَجْهَيْنِ :

   I) بَيَانٌ بِوَجْهٍ أَوَّلٍ

   اُلأَوَّلُ، إِنَّ اُلْمَخُوفَ فِي نَفْسِهِ إِنْ كَانَ قَدْ يُوجَدُ بِأَدْنَى سَبَبٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ مَخُوفًا لِلنَّفْسِ وَلَوْ جُهِلَ سَبَبُهُ. فَمَثَلاً قَاتِلٌ صَائِلٌ بِقَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ قَدْ تُرِكَ بِلاَ حِرَاسَةٍ فِي سِجْنٍ بَابُهُ مِنْ خَشَبٍ رَقِيقٍ. فَرُجُلٌ فِي بَيْتِهِ قَدْ يَبِيتُ خَائِفًا وَإِنْ لَمْ يَرَهُ قَدْ كَسَّرَ اُلْبَابَ وَاتَّخَذَ سِكَّةً حَيْثُ يَسْكُنُ وَتَسَوَّرَ عَلَيْهِ. وَبِاُلْعَكْسِ فَإِنَّ اُلْمَخُوفَ إِذَا تَكَرَّرَ كَثِيرًا وَانْتَشَرَ وَاسِعًا، اُسْتُدِلَّ عَلَى وُجُودِهِ بِأَدْنَى سَبَبٍ. وَإِذْ كَانَ أَدْنَى سَبَبٍ قَدْ يُوجِدُهُ، فَلُحُوقُ أَذَاهُ هُوَ أَيْضًا قَرِيبٌ يَسِيرٌ. لِذَلِكَ تَهَابُهُ النَّفْسُ وَيَصِيرُ مَخُوفَهَا. إذًا، فَالإِنْسَانُ يَطَّلِعُ بِالانْتَرْنَتْ عَلَى مَكْرُوهَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَلِكَثْرَتِهَا وَتَلَقِّيهِ إِيَّاهَا فِي صُورَةٍ وَهْمِيَّةٍ مَفْصُولَةٍ عَنْ عِلَلِهَا اُلْوَاقِعِيَّةِ الثَّقِيلَةِ فَهْوَ يَظُنُّ أَنَّهَا وَاهِيَةُ الأسْبَابِ، فَيَقِرُّ عِنْدَهُ أَنَّهُ لاَ أَمَانَ لَهُ مِنْهَا، فَتَصِيرُ كُلُّهَا مَخُوفَاتٍ لَهُ، فَيَبِيتُ عَلَى خَطَرِ اعْتِلاَلِ النَّفْسِ وَمَرَضِهَا بِالسَّوْدَاوِيَّةِ أَوِ اُلْكَآبَةِ.

   II) بَيَانٌ بِوَجْهٍ ثَانٍ

   اُلثَّانِي، لاَ شَيْءَ مِمَّا يُحِيطُ بِالإِنْسَانِ لَيْسَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُقَدِّمَةً لِأَمْرٍ مَخُوفٍ. وَقَدْ قُلْنَا لَيْسَ يَكْفِي لِصَيْرُورَةِ اُلشَّيْءِ مَكْرُوهًا ثُبُوتُ أَسْبَابِهِ فَقَطْ، بَلْ لاَ بُدَّ مِنَ اُلعِلْمِ أَيْضًا بِأَنَّ اُلأَسْبَابَ تُفْضِي عَادَةً إِلَى اُلْمَكْرُوهِ. لَكِنْ الانْتَرْنَتْ لاَ تَتْرُكَ شَيْئًا فِي اُلْعَالَمِ لاَ تَجْمَعُ لَهُ مَكْرُوهَاتٍ كَثِيرَةٍ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ وَلَوْ كَانَ لُزُومُهَا عَنْهُ فِي اُلْوَاقِعِ عَلَى اُلنَّادِرِ جِدًّا وَعَلَى زَمَنٍ وَاسِعٍ. فَيُصْبِحُ الإِنْسَانُ، لاَ مَحَالَةَ، خَوْفُهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. وَذَلِكَ أَحَدُ عَوَارِضِ الاِكْتِئَابِ. فَمَثَلاً، إِنَّهُ نَادِرٌ أَنْ يَعَضَّ كَلْبٌ طِفْلاً رَضِيعًا لِصَاحِبِ اُلْبَيْتِ. فَلَوْ أُمٌّ مُطْفِلٌ لَهَا كَلْبٌ أَلِفَهَا طَوِيلاً اطَّلَعَتْ عَلَى جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ اُلْحَوَادِثِ، لَمْ يَكُنْ حُصُولُهَا فِي اُلْوَاقِعِ إِلاَّ فِي أَمَاكِنَ مُتَنَائِيَةٍ وَفِي أَزْمِنَةٍ مُتَبَاعِدَةٍ، فَسَيَصْعَبُ جِدًّا أَلاَّ يُورِثَهَا ذَلِكَ خَوْفًا مُسْتَجِدًّا مِنْ نَفْسِ اُلْكَلْبِ الَّذِي كَانَتْ تَرْأَمُهُ سَابِقًا. بَلْ يُوجَدُ مَا هُوَ أَشَدُّ : وَهْوَ أَنَّ الانْتَرْنَتْ تَجْعَلُ أَشْيَاءَ هِيَ فِي اُلْوَاقِعِ لَيْسَتْ أَسْبَابًا لِمَخُوفَاتٍ عَظِيمَةٍ أَسْبَابًا لَهَا بِوَاسِطَةِ الاقْتِرَانِ اُلْوَهْمِيِّ اُلنَّفْسِيِّ. إِذِ اُلْمَادَّةُ اُلْحَدَثِيَّةُ اُلْمُصَوَّرَةُ، مَثَلاً، قَدْ تَكُونُ نَقْلاً عَنِ اُلْخَيَالِ، وَاُلْخَيَالُ قَدْ يُوجِدُ اِقْتِرَانَاتٍ بَيْنَ الأَشْيَاءَ لَيْسَ لَهَا ثُبُوتٌ فِي اُلْوَاقِعِ، أَصْلاً. فَإِذَا طَالَعَتْهَا النَّفْسُ بِإِدْمَانٍ صَارَ لَهَا نَوْعُ اعْتِقَادٍ بِهَا. فَمَثَلاً رَجُلٌ يَعْلَمُ أَنَّ اُلْمَيِّتَ لاَ يَضُرُّ وَإِنْ سَاكَنَهُ لاَ يَهَابُهُ. فَلَوْ أَدْمَنَ عَلَى أَفْلاَمِ اُلرُّعْبِ فَقَدْ يَسْتَجِدُّ لَهُ خَوْفٌ مَاكَانَ يَعْرِفُهُ قَطُّ. ذَاكَ بَيَانٌ لِسَبَبِيَّةِ الانْتَرْنَتْ فِي فُشُوِّ الاِكْتِئَابِ مِنْ جِهَةِ عَارِضِ التَّفَزُّعِ وَاسْتِغْرَاقِ اُلْخَوْفِ.

  4) بَيَانٌ لِكَيْفَ أَوْجَبَتِ الانْتَرْنَتْ فُشُوًّا وَاسِعًا لِلاكْتِئَابِ مِنْ جِهَةِ اِضْطِرَابِ الأَعْمَالِ وَارْتِفَاعِ اُلْقَصْدِ اُلْجَامِعِ، يَسْبِقُهُ ذِكْرٌ لِخَاصَّةٍ لَطِيفَةٍ فِي اُلصِّفَةِ اُلْمَعْنَوِيَّةِ بِالإِضَافَةِ إِلَى اُلصِّفَةِ اُلْحِسِّيَّةِ

   وَالآنَ نُبَيِّنُهَا مِنْ جِهَةِ اضْطِرَابِ اُلأَعْمَالِ وَارْتِفَاعِ القَصْدِ اُلْجَامِعِ.

   اِعْلَمْ أَنَّ اُلصِّفَةَ اُلْمَعْنَوِيَّةَ لِلإِنْسَانِ مُخَالِفَةٌ لِلصِّفَةِ اُلْحِسِّيَّةِ لِلْجِسْمِ كَاُلْحَجَرِ اُلأَبْيَضِ. فَاُلْبَيَاضُ فَحْوًى جُزْئِيٌّ لاَحِقٌ بِاُلْحَجَرِ اُلْجُزْئِيِّ لَهُ حَرَكَةٌ عَارِضَةٌ تَابِعَةٌ لِحَرَكَةِ اُلْجَوْهَرِ، وَلاَ يُقَالُ إِنَّ اُلْحَجَرَ مُتَحَرِّكٌ فِي بَيَاضِهِ. وَهْوَ أَيْضًا مُنْحَازُ اُلْحَقِيقَةِ عَنِ العَالَمِ لاَ يُؤَثِّرُ فِيهِ إِطْلاَقًا بِالإِنْشَاءِ أَوْ بِالتَّوْصِيفِ. أَمَّا اُلصِّفَةُ اُلْمَعْنَوِيَّةُ فَأَمْرٌ آخَرُ : إِذْ هِيَ وَإِنْ كَانَتْ مُلْحَقَةً بِاُلنَّفْسِ اُلْفَرْدِيَّةِ فَإِنَّهَا كُلِيَّةٌ وَلِلنَّفْسِ حَرَكَةٌ فِيهَا، وَهْيَ لَيْسَتْ فَقَطْ غَيْرَ مُجَافِيَةٍ لِلْعَالَمِ، بَلْ إِنَّ أَدَقَّ ذَرَّةٍ مِنْه لَمُشْرَبَةٌ بِالكُلِّيَّةِ مِنَ اُلصِّفَةِ. فَمَثَلاً زَيْدٌ مُسْلِمٌ مُتَحَقِّقٌ لاَ بِالاسْمِ فَقَطْ. فَأَوَّلُ اُلْفَهْمِ يَقُولُ : مَعْنَاهُ زَيْدٌ نَفْسٌ فَرْدِيَّةٌ قَدْ قَرَّتْ بِهَا تَصَوُّرَاتٌ وتَصْدِيقَاتٌ بِذَوَاتٍ كَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ اُلسّلاَمُ وَمَنْ سَبَقَهُ مِنَ أَنْبِيَاءٍ وأَصْحَابِهِ اُلْكِرَامِ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرٍ، وَبِأَحْكَامٍ كَاُلْوَاجِبَاتِ اُلدِّينِيَّةِ مِنْ صَلاَةٍ، وَبِصِفَاتٍ كَعِصْمَةِ الأَنْبِيَاءِ فَقَطْ. فَذَلِكَ عِنْدَهُ مَعْنَى وَصْفِ الإِسْلاَمِ لِزَيْدٍ. وَهْوَ صَحِيحٌ، وَلَكِنْ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ كُلَّ مَعْنَى اُلصِّفَةِ. بَلْ حَقِيقَةُ كَوْنِهِ مُسْلِمًا أَنَّ اُلْعَالَمَ فِي نَفْسِهِ إِنَّمَا خَلَقَهُ الله اُلْوَاحِدُ اُلأَحَدُ وَخَلَقَ فِيهِ اُلْمَلاَئِكَةَ وَبَعَثَ اُلأَنْبِيَاءَ وَاُلرُّسُلَ تَتْرَى، وَهْوَ فِي نَفْسِهِ قَدْ أُرْسِلَ فِيهِ خَاتَمُ اُلرُّسُلِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ اُلسَّلاَمُ وَأَتَاهُ جِبْرَائِيلُ بِاُلْوَحْيِ وَنَزَّلَ عَلَيْهِ اُلْقُرْآنَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. عَلَى مَعْنَى أَنَّ اتِّصَافَ زَيْدٍ بِالإِسْلاَمِ لَيْسَ كَاتِّصَافِهِ بِاُلْبَيَاضِ مَثَلاً، بَلْ هُوَ انْتِشَاءٌ لِنَفْسِ العَالَمِ وَتَخَلُّقُهُ بِالصُّوَرِ اُلْمَذْكُورَةِ. ثُمَّ إِنَّ الإِنْسَانَ جَوْهَرٌ مُتَحَرِّكٌ فِي اُلْعَالَمِ لأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِيهِ وَأَعْمَالُهُ وَأَفْعَالُهُ إِنَّمَا هِيَ حَرَكَاتٌ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ اُلْحَرَكَةَ اُلْوَاحِدَةَ مُرَكَّبَةٌ مِنْ أَجْزَاءِ حَرَكَةٍ وَأَنَّ صُورَتَهَا تَابِعَةٌ لِصُورَةِ مَحَلِّ اُلْحَرَكَةِ. فَمَثَلاً حَرَكَةُ نَمْلَةٍ فِي أُنْبُوبٍ زُجَاجِيٍّ مُشِفٍّ، مِنْ نُقْطَةٍ حَتَّى تَعُودَ إِلَيْهَا، هِيَ حَرَكَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ حَرَكَاتٍ جُزْئِيَّةٍ عَلَى أَقْوَاسٍ، وَكُلُّهَا إِنَّمَا هِيَ حَرَكَةٌ دَائِرِيَّةٌ تَابِعَةٌ لِدَائِرِيَّةِ اُلأُنْبُوبِ. [انظر الرَّسْمَ] :

لِذَلِكَ فَإِنْ كَانَ لِمَحَلِّ اُلْحَرَكَةِ صُورَةٌ وَمَعْنًى، كَانَتْ لِجُمْلَةِ اُلْحَرَكَةِ أَيْضًا صُورَةٌ وَمَعْنًى، وَإِنْ فَقَدَهُمَا عَادَتْ حَرَكَةُ اُلْمُتَحَرِّكِ مُضْطَرِبَةً مُنْقَطِعَةً عَارِيَةً مِنَ اُلْوِحْدَةِ. كَذَلِكَ فَحَرَكَةُ الإِنْسَانِ فِي اُلْعَالَمِ الَّتِي هِيَ جُمْلَةُ أَعْمَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، إِنْ كَانَ اُلْعَالَمُ ذَا صُورَةٍ وَمَعْنًى، هِيَ حَرَكَةٌ ذَاتُ مَعْنًى وَنِظَامٍ. وَإِنْ فَقَدَهُمَا صَارَتْ مُضْطَرِبَةً مُنْقَطِعَةً. وَقَدْ قُلْنَا إِنَّ الانْتَرْنَتْ قَدْ فَسَخَتِ اُلصِّفَةَ، فَانْفَسَخَتْ مِنَ اُلْعَالَمِ، فَاُلْعَالَمُ بِلاَ مَعْنًى، فَحَرَكَةُ الإِنْسَانِ تَابِعَةٌ لِمَحَلِّ بِلاَ صُورَةٍ، فَهْيِ بِلاَ صُورَةٍ. وَذَلِكَ بِعَيْنِهِ اضْطِرَابُهَا وَانْقِطَاعُهَا الَّذِي هُوَ مِنْ عَوَارِضِ اُلْكَآبَةِ الفَاشِيَةِ اليَوْمَ.

  5) بَيَانٌ لِكَيْفَ أَوْجَبَتِ الانْتَرْنَتْ فُشُوًّا وَاسِعًا لِلاكْتِئَابِ مِنْ جِهَةِ عَارِضِ اُلْخُمُولِ وَكَثْرَةِ اُلنَّوْمِ

   وَانْقِطَاعُ اُلْوِحْدَةِ مِنَ اُلْحَرَكَةِ الإِنْسَانِيَّةِ بِسَبَبِ انْفِسَاخِ اُلصِّفَةِ مِنَ اُلْعَالَمِ هُوَ مَا بِهِ يُفْهَمُ أَيْضًا شُيُوعُ اُلاكْتِئَابِ مِنْ جِهَةِ عَارِضِ اُلْخُمُولِ وَكَثْرَةِ اُلنَّوْمِ. وَذَلِكَ أَنَّ الأَجْزَاءَ إِذَا اجْتَمَعَتْ فِي كُلٍّ، فَاُلْكُلُّ هُوَ مَعْنًى زَائِدٌ عَلَى مَحْضِ الأَجْزَاءِ وَهْوَ حَاكِمٌ عَلَيْهَا بِأَسْرِهَا : فَمَثَلاً اُلْمَائِدَةُ هِيَ كُلٌّ مُرَكَّبٌ مِنْ أَرْبَعَةِ أَرْجُلٍ وَخَشَبَةٍ دَائِرِيَّةٍ. فَبَيِّنٌ أَنَّ صُورَةَ اُلْمَائِدَةِ لَيْسَتْ بِأَحَدِ اُلأَرْجُلِ وَلاَ نَفْسَ اُلْخَشَبَةِ. إِذًا، فَهْيَ مَعْنًى زَائِدٌ عَلَيْهَا. كَذَلِكَ فَإِنَّ كُلَّ جُزْءٍ، فَلِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي كُلٍّ هُوَ مَائِدَةٌ، فَإِنَّ حُكْمَهُ تَابِعٌ لِحُكْمِ اُلصُّورَةِ وَلَيْسَ بِمُنْفَصِلٍ عَنِ اعْتِبَارِ اُلْخَارِجِ. إِذِ الرِّجْلُ مَثَلاً هِيَ نَاظِرَةٌ لِلصُّورَةِ وَلِلْخَشَبَةِ وَلِبَقِيَّةِ الأَرْجُلِ، فَيَلْزَمُ أَنَّهَا تَقُومُ مِنْهَا بِمَوْضِعٍ دُونَ غَيْرِهِ. أَمَّا لَوْ غَابَتِ اُلْوِحْدَةُ فَاُلْجُزْءُ لاَمَحَالَةَ لَنْ يَبْقَى لَهُ نَظَرٌ إِلَى اُلْخَارِجِ أَوِ اِعْتِبَارٌ لِلْغَيْرِ، وَهْوَ بِعَيْنِهِ رُكُونُه إِلَى نَفْسِهِ وَتَهَالُكُهُ عَلَيْهَا. كَذَلِكَ الأَعْمَالُ اُلإِنْسَانِيَّةُ لَمَّا عَرِيَتْ مِنَ اُلْوِحْدَةِ بِسَبَبِ انْفِسَاخِ اُلْعَالَمِ، صَارَتْ أَجْزَاءً مُتَهَالِكَةً عَلَى نَفْسِهَا. وَذَلِكَ بِعَيْنِهِ كَوْنُ اُلإِنْسَانِ خَامِلاً كَثِيرَ اُلنَّوْمِ. 

 ب) ذِكْرٌ لآفَاتٍ نَفْسِيَّةٍ أُخْرَى لاَزِمَةٍ مِنَ الانْتَرْنَتْ بِوَاسِطَةِ بَعْضِ مُوجَبَاتِهَا اُلْمُبَيَّنَةِ آنِفًا، وَهْيَ : تَدَاخُلُ الأَمْكِنَةِ، وَ صَيْرُورَةُ حَوَادِثِ كُلِّ مَكَانٍ مَكَانٍ حَوَادِثَ لِلْمَكَانِ اُلْوَاحِدِ، وَ صَيْرُورَةُ اُلأَشْيَاءِ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ مُنْكَشِفًا بَعْضُهَا لِبَعْضٍ، وَ اُلتُّخْمَةُ اُلْحَدَثِيَّةُ

   والنَّفْسُ اليَوْمَ إِنْ سَلِمَتْ مِنَ الاكْتِئَابِ اُلْمَرَضِيِّ فَقَلَّمَا تَسْلَمُ مِنْ آفَاتٍ أُخْرَى، كَاُلْهَمِّ وَاُلْقَلَقِ وَاُلْحَيْرَةِ وَاُلضِّيقِ وَعَدَمِ الطُّمَأْنِينَةِ، إِلَى غَيْرِهِ. وَأَنْتَ تَعْلَمُ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ اُلسَّبَبَ اُلْبِعِيدَ لَهَا كُلِّهَا إِنَّمَا هُوَ اِنْفِسَاخُ اُلصِّفَةِ. لَكِنْ لَوْ رَدَدْنَاهَا إِلَى أَسْبَابِهَا اُلْقَرِيبَةِ اُللاَّزِمَةِ مِنْ آلَةِ الانْتَرْنَتْ جَازَ أَنْ نُورِدَ مِنْهَا هَذِهِ :

  1) آفَاتٌ لاَزِمَةٌ مِنْ تَدَاخُلِ الأَمْكِنَةِ

   I) خَوَاصُّ الأَمْكِنَةِ إِذَا كَانَتْ مُتَبَايِنَةً وَمَا قَدْ يَتْبَعُهَا إِذَا صَارَتْ مُتَدَاخِلَةً

   أَوَّلاً : تَدَاخُلُ اُلأَمْكِنَةِ، إِذِ اُلْمَكَانُ مِنْهُ اُلْبَيْتُ وَاُلطَّرِيقُ وَاُلسُّوقُ وَاُلْمَلْعَبُ وَالشَّاطِئُ وَاُلْمَاخُورُ وَاُلْمَقْهَى وَاُلنُّزْلُ وَاُلْمَدْرَسَةُ وَرَوْضُ الأَطْفَالِ وَاُلْمَسْجِدُ وَاُلْبِقَاعُ اُلْمُقَدَّسَةُ. وَمِنْهُ حَيُّ اُلْكَرَّادَةَ بِبَغْدَادَ وَاُلشَّانْزِيلِزِيّ بِبَارِيسَ وَحَيٌّ قَدْ ضَمَّ أَخْلاَطًا مِنَ اُلسُّفَهَاءِ وَشُذَّاذِ آفَاقٍ وَحَيٌّ قَدْ ضَمَّ أَهْلَ أَصْلٍ وَشَرَفٍ، فَهَلُمَّ جَرًّا. فَإِنْ كَانَتِ اُلأَمْكِنَةُ مُتَبَايِنَةً صَحَّ إِذًا أَنْ لَيْسَ خَوَاصُّ كُلِّ مَكَانٍ خَوَاصَّ لِكُلِّ مَكَانٍ : فَمِنْ خَوَاصِّ اُلْبَيْتِ مَثَلاً أَنَّهُ مَوْضِعُ اُلْحِشْمَةِ وَالأَدَبِ، فَالأَبُ فِيهِ يَأْنَفُ مِنَ الاسْتِرْسَالِ فِي سَفَاهَةٍ أَوْ فُحْشٍ. وَالأَوْلاَدُ يَتَحَرَّجُونَ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَهُمْ عَرْبَدَةٌ أَوْ تَهَتُّكٌ قَدْ يُشْرِفُ عَلَيْهَا أَحَدُ اُلْوَالِدَيْنِ. وَمِنْ خَوَاصِّ الطَّرِيقِ أَوِ اُلسُّوقِ أَوِ اُلْمَقْهَى أَوِ اُلْمَلْعَبِ أَنَّهُ فِيهَا يُقْبَلُ عَلَى أَعْمَالٍ قَدْ يَأْبَاهَا اُلْمَرْءُ فِي بَيْتِهِ كَالتَّلَفُّظِ بِاُلْكَلاَمِ اُلْبَذِيئِ أَوْ رِوَايَةِ النِّكَاتِ اُلسَّخِيفَةِ أَوِ اُلتَّدْخِينِ لِلْمُرَاهِقِينِ وَاُلشَّبَابِ أَوْ تَعَرُّضِهِمْ لِلنِّسْوَةِ وَاُلْفَتَيَاتِ. وَمِنْ خَوَاصِّ اُلْمَاخُورِ أَنَّهُ مَجْمَعُ اُلفُسَّاقِ اُلْمُجَّانِ تُعْمَلُ فِيهِ اُلْمُوبِقَاتُ مِنْ زِنَا وَشُرْبِ خَمْرَةٍ. فَهْوَ مَوْضِعُ اُلرِّجْسِ وَاُلْقَذَارَةِ وَاُلدَّنَسِ، بِإِطْلاَقٍ. وَمِنْ خَوَاصِّ اُلْمَسْجِدِ أَنَّهُ مَوْضِعُ الطَّهَارَةِ وَاُلْعِبَادَةِ. وَمِنْ خَوَاصِّ اُلْبِقَاعِ اُلْمُقَدَّسَةِ أَنَّهَا مَوْضِعُ اُلتَّقْدِيسِ اُلْكَبِيرِ وَاُلْحُرْمَةِ اُلْعَظِيمَةِ الَّتِي لاَ تَقْبَلُ إِلاَّ النَّقِيَّ اُلْعَلِيَّ وَالَّتِي لاَ يَجُوزُ فِيهَا مَا قَدْ يَجُوزُ فِي سَائِرِ اُلْمَسَاجِدِ، فَضْلاً عَنِ الأَمْكِنَةِ اُلأُخْرَى وَالَّتِي مَنْ دَخَلَهَا كَانَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا مُعَافًا فِي بَدَنِهِ وَعِرْضِهِ وَمَالِهِ. وَمِنْ خَوَاصِّ رَوْضِ اُلأَطْفَالِ أَنَّهُ مَكَانُ اُلْبَرَاءَةِ وَاُلْغَرَارَةِ حَيْثُ أَسْمَاعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ لاَ تَقَعُ إِلاَّ عَلَى مَا يُلاَئِمُ نُفُوسَهُمُ اُلْغَضَّةَ مِنْ صُورَةٍ أَوْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ شَأْنُهَا أَنْ تُعِينَ مِنْهُمْ نَشْأَتَهُمُ اُلنَّفْسِيَّةَ وَاُلْعَقْلِيَّةَ وَاُلْبَدَنِيَّةَ. وَمِنْ خَوَاصِّ حَيٍّ يَسْكُنُهُ أَخْلاَطٌ وَشُذَّاذُ آفَاقٍ أَنَّهُ كَثِيرُ الآفَاتِ : كَاُلْوَسَاخَةِ وَاُلضَّجِيجِ وَالسَّرِقَةِ وَشُيُوعِ اُلْمُنْكَرَاتِ وَاُلْمُجَاهَرَةِ بِهَا. وَمِنْ خَوَاصِّ حَيٍّ يَسْكُنُهُ أَهْلُ الأَصْلِ أَنَّهُ قَلِيلُ الآفَاتِ.   

إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.

قُلْنَا إِذًا : إِنْ كَانَتِ اُلأَمَاكِنُ مُتَبَايِنَةً، فَلَيْسَ خَوَاصُّ كُلِّ مَكَانٍ خَوَاصَّ لِكُلِّ مَكَانٍ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ اُلْمُبَايَنَةَ اُلْمَحْسُوسَةَ بَيْنَهُمَا تَتْبَعُهَا مُبَايَنَةٌ بَيْنَ خَوَاصِّهِمَا. لَكِنْ، كَمَا ذَكَرْنَا سَلَفًا بِسَبَبِ الانْتَرْنَتْ صَارَتْ اُلْمُبَايَنَةُ اُلْحِسِّيَّةُ غَيْرَ مَانِعَةٍ لِعَدَمِ تَوَاطُئِ الأَمَاكِنِ وَتَدَاخُلِهَا. لِذَلِكَ اليَوْمَ اخْتَلَفَتِ اُلْقَاعِدَةُ وَأَصْبَحَ اُلْجَزْمُ اُلْوَاجِبُ هُوَ كُلُّ مَكَانٍ وَإِنْ بَايَنَهُ أَيُّ مَكَانٍ آخَرَ، فَإِنَّ خَوَاصَّ اُلْمَكَانِ الآخَرِ، إِجْمَالاً، هِيَ خَوَاصُّ لَهُ أَيْضًا. فَيَلْزَمُ إِذًا، أَنَّ اُلشَّنْزِيلِيزِيِّ إِذْ دَاخَلَهُ حَيُّ اُلْكَرَّادَةِ فَقَدْ صَارَ لَهُ مِنْ خَوَاصِّهِ نَصِيبٌ مِنْ غِيلَةٍ وَتَفْجِيرٍ. وَاُلْبَيْتُ إِذْ دَاخَلَهُ اُلْمَاخُورُ فَقَدْ صَارَ لَهُ مِنْ خَوَاصِّهِ نَصِيبٌ. وَاُلْمَدْرَسَةُ إِذْ دَاخَلَهَا اُلْمَلْعِبُ فَقَدْ صَارَ لَهَا مِنْ خَوَاصِّهِ نَصِيبٌ مِنْ هَرَجٍ وَفُحْشِ كَلاَمٍ وَنَهِيقٍ. وَاُلْبِقَاعُ اُلْمُقَدَّسَةُ إِذْ دَاخَلَهَا اُلْمَكَانُ اُلْعَامِيُّ فَقَدْ صَارَ لَهَا مِنْ خَوَاصِّهِ نَصِيبٌ. وَحَيُّ أَهْلِ الأَصْلِ إِذْ دَاخَلَهُ حَيُّ اُلأَخْلاَطِ فَقَدْ صَارَ لَهُ مِنْ خَوَاصِّهِ نَصِيبٌ مِنْ عَرْبَدَةٍ وَسَرِقَةٍ وَوَسَاخَةٍ. وَرَوْضُ الأَطْفَالِ أَوْ عَالَمُ اُلصَّغِيرِ، إِجْمَالاً، إِذْ دَاخَلَهُ عَالَمُ اُلْكَبِيرِ فَلَيْسَ، خِلاَفًا لِلْمُنْتَظَرِ مِنَ السِّيَاقِ، فَقَدْ صَارَ لَهُ مِنْ خَوَاصِّهِ نَصِيبٌ، فَذَلِكَ قَدْ يَبْدُو مَمْدُوحًا، بَلْ أَمْرٌ آخَرُ سَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.

   II) تَنْبِيهٌ مُجْمَلٌ عَلَى أَنَّهُ لِصُورَةِ اُلْمَكَانِ وَلِهَيْئَتِهِ أَثَرٌ فِي أَحْوَالِ النَّفْسِِ، وَسَرْدٌ مِنْهَا لِلأَحْوَالِ اُلْمَحْمُودَةِ اُلْكُبْرَى، وَهْيَ : اُلأَمْنُ وَاُلطُّمَأْنِينَةُ، وَالرِّضَا وَاُلْقَنَاعَةُ، وَاُلأَمَلُ وَاُلرَّجَاءُ.  

   لَكِنَّ الإِنْسَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ تَعْرِضَ لَهُ إِمَّا أَحْوَالٌ نَفْسِيَّةٌ مَحْمُودَةٌ أَوْ أَحْوَالٌ مَذْمُومَةٌ مُضَادَّةٌ لِلأُولَى. وَلَوْ دُقِّقَ لَأُلْفِيَ أَنَّ لِصُورَةِ اُلْمَكَانِ وَنِظَامِهِ حُكْمًا فِي نَوْعِ الأَحْوَالِ اُلنَّاشِئَةِ وَفِي تَرْتِيبِهَا أَوْ تَعَاقُبِهَا. فَمِن اُلأَحْوَالِ اُلْمَحْمُودَةِ : اُلأَمْنُ، وَهْوَ شُعُورُ اُلنَّفْسِ بِأَنَّ اُلسُّوءَ لَيْسَ بِقَرِيبٍ مِنْهَا. وَاُلطُّمَأْنِينَةُ، وَهْيَ سُكُونُ اُلنَّفْسِ وَرَاحَتِهَا. وَالرِّضَا وَاُلْقَنَاعَةُ، وَهْوَ سُكُونُ اُلنَّفْسِ وَطُمَأْنِينَتُهَا بِاُلْمَوْجُودِ. وَاُلأَمَلُ وَاُلرَّجُاءُ، وَهْوَ اِرْتِيَاحٌ لِلنَّفْسِ مُتَوَلِّدٌ مِنْ مَعْرِفَتِهَا، إِمَّا بِأَنَّ اُلسُّوءَ اُلْحَاصِلَ لَيْسَ هُوَ اُلنِّهَايَةَ، بَلْ إِنَّ وَرَاءَهُ جِهَاتٍ مِنَ اُلْفَرَجِ مُمْكِنَةً، وَإِمَّا بِأَنَّ اُلاسْتِعْدَادَ اُلثَّابِتَ لَيْسَ لَهُ عَائِقٌ قَاهِرٌ مَانِعًا عَنْ بُلُوغِ غَايَتِهِ أَوْ تَحْصِيلِ كَمَالِهِ.

    α) فِي أَصْنَافِ الأَمْنِ الثَّلاَثَةِ، وَفِي مَا هُوَ شَرْطُهَا جَمِيعًا، وَفِي كَيْفَ أَنَّ الانْتَرْنَتْ بِوَاسِطَةِ تَدَاخُلِ الأَمْكِنَةِ هِيَ نَاقِضَةٌ لِلشَّرْطِ مُوجِبَةٌ لأَصْنَافِ ثَلاَثَةِ مِنَ اُلْخَوْفِ مُضَادَّاتٍ لأَصْنَافِ الأَمْنِ الثَّلاَثَةِ

   أَمَّا أَوَّلاً، فَاُلْمَرْءُ أَمْنُهُ فِي ثَلاَثَةٍ : فِي اُلْبَدَنِ وَالأَهْلِ وَاُلْوَطَنِ، وَفِي اُلْعِرْضِ وَاُلدِّينِ، وَفِي اُلْمَالِ وَاُلْقُنْيَةِ. وَشَرْطُ اُلأَمْنِ فِيهَا جَمِيعًا أَنْ تَكُونَ أَمْكِنَةُ اُلْحَرْبِ وَاُلْعُدْوَانِ وَاُلْخَلاَعَةِ وَاُلْفُجُورِ وَالزَّنْدَقَةِ وَاُلسَّرِقَةِ وَالسَّلْبِ مُبَايِنَةً لِمَكَانِ اُلْحُضُورِ وَالإِقَامَةِ وَاُلْمَعِيشَةِ. فَمَثَلاً اِعْتَادَ مِسُّيو رُوبَارْ عَلَى اُلنُّزْهَةِ فِي الشِّنْزِيلِيزِي مَعَ ابْنٍ لَهُ وَزَوْجِهِ آمِنًا نَاعِمَ البَالِ مَسَاءَ كُلِّ سَبْتٍ. إِذًا، فَأَمْنُهُ لَيْسَ بِسَبَبِ أَنَّ سَيْرَهُ فِي اُلشَّنْزِيلِيزِي،  بَلْ بِسَبَبِ أَنَّ حَيَّ اُلكَرَّادَةَ هُوَ هُنَالِكَ وَأَنَّهُ تَفْصِلُهُ عَنْهُ آلاَفُ اُلْكِيلُومِتْرَاتِ. كَذَلِكَ إِنَّ زَيْدًا اُلْمُقِيمَ بِحَيِّ أَهْلِ الأَصْلِ وَاُلشَّرَفِ هُوَ آمِنٌ عَلَى سَيَّارَتِهِ وَأَثَاثِ بَيْتِهِ وَلَمْ يَكُنْ يَحْتَاطُ لَهُمَا الاحْتِيَاطَ اُلْكَبِيرَ إِنَّمَا بِسَبَبِ أَنَّ حَيَّ اُلأَخْلاَطِ وَالأُشَابَةِ اُلْمُسَمَّى بِـ”بَغِّي بَغِّي” هُوَ هُنَالِكَ وَأَنَّهُ تَفْصِلُهُ عَنْهُ عَشَرَاتُ اُلْكِيلُومِتْرَاتِ. وَأَيْضًا إِنَّ عَمْرًوا اُلْغَيُّورَ وَاُلْحَرِيصَ جِدًّا عَلَى أَنْ يَنْشَأَ أَوْلاَدُهُ عَلَى الاسْتِقَامَةِ وَاُلْعِفَّةِ وَنَقَاوَةِ اُللِّسَانِ هُوَ آمِنٌ عَلَيْهِمْ فِي هَذَا اُلْمَعْنَى إِنَّمَا بِسَبَبِ أَنَّ اُلْمَلْعِبَ هُوَ هُنَالِكَ وَاُلْمَقْهَى هُوَ هُنَالِكَ وَاُلْمَاخُورَ هُوَ هُنَالِكَ. وَاُلْحَارِثُ اُلْمُتَدَيِّنُ اُلْمُتَمَسِّكُ بِاُلْكِتَابِ وَاُلسُنَّةِ وَمَنْهَجِ اُلسَّلَفِ اُلصَّالِحِ هُوَ آمِنٌ عَلَى دِينِهِ وَمِلَّتِهِ إِنَّمَا بِسَبَبِ أَنَّ كَنِيسَةَ كَذَا هِيَ هُنَالِكَ، وَحُسَيْنِيَّةَ كَذَا هِيَ هُنَالِكَ، وَسَعْدَاوِيَّةَ كَذَا هِيَ هُنَالِكَ. فَهَلُمَّ جَرًّا. إِذًا، فَلِتَدَاخُلِ الأَمْكِنَةِ، بِسَبَبِ الانْتَرْنَتْ انْتَقَضَ اُلشَّرْطُ اُلْمَذْكُورُ وَصَارَتْ حَالُ اُلْمَرْءِ اُلسَّائِرِ فِي اُلشَّنْزِيلِيزِي شَبِيهَةً بِحَالِهِ لَوْ كَانَ مُقِيمًا بِحَيِّ اُلْكَرَّادَةِ، وَحَالُ اُلْمُقِيمِ بِحَيِّ أَهْلِ اُلأَصْلِ شَبِيهَةً بِحَالِهِ لَوْ كَانَ مُقِيمًا فِي حَيِّ “بَغِّي بَغِّي” وَحَالُ مَنْ أَوْلاَدُهُ مَحْفُوظُونُ فِي اُلْبَيْتِ شَبِيهَةً بِحَالِهِ لَوْ كَانَ أَوْلاَدُهُ يَرُودُونَ مَوَاضِعَ اُلْمُجُونِ وَاُلْخَلاَعَةِ، وَحَالُ اُلسَّلَفِيِّ اُلْمُتَدَيِّنِ وَهْوَ فِي اُلْمَسْجِدِ اَلنَّبَوِيِّ شَبِيهَةً بِحَالِهِ لَوْ كَانَ فِي كَنِيسَةِ كَذَا أَوْ حُسَيْنِيَّةِ كَذَا أَوْ بِجِوَارِ سَعْدَاوِيَّةِ كَذَا، أَعْنِي اُلْخَوْفَ وَاُلْخَشْيَةَ وَاُلْفَرَقَ. فَلاَ أَمْنَ لِلْبَدَنِ حَيْثُمَا كَانَ، وَلاَ أَمْنَ لِلْعِرْضِ وَاُلدِّينِ حَيْثُمَا كَانَا، وَلاَ أَمْنَ لِلْمَالِ وَاُلْقُنْيَةِ حَيْثُمَا كَانَا.

    β) فِي تَفْصِيلِ مْعْنًى زَائِدٍ لِلطُّمَأْنِينَةِ عَلَى مَعْنَى اُلأَمْنِ، وَاُلْقَوْلُ كَيْفَ أَنَّ هَذِهِ اُلْحَالَ بِسَبَبِ تَدَاخُلِ الأَمْكِنَةِ هِيَ مُرْتَفِعَةٌ أَيْضًا، لِيَثْبُتَ مُضَادُّهَا، اُلْحَيْرَةُ وَاُلْقَلَقُ

   وَاُلثَّانِي، اُلطُّمَأْنِينَةُ : وَهْيَ تَشْتَمِلُ عَلَى اُلأَمْنِ وَلَهَا مَعْنًى زَائِدٌ. إِذْ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ اُلأَمْنُ. لَكِنَّهُ أَمْنٌ لَيْسَ بِمَعْنَى عَدَمِ قُرْبِ السُّوءِ، بِمُجَرَّدِهِ، لأَنَّ عَدَمَ قُرْبِهِ لاَ يَرْفَعُ عِنْدَ اُلنَّفْسِ اِحْتِمَالَ وُقُوعِهِ. بَلْ إِنَّ طُمَأْنِينَةَ اُلأَمْنِ هِيَ سُكُونُ اُلنَّفْسِ إِلَى أَنَّهَا فِي صَوْنٍ تَامٍّ مِنَ اُلْمَخُوفِ، كَكَوْنِ الإِنْسَانِ فِي اُلْبِقَاعِ اُلْمُقَدَّسَةِ، فَهْوَ فِي حِرْزٍ مِنْ سَيِّئَاتٍ كَثِيرَةٍ قَدْ يَأْمَنُ بَعْضَهَا فِي اُلْمَكَانِ اُلْعَامِيِّ أَمْنًا لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَبْلُغَ طُمَأْنِينَةَ الأَرْضِ اُلْمُقَدَّسَةِ. وَمِنَ اُلْمَعَانِي اُلزَّائِدَةِ لِلطُّمَأْنِينَةِ اِرْتِيَاحُ اُلنَّفْسِ وَسُكُونُهَا لِفِعْلِهَا أَوْقَوْلِهَا أَوْعَقِيدَتِهَا. فَزَيْدٌ، مَثَلاً، هُوَ مُؤْمِنٌ بِالإِسْلاَمِ، وَمَعْنَى الإِيمَانِ أَنِّي مُقِيمٌ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ وَرَاءَهُ مِنْ مَطْلُوبٍ أَلْبَتَّةَ. وَإِذْ لاَ طَلَبَ، فَلاَ حَرَكَةَ، وَاللاَّحَرَكَةَ هُوَ عَيْنُ اُلسُّكُونِ وَاُلطُّمَأْنِينَةِ. إِذًا، فَزَيْدٌ مُطْمَئِنُّ اُلْعَقِيدَةِ، وَكَذَا فِي سَائِرِ اُلأَشْيَاءِ. لَكِنْ مِنَ اُلْبَيِّنِ أَنَّهُ بِتَدَاخُلِ اُلأَمْكِنَةِ، بِسَبَبِ الانْتَرْنَتْ فَقَدْ صَارَ كَمَا أَسْلَفْنَا مَثَلاً لِلْمَكَانِ اُلْمُقَدَّسِ خَوَاصُّ مِنَ اُلْمَكَانِ اُلْعَامِيِّ. وَقَدْ صَارَ مَكَانُ اُلْقَوْلِ أَوِ الاعْتِقَادِ الأَصْلِيِّ مَكَانًا أَيْضًا لِلأَقْوَالِ وَاُلْعَقَائِدِ اُلأُخْرَى اُلْمُعَانِدَةِ اُلْمُضَادَّةِ. إِذًا فَلاَ طُمَأْنِينَةَ أَلْبَتَّةَ، بَلْ قَلَقٌ وَحَيْرَةٌ دَائِمَانِ.

   III) تَعْرِيفُ اُلْقَنَاعَةِ وَالرِّضَا، وَبِمَا يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ، وَذِكْرُ الأَصْلَيْنِ الَّذَيْنِ بِهِمَا يَصِحَّانِ لِلنَّفْسِ وَأَنَّهُمَا، أَيِ اُلْقَنَاعَةَ وَالرِّضَا قَيْدَانِ إِنْ خَلَتْ مِنْهُمَا اُلنَّفْسُ وَجَبَ لَهَا اُلْمَعْنَيَانِ اُلْمُضَادَّانِ اُلْمُؤْلِمَانِ، وَهُمَا اُلْحَسْرَةُ وَاُلسُّخْطُ

   وَاُلثَّالِثُ، اُلرِّضَا وَاُلْقَنَاعَةُ : وَقَدْ جَمَعْنَاهُمَا فِي تَعْرِيفٍ وَاحِدٍ مُجْمَلٍ وَهْوَ اِرْتِيَاحُ اُلنَّفْسِ بِاُلْمَوْجُودِ. أَمَّا إِذَا فَصَّلْنَا، فَنَقُولُ : إِنَّ اُلْقَنَاعَةَ هِيَ خُلُوُّ النَّفْسِ مِنْ إِرَادَةٍ تَطْلُبُ مَا فَوْقَ اُلْمَوْجُودِ، فَمَثَلاً زَيْدٌ لَهُ دَرَّاجَةٌ مُطْلَقَةٌ تَكْفِيهِ لِتَنَقُّلِهِ اُلضَّرُورِيِّ، وَهْوَ أَيْضًا نَفْسُهُ لاَ تَطْمَحُ أَلْبَتَّةَ لأَنْ يَكُونَ لَهَا دَرَّاجَةٌ بُخَارِيَّةٌ أَوْ سَيَّارَةٌ كَجَارِهِ. أَوْ هِيَ، أَيِ اُلْقَنَاعَةَ اِرْتِيَاحُ اُلنَّفْسِ لِمَوْجُودٍ هُوَ أَدْنَى مِنَ اُلْمَطْلُوبِ الأَوَّلِ. فَمَثَلاً زَيْدٌ كَانَ أَبُوهُ قَدْ وَعَدَهُ دَرَّاجَةً نَارِيَّةً وَلَمْ يَكُنْ وَفَاؤُهُ إِلاَّ بِدَرَّاجَةٍ مُطْلَقَةٍ لِعُسْرَةٍ. لَكِنَّ زَيْدًا لَمْ يَأْسَ لِذَلِكَ إِطْلاَقًا، بَلِ اِرْتَاحَ بِاُلْمَوْجُودِ كَاِرْتِيَاحِهِ بِاُلْمَوْعُودِ. أَمَّا اُلرِّضَا فَأَعَمُّ مِنَ اُلْقَنَاعَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ اُلأَخِيرَةَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ تَعَلُّقُهَا إِنَّمَا بِاُلْقُنْيَةِ وَاُلْمَكْسُوبِ. أَمَّا الأَوَّلُ، فَيَزِيدُ عَلَيْهَا بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَيْضًا اِرْتِيَاحُ اُلْمَرْءِ إِنَّمَا لِصِفَاتٍ أَوْخِصَالٍ أَوْ أَفْعَالٍ بِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ. فَمَثَلاً زَيْدٌ يَعْرِجُ، وَهْوَ رَاضٍ بِذَلِكَ. أَوْ زَيْدٌ زَوْجُهُ الصَّالِحَةُ ذَاتُ قُبْحٍ بَيِّنٍ، وَهْوَ رَاضٍ بِذَلِكَ. ثُمَّ لِتَعْلِمْ أَنَّ هَاتَيْنِ اُلْحَالَيْنِ هُمَا تَابِعَانِ لِصِفَتَيْنِ نَفْسِيَّتَيْنِ مُكْتَسَبَتَيْنِ يُقَالُ لَهُمَا أَيْضًا، اُلرِّضَا وَاُلْقَنَاعَةُ. وَهُمَا مُكْتَسَبَتَانِ لأَنَّهُمَا قَيْدَانِ مَعْنَوِيَّانِ زَائِدَانِ عَلَى اُلطَّبِيعَةِ مُقَيِّدَانِ لَهَا. عَلَى مَعْنَى أَنَّهُمَا صِفَتَانِ خُلُقِيَّتَانِ لاَ يَصِحَّانِ إِلاَّ بِاُلْعَمَلِ وَاُلتَّهْذِيبِ وَاُلتَّعْلِيمِ، وَلاَ يُؤَثِّرَانِ إِلاَّ بِإِرَادَةٍ وَعَزِيمَةٍ وَصَبْرٍ. أَمَّا اُلنَّفْسُ اُلطَّبِيعِيَّةُ اُلْمُجَرَّدَةُ فَهْيَ نُزُوعٌ ذَاتِيٌّ وَحِرْصٌ مَحْضٌ عَلَى مَا يَتَعَدَّى أَبَدًا اُلْمَوْجُودَ. لِذَلِكَ فَإِنَّ اُلنَّفْسَ بِقَدْرِ مَا تَخْلُو مِنَ اُلْمَعْنَى اُلْمَذْكُورِ، تَسَلَّطَ عَلَيْهَا اُلْمَعْنَى اُلْمُضَادُّ اُلْمُؤْلِمُ وَهْوَ اُلأَسَفُ وَاُلْحَسْرَةُ وَاُلسُّخْطُ. وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ نُجْمِلَ هَذِهِ فِي تَعْرِيفٍ وَاحِدٍ بِاُلْقَوْلِ : إِنَّهَا أَلَمٌ نَفْسِيٌّ مُتَوَلِّدٌ مِنْ إِدْرَاكِ اُلذَّاتِ لِقُصُورِ اُلْمَوْجُودِ عَنِ اُلْمَطْلُوبِ الأَصْلِيِّ اُلْمَرْغُوبِ فِيهِ بِحِرْصٍ. فَمَثَلاً زَيْدٌ نَالَ دَرَّاجَةً، وَحِرْصُهُ كَانَ عَلَى سَيَّارَةٍ. فَهْوَ أَسِفٌ مُتَحَسِّرٌ.

    α) فِي فُشٌوِّ اُلْحَسْرَةِ وَالسُّخْطِ فُشُوًّا عَظِيمًا لاجْتِمَاعِ شَرْطَيْنِ اِثْنَيْنِ عَلَى النَّفْسِ : الأَوَّلُ، وَهَنُ قَيْدَيِ اُلْقَنَاعَةِ وَاُلرِّضَا، وَاُلثَّانِي، ضُعْفُ الإِرَادَةِ مَعَ قُوَّةِ اُلْمَيْلِ اُلطَّبِيعِيِّ

   إذًا، فَاُلْيَوْمَ نَحْنُ نَرَى بِبَيَانٍ أَنَّ اُلأَسَفَ وَاُلْحَسْرَةَ وَاُلسُّخْطَ قَدْ صَارَتْ فَاشِيَةً فُشُوًّا عَظِيمًا بَيْنَ اُلنَّاسِ وَبَاتَ النَّاجِي مِنْهَا أَنْدَرَ مِنَ اُلْكِبْرِيتِ اُلأَحْمَرِ، حَقًّا. وَلاَ تَعْجَبْ، إِذْ قَدِ اِجْتَمَعَ عَلَى اُلنَّفْسِ شَرْطَانِ، لَوِ اِنْفَرَدَ بِهَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَقَطْ لَكَانَ كَافِيًا لِيَجْعَلَهَا تَقْطُرُ حَسْرَةً. فَاُلأَوَّلُ، لَقَدْ وَهَنَ مِنْهَا قَيْدَا اُلْقَنَاعَةِ وَاُلرِّضَا اللَّذَانِ بِقَدْرِ تَجَرُّدِهَا مِنْهُمَا تَعُودُ اُلنَّفْسُ كَمَا ذَكَرْنَا نُزُوعًا ذَاتِيًّا وَحِرْصًا مَحْضًا عَلَى مَا يَتَعَدَّى أَبَدًا اُلْمَوْجُودَ.

     ) فِي أَنَّ وَهَنَ قَيْدَيِ اُلْقَنَاعَةِ وَالرِّضَا إِنَّمَا بِسَبَبِ مَا نَالَ الأَصْلَيْنِ اُلْمَذْكُورَيْنِ

   وَمُوجِبُ هَذَا اُلْوَهَنِ مَا نَالَ الأَصْلَيْنِ اُلْمَذْكُورَيْنِ لِصِحَّةِ اُلْقَيْدَيْنِ وَتَأْثِيرِهِمَا: أَعْنِي لاَ بُدَّ لِلنَّفْسِ مِنْ تَعْلِيمٍ وَتَهْذِيبٍ لِتَذُوقَ مَعْنَيَيِ اُلْقَنَاعَةَ وَاُلرِّضَا. وَهْوَ أَصْلٌ قَدْ نِيلَ مِنْهُ. وَلاَ بُدَّ لِلنَّفْسِ مِنْ دُرْبَةٍ وَقُوَّةِ عَزِيمَةٍ لِلْعَمَلِ بِمُقْتَضَى اُلْمَعْنَيَيْنِ. وَهْوَ أَصْلٌ قَدْ نِيلَ مِنْهُ أَيْضًا. أَمَّا اُلنَّيْلُ الأَوَّلُ، فَصُورَتُهُ أَنَّ التَّعْلِيمَ وَالتَّهْذِيبَ عَلَى اُلقَنَاعَةِ وَالرِّضَا إِنَّمَا هُوَ تَصْوِيرٌ مَعْنَوِيٌّ بِآلَةٍ مُسْتَفَادَةٍ مِنْ عُلُومِ وَأُصُولِ اُلْمَكَانِ اُلْمَخْصُوصِ لِلنَّفْسِ. فَمَثَلاً، اُلْعَرَبِيُّ إِنَّمَا يُعَلَّمُ اُلْمَعْنَيَيْنِ بِتَلْقِينِهِ مِنْ نَشْأَتِهِ حِكَمًا وَمَوَاعِظَ مُسْتَفَادَةً مِنَ اُلقُرْآنِ اُلْكَرِيمِ وَالأَخْبَارِ اُلنَّبَوِيَّةِ وَاُلشِّعْرِ اُلْعَرَبِيِّ. كَـ”اُلْقَنَاعَةُ كَنْزٌ لاَ يَفْنَى” أَوْ كَبَيْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ اُلْهُذَلِيِّ :

﴿وَالنَّفْسُ رَاغِبَةٌ إِذَا رَغَّبْتَهَا  ***  فَإِذَا تُرَدُّ إِلَى قَلِيلٍ تَقْنَعُ﴾

لَكِنَّ اُلْمَكَانَ قَدْ دَاخَلَهُ غَيْرُهُ. فَخَوَاصُّ اُلْمَكَانِ اُلدَّاخِلِ إِمَّا أَنْ تُبْطِلَ خَوَاصَّ اُلْمَكَانِ الأَصْلِيِّ، إِذَا كَانَتِ اُلأُولَى قَوِيَّةً جِدًّا بِاُلْقِيَاسِ إِلَى اُلثَّانِيَةِ. أَوْ أَنْ تَكُونَ مُنَازِعَةً لَهَا فَقَطْ. عَلَى مَعْنَى أَنَّ أُصُولَ اُلْمَكَانِ وَعُلُومَهُ، بَعْدَ الانْتَرْنَتْ، هِيَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ : إِمَّا مَحْوٍ صِرْفٍ أَوْ مُعَانَدَةٍ وَخُصُومَةٍ. أَمَّا اُلْمَحْوُ، فَكَمَا لَوْ فُرِضَ بَلَدٌ عَرَبِيٌّ مُسْلِمٌ قَدْ رُفِعَ مِنْهُ أَلْبَتَّةَ مَعَارِفُهُ اُلدِّينِيَّةُ وَالأَدَبِيَّةُ وَلَبِسَتْهُ فَقَطْ اُلْمَعَانِي اُلْغَرْبِيَّةُ اُلْمَبْثُوثَةُ. إذًا، فَلاَ “اُلْقَنَاعَةُ كَنْزٌ لاَ يَفْنَى” وَلاَ “وَالنَّفْسُ رَاغِبَةٌ إِذَا رَغَّبْتَهَا  …” فَهَلُمَّ جَرًّا. إذًا، فَلَيْسَ هُنَاكَ آلَةٌ لِلتَّصْوِيرِ اُلْمَعْنَوِيِّ، فَلَيْسَ هُنَاكَ تَصْوِيرٌ عَلَى اُلْقَنَاعَةِ وَاُلرِّضَا، أَصْلاً. أَمَّا الأَمْرُ الثَّانِي، وَهْوَ اُلْعَامُّ اُلْمُنْتَشِرُ وَغَيْرُ اُلْقَائِمِ عَلَى فَرْضٍ، فَهْوَ اُلْمُنَازَعَةُ اُلْبَيِّنَةُ اُلشَّدِيدَةُ لِمَعَانِي اُلْمَكَانِ اُلْغَرْبِيِّ اُلْغَرِيبِ الَّتِي قِوَامُهَا اُلشَّهْوَةُ وَإِعْطَاءُ اُلْحُكُومَةِ التَّامَّةِ لِلنَّفْسِ الطَّبِيعِيَّةِ، لِمَعَارِفِ اُلْمَكَانِ اُلأَصْلِيِّ كَاُلْمَكَانِ الإِسْلاَمِيِّ. لَكِنْ قَدْ قُلْنَا فِي فَصْلٍ سَابِقٍ إِنَّ اُلصِّفَةَ اُلْمَعْنَوِيَّةَ لاَ تَثْبُتُ إِلاَّ بِشَرْطَيْنِ، وِحْدَةُ اُلْمِثَالِ وَاُلْمُثَابَرَةُ عَلَيْهِ. وَقُلْنَا أَيْضًا إِنَّ الصِّفَةَ بَعْدَ ثُبُوتِهَا لاَ تَبْقَى بِذَاتِهَا كَاُلصِّفَةِ اُلْمَحْسُوسَةِ، بَلْ مَا لَمْ يُذَكِّرِ اُلْمَوْصُوفُ نَفْسَهُ بِاُلْمِثَالِ ضَعُفَتِ اُلصِّفَةُ وَقَدْ تُفْضِي بِأَخَرَةٍ إِلَى اُلْفَنَاءِ. فَيَلْزَمُ أَنَّ مِثَالَ اُلْقَنَاعَةِ وَالرِّضَا إِذْ هُوَ مُنَازَعٌ فَلاَ تَصْوِيرَ أَوْ تَهْذِيبَ بِهِمَا حَقًّا. إِذًا، فَذَاكَ اُلنَّيْلُ الأَوَّلُ. وَاُلنَّيْلُ الثَّانِي، فَمُتَعَلِّقٌ بِاُلأَصْلِ اُلضَّرُورِيِّ حَتَّى يَكُونَ لِلْقَيْدَيْنِ اُلْمَذْكُورَيْنِ تَأْثِيرٌ: وَهْوَ اُلْعَزِيمَةُ وَاُلصَّبْرُ. إِذِ اُلْمَرْءُ مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِاُلْمَعْنَى وَذَوْقِهِ إِيَّاهُ قَدْ يَخْلُو مِنْ قُوَّةِ عَزِيمَةٍ لانْفَاذِهِ : مِثْلَ اُلطَّبِيبِ اُلْمُدَخِّنِ اُلْعَالِمِ بِمَضَرَّةِ الدُّخَانِ. لِذَلِكَ قَدْ وَجَبَ مَعَ تَعْرِيفِ مَعْنَيَيِ اُلْقَنَاعَةِ وَاُلرِّضَا تَمْرِينُ اُلنَّفْسِ وَتَقْوِيَةُ إِرَادَتِهَا لِلْعَمَلِ بِهِمَا، وَهَذَا يَكُونُ أَيْضًا عَادَةً بِالاسْتِنَادِ إِلَى مَعَارِفِ اُلْمَكَانِ اُلْمَخْصُوصَةِ. كَاسْتِحْضَارِ أَبَدًا مِثَالاً مَعْرُوفًا قَدِيمًا يُورِثُ إِجْلاَلَهُ وَتَعْظِيمَهُ. فَمَثَلاً قَدْ يُرَادُ أَنْ تُقَوَّى إِرَادَةُ حَاكِمٍ بِبَلَدٍ مُسْلِمٍ عَلَى اُلْعَدْلِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ لِحَقِيقَتِهِ، فَيُذْكَرُ لَهُ عُمَرُ بِنْ اُلْخَطَّابِ رَضِيَ الله عَنْهُ. إِذًا، فَهْوَ يَبِينُ بِمَا ذُكِرَ فِي اُلنَّيْلِ الأَوَّلِ أَنَّهُ بِتَدَاخُلِ الأَمْكِنَةِ تَصِيرُ اُلْمَعَارِفُ اُلأَصْلِيَّةُ مُنَازَعَةً. وَإِذَا نُوزِعَتْ وَهَنَ تَأْثِيرُهَا فِي اُلتَّقْوِيَةِ وَبَعْثِ اُلْهِمَّةِ عَلَى اُلْمَعْنَيَيْنِ اُلْمَذْكُورَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا. وَذَاكَ النَّيْلُ اُلثَّانِي.

   ●●) ذِكْرُ اُلشَّرْطِ اُلثَّانِي اُلْمُجْتَمِعِ عَلَى اُلنَّفْسِ

   أَمَّا اُلشَّرْطُ الثَّانِي، فَهَبْ أَنَّ اُلنَّفْسَ لَهَا مَعْرِفَةٌ بِاُلْقَنَاعَةِ وَالرِّضَا. فَقَدْ قُلْنَا لِلْعَمَلِ بِهِمَا لاَ بُدَّ مِنْ إِرَادَةٍ. لَكِنَّ اُلنَّفْسَ طَلَبُهَا لِمَا يَتَعَدَّى أَبَدًا اُلْمَوْجُودَ هُوَ لَهَا بِاُلْجِبِلَّةِ وَاُلْمَيْلِ اُلطَّبِيعِيِّ، لِذَلِكَ قُلْنَا إِنَّ اُلْحَاجِزَ عَنْ تَمَادِيهَا ذَاكَ إِنَّمَا هُوَ شَدُّ الإِرَادَةِ لَهَا بِلِجَامِهَا. وَبَيِّنٌ أَنَّهُ إِذَا بَقِيَتِ الإِرَادَةُ هِيَ هِيَ إِذِ الإِرَادَةُ اِجْتِهَادٌ وَمُكَابَدَةٌ، وَقَوِيَ اُلْمَيْلُ فَقَدْ يَنْتَهِي إِلَى حَدٍّ يَصِيرُ فِيهِ هُوَ اُلْقَاهِرَ فَتَحُلُّ اُلْحَسْرَةُ وَاُلسُّخْطُ مَحَلَّ اُلْقَنَاعَةَ وَالرِّضَا. أَمَّا لَوْ ضَعُفَتِ اُلإِرَادَةُ وَقَوِي اُلْمَيْلُ فَمَا أَعْظَمَ بَوَارَ الثَّانِيَيْنِ وَتَقَرُّرَ الأَوَّلَيْنِ.

    β) تَعْرِيفُ اُلْمَفْقُودِ وَذِكْرُ أَصْنَافِهِ وَمَا حَالُ اُلْحَسْرَةِ وَاُلسُّخْطِ لِلنَّفْسِ بِالإِضَافَةِ إِلَى كُلِّ صِنْفٍ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى أَمْرَيْنِ اِثْنَينِ، وَاُلْقَوْلُ قَوْلاً مُجْمَلاً كَيْفَ أَنَّ اُلْمَفْقُودَاتِ بَعْدَ تَدَاخُلِ الأَمْكِنَةِ قَدْ صَارَتْ غَيْرَ مَحْصُورَةِ اُلكَمِّ وَمُتَفَاوِتَةَ اُلْكَيْفِ وَمُتَزَايِدَةَ اُلْجِنْسِ زِيَادَةً لاَ مُتَنَاهِيَةً 

   اِعْلَمْ أَنَّ مَا يَتَعَدَّى اُلْمَوْجُودَ لَدَى اُلنَّفْسِ يُسَمَّى اُلْمَفْقُودَ، وَيُمْكِنُ قِسْمَتُهُ أَقْسَامًا أَرْبَعَةً :

مَفْقُودٌ طَبِيعِيٌّ مُطْلَقٌ، وَمَفْقُودٌ طَبِيعِيٌّ إِضَافِيٌّ، وَمَفْقُودٌ مُكْتَسَبٌ ضَرُورِيٌّ، وَمَفْقُودٌ مُكْتَسَبٌ غَيْرُ ضَرُورِيٍّ. وَهْوَ عَلَى مَرَاتِبَ كَثِيرَةٍ، بَعْضُهَا قَرِيبٌ مِنَ اُلضَّرُورِيِّ وَبَعْضُهَا بَعِيدٌ وَبَعْضُهَا أَبْعَدُ.

وَاُلْمِثَالُ مِنَ اُلْقِسْمِ الأَوَّلِ، اُلْيَدُ الثَّانِيَةُ اُلْمَفْقُودَةُ إِمَّا خِلْقَةً أو بَتْرًا.

وَاُلْمِثَالُ مِنَ اُلْقِسْمِ اُلثَّانِي، حُسْنُ اُلْبَشَرَةِ لِلْمَرْأَةِ الدَّكْنَاءِ بِاُلْقِيَاسِ إِلَى اِمْرَأَةٍ أُورُوبِيَّةٍ.

وَاُلْمِثَالُ مِنَ اُلْقِسْمِ اُلثَّالِثِ، اُلدَّوَاءُ اُلضَّرُورِيُّ.

وَاُلْمِثَالُ مِنَ اُلْقِسْمِ الرَّابِعِِ مِنَ الرُّتْبَةِ الأُولَى، ثِيَابٌ نَظِيفَةٌ تَكْسُو اُلْبَدَنَ وَتَقِيهِ الآفَاتِ، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ بِاُلْفَاخِرَةِ أَوِ اُلْفَاخِرَةِ جِدًّا.

وَاُلْمِثَالُ مِنَ اُلرُّتْبَةِ اُلْوُسْطَى، ثِيَابٌ فَاخِرَةٌ.

وَاُلْمِثَالُ مِنَ الرُّتْبَةِ الثَّالِثَةِ، ثِيَابٌ فَاخِرَةٌ جِدًّا.

وَإِذْ قُلْنَا إِنَّ اُلْحَسْرَةَ أَوِ اُلسُّخْطَ هُوَ أَلَمٌ نَفْسِيٌّ مُتَوَلِّدٌ مِنْ إِدْرَاكِ الذَّاتِ لِقُصُورِ اُلْمَوْجُودِ عَنِ اُلْمَطْلُوبِ الأَصْلِيِّ، فَيُمْكِنُ أَنْ نَصُوغَ صَوْغًا آخَرَ هَذَا اُلتَّعْرِيفَ: اُلْحَسْرَةُ أَوِ اُلسُّخْطُ هُوَ أَلَمٌ نَفْسِيٌّ مُتَوَلِّدٌ مِنْ إِدْرَاكِ الذَّاتِ لِمَفْقُودَاتِهَا. فَإِنْ كَانَ اُلْمَفْقُودُ طَبِيعِيًّا مُطْلَقًا، فَإِدْرَاكُ اُلنَّفْسِ لَهُ ذَاتِيٌّ وَقَلَّمَا تَنْجُو مِنَ اُلْحَسْرَةِ أَوِ اُلسُّخْطِ إِلاَّ الَّتِي أُوتِيَتْ إِرَادَةٌ قَوِيَّةٌ وَرُبِّيَتْ تَرْبِيَةً حَسَنَةً عَلَى اُلرِّضَا وَاُلْقَنَاعَةِ. وَإِنْ كَانَ طَبِيعِيًّا إِضَافِيًّا أَوْ مُكْتَسَبًا ضَرُورِيًّا، فَالأَمْرُ فِيهِ قَرِيبٌ مِنَ هَذَا اُلْمَذْكُورِ. أَمَّا إِنْ كَانَتْ مِنْ مَرَاتِبِ اُلْقِسْمِ الرَّابِعِ فَإِنَّهُ كُلَّمَا وَهَنَتِ الإِرَادَةُ وَلَمْ تُرَبَّ اُلنَّفْسُ تَرْبِيَةً حَسَنَةً عَلَى اُلْمَعْنَيَيْنِ فَإِنَّ اُلْمَفْقُودَ أَوْرَثَ اُلْحَسْرَةَ أَوِاُلسُّخْطَ، وِإِنْ كَانَ مِنَ اُلرُّتْبَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ هَذَا اُلْقِسْمِ.  

   ثُمَّ إِنَّهُ يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَى أَمْرَيْنِ :

الأَوَّلُ، وَهْوَ أَنَّ مَا يَتَعَدَّى اُلْمَوْجُودَ لَيْسَ بِذَاتِهِ يَكُونُ مَفْقُودًا، بَلْ بِوَاسِطَةِ اُلْعِلْمِ وَاُلْمَعْرِفَةِ بِهِ. أَيْ أَنَّ اُلشَّيْءَ وَإِنْ تَعَدَّى اُلْمَوْجُودَ وَلَمْ تَعْلَمْهُ النَّفْسُ لَمْ يَصِرْ عِنْدَهَا مَفْقُودًا أَلْبَتَّةَ وَلَمْ يُوجِبْ حَسْرَةً وَلاَ سُخْطًا.

وَالثَّانِي، إِنَّ تَرْتِيبَ أَصْنَافِ اُلْقِسْمِ الرَّابِعِ إِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الضَّرُورَةِ الذَّاتِيَّةِ. أَمَّا بِحَسَبِ اُلضَّرُورَةِ اُلْمُضَافَةِ لِلنَّفْسِ، فَمِنَ اُلْمَفْقُودَاتِ اُلْغَيْرِ اُلضَّرُورِيَّةِ، بَلْ اُلْبَعِيدَةِ جِدًّا عَنِ اُلضَّرُورَةِ الذَّاتِيَّةِ مَا تَنْزِلُ مِنْ بَعْضِ النُّفُوسِ مَنْزِلَةَ اُلضَّرُورَةِ الأُولَى، وَذَلِكَ بِسَبَبِ مَيْلِهَا اُلشَّدِيدِ وَحِرْصِهَا اُلْقَوِيِّ.   

    γ) اُلْقَوْلُ كَيْفَ أَنَّهُ قَبْلَ تَدَاخُلِ الأَمْكِنَةِ كَانَتِ اُلْمَفْقُودَاتُ مَحْصُورَةَ اُلكَمِّ وَاُلْكَيْفِ وَاُلْجِنْسِ، تَابِعَةً لإِمْكَانِ اُلْمَكَانِ اُلْمَخْصُوصِ، وَصْفُهَا وَصْفُ ذَلِكَ اُلْمَكَانِ بِعَيْنِهِ، وَأَنَّهُ لِذَلِكَ كَانَتْ حَسْرَةُ الأَمْكِنَةِ أَهْوَنَ بِكَثِيرٍ مِنْهَا بَعْدَ تَدَاخُلِهَا

   إِذًا، فَآنَ الآنَ أَنْ نُبَيِّنَ كَيْفَ أَنَّ الانْتَرْنَتْ بِوَاسِطَةِ تَدَاخُلِ الأَمْكِنَةِ هِيَ اُلسَّبَبُ اُلْكَبِيرُ فِيمَا نَرَاهُ اُلْيَوْمَ مِنْ شُيُوعٍ عَظِيمٍ لِلسُّخْطِ وَاُلْحَسْرَةِ حَتَّى أَنَّ النَّاجِي مِنْهُمَا كَمَا قُلْنَا لَأَنْدَرُ مِنَ اُلْكِبْرِيتِ اُلأَحْمَرِ وَأَعَزُّ مِنْ بَيْضِ الأَنُوقِ. إِنَّهُ قَبْلَ الانْتَرْنَتْ، إِذَا كَانَتْ نَفْسٌ ضَعِيفَةَ الإِرَادَةِ وَلَوْ كَانَ لَهَا مَعْرِفَةٌ جَيِّدَةٌ بِاُلْقَنَاعَةِ وَالرِّضَا فَإِنَّهَا قَدْ لاَ تَخْلُو مِنْ حَسْرَةٍ. لَكِنَّهَا حَسْرَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَفْقُودَاتٍ هِيَ تَابِعَةٌ لِلْمَكَانِ اُلْمَخْصُوصِ. لِذَلِكَ فَهْيَ مَحْصُورَةٌ فِي اُلْكَمِّ وَاُلْكَيْفِ وَاُلْجِنْسِ. وَهْيَ أَيْضَا تَابِعَةٌ لِإِمْكَانِ اُلْمَكَانِ وَقُوَّتِهِ كَمَا ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ فَصْلٍ. فَمَثَلاً زَيْدٌ، قَدْ يَكُونُ مَفْقُودُهُ أَنْ يَبْدُوَ جَمِيلاً أَوْ ذَا بَسْطَةٍ فِي اُلْجِسْمِ، كَفُلاَنٍ أَوْ فُلاَنٍ. لِذَلِكَ فَهْوَ مُتَحَسِّرٌ. وَقَدْ يَكُونُ مَفْقُودُهُ أَنْ يَبْدُوَ أَنَّهُ مُفَكِّرٌ، كَفُلاَنٍ. وَقَدْ يَكُونُ مَفْقُودُهُ أَنْ يَكُونَ ذَا ثِيَابٍ فَاخِرَةٍ، كَفُلاَنٍ. فَبَيِّنٌ أَنَّ كُلَّ هَذِهِ اُلْمَفْقُودَاتِ هِيَ مَحْصُورَةٌ فِي اُلْكَمِّ وَاُلْكَيْفِ وَاُلْجِنْسِ. عَلَى مَعْنَى أَنَّ الَّذِينَ يُنَازِعُونَ زَيْدًا، مَثَلاً فِي اُلْجَمَالِ أَوْ بَسْطَةِ اُلْجِسْمِ هُمُ اِثْنَانِ فَقَطْ مِنْ أَهْلِ قَرْيَتِهِ، عَمْرٌو وَاُلْحَارِثُ. وَهْوَ، وَإِنْ لَمْ يَلْحَقْهُمَا فَهْوَ ثَالِثُهُمَا، وَتِلْكُمُ مَرْتَبَةٌ مَعْدُودَةٌ، فِي كُلِّ حَالٍ. لِذَلِكَ فَإِنَّ حَسْرَةَ زَيْدٍ يُخَالِطُهَا بَعْضُ اُلْعَزَاءِ، وَهْيَ بَرِيئَةٌ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَاحِيَةً مَاحِقَةً لَهُ. كَذَلِكَ، إِنَّ اُلْحَارِثَ وَعَمْرًوا وَإِنْ فَاقَا زَيْدًا فِي اُلْجِسْمِ، فَكَمَا يَفُوقُ عَرَبِيٌّ عَرَبِيًّا فَكِلاَهُمَا لَيْسَ طُولُهُ دُونَ اُلْمِتْرِ وَالسَّبْعِينَ وَلاَيَزِيدُ عَلَيْهِمَا، أَمَّا زَيْدٌ فَطُولُهُ مِتْرٌ وَخَمْسٌ وَسِتُّونَ. إذًا، فَإِنْ فَاتَاهُ فِي اُلْقَامَةِ فَلَيْسَ بِتَفَاوُتٍ فَاحِشٍ. لِذَلِكَ فَحَسْرَةُ زَيْدٍ أَيْضًا لَيْسَتْ بِاُلْمَاحِيَةِ اُلْمَاحِقَةِ. وَأَعْنِي بِاُلْمَحْصُورَةِ فِي اُلْجِنْسِ أَنَّ أَنْوَاعَ الأَجْنَاسِ اُلْكُبْرَى لِلْمَفْقُودَاتِ وَالَّتِي هِيَ مَطْلُوبَاتٌ أَصْلِيَّةٌ مَحْدُودَةٌ، إِذْ أَجْنَاسُ اُلْمَطْلُوبَاتِ اُلْكُبْرَى هِيَ : اُلْمَأْكُولُ وَاُلْمَلْبُوسُ وَاُلْمَسْكُونُ وَاُلْمَنْكُوحُ وَاُلْمَرْكُوبُ وَاُلْمُرَفَّهُ بِهِ. فَمِنْ أَنْوَاعِ مَفْقُودَاتِ زَيْدٍ مِنَ اُلْمَأْكُولِ اُلْعَسَلُ الَّذِي لاَ يُجْنَى مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلٌ، لِذَلِكَ فَهْوَ بَاهِظٌ وَلاَ يَقْتَنِيهِ إِلاَّ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ الثَّرِيَّانِ. وَمِنْ أَنْوَاعِ مَفْقُودَاتِ زَيْدٍ مِنَ اُلْمَنْكُوحِ فُلاَنَةٌ أَجْمَلُ نِسَاءِ اُلْقَرْيَةِ الَّتِي فَازَ بِهَا فُلاَنٌ الأَعْلَى مِنْهُ مَقَامَا وَحَسَبًا وَمَالاً. وَمِنْ أَنْوَاعِ مَفْقُودَاتِ زَيْدٍ مِنَ اُلْمَرْكُوبِ دَرَّاجَةٌ نَارِيَّةٌ اِقْتَنَى جَارُهُ وَاحِدَةً مِنْهَا مِنْ قَرِيبٍ. وَمِنْ أَنْوَاعِ مَفْقُودَاتِ زَيْدٍ مِنَ التَّرْفِيهِ أَنْ يَمْتَطِيَ فَرَسًا بِنُقُودٍ وَيَقْطَعَ بِهِ بَعْضَ اُلْمَسَافَةِ. لَكِنْ بَعْدَ الانْتَرْنَتْ وَبِتَدَاخُلِ اُلأَمْكِنَةِ لَمْ يَبْقَ حُكْمُ اُلْمَفْقُودَاتِ وَأَصْنَافُهَا تَابِعًا لِخَوَاصِّ اُلْمَكَانِ الأَصْلِيِّ. بَلْ يَكَادُ يَكُونُ قَدْ صَارَ عَيْنُ اُلْحُكْمِ فِيهَا فِي اُلْمَكَانِ الأَصْلِيِّ إِنَّمَا هُوَ عَيْنُ اُلْحُكْمِ فِيهَا فِي اُلْمَكَانِ اُلْمُدَاخِلِ. لِذَلِكَ أَصْبَحَتْ مَفْقُودَاتُ الإِنْسَانِ غَيْرَ مَحْصُورَةِ اُلكَمِّ، وَمُتَفَاوِتَةَ اُلْكَيْفِ وَمُتَزَايِدَةَ اُلْجِنْسِ زِيَادَةً لاَ مُتَنَاهِيَةً.

    δ) تَوْضِيحٌ لِلْمَقْصُودِ بِاللاَّحَصْرَةِ فِي اُلكَمِّ وَ التَّفَاوُتِ فِي اُلْكَيْفِ، وَمَا تَأْثِيرُهُمَا اُلْبَالِغُ فِي إِيرَاثِ اُلنَّفْسِ اُلْحَسْرَةَ وَاُلسُّخْطَ اِعْتِمَادًا عَلَى مِثَالَيْنِ اِثْنَيْنِ

   فَمَثَلاً اُلْحَاكِمُ عَلَى زَيْدٍ اُلْيَمَنِيِّ فِي بَسْطَةِ اُلْجِسْمِ لَمْ يَعُدْ مِيزَانَ اُلْيَمَنِ، بَلْ مِيزَانَ أَلْمَانِيَا وَأَنْجِلْتَرَا وَهُولَنْدَا. لِذَلِكَ فَبَعْدَ أَنْ كَانَ يُنَازِعُهُ فِي هَذَا اُلْوَصْفِ بِضْعُ آلاَفٍ، أَصْبَحَ يُنَازِعُهُ مِئَاتُ اُلْمَلاَيِينَ. ثُمَّ إِنَّ اُلْمِيزَانَ اُلْمُزَاحِمَ الطَّارِدَ لِلْمِيزَانِ الأَصْلِيِّ سَيَجْعَلُ كَيْفَ اُلْمَفْقُودِ لِزَيْدٍ مِنْ بَسْطَةِ اُلْجِسْمِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اُلْكَيْفِ اُلْمَوْجُودِ بَوْنًا بَعِيدًا. عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ وَإِنْ كَان قَبْلُ قَدْ فَضَلَهُ فِي طُولِ اُلْقَامَةِ آلاَفٌ مِنَ اُلرِّجَالِ، فَلَيْسَ طُولُهُمُ يَزِيدُ عَلَى طُولِهِ زِيَادَةً قَدْ يَسْتَوْحِشُ مِنْهَا. أَمَّا الآنَ، فَاُلْكَيْفُ اُلْمَفْقُودُ فَادِحٌ وَاُلْمِيزَانُ اُلْمُزَاحِمُ مَا يَفْتَؤُ يُنَادِي عَلَيْهِ بِاُلْقِزْمِيَّةِ وَاُلْقِصَرِ. كَذَلِكَ اُلْحَاكِمُ عَلَى فُلاَنَةٍ اُلْخَلِيجِيَّةِ فِي حُسْنِ اُلْبَشَرَةِ وَرِقَّتِهَا لَمْ يَعُدْ مِيزَانَ اُلْخَلِيجِ، بَلْ مِيزَانَ رُوسِيَا وَأُكْرَانِيَا وَالسُّوِيدَ. لِذَلِكَ، فَبَعْدَ أَنْ كَانَ يُنَازِعُهَا فِي هَذَا اُلْوَصْفِ بِضْعُ آلاَفٍ، أَصْبَحَتْ يُنَازِعُهَا مِئَاتُ اُلْمَلاَيِينَ. ثُمَّ إِنَّ اُلْمِيزَانَ اُلْمُزَاحِمَ اُلطَّارِدَ لِلْمِيزَانِ الأَصْلِيِّ سَيَجْعَلُ كَيْفَ اُلْمَفْقُودِ لِفلاَنَةٍ مِنْ حُسْنِ البَشَرَةِ وَلِينِهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اُلْكَيْفِ اُلْمَوْجُودِ بَوْنًا بَعِيدًا. عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ وَإِنْ كَانَتْ قَبْلُ قَدْ فَضَلَهَا فِي حُسْنِ اُلْبَشَرَةِ آلاَفٌ مِنَ النِّسَاءِ، فَلَيْسَ بَرَاءَتُهُنَّ مِنَ السُّمْرَةِ الشَّدِيدَةِ تَفْضُلُ عَلَى بَرَاءَتِهَا هِيَ فَضْلاً تَسْتَوْحِشُ مِنْهُ. أَمَّا الآنَ، فَاُلْكَيْفُ اُلْمَفْقُودُ فَادِحٌ وَاُلْمِيزَانُ اُلْمُزَاحِمُ مَا يَفْتَؤُ يُنَادِي عَلَيْهَا بِاُلدُّكْنَةِ وخُشُونَةِ اُلْبَشَرَةِ. وَلَعَلَّكَ قَدْ تَبَيَّنْتَ أَنَّ اُلْمَفْقُودَيْنِ فِي اُلْمِثَالَيْنِ إِنَّمَا يَنْدَرِجَانِ تَحْتَ اُلْمَفْقُودِ اُلطَّبِيعِيِّ الإِضَافِيِّ. وَبَيِّنٌ أَنَّهُ كِلاَهُمَا كَمَا غَيْرُهُمَا مِنْ جِنْسِهِمَا هُوَ مَقْطُوعٌ بِامْتِنَاعِ تَحْصِيلِهِ أَلْبَتَّةَ، خِلاَفًا لِلْمَفْقُودِ اُلْمُكْتَسَبِ الَّذِي كَائِنًا مَا كَانَ بَعِيدَ اُلْمَنَالِ فَهْوَ أَبَدًا لاَ يَخْلُو مِنْ جَوَازِ اُلْحُصُولِ. لِذَلِكَ كَانَتْ حَسْرَتُهُمَا وَمَا فِي جِنْسِهِمَا حَسْرَةً عَظِيمَةً هَائِلَةً مَاحِقَةً مَاحِيَةً لا تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ.

    ε) بَيَانٌ لِلْمَفْقُودَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ كَيْفَ صَارَتْ مُتَزَايِدَةَ اُلْجِنْسِ بِلاَ نِهَايَةٍ

   أَمَّا كَيْفَ أَنَّ مَفْقُودَاتِ الإِنْسَانِ قَدْ أَصْبَحَتْ مُتَزَايِدَةَ اُلْجِنْسِ زِيَادَةً لاَ مُتَنَاهِيَةً، فَقَرِيبٌ مِنَ اُلْوَاضِحِ : إِذْ قَدْ قُلْنَا إِنَّ أَجْنَاسَ اُلْمَفْقُودَاتِ هِيَ أَجْنَاسُ اُلْمَطْلُوبَاتِ اُلْكُبْرَى الأَصْلِيَّةِ مِنْ مَطْعُومٍ وَمَلْبُوسٍ وَمَنْكُوحٍ وَمَرْكُوبٍ. وَهْيَ كَأَجْنَاسٍ، مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ كُلِّ النَّاسِ لأَنَّهَا مِنْ تَوَابِعِ اُلْحَاجَاتِ اُلإِنْسَانِيَّةِ الطَّبِيعِيَّةِ أَوِ اُلْقَرِيبَةِ مِنَ اُلطَّبِيعِيَّةِ : فَالإِنْسَانُ فِي اُلصِّينَ أَوْ تُونِسَ مُحْتَاجٌ إِلَى طَعَامٍ وَمُحْتَاجٌ إِلَى لِبَاسٍ وَمُحْتاَجٌ إِلَى مَسْكَنٍ وَمُحْتَاجٌ إِلَى زِينَةٍ وَمُحْتَاجٌ إِلَى تَرْفِيهٍ. وَكَانَ قَدْ تَفَرَّعَتْ مِنْ هَذِهِ اُلْحَاجَاتُ صِنَاعَاتٌ كَثِيرَةٌ تَسْتَأْثِرُ كُلُّ جُمْلَةٍ مِنْهَا بِحَاجَةٍ حَاجَةٍ : فَمَثَلاً الزِّرَاعَةُ وَاُلطَّهْيُ لِحَاجَةِ اُلطَّعَامِ، وَاُلْغَزْلُ وَاُلْحِيَاكَةُ لِحَاجَةِ اللِّبَاسِ، وَالنِّجَارَةُ وِاُلْبِنَاءُ لِحَاجَةِ اُلسَّكَنِ.

     ) ذِكْرٌ لأُمُورٍ ثَلاَثَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِحَاجَةِ الإِنْسَانِ وَعَلاَقَتِهَا بِاُلْمَصْنُوعِ، مَتْبُوعٌ بِاسْتِطْرَادٍ فِي أَنَّ اُلْمَصْنُوعَ قَدِيمًا كَانَ مُقَيَّدًا بِضَوَابِطَ كُلِّّيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ عَلَيْهِ، مُقْتَرِنًا بِسَرْدِ مِثَالٍ عَلَى ذَلِكَ، وَهْوَ عُرْفُ اللِّبَاسِ فِي تُونِسَ فِي سَالِفِ الدَّهْرِ

   وَهَاهُنَا يَنْبَغِي أَنْ نُنَبِّهَ عَلَى أَنَّهُ فِيمَا مَضَى هُنَاكَ ثَلاَثَةُ أَشْيَاءَ :

الأَوَّلُ، إِنَّ جُمْلَةَ حَاجَاتِ الإِنْسَانِ كَانَتْ فِطْرِيَّةً أَوْ قَرِيبَةً مِنَ اُلْفِطْرِيَّةِ.

اُلثَّانِي، إِنَّ اُلصِّنَاعَاتِ هِيَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنِ اُلْحَاجَاتِ، أَيْ أَنَّ اُلْحَاجَةَ هِيَ الَّتِي تُوجِبُ الصِّنَاعَةَ.

اُلثَّالِثُ، إِنَّ الصِّنَاعَاتِ وَإِنْ كَانَتْ عَمَلاً لأَشْخَاصٍ مُتَفَرِّقَةٍ أَوْ مُجْتَمِعَةٍ، فَهُمْ فِيهَا لَيْسَ مِنْ حَقِّهِمْ أَنْ يَرْكُنُوا فَقَطْ إِلَى إِرَادَتِهِمِ اُلْمَحْضَةِ أَوْ خَيَالِهِمِ اُلْمُجَنِّحِ. بَلِ اُلْمَصْنُوعُ هُوَ مُقَيَّدٌ بِضَوَابِطَ كُلِّيَّةٍ مُتَكَرِّرَةٍ تَابِعَةٍ لِخَوَاصِّ اُلْمَكَانِ اُلطَّبِيعِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ وَاُلْعُرْفِيَّةِ وَالنَّامُوسِيَّةِ. فَمَثَلاً، فِي تُونِسَ قَدِيمًا لَيْسَ لِمَنْ شَاءَ أَنْ يَلْبَسَ كَيْفَمَا شَاءَ. بَلْ هُنَاكَ قَيْدٌ كُلِّيٌّ أَوَّلٌ مُتَعَلِّقٌ بِطَبِيعَةِ إِقْلِيمِ اُلْبِلاَدِ يَقْضِي بِأَنَّهُ فِي بَعْضِ اُلْفُصُولِ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ اُلثَّوْبُ كَاسِيًا لِلْبَدَنِ جَمِيعًا مَصْنُوعًا مِنَ خَيْطٍ كَالصُّوفِ حَتَّى يَقِيَهُ مِنَ اُلْبَرْدِ وَاُلقَرِّ. أَمَّا فِي فُصُولٍ أُخْرَى، فَقَدْ يُتَّخَذُ ثَوْبٌ رَقِيقٌ أَوْ قَدْ يُسْتَغْنَى عَنْهُ أَصْلاً، لَوْلاَ اُلْقَيْدُ اُلكُلِّيُّ اُلثَّانِي قَيْدُ اُلْحِشْمَةِ وَاُلدِّينِ. إِذْ هُوَ قَيْدٌ يَقْضِي بِأَنَّ الثَّوْبَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سَاتِرًا لِمَوَاضِعِ اُلْعَوْرَةِ مِنَ اُلرَّجُلِ وَاُلْمَرْأَةِ. وَهْيَ عِنْدَ هَذِهِ كُلُّ بَدَنِهَا مَا عَدَا اُلْوَجْهِ وَالأَطْرَافِ، وَعِنْدَ ذَاكَ أَخَفُّ مِنْ ذَلِكَ. وَيَلِيهِ قَيْدٌ كُلِّيٌّ ثَالِثٌ، وَهْوَ قَيْدٌ عُرْفِيٌّ نَامُوسِيٌّ يَقْضِي بِأَنَّ لِكُلِّ صِنْفٍ مِنَ اُلنَّاسِ هَيْئَةٌ ثَوْبِيَّةٌ وَاجِبَةٌ : فَهَيْئَةُ اُلْمَرْأَةِ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مُلاَئِمَةً لأُنُوثَتِهَا مُخَالِفَةً لِهَيْئَةِ اُلرَّجُلِ، إِطْلاَقًا. وَأَيْضًا لِكُلِّ أَصْحَابِ مَقَامٍ هَيْئَةٌ مَخْصُوصَةٌ : فَلأَهْلِ اُلشَّرَفِ وَاُلْمَنْصِبِ هَيْئَةٌ، وَلأَهْلِ اُلتِّجَارَةِ وَاُلصَّنَائِعِ هَيْئَةٌ، وَلأَهْلِ اُلسُّخْرَةِ وَاُلْكَدْحِ هَيْئَةٌ. ثُمَّ يَلِيهِ قَيْدٌ كُلِّيٌّ رَابِعٌ، وَهْوَ أَنَّ اُلثَّوْبَ، وَإِنْ كَسَى وَسَتَرَ وَاُخْتَصَّتْ هَيْئَتُهُ فَغَيْرُ كَافٍ حَتَّى يَصِيرَ جَائِزًا لِلتُّونِسِيِّ أَنْ يَلْبَسَهُ، بَلْ لاَ بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَيْضًا عَلَى نَمَاذِجَ مُتَقَرِّرَةٍ وَاحِدَةٍ يُذْعِنُ لَهَا كُلُّ خَيَّاطٍ، وُجُوبًا، وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَظْهَرَ لَهُ تَصَرُّفٌ أَوْ “إِبْدَاعٌ” فِي مَصْنُوعِهِ إِلاَّ مِنْ حَيْثُ جَوْدَةِ اُلْعَمَلِ أَوْ بَرَاعَةِ اُلتَّوْشِيَةِ وَاُلتَّزْيِينِ. أَمَّا اُلْمِثَالُ، فَلاَ مِسَاسَ. فَاُلْمَرْأَةُ لاَ يَكُونُ لِبَاسُهَا عَادَةً، إِلاَّ “خَلاَّلَةً” مَعَ “مَرْيُولُ فَضِيلَةَ” وَ”شَمْلَةٌ” وَغِطَاؤُهَا “اِحْرَامْ”. أَمَّا اُلرَّجُلُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ اُلْحَسَبِ وَاُلْمَنْصِبِ، فَلِبَاسُهُ عَادَةً “جُبَّةٌ”، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ اُلتِّجَارَةِ وَاُلْحِرْفَةِ فَلِبَاسُهُ “بُلُوزَه”، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ اُلْكَدْحِ والسُّخْرَةِ فَلِبَاسُهُ عَادَةً “كَدْرُونْ”.

     ●●) تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ اُلْمَكَانَ اُلْغَرْبِيَّ هُوَ اُلْمَكَانُ اُلْمُدَاخِلُ اُلْقَاهِرُ، وَذِكْرٌ لِبَعْضِ خَوَاصِّهِ

   وَإِذْ قُلْنَا إِنَّهُ بِتَدَاخُلِ اُلأَمْكِنَةِ تَتَسَلَّطُ خَوَاصُّ اُلْمَكَانِ اُلْمُدَاخِلِ عَلَى اُلْمَكَانِ الأَصْلِيِّ، فَلاَ يُحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ كَبِيرٍ حَتَّى يُعْرَفَ أَنَّ اُلْمَكَانَ اُلْمُدَاخِلَ اُلْقَاهِرَ إِنَّمَا هُوَ، غَالِبًا، اُلْمَكَانُ اُلْغَرْبِيُّ، وَهْوَ ذُو خَوَاصَّ نَذْكُرُهَا :

أَوَّلاً، إِنَّهُ مَكَانٌ قَدْ حَبَتْهُ اُلطَّبِيعَةُ كَثِيرًا مِنَ اُلْخَيْرَاتِ، مَاءٍ غَدَقٍ وَخُضْرَةٍ وَاسِعَةٍ وَأَنْهَارٍ جَارِيَةٍ وَرِيَاضٍ غَنَّاءَ وَأَرْضٍ خِصْبَةٍ. وَصَانَتْهُ مِنْ فَرْطِ اُلْحَرَارَةِ اُلطَّامِسَةِ لِلْعَقْلِ اُلْمُمَيِّعَةِ لِلذِّهْنِ.

ثَانِيًا، فَتَبِعَ ذَلِكَ أَنْ نَبَتَ بِهِ أَهْلُونَ لَهُمْ أَجْسَامٌ جَمِيلَةٌ ذَاتُ بَسْطَةٍ حَسَنَةٍ وَأَذْهَانٌ قَوِيَّةٌ وفِطَنٌ نَافِذَةٌ حَادَّةٌ جِدًّا. 

ثَالِثًا، وَبِاجْتِمَاعِ اُلْخَاصَّتَيْنِ، فَلَيْسَ لِلْغَرَابَةِ وَجْهٌ أَنْ يَكُونَ اُلْمَكَانُ اُلْغَرْبِيُّ عِمَارَتُهُ أَحْسَنَ اُلْعِمَارَةِ، وَتَدْبِيرُهُ السِّيَاسِيُّ وَاُلْمَعَاشِيُّ أَتَمَّهُ وَأَحْكَمَهُ، وَاُلْمَعِيشَةُ أَرْغَدَهَا وَأَنْعَمَهَا، وَتَوَسُّعُ اُلْعُلُومِ وَاُلصَّنَائِعِ فِيهِ أَبْلَغَهُ وَأَبْعَدَهُ.

رَابِعًا، وَبِاجْتِمَاعِ اُلْخَوَاصِّ الثَّلاَثِ، فَلَيْسَ لِلْغَرَابَةِ وَجْهٌ كَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ اُلْغَرْبِيُّ مُحِبًّا لِلدُّنْيَا مُخْلِدًا إِلَيْهَا مُقْبِلاً عَلَى اُلشَّهَوَاتِ مُتَفَنِّنًا فِيهَا. لِذَلِكَ فَهْوَ بَعْدَ أَنِ اسْتَعَارَ شِعَارَ الدِّينِ النَّصْرَانِيِّ لِبَعْضِ اُلْقُرُونِ، عَادَ عَلَى حَافِرَتِهَ فَاُنْسَلَخَ مِنْهُ وَبَنَى حَيَاتَهُ عَلَى فَلْسَفَةٍ قِوَامُهَا : كُلُّ اُلْخَيْرِ فِي اُلدُّنْيَا وَنَعِيمُهَا اُلْمَحْسُوسُ، وَمَا سِوَاهُمَا بَاطِلٌ.

     ●●●) تَخْصِيصُ اُلْقَوْلِ فِي اُلْخَاصَّةِ اُلْخَامِسَةِ، وَمَا لَزِمَ مِنْهَا مِنْ أَصْلٍ كَبِيرٍ قَامَ عَلَيْهِ قِيَامًا ضَرُورِيًّا خُلُقُ “اُلْحَدَاثَةِ” بِأَسْرِهِ، وَهْوَ اِعْتِبَارُ “الإِبْدَاعِ” اُلْفَضِيلَةَ اُلْعُلْيَا. وَأَنَّ التَّابِعَ الأَعْظَمَ لِهَذَا الأَصْلِ، إِطْلاَقُ اُلْمَصْنُوعِ مِنْ كُلِّ قَيْدٍ أَوْ مِثَالٍ، بَلْ إِلْحَاقُهُ إِلْحَاقًا مَحْضًا بِاُلْخَيَالِ اُلْمَحْضِ وَاُلْهَوَى اُلْفَرْدِيِّ. ثُمَّ اُلْبَيَانُ، بِاُلْبِنَاءِ عَلَى ذَلِكَ، كَيْفَ صَارَتْ مَفْقُودَاتُ اُلْغَرْبِيِّ لاَ مُتَنَاهِيَةً فِي اُلْجِنْسِ

   خَامِسًا، إِذًا، فَاُلْمَكَانُ اُلْغَرْبِيُّ هُوَ وِعَاءٌ فَقِيرٌ مِنَ اُلْمَعْنَى مَمْلُوٌّ بِاُلْحِسِّ وَاُلشَّهْوَةِ. لَكِنْ حَقِيقَةُ اُلْحِسِّ وَاُلشَّهْوَةِ إِنَّمَا هِيَ اُلْمَادَّةُ أَوِ اُلْهُيُولَى. وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ اُلْهُيُولَى هِيَ سَيَلاَنٌ مَحْضٌ، وَمُجَافَاةٌ تَامَّةٌ لِكُلِّ ضَابِطٍ أَوْ صُورَةٍ. لِذَلِكَ كَانَ اُلْمَبْدَؤُ الَّّذِي بَنَى عَلَيْهِ اُلْغَرْبِيُّ حَيَاتَهُ مَبْدَأَ “اُلْحَدَاثَةِ” إِنَّمَا يَقُومُ عَلَى هَذَا اُلأَصْلِ اُلْكَبِيرِ : إِنَّمَا اُلْفَضِيلَةُ اُلْعُلْيَا لِلإِنْسَانِ “الإِبْدَاعُ”. وَشَرْطُهُ الأَوَّلُ اُلإِتْيَانُ بِاُلشَّيْءِ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ. فَلَزِمَ مِنْ هَذِهِ اُلْخَوَاصِّ، وَلاَ سِيَّمَا اُلْخَاصَّةَ اُلأَخِيرَةَ أَنَّ اُلصَّانِعَ اُلْغَرْبِيَّ قَدْ صَارَ مُطْلَقًا مِنْ كُلِّ قَيْدٍ لاَ يُحْمَدُ إِلاَّ بِقَدْرِ مَا يُبْدِعُ، وَلاَ يُبْدِعُ إِلاَّ بِقَدْرِ مَا يُبَايِنُ اُلْمِثَالَ. أَمَّا صُورَةُ اُلاِنْسِلاَخِ مِنَ اُلْمِثَالِ فَهْيَ: أَوَّلاً، يُتْرَكُ الاُنْمُوذَجُ اُلْمَخْصُوصُ ويُحَافَظُ عَلَى اُلضَّابِطِ اُلأَعَمِّ. ثُمَّ يُتْرَكُ اُلضَّابِطُ الأَعَمُّ وَيُحَافَظُ عَلَى الأَعَمِّ مِنْهُ، فَهَلُمَّ جَرًّا حَتَّى لاَ يَبْقَى بِأَخَرَةٍ لِلْمَصْنُوعِ أَيُّ صُورَةٍ كُلِّيَّةٍ طَبِيعِيَّةٍ سِوَى اُلصُّوَرِ اُلْخَيَالِيَّةِ اُلْجُزْئِيَّةِ اللاَّمُتَنَاهِيَةِ. كَمَا لَوْ خَيَّاطٌ صَنَعَ لِفَرْنِسِيٍّ ثَوْبًا عَلَى صُورَةِ قَوْمٍ آخَرِينَ أَوْ عَلَى صُورَةٍ مُبْدَعَةٍ وَحَافَظَ عَلَى ضَابِطِ اُلْحِشْمَةِ وَاُلسِّتْرِ. ثُمَّ تَرَكَهُ وَحَافَظَ عَلَى ضَابِطِ حُسْنِ اُلشَّكْلِ وَتَنَاسُبِ أَجْزَائِهِ وَقُرْبِهِ مِنَ اُلْمِثَالِ اُلطَّبِيعِيِّ. ثُمَّ تَرَكَهُ وَحَافَظَ عَلَى كَوْنِهِ تَابِعًا لِقَصْدِ اُلْكِسْوَةِ وَحَاجَةِ اُلْبَدَنِ لِلتَّوَقِّي مِنْ أَذَى اُلْبَرْدِ أَوِ اُلْحَرِّ. ثُمَّ تَرَكَهُ لِيَصِيرَ اُلثَّوْبُ عِنْدَهُ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ غَيْرَ تَابِعٍ لِصُوَرٍ كُلِّيَّةٍ مُتَقَدِّمَةٍ وَلاَ لِصُورَةِ حَاجَةِ اُلْبَدَنِ اُلطَّبِيعِيَّةِ لِلْوِقَايَةِ. إِذًا، فَقَدْ غَدَا اُلثَّوْبُ غَيْرَ مَوْقُوفٍ عَلَى صُورَةٍ كُلِّيَّةٍ، بَلْ إِنَّهُ مَحَلٌّ لِتَعَاقُبِ صُوَرٍ جُزْئِيَّةٍ تَفِيضُ مِنْ خَيَالِ اُلْخَيَّاطِ. وَالَّذِي يُشِيرُ عَلَى اُلْخَيَالِ وَيَمُدُّهُ بِالأَمْثِلَةِ إِنَّمَا هُوَ دَهْلِيزُ اُلْغَرَائِزِ. لِذَلِكَ كَانَ اِجْتِهَادُ مَا يُقَالُ عَنْهُمْ اُلْيَوْمَ “اُلْمُصَمِّمُونَ”، وَاُلصَّحِيحُ “اُلْمُصَوِّرُونَ”، إِنَّمَا اُلْغَوْصُ فِي قُوَى اُلنَّفْسِ اُلْشَّهَوِيَّةِ وَمَعْرِفَةُ دَقَائِقِهَا. وَعَلَى مِثَالِ مَا يَبِينُ لَهُمْ مِنْهَا هُمْ يُخْرِجُونَ أَشْكَالاً ثَوْبِيَّةً كَثِيرَةً، بَلْ لاَ مُتَنَاهِيَةً. وَقِسْ عَلَى اُلْخِيَاطَةِ سَائِرَ اُلصَّنَائِعِ. إِذًا، فَلَمَّا كَانَتِ اُلْمَصْنُوعَاتُ تَابِعَةً لِلْقُيُودِ اُلْكُلِّيَّةِ اُلْمَذْكُورَةِ، فَلاَ جَرَمَ أَنَّهَا قَدْ كَانَتْ مَحْصُورَةً فِي اُلْجِنْسِ. لِذَلِكَ قُلْنَا إِنَّ مَفْقُودَاتِ الإِنْسَانِ كَانَتْ أَيْضًا مَحْصُورَةً فِي اُلْجِنْسِ. فَمَثَلاَ اُلتُّونِسِيُّ، قَدِيمًا، مَفْقُودُهُ مِنَ اُلْمَلْبُوسِ مَحْصُورُ اُلْجِنْسِ : فَهْوَ إِنَ حَصَّلَ “اُلْكَدْرُونَ”، وَكَانَ جَائِزًا لَهُ أَنْ يَطْلُبَ مَا بَعْدَهَا، فَقَدْ يَطْلُبُ “اُلْبُلُوزَةَ”، وَإِنْ حَصَّلَ “اُلْبُلُوزَةَ”، فَقَدْ يَطْلُبُ “اُلْجُبَّةَ”، وَإِنْ حَصَّلَ اُلْجُبَّةَ وَقَفَ وَسَكَنَ. لَكِنَّ اُلْغَرْبِيَّ، لَمَّا فَصَلَ اُلْمَصْنُوعَ مِنَ اُلْقَيْدِ، وَأَلْحَقَهُ بِاُلْخَيَالِ اُلسَّائِلِ وَاُلْغَرِيزَةِ اُلْمُظْلِمَةِ، صَارَ غَايَةً فِي نَفْسِهِ وَأَنْوَاعُهُ تَتَزَايَدُ بِلاَ نِهَايَةٍ. فَإِذَا عَلِمْتَ أَنَّ اُلشَّيْءَ إِذَا كَانَ مَطْلُوبًا عَلَى سَبِيلِ الاِسْتِطْرَافِ، أَيْ طَلَبَ اُلْجَدِيدِ، فَاُلْمَطْلُوبُ، عَادَةً، نَوْعُهُ لاَ شَخْصُهُ. فَمَثَلاً زَيْدٌ قَدْ لاَ يَتْرُكُ هَاتِفًا لَهُ مُطْلَقًا يَفِي بِحَاجَتِهِ اُلضَّرُورِيَّةِ لِشَخْصِ هَاتِفٍ آخَرَ مِنْ نَوْعِهِ إِلاَّ إِذَا أَصَابَهُ نَقْصٌ. لَكِنْ لَوْ اُسْتُحْدِثَ نَوْعٌ آخَرُ كَالَّذِي يُقَالُ “سَمَارَتْ فُونْ”، فَقَدْ يَتْرُكُ الأَوَّلَ، وَإِنْ كَانَ سَلِيمًا، لأَجْلِ اُلنَّوْعِ اُلثَّانِي. إِذِ اُلْبَاعِثُ حِينَئِذٍ هُوَ الاِسْتِطْرَافُ. وَاُلطَّرَافَةُ إِنَّمَا تَكُونُ بِاُلنَّوْعِ لاَ بِاُلشَّخْصِ. فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ، عَلِمْتَ إذًا أَنَّ أَنْوَاعَ اُلْمَصْنُوعَاتِ إِذْ صَارَتْ تَتَزَايَدُ بِلاَ نِهَايَةٍ، فَإِنَّ مَطْلُوبَاتِ الإِنْسَانِ اُلْغَرْبِيِّ، أَعْنِي مَفْقُودَاتِهِ، قَدْ صَارَتْ أَيْضًا تَتَزَايَدُ بِلاَ نِهَايَةٍ. وَمِنَ اُلْمُفِيدِ أَنْ نَذْكُرَ أَيْضًا أَنَّ اُلْمَطْلُوبَ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا عَنِ اُلْحَاجَةِ، وَاُلْحَاجَةُ مَحْدُودَةٌ، لأَنَّهَا إِمَّا فِطْرِيَّةٌ أَوْ قَرِيبَةٌ مِنَ اُلْفِطْرِيَّةِ، إِذًا، فَاُلْمَطْلُوبُ مَحْدُودٌ، فَإِنَّ اُلْغَرْبِيَّ لَمَّا أَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَ مَطْلُوبَاتِهِ لاَ مُتَنَاهِيَةً، وَإِذِ اُلشَّيْءُ لاَ يُصْبِحُ مَطْلُوبًا إِلاَّ إِذَا اِنْبَنَى عَلَى حَاجَةٍ، أَقَامَ صِنَاعَاتٍ ضَخْمَةٍ وَبَنَى عُلُومًا جَمَّةً كَالَّذِي يُسَمَّى “الإِشْهَارُ” مَثَلاً، هَمُّهُا جَمِيعًا أَنْ تُرَكِّبَ فِي الإِنْسَانِ حَاجَاتٍ مُتَجَدِّدَةٍ إِلَى مَا لاَنِهَايَةٍ لاَ نِسْبَةَ لَهَا ظَاهِرَةً، لاَ بِاُلْفِطْرَةِ وَلاَ بِاُلطَّبِيعَةِ. لِذَلِكَ قُلْنَا إِنَّ مَطْلُوبَاتِ اُلْغَرْبِيَّ، أَعْنِي مَفْقُودَاتِهِ قَدْ غَدَتْ لاَ مُتَنَاهِيَةً فِي اُلْجِنْسِ.

    ζ) بَيَانُ أَنَّ اللاَّتَنَاهِيَ اُلْجِنْسِيَّ لِمَفْقُودَاتِ اُلْغَرْبِيِّ وَإِنْ قَدْ تُورِثُهُ هُوَ أَيْضًا اُلْحَسْرَةَ وَاُلسُّخْطَ فَرُبَّمَا بِوَجْهٍ وَاحِدٍ أَوْ مَحْدُودٍ، أَمَّا فِي اُلْمَكَانِ اُلْمُدَاخَلِ، فَالأَلَمَانِ عَظِيمَانِ هَائِلاَنِ، وَوَجُوبُهُمَا مِنَ اللاَّتَنَاهِي اُلْمَذْكُورِ إِنَّمَا هُوَ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ

   ثُمَّ نَعُودُ إِلَى أَصْلِ اُلْكَلاَمِ حَيْثُ قُلْنَا إِنَّ اُلْمَكَانَ اُلْمُدَاخِلَ اُلْقَاهِرَ لِلْمَكَانِ الأَصْلِيِّ إِنَّمَا هُوَ غَالِبًا اُلْمَكَانُ اُلْغَرْبِيُّ. وَقَدْ بَيَنَّا أَنَّ اُلْغَرْبَ قَدِ اِسْتَحْدَثَ مَفْقُودَاتٍ لاَ مُتَنَاهِيَةً فِي اُلْجِنْسِ. وهي لِلاَتَنَاهِيهَا قَدْ أَوْجَبَتِ اُلْحَسْرَةَ لِلرَّجُلِ اُلْغَرْبِيِّ نَفْسِهِ. لَكِنَّ إِيجَابَهَا لِلْحَسْرَةِ وَاُلسُّخْطِ لِلْمَكَانِ اُلْمُداَخَلِ أَشَدُّ وَأَعْظَمُ كَثِيرًا : وَاُلسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ اُلْمُبْدَعَ اُلْمَفْقُودَ إِذَا أَوْجَبَ حَسْرَةً لِلْغَرْبِيِّ، فَإِيجَابُهُ عَادَةً هُوَ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَهْيَ فِقْدَانُ اُلْقُدْرَةِ اُلْمَالِيَّةِ عَلَى اِقْتِنَائِهِ. أَمَّا إِيجَابُهُ لَهَا فِي اُلْمَكَانِ اُلْمُدَاخَلِ، فَبِجِهَاتٍ أُخْرَى مُنْضَافَةً إِلَى اُلْجِهَةِ اُلْمَذْكُورَةِ، بَعْضُهَا، اُلْحَسْرَةُ اُلْمُوجَبَةُ فِيهَا عَظِيمَةٌ هَائِلَةٌ، حَسْرَةُ اُلْفِقْدَانِ بِاُلْقِيَاسِ إِلَيْهَا هَيِّنَةٌ خَفِيفَةٌ جِدًّا. ثُمَّ لَمَّا كَانَ اُلْمَكَانُ اُلْغَرْبِيُّ، كَمَا قُلْنَا، ذَا خَيْرَاتٍ وَافِرَةٍ وَخَفْضِ مَعِيشَةٍ بَيِّنٍ، وَاُلْمَكَانُ اُلْمُدَاخَلُ قَدْ يَكُونُ قَلِيلَ اُلْخَيْرَاتِ ذَا مَعِيشَةٍ ضَنْكَى، كَانَتْ كَمِّيَّةُ اُلْفَاقِدِينَ فِي الأَوَّلِ إِلَى اُلْوَاجِدِينِ قَلِيلَةً جِدًّا، وَفِي اُلثَّانِي كَمِّيَّةُ اُلْفَاقِدِينِ إِلَى كَمِّيَّةِ اُلْوَاجِدِينِ كَثِيرَةً. وَأَيْضًا إِنَّ نَوْعَ فِقْدَانِ اُلْمَكَانِ اُلْغَرْبِيِّ مُبَايِنٌ بِكَثِيرٍ لِفِقْدَانِ اُلْمَكَانِ اُلْمُدَاخَلِ : فَاُلأَوَّلُ هُوَ عَدَمٌ قَرِيبٌ مِنَ اُلْوُجُودِ، وَاُلثَّانِي عَدَمٌ بَعِيدٌ مِنَ اُلْوُجُودِ. فَمَثَلاً نِسْبَةُ اُلسَّيَّارَةِ اُلْمَفْقُودَةِ إِلَى اُلْغَرْبِيِّ كَنِسْبَةِ الدَرَّاجَةِ اُلْمَفْقُودَةِ إِلَى اُلتُّونِسِيِّ، وَنِسْبَةُ اُلسَّيَّارَةِ اُلْمَفْقُودَةِ إِلَى اُلتُّونِسِيِّ كَنِسْبَةِ اُلْبَيْتِ اُلْمَفْقُودِ إِلَى اُلْغَرْبِيِّ.

     ) مُقَدِّمَتَانِ مُوَطِّئَتَانِ لِلْقَوْلِ اُلْمُفَصَّلِ فِي اُلْجِهَةِ الَّتِي بِهَا كَانَتْ حَسْرَةُ اُلْمَكَانِ الأَصْلِيِّ هَائِلَةً عَظِيمَةً، وَهُمَا : الأُولَى، تُبَيِّنُ أَنَّ اُلْمَصْنُوعَ لاَ يَخْلُو مِنْ مُوَافَقَةٍ لِخَواصِّ اُلْمَكَانِ وَخَوَاصِّ أَهْلِهِ اُلْجِسْمِيَّةِ. وَاُلثَّانِيَةُ، تُبَيِّنُ أَنَّ اُلْمَصْنُوعَ هُوَ سِرُّ كُلِّ أُمَّةٍ وَمَقْصُودُهَا اُلْخَفِيُّ، وَأَنَّ كُلَّ مُسْتَعْمِلٍ لَهُ طَالَبَهُ، لاَ مَحَالَةَ، بِخُلُقِ الأُمَّةِ وَآدَابِهَا. وَيُؤْخَذُ لِلْمُقَدِّمَتَيْنِ مِثَالُ “اُلْمُوضَةِ”* اُلْمَشْهُورُ

   أَمَّا اُلْجِهَةُ الَّتِي بِهَا حَسْرَةُ اُلْمَكَانِ الأَصْلِيِّ عَظِيمَةٌ هَائِلَةٌ فَتُعْرَفُ بَعْدَ أَنْ نَزِيدَ عَلَى مَا قِيلَ فِي أَمْرِ اُلْمَصْنُوعَاتِ اُلْغَرْبِيَّةِ اُلْمُبْتَدَعَةِ اللاَّمُتَنَاهِيَةِ فِي اُلْجِنْسِ، هَذَيْنِ اُلشَّيْئَيْنِ :

أَوَّلاً، إِنَّ اُلْمَصْنُوعَ اُلْمُبْتَدَعَ، وَإِنَ تَجَرَّدَ مِنَ اُلْقُيُودِ اُلْكُلِّيَّةِ اُلْمَذْكُورَةِ سَابِقًا، فَلاَ يَخْلُو عَادَةً مِنْ مُوَافَقَةٍ لِخَوَاصِّ اُلْمَكَانِ اُلطَّبِيعِيَّةِ وُمُلاَءَمَةٍ لِخِصَالِ أَهْلِهِ اُلْخَلْقِيَّةِ وَاُلْجِسْمِيَّةِ.

ثَانِيًا، إِنَّ اُلْمَصْنُوعَ اُلْمُبْتَدَعَ لَيْسَ كما يُظَنُّ إِنَّمَا هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ آلَةٍ مَحْسُوسَةٍ مُجَرَّدَةٍ نِسْبَتُهَا إِلَى كُلِّ النَّاسِ نِسْبَةٌ وَاحِدَةٌ. بَلْ إِنَّهُ سِرُّ أُمَّةٍ فَاضَ مِنْهَا وَمُكَوَّنٌ قَدْ سَرَى فِيهِ مِنْهَا، أَيْ مِنَ الأُمَّةِ، مَعْنَاهَا وَذَوْقُهَا وَخُلُقُهَا وَمَقْصُودُهَا. لِذَلِكَ، فَمَتَى اِسْتَعْمَلَهُا مُسْتَعْمِلٌ مِنْ غَيْرِ تِلْكُمُ اُلأُمَّةِ أَوْ قَصَدَهَا، طَالَبَتْهُ كَذَلِكَ، أَوْ

ــــــــــ

* “اُلْمُوضَةُ” لَفْظَةٌ مُعَرَّبَةٌ، وَاُلْمُنَاسِبُ لَهَا حَقًّا فِي اُلْعَرَبِيَّةِ هُوَ : “اُلْبِدْعَةُ”

أَدَّبَتْهُ لاَ مَحَالَةَ، عَلَى نَفْسِ ذَلِكَ اُلْمَعْنَى واُلْخُلُقِ وَاُلْقَصْدِ. وَيُمْكِنُ أَنْ نَأْخُذَ لِذَيْنِكَ اُلشَّيْئَيْنِ هَذَا اُلْمِثَالَ اُلظَّاهِرَ اُلْمَشْهُورَ وَهْوَ مَصْنُوعَاتُ “اُلْمُوضَةِ” وَأَدَوَاتُ اُلزِّينَةِ. فَهَذِهِ إِذْ تُخْرِجُهَا دَكَاكِينُ اُلْغَرْبِ وَمَعَامِلُهَا كَبَارِيسَ أَوْ إِيطَالِيَا أَوْ غَيْرُهُمَا عَلَى غَايَةٍ مِنَ اُلتَّفَنُّنِ اُلْعَجِيبِ وَاُلنُّعُومَةِ اُلْفَرِيدَةِ وَعَلَى صُورَةٍ بَاهِرَةٍ مِنَ اُلتَّفْصِيلِ وَاُلزِّينَةِ حَتَّى يُقَالُ إِنَّهَا مَصْنُوعَاتٌ وَهْمِيَّةٌ لِكَائِنَاتٍ وَهْمِيَّةٍ، إِنَّمَا تُخْرِجُهَا عَلَى جِهَةِ اُلْمُلاَءَمَةِ وَاُلْمُوَافَقَةِ لأَجْسَامِ اُلْغَرْبِ اُلْجَمِيلَةِ وَأَبْدَانِهِمُ التَّامَّةِ الَّتِي يَغْلِبُ فِيهَا اُلْقَدُّ اُلْحَسَنُ وَاُلْقَامَةُ اُلْهَيْفَاءُ وَاُلشَّعْرُ اُلسَّبِطُ اُلْمُذَهَّبُ كَأَنَّهُ حَرِيرٌ وَاُلْبَشَرَةُ الصَّافِيَةُ اللَّيِّنَةِ الَّتِي كَمَا وَصَفَهَا ذُو الرُّمَّةِ فِي مَيَّةَ :

﴿نَجْلاَءُ فِي بَرَجٍ صَفْرَاءُ فِي نَعَجٍ ** كَأَنَّها فِضَّةٌ قَدْ مَسَّهَا ذَهَبُ﴾

أَوْ قَيْسٌ فِي لُبْنَى :

﴿يَكَادُ حَبَابُ اُلْمَاءِ يَخْدِشُ جِلْدَهَا ** إِذَا اغْتَسَلَتْ بِاُلْمَاءِ مِنْ رِقَّةِ اُلْجِلْدِ﴾

﴿وَلَوْ لَبِسَتْ ثَوْبًا مِنَ اُلْوَرْدِ خَالِصًا ** لَخَدَّشَ مِنْهَا جِلْدَهَا وَرَقُ اُلْـوَرْدِ﴾

﴿وَأَرْحَمُ خَدَّيْهَا إِذَا مَا لَحَظْتُهَا ** حِذَارًا لِلَحْظِي أَنْ يُؤَثِّرَ فِي اُلْــخَدِّ﴾

إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. إِذًا، فَهَذِهِ اُلْمَصْنُوعَاتُ اُلْفَاخِرَةُ جِدًّا وَالأَنِيقَةُ جِدًّا إِنَّمَا هِيَ مَحْمُولٌ لِأَبْدَانٍ حَسَنَةِ اُلْخَلْقِ كَامِلَةِ اُلْبِنَاءِ. لِذَلِكَ كَانَ حَمْلُهَا عَلَى هَذِهِ اَلأَبْدَانِ، حَمْلَ جَمَالٍ عَلَى جَمَالٍ : فَيَسْتَعِيرُ اُلْحَامِلُ مِنَ اُلْمَحْمُولِ رَوْنَقًا وَيَسْتَعِيرُ اُلْمَحْمُولُ مِنَ اُلْحَامِلِ رَوْنَقًا، لاَ مَحَالَةَ.

   وَلَقَدْ قُلْنَا إِنَّ اُلْغَرْبَ بَنَى حَيَاتَهُ عَلَى فَلْسَفَةٍ قِوَامُهَا : كُلُّ اُلْخَيْرِ فِي اُلدُّنْيَا وَنَعِيمِهَا اُلْمَحْسُوسِ. وَقُلْنَا أَيْضًا إِنَّ اُلْمَصْنُوعَ اُلْغَرْبِيَّ صَارَ مُنْفَصِلاً مِنَ اُلْقُيُودِ اُلْكُلِّيَّةِ، كَقَيْدِ اُلْخُلُقِ اُلْحَسَنِ وَاُلْحَيَاءِ، وَصَارَتْ مَادَّتُهُ هِيَ دَهْلِيزَ اُلْغَرَائِزِ وَتَفْصِيلاَتِ اُلشَّهْوَةِ. وَإِذْ أَنَّ أَعْظَمَ مَحْسُوسٍ تَشْتَاقُةُ اُلنَّفْسُ وَيَلَذُّهُ اًُلْحِسُّ إِذَا مَا نَاغَاهُ إِنَّمَا هُوَ اُلْبَدَنُ : بَدَنُ اُلْمَرْأَةِ لَدَى اُلرَّجُلِ وَبَدَنُ اُلرَّجُلِ لَدَى اُلْمَرْأَةِ، فَلاَ جَرَمَ أَنَّ اُلصِّنَاعَةَ اُلْمَذْكُورَةَ صِنَاعَةَ اُلزِّينَةِ وَ”اُلْمُوضَةَ” قَدْ صَرَفَتْ كُلَّ اِجْتِهَادِهَا وَبَرَاعَتِهَا مِنْ أَجْلِ إِبْرَازِ مَوَاضِعَ اُلْفِتْنَةِ مِنَ اُلْجِسْمِ وَاِسْتِقْصَاءِ دَقَائِقِهَا اُلْمَسْتُورَةِ أَوْ تَحْسِينِهَا وَتَزْيِينِهَا وَجَعْلِهَا أَشَدَّ سَلْبًا لِلأَلْبَابِ وَإِسَالَةً لِلُّعَابِ. كَذَلِكَ فَمَنْ طَلَبَ مَصْنُوعَاتِ هَذِهِ اُلصِّنَاعَةِ طَالَبَتْهُ بِاُلْكَوْنِ عَلَى خُلُقِهَا وَاُلسَّعْيِ فِي قَصْدِهَا وَاُلتَّأَدُّبِ بِآدَابِهَا : أَلاَ وَهْيَ حُبُّ اُلْتَبَرُّجِ، وَإِرَادَةُ اُلْفِتْنَةِ وَاُلإِغْوَاءِ، وَهِوَايَةُ اِسْتِفْزَازِ كَوَامِنِ اُلشَّهْوَةِ، وَاُلْكَوْنُ مَادَّةً لِلْمُتْعَةِ اُلْبَهِيمِيَّةِ، إِلَى غَيْرِهِ.

     ●●) تَفْصِيلُ اُلْقَوْلِ فِي كَيْفَ أَنَّ حَسْرَةَ اُلْمَكَانِ اُلْمُدَاخَلِ أَعْظَمُ بِكَثِيرٍ مِنْ حَسْرَةِ اُلْمَكَانِ اُلْغَرْبِيِّ بِاُلْبِنَاءِ عَلَى تَقَدَّمَ

   فَبِمَا قِيلَ نَتَبَيَّنُ كَيْفَ أَنَّ حَسْرَةَ اُلْمَكَانِ اُلْمُدَاخَلِ، بِسَبَبِ اُلْمَفْقُودَاتِ اُلْمُبْتَدَعَةِ، أَعْظَمُ بِكَثِيرٍ مِنْ حَسْرَةِ اُلْمَكَانِ اُلْغَرْبِيِّ اُلْقَاهِرِ، بَلْ إِنَّ بَعْضَهَا مَاحٍ مَاحِقٌ. إِذْ :

أَوَّلاً، إِنَّ جُمْلَةَ اُلْمَصْنُوعَاتِ، إِذْ هِيَ مِنْ إِبْدَاعِ اُلْغَرْبِ، فَهْيَ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ اُلْبَنَاتِ وَالأَبْنَاءِ. وَلَوْ لَمْ نَعْتَبِرْ فِيهَا خَوَاصَّهَا اُلْمَعْنَوِيَّةَ، فَإِنَّ إِقَامَةَ اُلْغَرْبِيِّ بَيْنَهَا إِنَّمَا تُورِثُهُ الأُنْسَ وَاُلْمَعْرِفَةَ كَالأَبِ بَيْنَ أَوْلاَدِهِ. أَمَّا أَصْحَابُ اُلْمَكَانِ الأَصْلِيِّ، فَقَدْ لاَ تُورِثُهُمُ إِلاَّ وَحْشَةً وَغُرْبَةً وَإِنْكَارًا.

ثَانِيًا، إِنَّ جُلَّ هَذِهِ اُلْمَصْنُوعَاتِ اُلْمُبْتَدَعَةِ هِيَ فِي نَفْسِهَا لَمَّاعَةٌ شَهِيَّةٌ فَتَّانَةٌ تُصْبِي اُلنَّفْسَ وَتَدْعُوهَا بِإِلْحَاحٍ لاكْتِسَابِهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا حَاجَةٌ سَابِقَةٌ إِلَيْهَا. لِذَلِكَ، فَهْيَ كَمَا قَدْ كَانَتْ مَطْلُوبَاتٍ لِلْمَكَانِ اُلْغَرْبِيِّ بِالأَصَالَةِ، فَإِنَّهَا قَدْ صَارَتْ أَيْضًا مَطْلُوبَاتٍ قَوِيَّةً لِلْمَكَانِ اُلْمُدَاخَلِ. لَكِنْ نَحْنُ قُلْنَا إِنَّ اُلْمَصْنُوعَ اُلْغَرْبِيَّ اُلْمُبْتَدَعَ هُوَ تَابِعٌ لِذَوْقِ أُمَّتِهِ وَخُلُقِهَا وَقَصْدِهَا. وَهْوَ، عَادَةً، قَدْ يُنَافِي خُلُقَ اُلْمَكَانِ الأَصْلِيِّ وَقَصْدَهُ وَمَعْنَاهُ. إِذًا، فَاُلْمَرْءُ فِيهِ إِنْ أَذْعَنَ لِلْقَيْدِ وَتَرَكَ اُلْمَفْقُودَ اُلْمُشْتَهَى لَحِقَتْهُ حَسْرَةُ اُلْحِرْمَانِ. وَإِنْ أَذْعَنَ لِشَهْوَتِهِ وَخَالَفَ اُلْقَيْدَ لَحِقَتْهُ حَسْرَةُ عَارِ اُلْمُخَالَفَةِ وَمَذَمَّةُ النَّاسِ. فَمَثَلاً أَثْوَابُ اُلْمُوضَةِ وَأَدَوَاتُ اُلزِّينَةِ إِنَّمَا تَدْعُو بِذَاتِهَا إِلَى اُلتَّبَرُّجِ وَاُلتَّهَتُّكِ وَاُلْفِتْنَةِ. وَهَذَا خُلُقٌ مُنَافٍ جِدًّا لِلْعُرْفِ اُلْعَرَبِيِّ اُلإِسْلاَمِيِّ فِي بُلْدَانِ اُلْخَلِيجِ. إِذًا، فَاُلنِّسْوَةُ فِيهَا هُنَّ بَيْنَ أَمْرَيْنِ :

فَإِمَّا، وَهْوَ اُلرَّاجِحُ اُلْغَالِبُ، أَنْ يُذْعِنَ جُلُّهُنَّ لِقَيْدِ اُلْحِشْمَةِ وَاُلسَّتْرِ، فَيَمْتَنِعْنَ مِنِ اِقْتِنَاءِ تِلْكُمُ الأَثْوَابِ اُلْفَاخِرَةِ اُلْخَلاَّبَةِ، مَعَ اُلْقُدْرَةِ عَلَيْهَا. وَهَذَا سَيَتْرُكُ لاَمَحَالَةَ حَسْرَةً عَظِيمَةً فِي نُفُوسِهِنَّ قَدْ يُتَرْجِمُ عَنْهَا صَاحِبُ الرُّبَاعِيَّاتِ :

﴿يَا رَبِّ هَلْ يُرْضِيكَ هَذَا الضَّمَأْ ** وَاُلْمَاءُ يَنْسَابُ أَمَامِي زُلاَلاً﴾

وَإِمَّا، وَهْوْ قَلِيلٌ جِدًّا، أَنْ يُذْعِنَ بَعْضُهُنَّ لِشَهْوَةِ الثَّوْبِ وَيُخَالِفْنَ قَيْدَ اُلْعُرْفِ، فَتَلْحَقُهُنَّ  حَسْرَةٌ أَعْظَمُ، أَعْنِي حَسْرَةَ ذَمِّ اُلنَّاسِ لَهُنَّ وَالْتِبَاسِ اُلْعَارِ بِهِنَّ.

ثَالِثًا، ثُمَّ هَبْ أَنَّ حَرَجَ اُلْقَيْدِ غَيْرُ مَوْجُودٍ أَوْ أَنَّ بَعْضَ اُلْمَصْنُوعَاتِ هِيَ غَيْرُ مُنَافِيَةٍ لِلأَصْلِ اُلْعُرْفِيِّ، فَقَدْ قُلْنَا إِنَّ اُلْمَصْنُوعَ اُلْمُبْتَدَعَ هُوَ مُوَافِقٌ لِخَوَاصِّ مَكَانِهِ اُلطَّبِيعِيَّةِ، وَمُلاَئِمٌ لِخِصَالِ أَهْلِهِ اُلْخَلْقِيَّةِ وَاُلْجِسْمِيَّةِ. وَهْوَ عَادَةً، قَدْ لاَ يُوَافِقُهَا فِي اُلْمَكَانِ الأَصْلِيِّ. وَإِذْ هُوَ فِي نَفْسِهِ شَهِيٌّ رَائِقٌ وَاُلنَّفْسُ قَدْ لاَ تَصْبِرُ عَنْهُ، مَعَ اُلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَإِنْ هِيَ اقْتَنَتْهُ لَمْ تَنْجُ أَيْضًا مِنْ حَسْرَةٍ أُخْرَى عَظِيمَةٍ : وَذَلِكَ أَوَّلاً، لأَنَّ اُلشَّيْءَ إِذَا كَانَ عَزِيزًا مُقَدَّرًا وَوُضِعَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ أَوْرَثَ اُلْحَسْرَةَ وَاُلشُّعُورَ بِأَنَّهُ قَدْ ظُلِمَ. وَثَانِيًا، لأَنَّ اُلشَّيْءَ اُلنَّاقِصَ قَدْ لاَ يَكُونُ ظَاهِرَ اُلنُّقْصَانِ، فَإِذَا اِقْتَرَنَ بِالأَكْمَلِ اُلْفَاخِرِ، اِفْتَضَحَ وَبَانَ عَيْبُهُ بَيَانًا قَبِيحًا. فَمَثَلاً أَثْوَابُ اُلْمُوضَةِ وَأَدَوَاتُ اُلزِّينَةِ هِيَ فِي نَفْسِهَا فَاخِرَةٌ جَمِيلَةٌ خَلاَّبَةٌ. فَإِذَا حَمَلَهَا اُلْبَدَنُ اُلْغَرْبِيُّ لَمْ يَظْلِمْهَا أَصْلاً، وَكَانَ لَهَا أَهْلاً، عَلَى التَّمَامِ. وَهْيَ لَيْسَ فَقَطْ لاَ تُظْهِرُ نُقْصَانًا مِنْهُ، بَلْ إِنَّهُ يَزْدَادُ بِهَا حُسْنًا وَإِبْهَاجًا لِلْعَيْنِ. أَمَّا إِنْ حَمَلَهَا بَدَنٌ دَاكِنُ اُلْبَشَرَةِ غَلِيظُهُا أَوْ قَصِيرٌ سَمِينٌ، تَوَلَّدَتْ حَسْرَتَانِ : الأُولَى، إِنَّ اُلنَّقْصَ اُلْبَدَنِيَّ بِاقْتِرَانِهِ بِالثِّيَابِ اُلْفَاخِرِ الرَّقِيقِ سَيَظْهَرُ قُبْحُهُ ظُهُورًا أَفْحَشَ مِمَّا لَوْ خَلاَ مِنْهُ. وَثَانِيًا، إِدْرَاكُ أَنَّ الثَّوْبَ لَمَظْلُومٌ وَمَوْضُوعٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ. بَلْ إِنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَ اُلْمُقَارِنِ وَاُلْمُقَارَنِ إِنْ كَانَ شَدِيدًا، فَقَدْ يَصِيرُ اُلْمُقَارَنُ غَرَضًا لِلْهُزْءِ وَاُلسُّخْرِيَّةِ. 

   IV) اِبْتِدَاءُ اُلْقَوْلِ فِي اُلْيَأْسِ وَاُلْقُنُوطِ، وَكَيْفَ وُجُوبُهُمَا مِنْ تَدَاخُلِ الأَمْكِنَةِ، وَذَلِكَ بِذِكْرِ مُقَدِّمَةٍ فِي اُلسُّوءِ وَالاسْتِعْدَادِ وَمَا اُلْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، وَفِي أَنَّ الأَمَلَ وَالرَّجَاءَ، أَوِ اُلْيَأْسَ وَاُلْقُنُوطَ إِنَّمَا مَبْنَاهُمَا فِي اُلنَّفْسِ عَلَى تَرْجِيحِهَا بِالإِيجَابِ أَوِ النَّفْيِ لِلانْتِقَالِ إِلَى اُلْوُجُودِ مِنْهُمَا الاثْنَيْنِ، أَعْنِي السُّوءَ وَالاسْتِعْدَادَ، إِذْ هُمَا عَدَمَانِ  

   وَأَمَّا اُلْحَالُ اُلنَّفْسِيَّةُ اُلْمَحْمُودَةُ اُلْبَاقِيَةُ فَهْيَ الأَمَلُ وَالرَّجَاءُ. وَلِتَعَلَمْ أَنَّ لِلْمَكَانِ وَنِظَامِهِ حُكْمًا وَتَأْثِيرًا فِي هَذِهِ اُلْحَالِ أَيْضًا. وَقَدْ قُلْنَا فِي حَدِّهِمَا : إِنَّهُ اِرْتِيَاحٌ لِلنَّفْسِ مُتَوَلِّدٌ مِنْ مَعْرِفَتِهَا إِمَّا بِأَنَّ السُّوءَ اُلْحَاصِلَ لَيْسَ هُوَ النِّهَايَةَ، بَلْ إِنَّ وَرَاءَهُ جِهَاتٍ مِنَ اُلْفَرَجِ مُمْكِنَةً، وَإِمَّا بِأَنَّ الاسْتِعْدَادَ الثَّابِتَ لَيْسَ لَهُ عَائِقٌ قَاهِرٌ مَانِعًا عَنْ بُلُوغِ غَايَتِهِ أَوْ تَحْصِيلِ كَمَالِهِ. وَاُلْفَرْقُ بَيْنَ السُّوءِ وَالاِسْتِعْدَادِ أَنَّ السُّوءَ نَقْصٌ فِي تَمَامِ الشَّيْءِ حِينَ هُوَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ تَامًّا، وَالاِسْتِعْدَادُ نَقْصٌ فِي تَمَامِ اُلشَّيْءِ فِيهِ قُوَّةٌ عَلَى اُلتَّمَامِ حِينَ هُوَ لَيْسَ تَامًّا بَعْدُ. فَمَثَلاً زَيْدٌ اُلْكَهْلُ بِهِ سُوءُ اُلْعَمَى لأَنَّهُ فَاقِدٌ لِلْبَصَرِ حِينَ هُوَ مِنْ شَأْنِهِ الإِبْصَارُ. أَمَّا جِرْوٌ وُلِدَ الآنَ، فَهْوَ فَاقِدٌ أَيْضًا لِلْبَصَرِ. لَكِنَّهُ لَيْسَ بِهِ سُوءُ اُلْعَمَى، بَلْ بِهِ اسْتِعْدَادٌ لِتَمَامِ الإِبْصَارِ بَعْدَ أَيَّامٍ، خِلاَفًا، مَثَلاً لِلْحَجَرِ اُلْخَالِي مِنْ وَصْفَيِّ اُلْعَمَى أَوِ اُلْقُوَّةِ عَلَى اُلْبَصَرِ. وَاُلسُّوءُ وَالاسْتِعْدَادُ يَجْمَعُهُمُا مَعْنًى وَاحِدٌ، اُلْعَدَمُ. وَإِذْ أَنَّ الاِنْتِقَالَ مِنَ اُلْعَدَمِ إِلَى اُلْوُجُودِ هُوَ خَيْرٌ، كَذَلِكَ فَإِنَّ الاِنْتِقَالَ مِنَ عَدَمِ اُلسُّوءِ إِلَى اُلْوُجُودِ بِطَرِيقِ الإِصْلاَحِ هُوَ خَيْرٌ، كَإِصْلاَحِ عَيْبٍ بِعَيْنِ زَيْدٍ يَغْدُو بَعْدَهُ تَامَّ اُلرُّؤْيَةِ. وَأَيْضًا الاِنْتِقَالُ مِنْ عَدَمِ الاِسْتِعْدَادِ إِلَى اُلْوُجُودِ بِطَرِيقِ خُرُوجِ مَا بِاُلْقُوَّةِ إِلَى اُلْفِعْلِ، كَرُؤْيَةِ اُلْجِرْوِ بَعْدَ أَيَّامٍ. لَكِنَّ اُلسُّوءَ وَالاِسْتِعْدَادَ هُمَا عَدَمَانِ فِي الآنِ. إِذًا فَزَمَنُ الاِنْتِقَالِ مِنْهُمَا إِلَى اُلْوُجُودِ إِنَّمَا اُلْمُسْتَقْبَلُ. لِذَلِكَ فَقَدْ لاَ يَكُونُ لِلنَّفْسِ قَطْعٌ بِهَذَا الاِنْتِقَالِ لاَ بِاُلنَّفْيِ وَلاَ بِالإِثْبَاتِ. لَكِنَّهُ إِذَا رَجَحَتْ جِهَةُ الإِثْبَاتِ عَلَى اُلنَّفْيِ تَوَلَّدَتْ فِيهَا رَاحَةُ اُلأَمَلِ وَاُلرَّجَاءِ. وَإِذَا رَجَحَتْ جِهَةُ اُلنَّفْيِ تَوَلَّدَ فِيهَا أَلَمُ اُلْيَأْسِ وَاُلْقُنُوطِ.

    α) ذِكْرُ كَيْفَ أَنَّ تَدَاخُلَ الأَمْكِنَةِ قَدْ أَوْجَبَ اُليَأْسَ وَاُلْقُنُوطَ مِنْ جِهَةِ قَطْعِ النَّفْسِ بِامْتِنَاعِ خَلاَصِهِا مِنَ السُّوءِ وَبُلُوغِهَا حَالاً صَالِحَةً

   وَالآنَ نُرِيدُ أَنْ نُبَيِّنَ كَيْفَ أَنَّ الانْتَرْنَتْ، بِوَاسِطَةِ تَدَاخُلِ الأَمْكِنَةِ، قَدْ جَعَلَتْ اُلْيَأْسَ وَاُلْقُنُوطَ يَسْتَبِدَّانِ أَيَّمَا اِسْتِبْدَادٍ بِاُلنَّاسِ : ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ نُظِرَ جَيِّدًا، لَتُبُيِّنَ أَنَّ أَحْوَالَ الإِنْسَانِ وَاِنْتِقَالَهُ فِيهَا إِنَّمَا لَهَا تَعَلُّقٌ مَا بِاُلْمَكَانِ وَانْتِقَالِهِ فِيهِ. فَهْوَ فَقِيرٌ لأَنَّهُ بِبَلَدٍ فَقِيرٍ، وَبَطَّالٌ لأَنَّهُ بِبَلَدٍ حَاكِمُوهُ لَيْسَ لَهُمْ تَدْبِيرٌ صَحِيحٌ لِتَوْفِيرِ عَمَلٍ، وَمَرِيضٌ لأَنَّهُ بِبَلَدٍ كَثِيرُ الأَوْسَاخِ، وَمُرْتَابٌ شَاكٌّ لأَنَّهُ بِبَلَدٍ أَهْلُهَا ظَالِمُونَ مُتَعَدُّونَ فَاقِدُونَ لِلأَمَانَةِ وَاُلْعَهْدِ، وَخَائِفٌ لأَنَّهُ بِبَلَدٍ قَدْ تَسَلَّطَ فِيهِ كلٌّ عَلَى كلٍّ وَلَمْ تَبْقَ لِلْحَاكِمِ هَيْبَةٌ، وَهْوَ فَاسِقٌ عَاصٍ لأَنَّهُ بِاُلْمَاخُورِ أَوِ اُلْحَانَةِ، إِلَى غَيْرِهِ. وَهَذِهِ الأَحْوَالُ هِيَ أَنْوَاعُ سُوءٍ، والسُّوءُ إِذْ هُوَ نُقْصَانٌ فِي اُلْحَالِ، فَهْوَ مُؤْلِمٌ في نَفْسِهِ. لِذَلِكَ كَانَ اُلْخُرُوجُ مِنْهُ أَوِ اُلرُّجُوعُ مِنَ اُلنُّقْصَانِ إِلَى اُلتَّمَامِ أَمْرًا مَطْلُوبًا بِاُلذَّاتِ. كَاُلْمَرَضِ اُلْمُوجِعِ لِلْبَدَنِ فَهْوَ مَطْلُوبٌ بِاُلذَّاتِ اُلرُّجُوعُ مِنْهُ إِلَى تَمَامِ اُلصِّحَّةِ. فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهَذَا اُلْخُرُوجِ يَقِينٌ أَوْ وَهْمٌ بِجَوَازِهِ اُلْكَبِيرِ أَوْرَثَ ذَلِكَ، كَمَا قُلْنَا، رَاحَةً نَفْسِيَّةً تُدْعَى الأَمَلَ أَوِ اُلرَّجَاءَ يَسْرِي بَرْدُهَا إِلَى نَفْسِ اُلأَلَمِ اُلْحَاصِلِ فَتُهَوِّنُهُ. وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ يَقِينٌ أَوْ وَهْمٌ بِامْتِنَاعِهِ أَوْ جَوَازِهُ اُلْبَعِيدِ، أَوْرَثَ ذَلِكَ أَلَمًا نَفْسِيًّا يُدْعَى اُلْيَأْسَ أَوِ اُلُقُنُوطَ تَسْرِي مَرَارَتُهُ إِلَى نَفْسِ الأَلَمِ اُلْحَاصِلِ فَتَزِيدُهُ وَطْأَةً. لَكِنَّهُ مِثْلَمَا أَنَّ اُلسُّوءَ، إِجْمَالاً، إِنَّمَا تَابِعٌ لِمَكَانِهِ، فَلاَ جَرَمَ أَنَّهُ مِنْ شَرْطِ مُفَارَقَتِهِ مُفَارَقَةُ مَكَانِهِ. وَإِذْ لاَ مُبَايَنَةَ لِمَكَانٍ إلاّ بِشُغْلِ ثَانٍ، إذًا، فَلاَ مُبَايَنَةَ لِسُوءٍ إِلاَّ إِذَا كَانَ اُلْمَكَانُ اُلْمُنْتَقَلُ إِلَيْهِ مُتَنَزِّهًا مِنْهُ أَيْضًا. لَكِنْ كُلُّ مَكَانٍ قَدْ صَارَ فِي كُلِّ مَكَانٍ. إِذًا، فَاُلْمُنْتَقِلُ مِنْ مَكَانِ اُلسُّوءِ غَيْرُ مُنْتَقِلٍ مِنْ مَكَانِهِ إِلاَّ إِلَى مَكَانِهِ. إِذًا، فَهْوَ لاَ يَنْتَقِلُ إِلاَّ إِلَى مَكَانٍ مُلْتَبِسٍ بِعَيْنِ اُلسُّوءِ، أَعْنِي إِلَى مَكَانٍ غَيْرِ مُتَنَزِّهٍ مِنْهُ. إِذًا، فَلاَ مُبَايَنَةَ أَصْلاً لِلسُّوءِ. لِذَلِكَ فَإِنَّ يَقِينَ الإِنْسَانِ بِهَذِهِ اُلضَّرُورَةِ مِمَّا تُورِثُهُ اُلْيَوْمَ يَأْسًا عَظِيمًا وَقُنُوطًا مُنْتَشِرًا. وَلِيَكُنْ هَذَا مِثَالَنَا : زَيْدٌ رَجُلٌ كَهْلٌ مُفَرِّطٌ فِي وَاجِبَاتِهِ اُلدِّينِيَّةِ كَثِيرُ اُلْوُرُودِ إِلَى أَمْكِنَةِ الرِّجْسِ كَاُلْحَانَاتِ وَاُلْمَوَاخِيرِ. وَهَذِهِ اُلْحَالُ تُورِثُهُ أَلَمًا بِاُلذَّنْبِ وَلَوْمًا مِنَ اُلنَّفْسِ دَائِبَيْنِ. لَكِنْ هُنَاكَ دَائِمًا مَا يُخَفِّفُ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَهْوَ عَزِيمَتُهُ عَلَى اُلتَّوْبَةِ ذَاتَ يَوْمٍ. وَلَيْسَ اُلْمُوَهَوِّنُ اُلْعَزِيمَةَ بِمُجَرَّدِهَا، بَلْ تَعَلُّقُ اُلْعَزِيمَةِ بِتَوْبَةٍ هِيَ فِي حُكْمِ زَيْدٍ مُمْكِنَةٌ جَائِزَةٌ. وَهْيَ مُمْكِنَةٌ فَلأَنَّهُ يُمْكِنُ لِزَيْدٍ الانْتِقَالُ مِنْ مَكَانِ النَّجَاسَةِ إِلَى مَكَانِ اُلطَّهَارَةِ، أَوْ لِنَقُلْ فَلأَنَّ زَيْدًا إِذَا فَارَقَ مَكَانَ اُلنَّجَاسَةِ بَقِيَ، أَيِ اُلْمَكَانَ، حَيْثُ هُوَ وَلَمْ يَصْحَبْهُ حَيْثُ اِنْتَقَلَ. لَكِنْ بِتَدَاخُلِ الأَمْكِنَةِ صَارَ لِزَيْدٍ يَقِينٌ بِأَنَّهُ لَنْ يُغْنِيَهُ مُفَارَقَتُهُ لِمَكَانِ اُلنَّجَاسَةِ، بَلْ أَيْنَمَا يُوَجِّهْ هُوَ لاَقِيهِ، أُسْوَةً بِاُلْمَثَلِ: “أَيْنَمَا أُوَجِّهْ أَلْقَ سَعْدًا”. لِذَلِكَ فَاُلتَّوْبَةُ هِيَ كَاُلْمُمْتَنِعَةِ عِنْدَهُ. وَإِذَا أَدْرَكَ ذَلِكَ، اِسْتَبَدَّ بِهِ يَأْسٌ عَظِيمٌ جَاعِلاً أَلَمَ اُلْمُخَالَفَةِ وَاُلتَّفْرِيطِ قَوِيًّا جِدًّا. وَقِسْ عَلَيْهِ سَائِرَ أَنْوَاعِ اُلسُّوءِ.

    β) ذِكْرُ كَيْفَ أَنَّ تَدَاخُلَ الأَمْكِنَةِ قَدْ أَوْجَبَ اُليَأْسَ وَاُلْقُنُوطَ مِنْ جِهَةِ قَطْعِ النَّفْسِ بِامْتِنَاعِ خُرُوجِ اُلْمُسْتَعِدِّ إِلَى كَمَالِهِ

   وَإِذِ الاسْتِعْدَادُ وَخُرُوجُهُ إِلَى اُلتَّمَامِ مِنْ بَعْضِ أَحْوَالِ الإِنْسَانِ، فَاُلاِسْتِعْدَادُ كَذَلِكَ لَهُ تَعَلُّقٌ مَا بِاُلْمَكَانِ. فَمَثَلاً عَمْرٌو وُلِدَ لَهُ غُلاَمٌ سَمَّاهُ زَيْدًا، وَقَدْ سُرَّ بِهِ كَثِيرًا. وَلِسَائِلٍ أَنْ يَسْأَلَ سُؤَالاً قَدْ يَبْدُو غَرِيبًا : مَا مَعْنَى كَوْنِ زَيْدٍ ابْنًا مَوْلُودًا لِعَمْرٍو وَبِمَا سُرَّ، عَلَى اُلتَّحْقِيقِ، عَمْرٌو حِينَ سُرَّ بِوِلاَدَةِ زَيْدٍ ؟ أَقُولُ : هُوَ اِبْنٌ مَوْلُودٌ، فَلأَنَّهُ قِطْعَةٌ لَحْمِيَّةٌ عَلَى هَيْئَةٍ عُضْوِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ كَانَ قَدْ تَخَلَّقَ مِنْ مَاءِ عَمْرٍو قَبْلَ أَنْ يَفِيضَ مِنْ رَحِمِ الأُمِّ. وَهَذِهِ اُلْقِطْعَةُ لَيْسَتْ هِيَ اُلْغَايَةَ، بَلْ إِنَّهَا اِسْتِعْدَادٌ لِمَا بَعْدَهَا مِنْ أَطْوَارٍ بَدَنِيَّةٍ كَكَوْنِ زَيْدٍ طِفْلاً ثُمَّ مُرَاهِقًا ثُمَّ شَابًّا ثُمَّ كَهْلاً، إِلَى غَيْرِهِ. وَسُرُورُ عَمْرٍو بِابْنِهِ اُلْمَوْلُودِ إِنَّمَا هُوَ سُرُورٌ بِهَذِهِ الأَطْوَارِ الَّتِي سَتَخْرُجُ إِلَى اُلْفِعْلِ حِينًا بَعْدَ حِينٍ وَالَّتِي لاَ تَخْرُجُ سِوَى مِنْ مَادَّةٍ أَصْلِيَّةٍ ذَكَرِيَّةٍ. لَكِنَّ سُرُورَ عَمْرٍو لَيْسَ بِالأَطْوَارِ اُلْبَدَنِيَّةِ بِمُجَرَّدِهَا، بَلْ بِلَوَاحِقِهَا الَّتِي قَدْ لاَ تَصِحُّ إِلاَّ لِذَكَرٍ. إِذْ هُوَ يَرَى حِينَ يُصْبِحُ زَيْدٌ طِفْلاً كَيْفَ سَيُرَبِّيهِ عَلَى اُلرُّجُولَةِ وَاُلنَّجْدَةِ، وَحِينَ يُصْبِحُ مُرَاهِقًا ثُمَّ شَابًّا كَيْفَ سَيَنْصَرِفُ إِلَى الاِجْتِهَادِ وَاُلكَدِّ حَتَّى يَنَالَ اُلْعَمَلَ اُلْمَطْلُوبَ، ثُمَّ يُزَوِّجَهُ، ثُمَّ يَكُونَ لَهُ عَوْنًا عَلَى كِبَرِهِ بَارًّا بِهِ. عَلَى مَعْنَى أَنَّ سُرُورَ عَمْرٍو، فِي اُلْجُمْلَةِ، إِنَّمَا بِاُلْكَمَالِ اُلْمَعْنَوِيِّ اُلْمَرْجُوِّ مِنَ اُلْمَادَّةِ اُلذَّكَرِيَّةِ اُلْمَوْلُودَةِ. وَهَذَا اُلْكَمَالُ، بِاُلتَّحْقِيقِ، هُوَ اُلْبِرُّ : اُلْبِرُّ بِهِ وَبِأَهْلِهِ وَبِدِينِهِ وَبِوَطَنِهِ. لَكِنْ قُلْنَا فِي فَصْلٍ مَضَى إِنَّ صِفَاتِ اُلْقَرَابَةِ وَاُلْوَشِيجَةِ لَيْسَتْ بِخَواصَّ طَبِيعِيَّةٍ مُجَرَّدَةٍ، بَلْ هِيَ تَوَابِعُ لَهَا لاَ تَتِمُّ إِلاَّ بِاُلْكَسْبِ وَالتَّكْمِيلِ. كَاُلْبُنُوَّةِ الَّتِي لاَ يَتِمُّ مَعْنَاهَا إِلاَّ بِاُلْمُنَاجَاةِ وَاُلْحُضُورِ. وَلاَ مُنَاجَاةَ وَلاَ حُضُورَ إِلاَّ بِاُلْكَوْنِ فِي اُلْمَكَانِ بِعَيْنِهِ. فَبَانَ مِنَ اُلْمِثَالِ أَنَّ تَمَامَ الاسْتِعْدَادِ مُتَعَلِّقٌ بِاُلْمَكَانِ أَيْضًا. إِذًا، فَيَلْزَمُ أَنَّهَ مَا مَنَعَ مِنْ عَيْنِيَّةِ اُلْمَكَانِ إِنَّمَا يَثْبُتُ مَانِعًا لِلاسْتِعْدَادِ عَنْ تَمَامِهِ. وَلَكِنَّ اُلأَمْكِنَةَ إِذَا تَدَاخَلَتْ صَارَ كُلُّ مَكَانٍ هُوَ غَيْرَهُ. عَلَى مَعْنَى أَنَّ مُدَاخَلَةَ الأَمْكِنَةِ هِيَ مَانِعَةٌ مِنْ عَيْنِيَّةِ اُلْمَكَانِ أَلْبَتَّةَ. إِذًا، فَالأَنْتَرْنَتْ إِنَّمَا هِيَ عَائِقٌ قَوِيٌّ لِلْمُسْتَعِدِّ عَنْ تَمَامِهِ. وَاُلنَّفْسُ عَارِفَةٌ جَيِّدًا بِه، لِذَلِكَ رَجَحَ لَدَيْهَا، بِاُلْكُلِّيَّةِ، جِهَةُ اُلنَّفْيِ فِي الاِنْتِقَالِ مِنْ عَدَمِ الاِسْتِعْدَادِ إِلَى وُجُودِ اُلْكَمَالِ. وَهْوَ مَا وَلَّدَ فِيهَا مَا نَرَى اُلْيَوْمَ مِنْ يَأْسٍ عَظِيمٍ وَقُنُوطٍ مُنْتَشِرٍ أَيْضًا.

   V) إِفْرَادُ اُلْقَوْلِ فِي آفَةٍ عَظِيمَةٍ لاَزِمَةٍ مِنْ تَدَاخُلِ الأَمْكِنَةِ، وَهْيَ تَشَوُّهُ الطُّفُولَةِ وَتَكَسُّرُهُا وَاِنْمِحَاقُهَا

   وَآفَةٌ نَفْسِيَّةٌ أُخْرَى عَظِيمَةٌ تَابِعَةٌ لِتَدَاخُلِ اُلأَمْكِنَةِ بِسَبَبِ الانْتَرْنَتْ وَاجِبَةُ اُلْبَيَانِ جِدًّا، وَهْيَ تَشَوُّهُ الطُّفُولَةِ وَتَكَسُّرُهَا وَاِنْمِحَاقُهَا. فَقَدْ قُلْنَا فِيمَا سَلَفَ إِنَّ هَذَا اُلتَّدَاخُلَ أَوْجَبَ أَيْضًا مُدَاخَلَةَ عَالَمِ اُلْكَبِيرِ لِعَالَمِ اُلصَّغِيرِ. لَكِنَّهُ، خِلاَفًا لِلأَمْثِلَةِ اُلْمُتَقَدِّمَةِ وَعَلَى غَيْرِ اُلْمُنْتَظَرِ لَمْ يَكُنْ اُللاَّزِمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ صَارَ لِعَالَمِ اُلطُّفُولَةِ نَصِيبٌ مِنْ خَوَاصِّ عَالَمِ اُلْكَبِيرِ. بَلْ إِنَّ اُلطِّفْلَ هُوَ طِينَةٌ رَطْبَةٌ وَاسْتِعْدَادٌ لِقَبُولِ اُلنَّقْشِ وَاُلتَّرْبِيَةِ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ فِي اُلْجِسْمِ صَاحَبَ ذَلِكَ اُلْبُلُوغَ رِشْدَةٌ فِي اُلْعَقْلِ وَقُوُّةٌ فِي اُلنَّفْسِ يُتَمِّمَانِهِ رَجُلاً أَوِ اِمْرَأَةً. إذًا، فَهْوَ مَوْضُوعٌ غَيْرُ ذِي صِفَةٍ، بَلْ مُكْسَبٌ لِلصِّفَةِ، وَهْوَ لِلُيُونَتِهِ وَرِقَّتِهِ فَقَدْ وَجَبَ فِي آلَةِ اُلنَّقْشِ وَفِعْلِهَا أَنْ يَكُونَ لَهُمَا تَلَطُّفٌ وَرِفْقٌ بِاُلْمَنْقُوشِ حِذَارًا مِنْ الاِنْكِسَارِ أَوِ الاِعْتِلاَلِ. لِذَلِكَ فَإِنَّ عَالَمَ اُلْكَبِيرِ إِذَا دَاخَلَ عَالَمَ اُلصَّغِيرِ فَلَيْسَ اُلشَّأْنُ فِيهِ كَمَا فِي الأَمْثِلَةِ اُلْمَذُكُورَةِ، كَحَيِّ اُلْكَرَّادَةِ مَعَ اُلشَّنْزِيلِيزِي : إِذِ الشَّنْزِيلِيزِي، وَإِنْ دَاخَلَهُ حَيُّ اُلْكَرَّادَةِ وَصَارَ لَهُ نَصِيبٌ مِنْ خَوَاصِّهِ، فَهْوَ ثَابِتٌ فِي نَفْسِهِ مُتَحَقِّقٌ بِخَوَاصِّهِ. فَإِنْ قَهَرَتْهُ خَوَاصُّ الأَوَّلِ قَامَتْ بِمَوْضُوعٍ ثَابِتٍ، أَيْ أَنَّ اُلْمَوْضُوعَ الَّذِي قَدْ تَعَطَّلَتْ مِنْهُ خَوَاصُّ اُلشَّنْزِيلِيزِي اُلْمَعْرُوفَةُ أَصْبَحَ الآنَ مَوْضُوعًا لِخَوَاصِّ حَيِّ اُلْكَرَّادَةِ. وَهْوَ بِخَوَاصِّهِ لاَ يَنْفَكُّ يُقَاوِمُ اُلْمَكَانَ اُلْغَازِي وَيُصِرُّ عَلَى اُلظُّهُورِ اُلدَّائِمِ بِأَنَّهُ إِنَّمَا هُوَ اُلشَّنْزِيلِيزِي وَلَيْسَ غَيْرَهُ. أَمَّا عَالَمَ اُلصَّغِيرِ فَلَيْسَ بَعْدُ مَوْضُوعًا ثَابِتًا، بَلْ هُوَ فِي طَرِيقِ اُلثُّبُوتِ. لِذَلِكَ، إِذَا دَاخَلَهُ عَالَمُ اُلْكَبِيرِ فَإِنَّ خَوَاصَّ هَذَا اُلْعَالَمِ لَنْ تَلْفَى أَصْلاً مَوْضُوعًا تَقُومُ بِهِ، وَلَوْ بَعْدَ قَهْرٍ لِخَوَاصِّهِ اُلذَّاتِيَّةِ، بَلْ هِيَ لِشِدَّتِهَا وَقُوَّتِهَا إِذَا مَا تَسَلَّطَتْ عَلَى اُلْمَادَّةِ اُلطَّفْلِيَّةِ، فَإِمَّا أَنْ تَنْسِفَهَا نَسْفًا : كَزُجَاجٍ نُقِشَ بِآلَةٍ غَلِيظَةٍ أَوْ أُوقِعَتْ عَلَيْهِ بِقُوَّةٍ فَلَمْ يَحْصُلْ زُجَاجًا مَنْقُوشًا وَلَوْ نَقْشًا شَنِيعًا، بَلْ قِطَعًا مُتَنَاثِرَةً. وَإِمَّا أَنْ تُخْرِجَهَا مِنَ الاِسْتِعْدَادِ اُلطَّبِيعِيِّ إِلَى فَسَادِ الاِسْتِعْدَادِ : كَطِينَةٍ أُفْرِطَتْ رُطُوبَةً، فَفَسَدَ اِسْتِعْدَادُهَا لأَنْ تَصِيرَ تِمْثَالاً تَامًّا مُتَمَاسِكًا. بَلْ إِنْ صِيغَ هُوَ مِنْهَا خَرَجَ تِمْثَالًا قَبِيحًا رَهِلَ اُلأَجْزَاءِ. كَذَلِكَ فَإِنَّ مُزَاحَمَةَ عَالَمِ اُلْكَبِيرِ لِعَالَمِ الصَّغِيرِ سَيَتْبَعُهُ، لاَ مَحَالَةَ، تَجْرِيدُ الطُّفُولَةِ أَصْلاً مِنَ اُلْعَالَمِ اُلْمَخْصُوصِ بِهَا وَاُلزَجُّ بِهَا مِنْ أَوَّلِ نَشْأَتِهَا فِي عَالَمٍ وَاحِدٍ عَالَمِ اُلْكَبِيرِ. وَهْوَ عَالَمٌ لَيْسَ شَأْنُهُ أَلْبَتَّةَ أَنْ يُصَوِّرَ اُلطُّفُولَةَ. بَلْ مَنْزِلَتُهُ مِنْهَا كَمَنْزِلَةِ آلَةِ النَّقْشِ اُلْغَلِيظَةِ مِنَ اُلزُّجَاجِ أَوْ كَمَنْزِلَةِ الرُّطُوبَةِ اُلْمُفْرِطَةِ مِنَ اُلطِّينِ. وَاُلْمَنْزِلَةُ الأُولَى تُعْطِي طِفْلاً مُتَكَسِّرًا مُتَشَظِّيًا كَاُلزُّجُاجِ : وَهْوَ مَا نَرَى اُلْيَوْمَ مِنْ فُشُوِّ اُلْجُنُونِ وَاُلكَآبَةِ وَالإِقْبَالِ عَلَى الاِنْتِحَارِ فِي الأَطْفَالِ. وَاُلْمَنْزِلَةُ الثَّانِيَةُ تُعْطِي طِفْلاً ذَا هَيْئَةٍ خَارِجَةٍ عَنِ الاِسْتِوَاءِ تَخْتَلِفُ بَشَاعَتُهَا مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، كَالطِّينَةِ. وَهْوَ مَا نَرَى اُلْيَوْمَ مِنْ شُيُوعٍ لأَنْوَاعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ اُلْخَلَلِ اُلنَّفْسِيِّ وَاُلْفِعْلِيِّ عِنْدَ الأَطْفَالِ وَمَا قَدْ صِرْنَا نَسْمَعُ لَهُمْ مِنْ أَعْمَالٍ مُنْكَرَةٍ أَوْجَرَائِمَ فَظِيعَةٍ مَا كَانَ يُقْدِمُ عَلَيْهَا فِيمَا مَضَى إِلاَّ عُتَاةُ اُلْمُجْرِمِينَ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : إِنَّا لاَنُنْكِرُ أَنَّ الانْتَرْنَتْ قَدْ قَوَّتْ مُدَاخَلَةَ عَالَمِ اُلْكَبِيرِ لِعَالَمِ اُلصَّغِيرِ. وَلَكِنْ مَا يُفْهَمُ مِنْ بَيَانِكَ أَنَّ نَفْسَ هَذِهِ اُلْمُدَاخَلَةِ، لاَ اُلْمُدَاخَلَةُ بِشَرْطِ اُلقُوَّةِ، إِنَّمَا تُوجِبُ مَا ذَكَرْتَ مِنْ آفَاتٍ. لَكِنَّ الطِّفْلَ لِعَجْزِهِ وَضَعْفِهِ لاَ يَخْلُو مِنْ صُحْبَةِ اُلْكَبِيرِ. فَفِي اُلْبَيْتِ مَعَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، وَفِي اُلكُتَّابِ أَوِ اُلْمَدْرَسَةِ مَعَ مُؤَدِّبِهِ وَمُعَلِّمهِ، إِلَى غَيْرِهِ. بَلْ لاَ يَخْلُو مَكاَنٌ اِنْتَقَلَ إِلَيْهِ إِلاَّ وَلاَقَاهُ كَبِيرٌ. إِذًا، فَاقْتِرَانُ عَالَمِ اُلصَّغِيرِ بِعَالَمِ اُلْكَبِيرِ هُوَ دَائِمٌ ضَرُورِيٌّ، وَلاَ يُقَالُ إِنَّ الطُّفُولَةَ مِنْ أَوَّلِ عَهْدِهَا مُجَرَّدَةٌ مِنْ عَالَمِهَا مَحْشُورَةٌ قَسْرًا فِي عَالَمٍ وَاحِدٍ عَالَمِ اُلْكَبِيرِ. اُلْجَوَابُ : إِنَّ عَالَمَ اُلْكَبِيرِ لَيْسَ لِمُجَرَّدِ اِقْتِرَانِهِ اُلْحِسِّيِّ بِعَالَمِ اُلصَّغِيرِ إِنَّمَا يَقْتَضِي خَرَابَهُ وَتَقَوُّضَ أَرْكَانِهِ. فَحُكْمُ اُلْمُدَاخَلَةِ بَيْنَ اُلْعَالَمَيْنِ فِي اُلْوَاقِعِ غَيْرُهُ بِاُلْوَاسِطَةِ اُلْوَهْمِيَّةِ. إِذْ قَدْ أَسْلَفْنَا أَنَّ اُلْوَاقِعَ هُوَ فَاعِلٌ ذُو أَحْكَامٍ وَاجِبَةٍ بِذَاتِهَا عَلَى الأَشْيَاءِ مُنْفَصِلَةٍ عَنِ الإِرَادَةِ. وَهْوَ مِمَّا يُوجِبُهُ أَنَّ اُلكَبِيرَ لاَ يَنْبَغِي، إِطْلاَقًا، أَنْ يُوقِعَ عَالَمَهُ عَلَى عَالَمِ اُلصَّغِيرِ، دُفْعَةً وَاحِدَةً قَهْرًا. بَلْ إِنَّهُ إِذَا وَرَدَ عَلَى الصَّغِيرِ، فَاُلْمُوصَى بِهِ أَنْ يَنْسَلِخَ مِنْ عَالَمِهِ اُلْمَخْصُوصِ وَأَنْ يُذْعِنَ لِعَالَمِ اُلصَّغِيرِ وَيَدْخُلَ تَحْتَ حُكْمِهِ، عَلَى شُرُوطٍ وَجِهَاتٍ مَحْدُودَةٍ. لِذَلِكَ فَإِنَّهُ قَدْ جَرَتِ اُلْعَادَةُ أَوِ اُلْعُرْفُ أَوِ اُلْقَانُونُ بَيْنَ جُلِّ الأُمَمِ اُلْغَابِرَةِ وَاُلْحَاضِرَةِ أَنَّهُ مِنَ الأَفْعَالِ وَالأَقْوَالِ وَالأَخْبَارِ وَالصُّوَرِ مَا يَنْبَغِي صَوْنُ أَبْدَانِ وَأَسْمَاعِ وَأَبْصَارِ اُلنَّاشِئَةِ مِنْهَا، وُجُوبًا. أَمَّا اُلْوَاسِطَةُ اُلْوَهْمِيَّةُ، فَلأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلإِرَادَةِ، فَلَيْسَ فِيهَا مِنْ قَيْدٍ خَارِجِيٍّ ضَابِطٍ لِلْعَلاَقَةِ بَيْنَ اُلْعَالَمَيْنِ. إِذًا، فَاُلْحُكْمُ فِيهَا، أَيْ فِي اُلْعَلاَقَةِ، إِنَّمَا هُوَ تَابِعٌ لِحَقِيقَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَحَقِيقَةِ نِسْبَةِ أَحَدِهِمَا إِلَى الآخَرِ. فَمَثَلاً رَجُلاَنِ حَقِيقَةُ أَحَدِهِمَا ظُلْمٌ وَبَطْشٌ، وَحَقِيقَةُ اُلثَّانِي اُلْعَدْلُ وَاُلرِّفْقُ. وَحَقِيقَةُ نِسْبَةِ اُلأَوَّلِ إِلَى اُلثَّانِي اُلْعُلُوُّ فِي اُلْقُدْرَةِ وَاُلْقُوَّةِ. فَلَوْ خَلاَ مَكَانُهُمَا مِنْ قَيْدٍ خَارِجِيٍّ، وَهْوَسُلْطَانٌ ظَاهِرٌ أَوْ قَانُونٌ نَافِذٌ، فَلاَ جَرَمَ أَنَّ الأَوَّلَ سَيَجْرِي عَلَى سَجِيَّتِهِ فِي عَلاَقَتِهِ بِاُلثَّانِي وَلَنْ يَتَوَرَّعَ عَنْ قَهْرِهِ أَوْسَلْبِهِ أَوِاِسْتِعْبَادِهِ. كَذَلِكَ عَالَمُ اُلْكَبِيرِ فِي اُلْوَاسِطَةِ اُلْوَهْمِيَّةِ، فَإِنَّمَا عَلاَقَتُهُ بِعَالَمِ اُلصَّغِيرِ لاَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ إِلاَّ قَهْرًا وَسَلْبًا وَمَحْقًا.

  2) آفَاتٌ لاَزِمَةٌ مِنْ صَيْرُورَةِ حَوَادِثِ كُلِّ مَكَانٍ مَكَانٍ حَوَادِثَ لِلْمَكَانِ اُلْوَاحِدِ

   اُلسَّبَبُ اُلْقَرِيبُ اُلثَّانِي : صَيْرُورَةُ حَوَادِثِ كُلِّ مَكَانٍ مَكَانٍ حَوَادِثًا لِلْمَكَانِ اُلْوَاحِدِ. فَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ النَّفْسَ الإِنْسَانِيَّةَ هِيَ مَحَلٌّ لانْفِعَالاَتٍ كَثِيرَةٍ. وَإِذْ أَنَّ الاِنْفَعَالَ هُوَ قَبُولٌ لِأَثَرِ اُلْفِعْلِ اُلْمُتَسَلِّطِ عَلَى اُلْمُنْفَعِلِ، فَلاَ شَكَّ أَنَّهُ يَتْبَعُهُ لِلنَّفْسِ شَيءٌ مِنَ اُلْكَدِّ وَاُلشِّدَّةِ. لَكِنْ مِنَ الاِنْفِعَالاَتِ مَا كَدُّهُ يَسِيرٌ وَقَدْ لاَ يَكُونُ مَشْعُورًا بِهِ، وَهْيَ خَاصَّةً الاِنْفِعَالاَتُ اُلْمُلِذَّةُ كَاُلْفَرَحِ وَاُلْغِبْطَةِ وَاُلْحُبِّ وَاُلرَّجَاءِ وَالأَمَلِ وَالرِّضَا واُلْبِرِّ وَاُلتَّعَجُّبِ. لَكِنَّهَا إِذَا قَوِيَتْ أَوْ تَكَرَّرَتْ أَوِ اِجْتَمَعَتْ أَسْبَابٌ أَوْ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا، فَقَدْ تَصِيرُ مُكِدَّةً جِدًّا. وَمِنْهَا أَيْضًا، أَيِ الاِنْفِعَالاَتِ، مَا كَدُّهُ غَيْرُ يَسِيرٍ وَهْيَ خَاصَّةً الاِنْفِعَالاَتُ اُلْمُؤْلِمَةُ كَاُلْخَوْفِ وَاُلْغَضَبِ وَاُلْحِقْدِ وَاُلْحَسَدِ وَاُلْحَسْرَةِ وَاُلنَّقْمَةِ وَالإِنْكَارِ وَاُلشَّهْوَةِ وَالاِنْشِغَالِ وَالاِهْتِمَامِ. وَهَذِهِ إِذَا اجْتَمَعَتْ أَوْ تَكَرَّرَتْ أَجْدَرُ بِأَنْ تَكُونَ مُكِدَّةً جِدًّا. وَمِثْلَمَا أَنَّ أَسْبَابَ اُلْكَدِّ وَاُلشِدَّةِ اُلْمَحْسُوسَةِ إِذَا اعْتَرَتْ بَدَنًا أَجْهَدَتْهُ، فَإِذَا قَوِيَتْ أَرْهَقَتْهُ، ثُمَّ إِذَا ازْدَادَتْ قُوَّةً أَوْهَنَتْهُ أَوْ نَقَضَتْهُ نَقْضًا، كَذَلِكَ الاِنْفِعَالاَتُ إِذَا اِجْتَمَعَتْ عَلَى نَفْسٍ أَجْهَدَتْهَا، فَإِذَا قَوِيَتْ أَوْ تَكَرَّرَتْ كَثِيرًا أَرْهَقَتْهَا، ثُمَّ إِذَا اِزْدَادَتْ تَكَرُّرًا وَتَوَاتُرًا أَوْهَنَتِ النَّفْسَ أَوْ نَقَضَتْهَا نَقْضًا.

   I) بَحْثٌ فِي الانْفِعَالِ، وَفِي أَنَّ سَبَبَهُ هُوَ اُلْحَادِثُ، وَفِي أَنَّ الانْفِعَالَ اُلنَّفْسِيَّ يَخْتَصُّ مِنَ الاِنْفِعَالِ اُلْحِسِّيِّ بِأَنَّهُ هُوَ تَكَلُّفٌ لِحَالٍ، إِقَامَةً لِلْحَادِثِ وَجَوَابًا لِمَطْلُوبِهِ

   وَإِذْ أَنَّ اُلشَّيْءَ لاَ يَنْفَعِلُ مِنْ ذَاتِهِ، بَلْ مِنْ أَسْبَابٍ خَارِجِيَّةٍ، كَذَلِكَ النَّفْسُ انْفِعَالُهَا مِنْ أَشْيَاءٍ خَارِجِيَّةٍ. وَمَا قَدْ يُظَنُّ أنّه انْفِعَالٌ لَهَا مِنْ ذَاتِهَا فَهْوَ بِوَاسِطَةٍ مَا خَارِجِيَّةٍ، لاَ مَحَالَةَ. لَكِنْ لَيْسَ أَيُّ شَيْءٍ خَارِجِيٍّ هُوَ يُوجِبُ اِنْفِعَالاً نَفْسِيًّا بَيِّنًا. فَمَثَلاً، كُنْتُ لَمَحْتُ، عَرَضًا، حَصَاةً صَغِيرَةً مُلْقَاةً عَلَى أَحَدِ طُرَّتَيِ الطَّرِيقِ. فَهْيَ شَيْءٌ خَارِجِيٌّ لَمْ يُوجِبْ لِنَفْسِي أَيَّ اِنْفِعَالٍ بَيِّنٍ. وَلَيْسَ أَيُّ انْفِعَالٍ نَفْسِيٍّ بَيِّنٍ يُوجِبُهُ أَيُّ شَيْءٍ خَارِجِيٍّ. عَلَى مَعْنَى أَنَّ كُلَّ اِنْفِعَالٍ مَخْصُوصٍ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُوجِبَهُ أَيُّ شَيْءٍ. فَمَثَلاً اِنْفِعَالُ اُلْخَوْفِ إِنَّمَا تُوجِبُهُ أَشْيَاءُ مَخْصُوصَةٌ كَاُلأَسَدِ وَاُلذِّئْبِ وَاُلْقَاتِلِ وَاُلظَّالِمِ. وَلاَ يُوجِبُهُ اُلْخَرُوفُ وَاُلْعُصْفُورُ. وَأَيْضًا، لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ مِمَّا يُوجِبُ اِنْفِعَالاً فَهْوَ يُوجِبُ أَيَّ اِنْفِعَالٍ. فَمَثَلاً اُلْقَاتِلُ هُوَ يُوجِبُ اِنْفِعَالَ اُلْخَوْفِ، وَهْوَ لاَ يُوجِبُ اِنْفِعَالَ اُلْفَرَحِ وَالأَمْنِ. إِذًا فَلِكُلِّ انْفِعَالٍ لِلنَّفْسِ سَبَبٌ خَارِجِيٌّ : فَإِذَا تَكَرَّرَ أَوْ قَوِيَ تَكَرَّرَ الاِنْفِعَالُ اُلتَّابِعُ لَهُ وَقَوِيَ. فَمَثَلاً زَيْدٌ اُلتَّاجِرُ صَارَتْ لَهُ بَعْضُ اُلْخَشْيَةِ بِسَبَبِ أَنَّ تَاجِرًا فِي اُلْقَرْيَةِ قَدْ سُرِقَ وَلَمَّا يُدْرَكْ اُللِّصُّ. فَلَوْ تَكَرَّرَتِ اُلسَّرِقَةُ، فَلاَ جَرَمَ أَنَّ خَشْيَتَهُ سَتَصِيرُ قَوِيَّةً جِدًّا مُذْهِلَةً. وَإِذَا اِخْتَلَفَتِ الأَسْبَابُ وَتَنَوَّعَتْ، اِخْتَلَفَتِ الاِنْفِعَالاَتُ وَتَنَوَّعَتْ. فَمَثَلاً، اُلسَّرِقَةُ أَوْجَبَتْ فِي زَيْدٍ انْفِعَالَ اُلْخَوْفِ، وَرِبْحُ نِدِّهِ عَمْرٍو الصَّفَقَةَ رِبْحًا عَظِيمًا أَوْجَبَ الحَسَدَ، وَسَمَاعُهُ بِأَنَّ اُلْحَاكِمَ سَيَرْفَعُ اُلضَّرِيبَةَ أَوْجَبَ اُلْغَضَبَ، وَرُؤْيَتُهُ لابْنِهِ مُنْحَرِفًا عَنِ الدَّرْسِ أَوْجَبَتِ الاهْتِمَامَ. وَإِذْ أَنَّ أَسْبَابَ الاِنْفِعَالِ فَاعِلَةٌ وَاُلْفَاعِلُ مَوْجُودٌ، فَأَسْبَابُ الانْفِعَالِ مَوْجُودَةٌ، ضَرُورَةً. لَكِنَّ اُلْمُنْفَعِلَ لاَ يَنْفَعِلُ عَنْ كُلِّ مَوْجُودٍ، بَلْ عَنِ اُلْمَوْجُودِ اُلْحَادِثِ إِذْ هُوَ حَادِثٌ أَوْ قَرِيبُ اُلْحُدُوثِ. أَمَّا اُلْمَوْجُودُ اُلْغَيْرُ اُلْحَادِثِ فَهْوَ اُلطَّبِيعَةُ، وَلاَ اِنْفَعَالَ مِنْهَا. فَمَثَلاً الأُذْنُ اُلصَّحِيحَةُ طَبِيعَةٌ، وَالإِنْسَانُ لاَيَتَنَبَّهُ عَلَى وُجُودِهَا إِلاَّ بِرَوِيَّةٍ وَقَصْدٍ. أَوِ اُلْحَادِثُ اُلْقَدِيمُ، فَلأَنِّ اُلشَّيْءَ الَّذِي كَانَ انْفَعَلَ عَنْهُ قَدْ يَعْتَادُهُ وَبِاُلْعَادَةِ هُوَ يَصِيرُ فِي حُكْمِ اُلطَّبِيعَةِ. فَمَثَلاً، زَيْدٌ الَّذِي اعْتَرَاهُ أَلَمٌ شَدِيدٌ لِوَفَاةِ اِبْنِهِ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةٍ، اُليَوْمَ هُوَ مُتَنَزِّهٌ مِنْهُ بِاُلْكُلِّيَّةِ أَوْ لَمْ يَبْقَ لَهُ مِنْهُ إِلاَّ آثَارٌ يَسِيرَةٌ. وَفِي اُلْجُمْلَةِ، فَإِنَّ الاِنْفعَالاَتِ هِيَ تَابِعَةٌ لِلْحَوادِثِ اُلْمُتَجَدِّدَةِ : وَعَلَى قُوَّتِهَا أَوْ تَنَوُّعِهَا إِنَّمَا تَقْوَى الاِنْفِعَالاَتُ وَتَتَنَوَّعُ. ثُمَّ إِنَّ الاِنْفِعَالاَتِ اُلنَّفْسِيَّةَ تَخْتَصُّ مِنْ سَائِرِ الاِنْفِعَالاَتِ بِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تُقِيمُ اُلْحَوَادِثَ وَتُجِيبُ مَطْلُوبَاتِهَا : فَحَادِثٌ، كَوَفَاةِ ابْنٍ يَطْلُبُ مِنَ اُلنَّفْسِ أَنْ تَتَكَلَّفَ اُلْحُزْنَ وَالاِنْكِسَارَ حَتَّى يَتَقَوَّمَ فِي مَعْنَى اُلْفَاجِعَةِ وَالثُّكْلِ، وَآخَرُ، كَمُجَافَاةِ بِنْتٍ لأُمِّهَا يَطْلُبُ مِنَ اُلنَّفْسِ أَنْ تَتَكَلَّفَ اُلْغَضَبَ وَاُلْحَسْرَةَ حَتَّى يَتَقَوَّمَ فِي مَعْنَى اُلعُقُوقِ، وَآخَرُ، كَتَعَدِّي قَوِيٍّ عَلَى ضَعِيفٍ يَطْلُبُ مِنْهَا الإِنْكَارَ والسُّخْطَ حَتَّى يَتَقَوَّمَ فِي مَعْنَى الظُّلْمِ. عَلَى مَعْنَى أَنَّ اُلنَّفْسَ لَهَا رِعَايَةٌ وَاهْتِمَامٌ بِاُلْحَوَادِثِ وَهْيَ مُضْطَرَّةٌ لأَنْ تَتَحَمَّلَ لِكُلِّ شَأْنٍ مِنْهَا، أَيِ مِنَ اُلْحَوَادِثِ، حَالاً مُلاَئِمَةً. وَذَلِكَ مَا مَعْنَى اِنْفِعَالِهَا. وَقَدْ قُلْنَا إِنَّهُ إِذَا تَكَرَّرَتْ أَسْبَابُ الاِنْفِعَالِ أَوْ تَنَوَّعَتْ، تَكَرَّرَتِ الاِنْفِعَالاَتُ وَتَنَوَّعَتْ. إذًا، إِنَّ اُلْحَوَادِثَ إِذَا تَكَرَّرَتْ وَتَنَوَّعَتْ، تَكَرَّرَتْ اِنْفِعَالاَتُ اُلنَّفْسِ وَتَنَوَّعَتْ. وِالاِنْفِعَالُ هو تَحَمُّلٌ وَكَدٌّ. إِذًا، قَوِيَ كَدُّ النَّفْسِ وَاشْتَدَّ.

   II) بَيَانُ كَيْفَ أَنَّ اُلنَّفْسَ صَارَتْ كُلْفَتُهَا بِحَوَادِثَ لاَ مُتَنَاهِيَةٍ أَوْجَبَتْ لَهَا اُلْوَهَنَ وَالإِنْهَاكَ، وَالاسْتِئْنَاسُ عَلَى ذَلِكَ بِمِثَالِ حَارِسِ اُلْمَرْمَى وَاُلكُرَاتِ اُلْمَقْذُوفَاتِ 

   فَإِذَا مَا عُدْنَا الآنَ إِلَى مَا قُلْنَا آنِفًا بِأَنَّ اُلْحَادِثَ إِنَّمَا يُلْحَقُ بِاُلْمَكَانِ إِنَّمَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ، أَيِ اُلْمَكَانَ، شَاهِدًا عَلَى اُلْحَادِثِ، فَبَيِّنٌ أَنَّهُ بِالانْتَرْنَتْ قَدْ صَارَ اُلْمَكَانُ اُلْوَاحِدُ لاَ تَتَعَلَّقُ بِهِ فَقَطْ اُلْحَوَادِثُ اُلْمُشْتَمِلُ عَلَيْهَا اِشْتِمَالاً مَحْسُوسًا، بَلْ حَوَادِثُ كُلِّ مَكَانٍ مَكَانٍ هِيَ حَوَادِثُ لَهُ أَيْضًا. إِذًا، فَاُلنَّفْسُ اُلْمُقِيمَةُ بِاُلْمَكَانِ بَعْدَ أَنْ كَانَ تَكْلِيفُهَا إِنَّمَا بِحَوادِثِ اُلْمَكَانِ اُلْمُتَجَدِّدَةِ فَقَطْ، وَهْيَ مَعْدُودَةٌ مَحْصُورَةٌ قَطْعًا، أَصْبَحَ تَكْلِيفُهَا بِمَا لاَ يَتَنَاهَى : فَمَثَلاً زَيْدٌ، فِيمَا مَضَى، كَانَ قَدْ يَنُوءُ فِي الأُسْبُوعِ اُلْوَاحِدِ بِغَضَبٍ أو غَضَبَيْنِ، كَغَضَبِهِ تَارَةً مِنْ زَوْجِهِ وَتَارَةً مِنْ جَارِهِ. وَقَدْ يَنُوءُ فِي اُلْعَامِ اُلْوَاحِدِ بِاهْتِمَامٍ أَوِ اهْتِمَامَيْنِ، كَاهْتِمَامِهِ بِنَجَاحِ اِبْنِهِ فِي الاِمْتِحَانِ، وَكَيْفَ يَحْتَالُ عَلَى اُلْحَاكِمِ حَتَّى يَحُطَّ مِنَ اُلضَّرِيبَةِ اُلْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ. وَقَدْ يَنُوءُ فِي عُمُرِهِ كُلِّهِ بِحَسَدٍ بَيِّنٍ وَاحِدٍ، كَحَسَدِهِ صَدِيقًا تِرْبًا لَهُ كَانَ أَفْقَرَ مِنْهُ ثُمَّ فَاتَهُ كَثِيرًا بِاُلثَّرْوَةِ. وَقَدْ يَنُوءُ فِي اُلعِقْدِ اُلْوَاحِدِ بِإِنْكَارٍ وَاحِدٍ أَوِاسْتِفْظَاعٍ وَاحِدٍ، كَإِنْكَارِهِ سَنَةَ تِسْعُمَائَةَ وَأَلْفٍ مَا سَمِعَهُ فِي اُلْقَرْيَةِ مِنْ أَنَّ اِبْنًا طَرَدَ أَبَاهُ مِنَ اُلْبَيْتِ، وَاسْتِفْظَاعِهُ سَنَةَ عَشَرَ وَ تِسْعُمَائَةَ وَأَلْفٍ مَا سَمِعَهُ فِي اُلْقَرْيَةِ اُلْمُجَاوِرَةِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ بِبَيْتِهِ بِسِكِّينٍ. فَيُرَى كَيْفَ كَانَ بَيْنَ اِنْفِعَالاَتِ زَيْدٍ فَتَرَاتٌ غَيْرُ قَصِيرَةٍ تُعْطِي دَائِمًا لِلنَّفْسِ فُسْحَةً وَرَاحَةً وَانْفِرَاجًا. أَمَّا اُلْيَومَ، فَهْوَ فِي اُلسَّاعَةِ اُلْوَاحِدَةِ قَدْ يَنُوءُ بِأَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ غَضَبًا: غَضَبٍ مِنْ زَوْجِهِ وَغَضَبٍ مِنْ جَارِهِ وَغَضَبٍ مِنْ صَدِيقٍ عَلِمَ بِالانْتَرْنَتْ أَنَّهُ يُعَامِلُ أَيْضًا خَصْمًا لَهُ وَغَضَبٍ مِنْ فُلاَنَةَ كَانَ يَظُنَّ أَنَّهَا لاَ تُصْفِي الوُدَّ غَيْرَهُ وَغَضَبٍ مِنَ اُلْوَزِيرِ كَذَا إِذْ أَخْبَرَ “اُلْفَيْس بُوكَ” أَنَّهُ مُرْتَشٍ. فَهَلُمَّ جَرًّا. وَقَدْ يَنُوءُ كَذَلِكَ بِأَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ اِهْتِمَامًا : اهْتِمَامٍ بِابْنِهِ وَاِهْتِمَامٍ بِالضَّرِيبَةِ وَاِهْتِمَامٍ بِانْقِلاَبٍ فِي بِلاَدِ كَذَا وَاهْتِمَامٍ بِأَمْرِ صَبِيٍّ فَقَدَ كُلَّ أُسْرَتِهِ بِبِلاَدِ كَذَا وَاهْتِمَامٍ بِدَابَّةٍ قَلِيلٍ عَدِيدُ نَوْعِهَا تُعَالَجُ وَهْيَ بَيْنَ اُلْمَوْتِ وَاُلْحَيَاةِ. وَقِسْ عَلَيْهِمَا سَائِرَ الانْفِعَالاَتِ. وَإِذْ أَنَّ اُلنَّفْسَ بِالانْتَرْنَتْ قَدْ صَارَتْ تَنْفَعِلُ عَنْ مَا لاَ يَتَنَاهَى مِنَ اُلْحَوَادِثِ، عِدَّةً وَنَوْعًا، وَقَدْ قُلْنَا إِنَّهُ كَمَا فِي اُلْبَدَنِ، إِذَا الاِنْفِعَالاَتُ تَكَرَّرَتْ كَثِيرًا وَتَنَوَّعَتْ أَرْهَقَتِ اُلنَّفْسَ. ثُمَّ إِذَا اِزْدَادَتْ تَكَرُّرًا أَوْهَنَتْهَا أونَقَضَتْهَا نَقْضًا. وَإِذْ لاَ فَوْقَ اللاَّمُتَنَاهِي، إذًا، فَالنَّفْسُ اليَوْمَ هِيَ وَاهِيَةٌ وَاهِنَةٌ مُنْهَكَةٌ، بَلْ كَثِيرٌ مِنْهَا هُوَ مُنْفَطِرٌ مُنْتَقِضٌ. وَهَذَا تَشْبِيهٌ يُلَخِّصُ البَيَانَ :                

اُلْحَارِسُ يَقْتَنِصُ اُلْكُرَةَ الأُولَى. وَلَيْسَ يَمُرُّ القَاذِفُ لِلْكُرَةِ الثَّانِيَةِ مُتَّخِذًا هَيْئَةَ القَذْفِ اُلْمُلاَئِمَةِ ثُمَّ يَقْذِفُ إِلاَّ وَقَد اسْتَعَدَّ لَهَا الحَارِسُ وَاسْتَرَدَّ بَعْضَ النَّفَسِ.  

فَقَدْ نُمَثِّلُ النَّفْسَ اُلْمُنْفَعِلَةَ بِحَارِسِ مَرْمَى، وَاُلْحَادِثَ اُلْوَاحِدَ بِكُرَةٍ مَقْذُوفَةٍ وَانْفِعَالَ النَّفْسِ مِنَ اُلْحَادِثِ بِاجْتِهَادِ اُلْحَارِسِ لاقْتِنَاصِ اُلْكُرَةِ وَمَنْعِهِ إِيَّاهَا مِنْ سَكَنِهَا الشَّبَكَةَ :   

اُلْحَارِسُ يَقْتَنِصُ اُلْكُرَةَ الثَّانِيَةَ. وَلَيْسَ يَمُرُّ القَاذِفُ لِلْكُرَةِ الثَّالِثَةِ مُتَّخِذًا هَيْئَةَ القَذْفِ اُلْمُلاَئِمَةِ ثُمَّ يَقْذِفُ إِلاَّ وَقَد اسْتَعَدَّ لَهَا الحَارِسُ وَاسْتَرَدَّ بَعْضَ النَّفَسِ.  
اُلْحَارِسُ يَقْتَنِصُ اُلْكُرَةَ الثَّالِثَةَ. وَهْيَ آخِرُ كُرَةٍ مَقْذُوفَةٍ.  
إذًا، فَاُلْحَارِسُ قَدْ قَبِلَ فِي زَمَنٍ مَحْدُودٍ كُرَاتٍ مَقْذُوفَةٍ مَحْصُورَةٍ بَيْنَهَا تَبَاعُدٌ وَفُسْحُةٌ. لِذَلِكَ لَمْ تَهُنْ قُوَّتُهُ وَبَقِيَ قَائِمًا كَاُلْعَمُودِ. وَذَلِكَ مَا كَانَ حَالُ النَّفْسِ فِيمَا مَضَى إِذْ لَمْ تَكُنْ تَقْبَلُ في زَمَنٍ مَحْدُودٍ إِلاَّ انْفِعَالاَتٍ مَحْصُورَةً، بَيْنَهَا تَبَاعُدٌ وَفُسْحَةٌ.   
أَمَّا فِي هَذَا الْمِثالِ، فَاُلْحَارِسُ سَيُمْطَرُ كُرَاتٍ لاََ مَحْصُورَةً، جُمْلَةٌ مِنْهَا قَدْ تَأْتِيهِ مَعًا وَسَائِرُهَا لَيْسَ بَيْنَهَا تَبَاعُدٌ بَيِّنٌ. إذًا، فَهْوَ مَمْنُوعٌ من فُسْحَةٍ يَسْتَرِدُّ بِهَا أَنْفَاسَهَ بَيْنَ كُلِّ قَنْصٍ وَقَنْصٍ. كَذَلِكَ النَّفْسُ، اليَوْمَ، قَدْ صَارَتْ بِالانْتَرْنَتْ مُمْطَرَةً حَوَادِثَ لاَ مَحْصُورَةً، وَلَمْ يَبْقَ لَهَا فُسْحَةٌ أَلْبَتَّةَ تَرْتَاحُ فِيهَا مِنَ الانْفِعَالِ بَيْنَ كُلِّ مَعْرِفَةٍ وَمَعْرِفَةٍ بِحَادِثٍ.  
لِذَلِكَ فَاُلْحَارِسُ هُوَ مُنْهَكٌ وَاهِنٌ. وَلَوْ دَامَتْ لَهُ هَذِهِ اُلْحَالُ طَوِيلاً وَتَكَرَّرَتْ بِلاَ اِنْقِطَاعٍ بَيِّنٍ، فَإِمَّا أنْ يُصَابَ عُضْوٌ مِنْهُ أَوْ يَنْتَقِضَ بَدَنُهُ انْتِقَاضًا. وَأَيْضًا النَّفْسُ هِيَ وَاهِيَةٌ مُنْهَكَةٌ. وَقَدْ لاَ تَسْلَمُ مِنْ أَنْ تَنْتَقِضَ اِنْتِقَاضًا.  

  3) آفَاتٌ لاَزِمَةٌ مِنْ صَيْرُورَةِ اُلأَشْيَاءِ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ مُنْكَشِفًا بَعْضُهَا لِبَعْضٍ

   السَّبَبُ القَرِيبُ الثَّالِثُ : صَيْرُورَةُ اُلأَشْيَاءِ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ مُنْكَشِفًا بَعْضُهَا لِبَعْضٍ غَيْرَ بَاقٍ مِنْهَا جِهَاتٌ مَسْتُورَةٌ وَاجِبَةُ السَّتْرِ. وَهَذَا يُوجِبُ آفَتَيْنِ ظَاهِرَتَيْنِ : اُلأُولَى، الضِّيقُ واُلْحَرَجُ وَقُرْبُ الفِعْلِ الإِنْسَانِيِّ مِنَ اُلْهَيْئَةِ البَهِيمِيَّةِ. وَالثَّانِيَةُ، ضَيَاعُ القُدْوَةِ. 

   I) اُلآفَةُ الأُولَى، اُلضِّيقُ وَاُلْحَرَجُ، وَبَيَانُهَا يَنْبَنِي عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ :

    α) مُقَدِّمَةٌ أُولَى، تُوَضِّحُ حَقِيقَةَ اُلْفِعْلِ الإِنْسَانِيِّ وَبِمَا يَنْفَصِلُ عَنِ الانْفِعَالِ اُلطَّبِيعِيِّ، وَتُبَيِّنُ أَنَّ اُلْفِعْلَ مِنَ الإِنْسَانِ بِقَدْرِ اِسْتِنَادِهِ إِلَى الإِرَادَةِ تَحَقَّقَ فِي اُلْفِعْلِيَّةِ وَأُلْحِقَ بِاُلرُّوحِ

   فَأَوَّلاً، اِعْلَمْ أَنَّ اُلْفِعْلَ مِنَ اُلإِنْسَانِ يُوصَفُ بِالإِنْسَانِيِّ وَبِاُلْمُمْتَازِ عَنِ فِعْلِ اُلْبَهِيمَةِ بِهَذِهِ اُلْخَاصَّةِ اُلْكُبْرَى وَهْيَ أَنَّهُ صَادِرٌ عَنْ إِرَادَةٍ، وَالإِرَادَةُ تَابِعَةٌ لِتَصَوُّرٍ يَسْبِقُ اُلْفِعْلَ. أَمَّا اُلْبَهِيمَةُ، فَاُلْفِعْلُ لَهَا بِاُلْمَجَازِ، وَفِي اُلْحَقِيقَةِ هُوَ اِنْفِعَالٌ مَحْضٌ عَنْ ضَرُورَةٍ طَبِيعِيَّةٍ. لِذَلِكَ لاَ تَرَى لِلْبَهِيمَةِ مُعَانَدَةً لِلطَّبِيعَةِ، وَالإِنْسَانُ يُعَانِدُهَا. فَمَثَلاً إِذَا جَاعَتِ دَابَّةٌ وَوَجَدَتْ كَلَأً أَقْبَلَتْ عَلَى اُلأَكْلِ ضَرُورَةً، لأَنَّ أَكْلَهَا هُوَ اِنْفِعَالٌ طَبِيعِيٌّ ضَرُورِيٌّ تَابِعٌ لانْفِعَالِ اُلْجُوعِ اُلطَّبِيعِيِّ. أَمَّا اُلإِنْسَانُ، فَقَدْ يَنْفَعِلُ بِاُلْجُوعِ وَيَمْنَعُ الطَّبِيعَةَ مِنْ اِنْفِعَالِ اُلأَكْلِ اُللاَّزِمِ. وَحَيْثُ يَمْنَعُ، فَهْوَ يَفْعَلُ : كَاُلْمُسْلِمِ الصَّائِمِ، فَصِيَامُهُ فِعْلٌ، وَهْوَ فِعْلٌ لأَنَّهُ مَنَعَ اِنْفِعَالَ الأَكْلِ اُلطَّبِيعِيِّ، وَقَدْ مَنَعَهُ لأَنَّهُ اِسْتَنَدِ فِيهِ إِلَى إِرَادَةٍ، وَالإِرَادَةُ إِنَّمَا اِنْبَعَثَتْ لأَنَّ صُورَةَ اُلْوَاجِبِ اُلدِّينِيِّ هِيَ حَاضِرَةٌ لِلصَّائِمِ. وَإِذْ أَنَّ اُلْفِعْلَ الإِنْسَانِيَّ مُعَانِدٌ لِلطَّبِيعَةِ، وَاُلطَّبِيعَةُ لاَ تُعَانِدُ نَفْسَهَا، فَلاَ شَكَّ أَنَّ اُلْفَاعِلَ مِنَ الإِنْسَانِ لَيْسَ اُلْبَدَنَ بِمُجَرَّدِهِ، لأَنَّ اُلْبَدَنَ طَبِيعَةٌ، بَلْ مَبْدَؤٌ آخَرُ مُبَايِنٌ لَهُ مُتَعَالٍ عَنْهَا، أَلاَ وَهْوَ اُلرُّوحُ وَاُلْمَعْنَى. لَكِنْ مِنَ اُلْهَيْئَاتِ اُلصَّادِرَةِ مِنَ الإِنْسَانِ مَا هُوَ اِنْفِعَالٌ مَحْضٌ لَيْسَ  لِلإِرَادَةِ وَإِنْ صَحَّتْ مِنْ سُلْطَانٍ عَلَيْهِ، أَصْلاً : كَحَرَكَةِ اُلْيَدِ اُلسَّرِيعَةِ إِنْ لاَمَسَتْ نَارًا. وَلاَ شَكَّ أَنَّ هَذَا إِنَّمَا مَبْدَؤُهُ اُلْبَدَنُ فَقَطْ. أَمَّا سَائِرُ اُلْهَيْئَاتِ، فَبَيِّنٌ أَنَّهُ بِقَدْرِ قُرْبِ مَبْدَإ بَعْضِهَا مِنْ كَوْنِهِ اُلْبَدَنَ، قَرُبَ كَوْنُهُ اِنْفِعَالاً مَحْضًا مُسَاوِيًا لِلطَّبِيعَةِ، وَبِقَدْرِ قُرْبِ مَبْدَإِ بَعْضِهَا مِنْ كَوْنِهِ اُلرُّوحَ، قَرُبَ مِنْ كَوْنِهِ فِعْلاً مَحْضًا مُتَعَالِيًا عَنِ اُلطَّبِيعَةِ إِنْسَانِيًّا عَلَى اُلْحَقِيقَةِ. لَكِنِ اُلْفِعْلُ الإِنْسَانِيُّ إِنَّمَا يُلْحَقُ بِاُلرُّوحِ بِوَاسِطَةِ اُلإِرَادَةِ : إذًا، فَهْوَ بِقَدْرِ اِسْتِنَادِهِ إِلَى الإِرَادَةِ يَكُونُ مَبْدَؤُهُ اُلرُّوحَ. وَبِاُلْعَكْسِ، فَهْوَ بِقَدْرِ مَا يَضْعُفُ اِسْتِنَادُهُ إِلَى الإِرَادَةِ يَضْعُفُ إِلْحَاقُهُ بِاُلرُّوحِ وَيَقْوَى إِلْحَاقُهُ بِاُلْبَدَنِ. وَبِقَدْرِ قُوَّةِ تَعَلُّقِهِ بِاُلْبَدَنِ يَقْوَى فِي مَعْنَى الاِنْفِعَالِ وَيَمِيلُ إِلَى اُلْمُسَاوَةِ التَّامَّةِ بِاُلْهَيْئَةِ البَهِيمِيَّةِ.

    β) مُقَدِّمَةٌ ثَانِيَةٌ تُوَضِّحُ أَنَّ الإِنْسَانَ بِقَدْرِ اِنْفِرَادِهِ اِنْبَنَى فِعْلُهُ عَلَى الإِرَادَةِ اُلْخَالِصَةِ، وَأَنَّهُ إِذَا مَا زُوحِمَ مَالَتْ هَيْئَتُهُ إِلَى اُلْبَهِيمِيَّةِ عَلَى قَدْرِ اُلْمُزَاحَمَةِ، وَالاِسْتِئْنَاسُ لِذَلِكَ بِمِثَالِ زَيْدٍ اُلْمُخْتَلِي فِي بَيْتِهِ بِاُلْحَاسُوبِ.

   ثُمَّ إِنَّا نَقْرِنُ مَا قِيلَ بِهَذَا البَيَانِ : إِنَّ الأُمُورَ اُلْخَارِجَةَ لِلإِنْسَانِ اُلْمُبَايِنَةَ لَهُ هِيَ إِمَّا إِنْسَانٌ مِثْلُهُ أَوْ أَشْيَاءُ أُخْرَى مَحْسُوسَةٌ حَيَّةٌ أَوْ غَيْرُ حَيَّةٍ. وَجَمِيعُهَا مِنْ جِهَةِ مَا هِيَ مَحْسُوسَةٌ قَدْ تَكُونُ عَلَى بُعْدٍ مَا مِنْ إِنْسَانٍ شَخْصِيٍّ. فَمَثَلاً زَيْدٌ هُوَ فِي غُرْفَتِهِ بِمُحَاذَاةِ مَكْتِبِهِ يَقْرَأُ فِي حَاسُوبِهِ نَصًّا فَلْسَفِيًّا لأَرُسْطُو يَتَكَلَّمُ عَنِ اُلْمَقُولاَتِ اُلْعَشْرِ. فَبِلاَ رَيْبٍ، اُلْحَاسُوبُ هُوَ عَلَى بُعْدٍ مِنْ زَيْدٍ قَدْ لاَ يَزِيدُ عَلَى نِصْفِ مِتْرٍ وَقَدْ لاَ يَنْقُصُ عَنْ عِشْرِينَ صَمِ. وَوُجُودُ هَذِهِ الآلَةِ عَلَى بُعْدٍ لاَ يَنْقُصُ عَنِ اُلْبُعْدِ اُلثَّانِي هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ اُلْحَاسُوبَ مُتَعَلَّقًا إِدْرَاكِيًّا لِزَيْدٍ. وَوُجُودُهُ عَلَى بُعْدٍ لاَ يَزِيدُ عَلَى اُلْبُعْدِ اُلأَوَّلِ هُوَ الَّّذِي يَجْعَلُ الإِدْرَاكَ إِدْرَاكًا جَيِّدًا. وَهْوَ، أَيِ اُلْحَاسُوبَ إِنَّمَا لِكَوْنِهِ مُتَعَلَّقًا إِدْرَاكِيًّا، فَقَدْ صَحَّ أَنْ يَكُونَ بِهِ لِزَيْدٍ عَمَلٌ إِنْسَانِيٌّ عَالٍ جِدًّا، وَهْوَ اُلنَّظَرُ فِي مَعَانٍ مُجَرَّدَةٍ لَطِيفَةٍ قَدْ يَغِيبُ بِهَا اُلنَّاظِرُ، لَيْسَ فَقَطْ عَنْ مَا يُحِيطُ بِهِ، بَلْ عَنْ بَدَنِهِ أَيْضًا. لَكِنْ، هَبْ أَنَّ شَاشَةَ اُلْحَاسُوبِ، إِذْ هِيَ عَلَى اِرْتِفَاعٍ مَا، وَلِهَوَانٍ مَا فِي اُلسَّاقِ اُلْقَائِمَةِ عَلَيْهَا، فَجْأَةً أَرَادَتْ أَنْ تَهْوِيَ رَأْسًا عَلَى زَيْدٍ، أَيْ أَرَادَتْ أَنْ يَبْطُلَ البُعْدُ الَّذِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ اُلْبَدَنِ : فَحِينَئِذٍ، سَيَنْتَقِلُ اِلْتِفَاتُ زَيْدٍ، عَلَى اُلْمَكَانِ إِلَى بَدَنِهِ اِلْتِفَاتًا بِلاَ إِرَادَةٍ مِنْهُ، وَسَتَنْقَلِبُ عَلاَقَتُهُ بِاُلْحَاسُوبِ مِنْ إِدْرَاكٍ وَفِعْلٍ فِيهِ، إِلَى اِنْفِعَالٍ قَرِيبٍ مِنَ اُلضَّرُورَةِ اُلطَّبِيعِيَّةِ، وَهْوَ اِنْفِعَالُ اُلدَّفْعِ وَرَدِّ جِسْمٍ غَرِيبٍ يُرِيدُ أَنْ يَنَالَ مِنَ جِسْمِهِ اُلْمَخْصُوصِ. عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ فِي تِلْكَ اُلآنِ، تَصِيرُ عَلاَقَةُ زَيْدٍ بِاُلشَّيْءِ اِنْفِعَالاً، وَهْوَ حَالُ اُلْبَهِيمَةِ. إِذًا، فَهْوَ فِي ذَلِكَ الآنِ، إِنَّمَا تُسَاوِي هَيْئَتُهُ هَيْئَةَ اُلْبَهِيمَةِ.          

   ثُمَّ لِنُلْغِ اُلْفَرْضَ وَلِنَذْكُرْ فَرْضًا آخَرَ وَهْوَ بَيْنَا زَيْدٌ يَفْعَلُ فِعْلَ اُلنَّظَرِ فِي مَعَانِي أَرَسْطُو اُلْفَلْسَفِيَّةِ، إِذِ انْقَلَبَ جِدَارُ اُلْحُجْرَةِ زُجَاجًا مُشِفًّا وَصَارَ، أَيْ زَيْدًا، مَوْضُوعًا قَدْ تَسَلَّطَتْ عَلَيْهِ عَيْنَا جَارِهِ اُلْمُقِيمِ فِي اُلْحُجْرَةِ اُلْمُلاَصِقَةِ. فَهُنَالِكَ، بِلاَ شَكٍّ، سَيَبْطُلُ عَلَى اُلْمَكَانِ فِعْلُ زَيْدٍ وَسَيَلْتَفِتُ اِلْتِفَاتًا بِلاَ إِرَادَةٍ مِنْهُ إِلَى بَدَنِهِ لِيَصُونَهُ وَيَدْفَعَ عَنْهُ أَذَى اُلرُّؤْيَةِ وَاُلتَّطَلُّعِ. وَذَاكَ أَيْضًا اِنْفِعَالٌ وَمُسَاوَاةٌ بِاُلْهَيْئَةِ اُلْبَهِيمِيَّةِ. 

   إِذًا، فَالإِنْسَانُ إِذَا كَانَ مُنْفَرِدًا فَإِنَّهُ فِيمَا سِوَى الأُمُورِ اُلطَّبِيعِيَّةِ اُلضَّرُورِيَّةِ، عَلَى أَتَمِّ هَيْئَةٍ حَتَّى تَكُونَ أَفْعَالُهُ مَبْنِيَّةً عَلَى الإِرَادَةِ اُلْخَالِصَةِ مَا أَمْكَنَ وَمُتَنَزِّهَةً مِنْ زَحْمَةِ اُلخَارِجِ الَّتِي تُصَيِّرُهَا انْفِعَالاً مَا أَمْكَنَ. فَزَيْدٌ اُلْمُنْفَرِدُ، مَثَلاً، الآنَ، يَرْسُمُ لأَنَّهُ أَرَادَ اُلرَّسْمَ، وَلَوْ أَرَادَ الكِتَابَةَ لَكَتَبَ. وَقُبَيْلُ كَانَ يَقْرَأُ الشِّعْرَ لأَنَّهُ أَرَادَهُ، وَلَوْ أَرَادَ اُلنِّجَارَةَ لَفَعَلَ. لَكِنْ زَيْدٌ إِذْ هُوَ يَفْعَلُ هَذِهِ الأَفْعَالَ كَانَ مُتَبَذِّلاً، أَيْ غَيْرَ لاَبِسٍ لِبَاسَ اُلْحِشْمَةِ. وَذَلِكَ دَلاَلَةٌ كَبِيرَةٌ عَلَى عَدَمِ الْتِفَاتِهِ إِلَى بَدَنِهِ وَأَنَّ أَفْعَالَهُ قَائِمَةٌ عَلَى الإِرَادَةِ وَمَقْصُودِ اُلرُّوحِ وَاُلْمَعْنَى. فَلَوْ دَخَلَ عَلَيْهِ فَجْأَةً، أَحَدُ أَبْنَائِهِ، فَلاَ شَكَّ أَنُّهُ سَيَنْصَرِفُ مِنَ الفِعْلِ، سَرِيعًا وَيَنْفَعِلُ لِبَدَنِهِ حَتَّى يَسْتُرَهُ سَتْرًا مَرْضِيًّا. وَلأَنَّ اُلدَّاخِلَ هُوَ مَأْلُوفٌ، فَحَسْبُهُ مِنَ الاِنْفِعَالِ أَنْ يُدْنِيَ عَلَيْهِ مَا يَكُونَ سَاتِرًا لِلْجِسْمِ، وَإِنْ كَانَ رَثًّا قَدِيمًا. فَلَوْ أَخْبَرَهُ اِبْنُهُ بِأَنَّ وَالِيَ اُلْمَدِينَةِ يُرِيدُ أَنْ يَزُورَهُ، فَزَيْدٌ سَيَلْتَفِتُ اِلْتِفَاتًا ثَانِيًا لِبَدَنِهِ حَتَّى يَطْلُبَ لَهُ مِنَ اُلثِّيَابِ، لَيْسَ فَقَطْ مَا يَسْتُرُهُ، بَلْ مَا يُزَيِّنُهُ وَيُحَسِّنُهُ. لِذَلِكَ فَإِنَّهُ كُلَّمَا اِنْحَسَرَ اِنْفِرَادُ الإِنْسَانِ وَزَادَتِ اُلْكَثْرَةُ اُلْمُخَالِطُ لَهَا، اِنْحَسَرَتِ الإِرَادَةُ مِنْهُ وَصَارَتْ مَزْحُومَةً أَكْثَرَ وَاُنْتَقَلَ شُغْلُهُ مِنَ اُلْمَعْنَى إِلَى بَدَنِهِ، وَمَالَتْ أَفْعَالُهُ إِلَى كَوْنِهَا اِنْفِعَالاَتٍ، أَيْ مَالَتْ هَيْئَتُهُ لأَنْ تَكُونَ مُسَاوِيَةً لِلْهَيْئَةِ اُلْبَهِيمِيَّةِ. فَمَثَلاً، لَوْ كَانَ هِتْلَرْ قَدْ زَجَّ بِـانْشتَيْنِ فِي مُحْتَشِدٍ، لَمَا بَقِي لَهُ فِعْلُ نَظَرٍ فِي أُمُورٍ طَبِيعِيَّةٍ مُجَرَّدَةٍ وَعَوِيصَةٍ، وَلَصَارَ كُلُّ اِهْتِمَامِهِ لاَزِمًا لِبَدَنِهِ شَأْنَ اُلْبَهِيمَةِ : كَكَيْفَ يَجْعَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اُلأَبْدَانِ اُلأُخْرَى بُعْدًا مَقْبُولاً يَصُونُهُ مِنَ الانْضِغَاطِ، وَكَيْفَ إِذَا اسْتَحَمَّ أَوْ ذَهَبَ إِلَى اُلْخَلاَءِ يَسْتُرُهُ مِنْ الأَعْيُنِ اُلْمُحَدِّقَةِ. وَبَيِّنٌ جِدًّا أَنَّ هَذِهِ اُلزَّحْمَةَ هِيَ مُورِثَةٌ أَيْضًا لِلضِّيقِ واُلْحَرَجِ الشَّدِيدَيْنِ.

    γ) يُسْرُ مَعْرِفَةِ ضَرُورَةِ لُزُومِ الآفَةِ اُلْمَذْكُورَةِ مِنَ الانْتَرْنَتْ، بِاُلْمُقَدِّمَتَيْنِ

   لِذَلِكَ، إِذَنْ، قُلْنَا إِنَّ الانْتَرْنَتْ، لَمَّا صَيَّرَتْ كُلَّ اُلنَّاسِ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، صَارَ الإِنْسَانُ اُلْوَاحِدُ يُزَاحِمُهُ لَيْسَ فَقَطْ عَدَدٌ مِنَ اُلنُّفُوسِ مَحْدُودٌ، بَلْ عَدَدٌ لاَ مَحْدُودٌ. وَهَذَا، بِمَا سَلَفَ، إِنَّمَا يُوجِبُ، قَطْعًا، آفَةً أُولَى ظَاهِرَةً وَهْيَ الضِّيقُ وَاُلْحَرَجُ وَقُرْبُ اُلْفِعْلِ الإِنْسَانِيِّ مِنَ اُلْهَيْئَةِ اُلْبَهِيمِيَّةِ. 

   II) الآفَةُ اُلثَّانِيَةُ، ضَيَاعُ اُلْقُدْوَةِ

   أَمَّا الآفَةُ اُلثَّانِيَةُ اُلْمُوجَبَةُ، وَهْيَ ضَيَاعُ القُدْوَةِ، فَهَذَا بَيَانُهَا : 

    α) مُقَدِّمَةٌ طَوِيلَةٌ تُوَضِّحُ هَذِهِ اُلأَشْيَاءَ وَهْيَ : مَا اُلْوَصْفُ اُلْخُلُقِيُّ وَمَا اُلْوَصْفُ اُلْقَانُونِيُّ، وَكَيْفَ يَضْبُطَانِ كِلاَهُمَا اُلسِّيرَةَ الإِنْسَانِيَّةَ، وَأَنَّ بَيْنَ ضَبْطَيْهِمَا بَوْنًا كَبِيرًا، وَأَنَّ اُلْمَعْنَى اُلْخُلُقِيَّ هُوَ غَيْرُ قَاهِرٍ لِلْمَيْلِ الطَّبِيعِيِّ إِلاَّ إِذَا تَلَقَّتْهُ اُلنَّفْسُ بِأَنَّهُ مَعْنًى مُطْلَقٌ، وَمَا شُرُوطُ اُلتَّعَلُّمِ اُلْخُلُقِيِّ، وَبِمَا يَمْتَازُ مِنْ صِنْفَيْنَ آخَرَيْنِ مِنَ التَّعَلُّمِ، اُلتَّعَلُّمِ النَّظَرِيِّ وَالتَّعَلُّمِ اُلْعَمَلِيِّ اُلْمِهْنِيِّ.       

   لَقَدْ قُلْنَا إِنَّ لِلإِنْسَانِ نَشْأَتَيْنِ جِسْمَانِيَّةً وَمَعْنَوِيَّةً. وَالنَّشْأَةُ اُلثَّانِيَةُ هِيَ الإِنْسَانِيَّةُ عَلَى اُلْحَقِيقَةِ. فَلَوْ دَقَّقْنَا فِيهَا لَتَبَيَّنَّا أَنَّهَا فِي صُوَرِهَا جَمِيعًا إِنَّمَا هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ تَلَقٍّ وَتَعَلُّمٍ واسْتِفَادَةٍ. وَاُلْمَعَارِفُ الّتي بِهَا قِوَامُ هَذِهِ اُلنَّشْأَةِ ذَاتُ  أَصْنَافٍ شَتَّى كَاُللُّغَةِ وَكَمَعَارِفِ أَعْمَالِ اُلْجَوَارِحِ الَّتِي ثَمَرَتُهَا مُبَايِنَةٌ لِلْبَدَنِ : كَأَنْوَاعِ اُلصِّنَاعَاتِ مِنْ زِرَاعَةٍ وَنِجَارَةٍ وَحِدَادَةٍ. أَوْكَاُلْمَعَارِفِ اُلْمُتَعَلِّقَةِ بِاسْتِعْمَالِ آلَةٍ أَوْ أَدَاةٍ كَاسْتِعْمَالِ مِلْعَقَةٍ أو مِكْنَسَةٍ أَوْ هَاتِفٍ. لَكِنْ مِنْهَا صِنْفٌ أَيْضًا ذُو شَأْنٍ وَهْوَ اُلْمُتَعَلِّقُ بِأَوْصَافِ بَعْضِ أَعْمَالِ اُلْجَوَارِحِ اُلْمُتَعَلِّقَةِ بِاُلْغَيْرِ مِنْ جِهَةِ نِسْبَتِهَا إِلَى اُلْفَاعِلِ. وَاُلْغَيْرُ إِمَّا شَخْصُ إِنْسَانٍ كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو وَزَيْنَبٍ، أَوْ إِنْسَانٌ صُورِيٌّ وَهْوَ اُلدَّوْلَةُ وَاُلْحَاكِمُ. فَإِذَا أُخِذَ اُلْفِعْلُ مُجَرَّدًا مِنْ حُكْمِ الدَّوْلَةِ كَانَتْ أَوْصَافُهُ اُلْمُلاَئِمَةُ حَسَنًا، كَإِرْشَادِ أَعْمَى الطَّرِيقَ، أو قَبِيحًا، كَشَتْمِ اُلْوَالِدَيْنِ، أَوْ مَحْمُودًا، كَاُلصَّدَقَةِ عَلَى اُلْفَقِيرِ، أَوْ مَذْمُومًا، كَالاِسْتِئْثَارِ بِلُقَطَةٍ مَعْلُومٍ صَاحِبُهَا، أَوْ مَعْرُوفًا، كَغَضِّ اُلصَّوْتِ فِي اُلطَّرِيقِ، أَوْ مُنْكَرًا، كَشُرْبِ اُلْخَمْرَةِ. وَإِذَا أُخِذَ مُقَيَّدًا بِحُكْمِ الدَّوْلَةِ، كَانَتْ أَوْصَافُهُ اُلْمُلاَئِمَةُ، غَيْرَ مُخَالِفٍ لِلْقَانُونِ، كَشَتْمِ الأُمِّ مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ، أَوْمُخَالِفًا لِلْقَانُونِ، كَعَدَمِ دَفْعِ بَائِعِ اُلْخَمْرَةِ اُلضَّرِيبَةَ. فَاُلْوَصْفُ اُلأَوَّلُ وَصْفٌ خُلُقِيٌّ، وَالوَصْفُ الثَّانِي وَصْفٌ قَانُونِيٌّ. وَاُلْوَصْفَانِ لَيْسَ سَبِيلُهُمَا فِي ضَبْطِ سِيرَةِ الإِنْسَانِ اُلْمَطْلُوبَةِ سَبِيلاً وَاحِدًا، بَلْ بَيْنَهُمَا بَوْنٌ كَبِيرٌ : إِذِ اُلْحُكْمُ اُلْخُلُقِيُّ إِنَّمَا هُوَ ضَابِطٌ ذُو فَحْوَى يُرَبِّي النَّفْسَ وَيَنْفَخُ فِيهَا مِنَ اُلْمَعْنَى وَيُنْشِئُ لَهَا حَاسَّةً رَاسِخَةً شَبِيهَةً بِحَاسَّةِ الشَمِّ : فَكَمَا أَنَّ هَذِهِ اُلْحَاسَّةَ تَدُلُّ الإِنْسَانَ بِذَاتِهَا عَلَى نَتَانَةِ اُلْجِيفَةِ فَيَنْفُرُ مِنْهَا وَيَتَقَذَّرُهَا بِلاَ إِرَادَةٍ مِنْهُ، أَوْتَدُلُّهُ عَلَى طِيبِ اُلْعَنْبَرِ، فَيَنْشَرِحُ لَهَا طَبْعًا. كَذَلِكَ حَاسَّةُ اُلشَمِّ اُلْمَعْنَوِيِّ الَّتِي أَنْشَأَهَا اُلْمَعْنَى اُلْخُلُقِيُّ إِنَّمَا تَدُلُّ الإِنْسَانَ بِذَاتِهَا عَلَى نَتَانَةِ فِعْلٍ، كَشَتْمِ أُمٍّ، فَيَنْفُرُ مِنْهُ وَيَتَقَذَّرُهُ ذَوْقًا، أَوْ طِيبِ عَمَلٍ، كَإِرْشَادِ أَعْمَى، فَيُقْبِلُ عَلَيْهِ بِانْشِرَاحٍ. أَمَّا اُلْحُكْمُ اُلْقَانُونِيُّ فَغَيْرُ ذَاكَ أَلْبَتَّةَ. إِذْ هُوَ ضَابِطٌ خَالٍ مِنَ اُلْفَحْوَى. أَيْ أَنَّهُ مَا يُرَبِّي النَّفْسَ عَلَى مَعْنًى وَلاَ يُفِيدُهَا ذَوْقًا أَصْلاً. بَلْ تَأْثِيرُهُ مِنْ خَارِجٍ لاَ مِنْ ذَاتِهِ. عَلَى مَعْنَى أَنَّ الإِنْسَانَ إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى أَمْرِ اُلْقَانُونِ لأَنَّهُ يَحَسُّ مِنْهُ عَصَى اُلسُّلْطَانِ : كَالشَّاةِ لَمْ تَرْعَوِ عَنْ أَنْ تَجُوزَ اُلزَّرِيبَةَ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ أَحَسَّتْ صَلاَبَةَ اُلْخَشَبِ اُلْحَامِي لِلْحَظِيرَةِ. لِذَلِكَ لَمْ يَكُنِ اُلْقَانُونُ لِيُهَذِّبَ أَوْ يُصَوِّرَ. لَكِنَّ اُلأَحْكَامَ اُلْخُلُقِيَّةَ اُلْمَحْمُودَةَ هِيَ الَّتِي تُهَذِّبُ وَتُصَوِّرُ : فَمَثَلاً زَيْدٌ، نَفْسُهُ تَعَافُ أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ إِلَى شَيْءٍ لَيْسَ لَهُ وَلَوْ بِغَيْبَةِ اُلسُّلْطَانِ، لأَنَّهُ مُصَوَّرٌ بِمَعْنَى اُلعِفَّةِ. وَهْيَ تَسْتَشْنِعُ أَنْ يُؤْذِيَ وَالِدَهُ أَدْنَى الإِيذَاءِ وَلَوْ لَمْ يَزْجُرْهُ زَاجِرٌ، لأنّه مُصَوَّرٌ بِمَعْنَى اُلبِرِّ. فَهَلُمَّ جَرًّا. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : إِنَّ اُلْمُوجِبَ لِلْفِعْلِ فِي اُلْقَانُونِ قَاهِرٌ خَارِجِيٌّ مُنْفَصِلٌ عَنِ اُلنَّفْسِ وَهَوَاهَا أَوْ إِرَادَتِهَا وَهْوَ اُلْعُقُوبَةُ. لِذَلِكَ فَأَنْ يَكُونَ مُؤَثِّرًا فِي اُلْفِعْلِ هُوَ مَعْقُولٌ وَمَفْهُومٌ. لَكِنْ مَا اُلسِّرُّ فِي أَنَّ اُلنَّفْسَ تُذْعِنُ إِذْعَانًا ثَابِتًا لِلْمَعْنَى اُلْخُلُقِيِّ وَهْيَ عَلِيمَةٌ بِأَنَّ لِلْمَعْنَى تَأْثِيرًا مَوْقُوفًا عَلَى إِرَادَتِهَا، أَيْ أَنَّ اُلْمُوجِبَ لِفِعْلِهَا إِنَّمَا هُوَ هِيَ نَفْسُهَا، إِذْ مَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى مَوْقُوفٍ عَلَى غَيْرِهِ مَوْقُوفٌ عَلَى ذَلِكَ اُلْغَيْرِ. فَلَوْ أُوكِلَتِ اُلنَّفْسُ إِلَى نَفْسِهَا، وَهْيَ اُلْمَعْجُونَةُ هَوًى وَشَهْوَةً، فَمَا أَسْرَعَهَا إِلَى اُلتَّهَتُّكِ وَاُلْجُورِ وَأَنْآهَا مِنَ القَيْدِ واُلْحَدِّ. أُجِيبَ : اعْلَمْ أَنَّ الإِرَادَةَ لِلتَّرْجِيحِ، وَهْيَ لاَ تُرَجِّحُ بِمُجَرَّدِهَا، بَلْ لاَبُدَّ لَهَا مِنْ مُرَجِّحٍ. فَمَثَلاً إِذَا قِيلَ لَكَ : خُذْ إِحْدَى التُّفََّاحَتَيْنِ، فَلاَ شَكَّ أَنَّ الإِرَادَةَ هِيَ الَّتِي سَتَجْعَلُ يَدَكَ تَمْتَدُّ لِلَّتِي فِي يَمِينِ اُلْمُعْطِي، مَثَلاً، دُونَ الأُخْرَى. لكنَّ تَحْرِيكَ اُلإِرَادَةِ لِلْيَدِ إِلَى اُلْجِهَةِ اليُمْنَى دُونَ اليُسْرَى، لَيْسَ مَبْنَاهُ عَلَى الإِرَادَةِ اُلْمَحْضَةِ فَقَطْ، بَلْ عَلَى دَاعٍ زَائِدٍ عَلَيْهَا هُوَ الَّذِي قَوَّى مَيْلَهَا إِلَى تُفَّاحَةِ اُليَمِينِ عَلَى تُفَّاحَةِ اليَسَارِ، كَكَوْنِ رَائِحَتِهَا أَذْكَى وَلَوْنِهَا أَنْضَرَ، إِلَى غَيْرِهِ. كَذَلِكَ اُلإِرَادَةُ، فَإِمَّا أَنْ تُحَرِّكَ النَّفْسَ لِلْفِعْلِ اُلْمُوَافِقِ لِلْمَعْنَى اُلْخُلُقِيِّ، وَإِمَّا لِلْفِعْلِ اُلْمُوَافِقِ لِلْهَوَى. فَإِنْ قَوِيَ دَاعِي اُلْخُلُقِ، مَالَتْ بِهَا لِلْفِعْلِ اُلْخُلُقِيِّ، وَإِنْ ضَعُفَ، مَالَتْ بِهَا إِلَى الفُجُورِ. وَإِذْ أَنَّ اُلْهَوَى مِنْ طِينَةِ النَّفْسِ وَعَجِينَتِهَا، وَمَا كَانَ مِنْ سِنْخِ اُلشَّيْءِ مَالِ إِلَيْهِ طَبْعًا، وَاُلطَّبْعُ هُوَ مُطْلَقٌ لاَ يَمُكِن قَهْرُهُ إِلاَّ بِطَبْعٍ مِثْلِهِ، كَطَبْعِ الزَّيْتِ أَنْ يَسِيلَ. فَإِنْ تَسَلَّطَ عَلَيْهِ طَبْعٌ آخَرُ وَهْوَ اُلْبُرُودَةُ اُلشَّدِيدَةُ، صَارَ جَامِدًا وَانْقَهَرَ طَبْعُ السَّيَلاَنِ. وَإِنْ مَنَعَ الطَّبْعَ مَعْنًى غَيْرُ طَبِيعِيٍّ، فَهْوَ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ قَاهِرٌ لِمَعْنًى مُطْلَقٍ، فَهْوَ مَعْنًى مُطْلَقٌ كَذَلِكَ لَيْسَ إِطْلاَقُهُ بِأَقَلَّ مِنْ إِطْلاَقِ اُلطَّبِيعَةِ، لأَنَّ اُلْغَالِبَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَضْعَفَ مِنَ اُلْمَغْلُوبِ. فَمَثَلاً اُلْجُوعُ يَطْلُبُ بِطَبْعِهِ الطَّعَامَ. لَكِنَّ الصَّائِمَ اُلْمُسْلِمَ قَدْ يَمْتَنِعُ عَنْهُ مَعَ وُجُودِهِ وَوَفْرَتِهِ. فَالاِمْتِنَاعُ عَنِ الأَكْلِ حَالٌ غَيْرُ طَبِيعِيَّةٍ قَاهِرَةٌ لِحَالٍ طَبِيعِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ. إذًا، فَالاِمْتِنَاعُ هُوَ مَعْنًى غَيْرُ طَبِيعِيٍّ مُطْلَقٌ إِذْ هُوَ مَانِعٌ لِمَعْنَى طَبِيعِيٍّ مُطْلَقٍ. قُلْتُ وَإِذْ أَنَّ اُلْهَوَى مِنْ طَبِيعَةِ اُلنَّفْسِ وَعَجِينَتِهَا، إِذًا فُاُلْمَعْنَى اُلْخُلُقِيُّ، إِذْ هُوَ مَعْنًى غَيْرُ طَبِيعِيٍّ، لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَقْمَعَ طَبْعَ اُلْهَوَى وَيُقَوِّي اُلإِرَادَةَ لِلْفِعْلِ اُلْخُلُقِيِّ إِلاَّ إِذَا ذَاقَتْهُ اُلنَّفْسُ عَلَى أَنَّهُ مَعْنًى مُطْلَقٌ تَتَلاَشَى فِي حَضْرَتِهِ كُلُّ حَظٍّ مِنْ حُظُوظِهَا أَوْ هِمَّةٍ لَهَا. لِذَلِكَ كَانَ التَّخَلُّقُ أَوِ اكْتِسَابُ اُلْخُلُقِ ذَا شُرُوطٍ مَخْصُوصَةٍ بِهَا يَمْتَازُ مِنْ صِنْفَيْنِ ظَاهِرَيْنِ مِنَ التَّعَلُّمِ : التَّعَلُّمِ اُلنَّظَرِيِّ وَاُلْتَّعَلُّمِ اُلْعَمَلِيِّ اُلْمِهْنِيِّ. وَاُلْعَمَلُ هَاهُنَا غَيْرُ اُلْعَمَلِ اُلَّذِي هُوَ هَيْئَاتٌ نَفْسِيَّةٌ وَهَيْئَاتٌ تَجْرِي عَلَى اُلْجَوَارِحِ، هِيَ اُلْمَطْلُوبُ لِنَفْسِهَا، أَنْ يُعْرَفَ أَيُّهَا صَوَابٌ وَأَيُّهُا غَيْرُ صَوَابٍ، كَاُلْحَسَدِ وَاُلْبِرِّ وَنَجْدَةِ اُلْمَلْهُوفِ. فَذَلِكَ اُلْعَمَلُ اُلْخُلُقِيُّ. أَمَّا اُلْعَمَلُ اُلْمُضَافُ إِلَيْهِ اُلتَّعَلُّمُ اُلثَّانِي، فَالَّذِي ثَمَرَتُهُ اُلْمُبَايِنَةُ لِنَفْسِ اُلْعَمَلِ هُوَ اُلْمَقْصُودُ بِاُلْوَصْفِ وَاُلتَّقْدِيرِ : كَالنِّجَارَةِ وَاُلْحِدَادَةِ. فَمَثَلاً، لَوْ أُرِيدَ اُلْحُكْمُ عَلَى عَمَلِ نَجَّارٍ، لَمْ يُلْتَفَتْ أَصْلاً إِلَى حَرَكَاتِهِ أَوْ أَعْمَالِ جَوَارِحِهِ وَلَمْ يُوزَنْ بِاُلْقِيَاسِ إِلَيْهَا، بَلْ يُنْظَرُ فَقَطْ إِلَى اُلْمَصْنُوعِ، كَخِوَانٍ، وَيُفْحَصُ عَنْ مَتَانَتِهِ وَتَمَامِهِ فِي تَحْصِيلِ اُلْغَايَةِ وَاُلْغَرَضِ. وَشُرُوطُ اُلتَّخَلُّقِ اُلْمَخْصُوصَةُ هِيَ : أَوَّلاً، أَنْ يَكُونَ اُلْمَعْنَى اُلْخُلُقِيُّ مَقْصُودًا أَخِيرًا، وَهْوَ أَنْ يَكُونَ حَالُ النَّفْسِ مَعَهُ حَالَ الشَّائِقِ بِاُلْمَشُوقِ الَّذِي يَطْلُبُهُ عَلَى جِهَةِ اُلتَّشَبُّهِ وَالإِذْعَانِ التَّامِّ لِحُكْمِهِ حَتَّى يَمْتَلِئَ مِنْ غِبْطَةِ اُلشُّعُورِ بِاُلْخُرُوجِ مِنْ ظُلْمَةِ النُّقْصَانِ وَحَضِيضِهِ إِلَى نُورِ الكَمَالِ وَذِرْوَتِهِ. وَثَانِيًا، أَنْ يَكُونَ حُضُورُهُ، أَيِ اُلْمَعْنَى اُلْخُلُقِيَّ، عَلَى جِهَةِ اُلإِيجَابِ اُلْمَحْضِ حِينَمَا تَكُونُ اُلنَّفْسُ مُشْرَبَةً بِاُلْوُجُوبِ بِلاَ تَعْلِيقٍ لَهُ بِعِلِّةٍ. وَيَلْزَمُ من ذَيْنِكَ اُلشَّرْطَيْنِ شَرْطَانِ آخَرَانِ : الأَوَّلُ، أَنْ لاَ يَكُونَ اُلتَّخَلُّقُ أَوْ تَحْصِيلُ اُلْمَعْنَى اُلْخُلُقِيِّ بِوَاسِطَةٍ مَعْرِفِيَّةٍ. لأَنَّ اُلْمَعْرِفَةَ إِحَاطَةٌ بِاُلْمَعْلُومِ، والإِحَاطَةُ تَقْيِيدٌ. فَلَوْ كَانَ تَلَقِّي اُلنَّفْسِ لِلْمَعْنِى بِاُلْمَعْرِفَةِ، لَكَانَ تَلَقِّيهَا إِيَّاهُ بِالتَّقْيِيدِ، فَلَمْ يَبْقَ اُلْمَعْنَى مُطْلَقًا وَاجِبًا بِذَاتِهِ أَصْلاً. اُلثَّانِي، وَلاَ يَكُونُ تَحْصِيلُهُ تَحْصِيلَ مَوْضَوعِ عَمَلٍ، كَخِوَانٍ. لأَنَّ اُلْمَعْمُولَ تَابِعٌ لِمَقْصُودِ العَامِلِ، فَاُلْمَقْصُودُ حَاكِمٌ عَلَيْهِ لاَ مَحَالَةَ. فَلَوْ كَانَ اُلْمَعْنَى مَوْضُوعَ عَمَلٍ، لَصَارَ مَحْكُومًا، وَلَوْ مِنْ جِهَةٍ، فَلَمْ يَبْقَ حَاكِمًا مُطْلَقًا مَقْصُودًا أَخِيرًا. فَإِذَا عَرَفْتَ هَذِهِ اُلشُّرُوطَ عَرَفْتَ كَذَلِكَ لِمَ قُلْنَا إِنَّ اُلتَّعَلُّمَ اُلْخُلُقِيَّ مُبَايِنٌ لِصِنْفَيِ اُلتَّعَلُّمِ اُلْمَذْكُورَيْنِ: إِذِ التَّعَلُّمُ اُلنَّظَرِيُّ هُوَ اكْتِسَابٌ لِصُورَةِ اُلشَّيْءِ وَإِحْضَارُهَا بِاُلذِّهْنِ. أَيْ أَنَّهُ طَلَبٌ لِإدْخَالِ اُلشَّيْءِ تَحْتَ حُكْمِ اُلذِّهْنِ. فَلَوكَانَ اُلْمَعْنَى اُلْخُلُقِيُّ مَطْلُوبًا نَظَرِيًّا، لَكَانَ اُلتَّخَلُّقُ الَّذِي هُوَ طَلَبٌ لِلدُّخُولِ تَحْتَ حُكْمِ اُلْمَعْنَى، طَلَبًا أَيْضًا لإِدْخَالِ اُلْمَعْنَى تَحْتَ حُكْمِهِ. وَذَلِكَ قَصْدٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ نَقِيضَيْنِ مُحَالٌ. أَمَّا اُلتَّعَلُّمُ اُلْعَمَلِيُّ، فَهْوَ اِكْتِسَابٌ لِهَيْئَاتٍ فِي اُلْجَوَارِحِ غَيْرِ مَقْصُودَةٍ فِي نَفْسِهَا، بَلْ هِيَ وَاسِطَةٌ لِثَمَرَةٍ مَحْسُوسَةٍ مُبَايِنَةٍ لاَ تَأْثِيرَ لَهَا أَصْلاً فِي كَمَالِ النَّفْسِ.

    β) ذِكْرُ جَوَابٍ عَلَى سُؤَالٍ ضَرُورِيٍّ فِيمَا قَدْ قِيلَ مُشْتَمِلاً عَلَى بَيَانٍ مُفِيدٍ بِأَنَّ اُلنَّفْسَ إِنَّمَا تَتَخَلَّقُ لإِذْعَانِهَا اُلْمَحْضِ لِلآمِرِ اُلْمَحْضِ بِوَاسِطَةِ إِذْعَانِهَا لِلأَمْرِ اُلْمَحْضِ   

   لَكِنْ عَلَى هَذَا الَّذِي قِيلَ لاَ بُدَّ أَنْ نَسْأَلَ سُؤَالاً ضَرُورِيًّا : إِنَّ اُلْمَعْنَى اُلْخُلُقِيَّ، فِيمَا ذَكَرْنَا، لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِلاَّ عِبَارَةً عَنْ صُورَةٍ مُجَرَّدَةٍ. إِذًا، فَبِكَوْنِهِ صُورَةً فَهْوَ مُدْرَكٌ ذِهْنِيٌّ مَعْرِفِيٌّ. وَبِكَوْنِهِ صُورَةً مُجَرَّدَةً فَقَدْ يُتَّخَذُ مِثَالاً، عَلَى مَعْنىَ مَا يُقَاسُ عَلَيْهِ اُلْعَمَلُ لِتَحْصِيلِ ثَمَرَةٍ مُبَايَنَةٍ، كَاُلنَّجَّارِ الَّذِي يَقِيسُ عَلَى صُورَةِ اُلْخِوَانِ اُلذِّهْنِيَّةِ لِتَحْصِيلِ خِوَانٍ عَيْنِيٍّ. لَكِنَّهُ كَذَلِكَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِثَالاً عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ اُلْمَقْصُودُ الأَخِيرُ وَاُلْوَاجِبُ بِذَاتِهِ. إِذْ قَدْ قُلْنَا إِنَّ هَذَا اُلْمِثَالَ هُوَ مَطْلُوبٌ شَوْقِيُّ لِلنَّفْسِ. أَمَّا اُلْمِثَالُ اُلآخَرُ، فَلَيْسَ هُوَ مَقْصُودًا أَصْلاً، فَضْلاً عَنْ أَنْ يَكُونَ مَشُوقًا. بَلْ مَقْصُودُهُ تابِعٌ لِمَقْصُودِ الثَّمَرَةِ الَّتِي لاَ يَصِحُّ لَهَا تَصْوِيرٌ إِلاَّ بِاُلاحْتِذَاءِ عَلَى أُنْمُوذَجٍ. وَاُلْجَوَابُ : كَلاَّ، لَيْسَ انْفِعَالُ اُلنَّفْسِ بِاُلتَّخَلُّقِ عَنِ اُلْمَعْنَى اُلْخُلُقِيِّ بِمَا هُوَ صُورَةٌ، بَلْ بِمَا هُوَ أَمْرٌ : أَيْ أَنَّ إِذْعَانَهَا لَيْسَ لِلْمَفْهُومِ مِنَ الأَمْرِ، بَلْ لِذَاتِ اُلأَمْرِ الَّذِي لاَ بُدَّ أَنْ يُفْهَمَ حَتَّى يُطَاعَ. وَإِذْ أَنَّ اُلطَّاعَةَ مُضَافَةٌ لِلأَمْرِ، فَإِنْ كَانَ مَمْزُوجًا، لَمْ يَطْلُبْ طَاعَةً مَحْضَةً : كَاُلسَّيِّدِ إِذَا أَمَرَ عَبْدَهُ بِعَمَلٍ مَا. فَأَمْرُهُ مَمْزُوجٌ، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِذَاتِ الأَمْرِ، بَلْ لِتَحْصِيلِ غَرَضٍ عَائِدٍ عَلَيْهِ. لِذَلِكَ لَمْ يَطْلُبْ طَاعَةً مَحْضَةً، إِذِ اُلْعَبْدُ قَدْ يَكُونُ سَاخِطًا فِي نَفْسِهِ، وَيُعَدُّ مُطِيعًا مَا أَنْجَزَ مَأْمُورَهُ. وَإِذَا كَانَ اُلأَمْرُ مَحْضًا، وَذَلِكَ قَوْلُنَا اُلْمُوجِبُ بِاُلذَّاتِ، طَلَبَ طَاعَةً مَحْضَةً، وَذَلِكَ قَوْلُنَا اُلإِذْعَانُ اُلتَّامُّ لِلْمَعْنَى اُلْخُلُقِيِّ. وَلَكِنْ هَذَا أَيْضًا لاَ يَكْفِي : إِذْ أَنَّ سُلْطَانَ الأَمْرِ، وَلَوْ كَانَ مَحْضًا، فَغَيْرُ مُسْتَفَادٍ مِنْ نَفْسِهِ فَقَطْ، بَلْ إِنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنَ الآمِرِ. عَلَى مَعْنَى أَنَّ اُلنَّفْسَ إِنَّمَا تُذْعِنُ لِلأَمْرِ اُلْمَحْضِ، لأَنَّ اُلأمْرَ أَمْرٌ لِآمِرٍ. وَمَحْضِيَّةُ اُلأَمْرِ دَلِيلٌ لَدَيْهَا عَلَى مَحْضِيَّةِ اُلآمِرِ : إِذًا، فَهُوَ لِآمِرٍ ثَابِتٍ، لاَ لِصُورَةٍ، إِنَّمَا تُذْعِنُ. وَلِأَنَّ الآمِرَ مَحْضٌ، فَإِذْعَانُهَا مَحْضٌ. وَاُلآمِرُ يَأْمُرُ بِاُلأَمْرِ اُلْمَحْضِ، فَالنَّفْسُ تُذْعِنُ إِذْعَانًا مَحْضًا لِأَمْرٍ مَحْضٍ : وَذَلِكَ اتِّصَافُهَا وَتَخَلُّقُهَا. وَهْيَ تَتَّصِفُ بِأَمْرٍ مِنْ آمِرٍ مَحْضٍ. وَالآمِرُ اُلْمَحْضُ كَامِلٌ مَحْضٌ بِاُلضَّرُورَةِ : إِذًا، فَاتِّصَافُهَا هُوَ كَمَالُهَا وَرُقِيُّهَا فِي مَرَاتِبِ اُلْكَوْنِ وَاُلْوُجُودِ. وَالاِسْتِكْمَالُ إِنَّمَا يَتْبَعُهُ لِلنَّفْسِ، لاَ مَحَالَةَ، غِبْطَةٌ وَانْشِرَاحٌ عَظِيمَانِ. وَإِذْ أَنَّ اُلْغِبْطَةَ اُلْعَظِيمَةَ تَابِعَةٌ لِلاِسْتِكْمَالِ، وَالاِسْتِكْمَالُ تَابِعٌ لِلآمِرِ اُلْمَحْضِ بِوَاسِطَةِ الأَمْرِ اُلْمَحْضِ، قُلْنَا إِذًا إِنَّ اُلْمَعْنَى اُلْخُلُقِيَّ تَشْتَاقُهُ اُلنَّفْسُ وَتُرِيدُهُ وَتَتَشَبَّهُ بِهِ.

   وَبَعْدَ هَذَا البَيَانِ الَّذِي قَدْ يَسْتَطْوِلُهُ اُلْقَارِئُ، نُرِيدُ اُلآنَ أَنْ نَعْرِفَ لِمَ كَانَ اُلتَّعْلِيمُ الخُلُقِيُّ مُحْتَاجًا لِلْقُدْوَةِ وَمَا حَقِيقَتُهَا وَكَيْفَ هِيَ، أَيِ اُلْقُدْوَةَ، مُؤَثِّرَةٌ فِي بِنَاءِ اُلْخُلُقِ وَكَذَلِكَ فِي نَقْضِهِ.

    γ) اُلتَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ اُلْقُدْوَةَ قُدْوَةٌ لَيْسَ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مَوْضُوعًا تَظْهَرُ بِهِ اُلْهَيْئَاتُ اُلْخُلُقِيَّةُ كَالانْمُوذَجِ فِي الصِّنَاعَةِ، بَلْ هُوَ يَشْتَمِلُ كَذَلِكَ عَلَى مَعْنًى زَائِدٍ، بِهِ إِنَّمَا كَانَ قُدْوَةً وَكَانَ مُؤَثِّرًا فِي تَخَلُّقِ اُلْمُتَخَلِّقِ

   أَقُولُ : قَدْ يُظَنُّ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ اُلتَّخَلُّقُ تَصْوِيرًا لِهَيْئَةٍ عَمَلِيَّةٍ وَنَفْسِيَّةٍ، صَحِيحٌ أَنَّهَا لاَزِمَةٌ لِلذَّاتِ، فَمِنْ غَيْرِ شَكٍّ كَانَ مُحْتَاجًا أَيْضًا، مِنْ حَيْثُ مَا هُوَ تَصْوِيرٌ، لِشَيْءٍ يَحْتَذِيهِ مِثْلُهُ مِثْلَ اُلْعَمَلِ اُلصِّنَاعِيِّ ذِي الثَّمَرَةِ اُلْمُبَايِنَةِ، سَواءً بِسَوَاءٍ. وَإذْ هَذَا اُلشَّيْءُ يُسَمَّى فِي اُلصِّنَاعَةِ انْمُوذَجًا، فَإِنَّهُ فِي اُلتَّخَلُّقِ يُسَمَّى قُدْوَةً. فَمَثَلاً الاِبْنُ لِكَيْ تَصِيرَ لَهُ هَيْئَةُ اُلْعَامِلِ بِاُلْبِرِّ، لاَبُدَّ أَنْ يَرَى مِثَالاً لِلْبِرِّ يَقِيسُ عَمَلَهُ عَلَيْهِ : كَرُؤْيَتِهِ بِاُلْعَيْنِ أَبَاهُ يُحْسِنُ لِأَبِيهِ وَيُكْرِمُهُ دَائِمًا. إذًا، فَاُلْقُدْوَةُ لِلتَّخَلُّقِ بِمَنْزِلَةِ الانُمُوذَجِ لِلصِّنَاعَةِ. أَمَّا اسْتِدْرَاكُنَا، فَلَسْنَا لِأَنَّا نُنْكِرُ أَنَّ اُلْمُتَخَلِّقَ إِنَّمَا يَحْتَاجُ لِأَنْ يَقِيسَ عَمَلَهَ عَلَى عَمَلٍ مِثَالٍ. بَلْ إِنْكَارُنَا أَنْ يَكُونَ اُلْقُدْوَةُ، لِمَحْضِ كَوْنِهِ مَوْضُوعًا تَظْهَرُ بِهِ اُلْهَيْئَاتُ اُلْخُلُقِيَّةُ، إِنَّمَا كَانَ قُدْوَةً، أَيْ كَانَ مُؤَثِّرًا فِي تَخَلُّقِ اُلْمُتَخَلِّقِ. وَقَبْلَ أَنْ نُبَيِّنَ ذَلِكَ صَحِيحَ البَيَانِ، لاَ بُدَّ أَنْ نُنَبِّهَ عَلَى أَنَّهُ حِينَمَا نَسْتَعْمِلُ لَفْظَةَ اُلْهَيْئَاتِ اُلْعَمَلِيَّةِ أَوِ اُلْعَمَلِ، لِلْقُدْوَةِ، فَلَسْنَا نُرِيدِ بِهَا فَقَطْ اُلْحَرَكَاتِ اُلظَّاهِرَةَ أَوِ اُلْبَاطِنَةَ. بَلْ نُضَمِّنُهَا أَيْضًا كُلَّ قَوْلٍ أَوْ مَوْعِظَةٍ بِاللِّسَانِ، دَالَّةٍ عَلَى كُلِّ عَمَلٍ خُلُقِيٍّ حَقِيقِيٍّ. إِذًا، فَلَوْ كَانَ الظَّنُّ صَحِيحًا، لَوَجَبَتْ هَذِهِ اُلأَشْيَاءُ :

الأَوَّلُ، اُلْمُتَخَلِّقُ سَيَثْبُتُ فِيهِ اُلْخُلُقُ، أَيًّا كَانَ اُلْمَوْضُوعُ الَّذِي اِسْتَفَادَ مِنْهُ اُلْهَيْئَاتِ الظَّاهِرَةَ بِاُلْقَوْلِ أَوِ بِاُلْفِعْلِ، كَمَا فِي اُلصِّنَاعَةِ : إِذِ اُلْمُتَعَلِّمُ تَثْبُتُ فِيهِ اُلْمَهَارَةُ اُلصِّنَاعِيَّةُ، سَوَاءٌ اسْتَفَادَهَا مِنْ زَيْدٍ أَوْ عَمْرٍو. بَلْ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ أَنْ يَكُونَ تَعَلُّمُهُ إِيَّاهَا مِنْ صَنَمٍ آلِيٍّ رُكِّبَ لِتِكْرَارِ أَعْمَالٍ مَا صِنَاعِيَّةٍ. وَلَيْسَ اُلتَّخَلُّقُ كَذَلِكَ. وَهَذَا مَعْلُومٌ : إِذْ لَيْسَ مِمَّا يَغِيبُ عَنْكَ أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يُذْعِنُ إِذْعَانًا تَامًّا لِلْمَعْنَى اُلْخُلُقِيِّ فَيَنْتَقِشُ بِهِ انْتِقَاشًا بَيِّنًا مِنْ سَمَاعِهِ لِمَوْعِظَةٍ وَاحِدَةٍ قَالَهَا زَيْدٌ أَوْ مِنْ رُؤْيَتِهِ، مَرَّةً وَاحِدَةً، لِهَيْئَةٍ ظَاهِرَةٍ عَلَيْهِ. وَهُوَ بِعَيْنِهِ، قَدْ يَسْمَعُ مِنْ عَمْرٍو آلاَفَ اُلْمَوَاعِظَ، فَلاَ يَبْقَى لَهُ مِنْهَا سِوَى تَصَوُّرٍ مُجَرَّدٍ، كَتَصَوُّرِهِ لِمَعْنَى اُلْمُثَلَّثِ. أَوْ قَدْ يَرَى، مِئَاتَ اُلْمَرَّاتِ، هَيْئَاتٍ عَلَيْهِ، ثُمَّ لاَ يَبْقَى لَهُ مِنْهَا سِوَى صُوَرٍ حِسِّيَّةٍ لِهَيْئَاتٍ أَوْ حَرَكَاتٍ خَارِجِيَّةٍ، كَهَيْئَةِ حَرَكَةِ اُلْقِطَارِ أَوْ كَهَيْئَةِ مَسِيرِ اُلْحِمَارِ أَوْ أَكْلِهِ.

اُلثَّانِي، وَهْوَ مُنْدَرِجٌ فِي ضِمْنِ اُلأَوَّلِ، وَهْوَ أَنَّ اُلتَّعَلُّمَ اُلْخُلُقِيَّ سَيَكُونُ كَالتَّعَلُّمِ اُلصِّنَاعِيِّ أَوِ اُلنَّظَرِيِّ، غَيْرَ مُحْتَاجٍ لِثُبُوتِ ثَمَرَتِهِ أَنْ يَكُونَ لِلْمُتَعَلِّمِ اعْتِبَارٌ مَا لِقَصْدِ اُلْمُعَلِّمِ فِي اُلْقَوْلِ وَاُلْفِعْلِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ اُلتَّخَلُّقُ : إِذْ، مَثَلاً، تِلْمِيذٌ يَسْمَعُ شَرْحًا لِشَكْلِ فِيثَاغُورَاس، فَقَدْ تَحْصُلُ لَهُ اُلْفَائِدَةُ اُلنَّظَرِيَّةُ اُلتَّامَّةُ مِمَّا يَسْمَعُ إِذْ هُوَ غَيْرُ مُهْتَمٍّ أَصْلاً لِإِنْ كَانَ أُسْتَاذُهُ صَادِقَ الاعْتِقَادِ فِي اُلشَّكْلِ. أَمَّا اُلْمُتَخَلِّقُ، فَإِنَّهُ يُقِيمُ قُوَّةَ اُلْفِعْلِ أَوِ اُلْقَوْلِ مِنَ اُلْمُعَلِّمِ عَلَى قُوَّةِ اُلصِّدْقِ فِيهِمَا. وَإِنْ هُوَ أَيْقَنَ مِنْهُ، أَيْ مِنَ اُلْمُعَلِّمِ، فَسَادَ النِّيَّةِ، بَطَلَ أَثَرُهُمَا ألْبَتَّةَ، وَإِنْ كَانَا، أَيِ اُلْقَوْلَ وَاُلْعَمَلَ، بِغَايَةِ اُلْحُسْنِ وَاُلْبَهَاءِ. 

اُلثَّالِثُ، وَهْوَ أَنَّ مُخَالَفَةَ اُلْمُعَلِّمِ اُلْخُلُقِيِّ بِاُلْفِعْلِ، بَعْضَ مَا يُوصِي بِهِ قَوْلاً قَدْ لاَ يُؤَثِّرُ فِيمَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُ مِنْ سَائِرِ اُلْمَعَانِي الَّتِي كَانَ اُلْمُتَعَلِّمُ قَدْ اِسْتَفَادَهَا مِنْ نَفْسِ ذَلِكَ اُلْمُعَلِّمِ، كَمَا فِي اُلصِّنَاعَةِ : فَمَثَلاً الطَّالِبُ مَا يَهِنُ يَقِينُهُ بِاُلْمَعَارِفِ اُلْمُسْتَفَادَةِ مِنْ أُسْتَاذِهِ الطَّبِيبِ، وَلَوْ رَآهُ يُخَالِفُ بِاُلْعَمَلِ كَثِيرًا مِمَّا يُبَيِّنُهُ، وَلاَ بِاُلْمَعْنَى اُلْمُخَالَفِ نَفْسِهِ. كَكَوْنِ الطَّبِيبِ يُدَخِّنُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ التَّخَلُّقُ : إِذْ مَثَلاً، لَوْ اِبْنٌ وَقَعَ عَلَى أَبِيهِ يَكْذِبُ، فَلَيْسَ فَقَطْ، مَعْنَى اُلصِّدْقِ الَّذِي كَانَ اِسْتَفَادَهُ مِنْهُ سَيَضْعَفُ، بَلْ سَائِرُ اُلْمَعَانِي كَاُلْعِفَّةِ وَاُلْعَدْلِ وَاُلْبِرِّ، سَيَنَالُهَا اُلْوَهَنُ أَيْضًا.

   فَبَانَ إِذًا أَنَّ لِلْقُدْوَةِ مَعْنًى زَائِدًا عَلَى مَحْضِ كَوْنِهِ مَوْضُوعًا تَظْهَرُ بِهِ اُلْهَيْئَاتُ اُلْخُلُقِيَّةُ، بِهِ كَانَ قُدْوَةً وَبِهِ كَانَ مُؤَثِّرًا فِي تَخَلُّقِ اُلْمُتَخَلِّقِ. 

    δ) بَيَانٌ لَطِيفٌ جِدًّا فِي أَنَّ حَقِيقَةَ اُلْقُدْوَةِ إِنَّمَا هِيَ اُلصُّورَةُ مُتَصَوِّرَةً بِمَعْنَى اُلْكَامِلِ. ثُمُّ ذِكْرٌ لِلشُّرُوطِ الَّتِي بِهَا يَسْتَحِقُّ القُدْوَةُ صِفَةَ اُلْقُدْوَةِ حَتَّى يَكُونَ ذَا تَأْثِيرٍ فِي التَّخَلُّقِ وَالاسْتِكْمَالِ، لاَ سِيَّمَا شَرْطَ عِزَّةِ اُلْمَعْرِفَةِ اُلْمُورِثَةِ لِلْهَيْبَةِ     

   لَقَدْ قُلْنَا آنِفًا إِنَّ مُطْلُوبَ اُلنَّفْسِ الأخِيرَ بِاُلتَّخَلُّقِ إِنَّمَا هُوَ الإِذْعَانُ لِلْكَامِلِ اُلْمُطْلَقِ. وَلَكِنْ لاَ تَظُنَّنَنَّ أَنَّ النَّفْسَ عَلِمَتْ أَوَّلاً الكَامِلَ اُلْمُطْلَقَ، ثُمَّ عَلِمَتْ بِعِلْمِهِ أَنَّهَا لَوْ أَذْعَتْ لَهُ أَفَادَهَا كَمَالاً، فَتَحَرَّكَ شَوْقُهَا وَقَصَدَتْهُ بِاُلتَّخَلُّقِ. بَلِ الأمْرُ بِاُلْعَكْسِ، وَهْوَ أَنَّ اُلنَّفْسَ إِذْ شَوْقُهَا لِلْكَمَالِ هُوَ لَهَا بِاُلْفِطْرَةِ، فَهْيِ مِنْ نَفْسِ إِدْرَاكِهَا لِشَوْقِهَا قَدْ أَيْقَنَتْ بِضَرُورَةِ الكَامِلِ الأَوَّلِ مِنْ حَيْثُ يَقِينُهَا بِأَنَّ عَيْنَ الاِسْتِكْمَالِ عَيْنُ الإِذْعَانِ لِكَامِلٍ مُطْلَقٍ. لَكِنْ يَقِينُ اُلنَّفْسِ بِاُلكَامِلِ لَيْسَ مَعْرِفَةً مُطَابِقَةً بِحَقِيقَتِهِ، بَلْ إِنَّمَا هُوَ مُتَعَلَّقٌ مَعْنَوِيٌّ ضَرُورِيٌّ لِلشَّوْقِ. فَإِثْبَاتُهُ إِثْبَاتٌ لِمَعْنَى. لَكِنْ طَبِيعَةُ النَّفْسِ، لاَ سِيَّمَا اُلعَامِيَّةَ، أَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ تَنْفَعِلَ إِلاَّ عَنْ شَيْءٍ مَوْجُودٍ. وَعِنْدَهَا اُلْمَوْجُودُ فَقَطْ مَا لَهُ صُورَةٌ. وَاُلصُّورَةُ لاَ تَكُونُ إِلاَّ لِمَحْسُوسٍ. لِذَلِكَ، فَهْيَ، وَإِنْ صَحَّ عِنْدَهَا مَعْنَى اُلْكَامِلِ اُلْمُطْلَقِ وَأَنَّهُ اُلسِّرُّ الَّذِي يُحَرِّكُهَا لِلتَّخَلُّقِ، فَمَا بَقِيَ غَيْرَ مَوْجُودٍ وُجُودًا تُدْرِكُهُ، فَإِنَّهُ  يَبْقَى ذَوْقُهَا إِيَّاهُ، وَلَكِنْ لَنْ يَكُونَ لَهَا فِعْلٌ ثَابِتٌ وَمُتَقَرِّرٌ لِلتَّخَلُّقِ وَاُلْكَمَالِ. وَإِذْ أَنَّ مَعْنَى اُلْكَامِلِ اُلْمُطْلَقِ مَعْنَى مَا لاَ تُقَيِّدُهُ صُورَةٌ، إذًا فَكَأَنَّ اُلامْتِنَاعَ وَاجِبٌ أَنْ يَكُونَ لِلنَّفْسِ اِنْفِعَالٌ مِنْهُ، إِذًا فَكَأَنَّ الاِمْتِنَاعَ وَاجِبٌ أَنْ يَكُونَ لَهَا تَخَلُّقٌ وَكَمَالٌ. لَكِنَّ النَّفْسَ من اُلْمُحَالِ أَنْ تَصْبِرَ عَلَى هَذَا الاِمْتِنَاعِ، لأَنَّ شَوْقَهَا لِلاسْتِكْمَالِ، كَمَا قُلْنَا، هُوَ لَهَا بِاُلْفِطْرَةِ وَاُلْجِبِلَّةِ. لِذَلِكَ فَإِنَّهَا قَدِ اِلْتَمَسَتْ وَاسِطَةً ضَرُورِيَّةً، وَهْيَ أَنَّهُ وَإِنْ فَاتَهَا الكَامِلُ، فَلَمْ يَفُتْهَا صُورَةُ اُلْكَامِلِ. وَلاَ أَعْنِي بِهَا الكَامِلَ مُتَصَوِّرًا بِاُلصُّورَةِ، كَمَا قَوْلُ النَّصْرَانِيَّةِ فِي اُلْمَسِيحِ، بَلِ اُلصُّورَةَ مُتَصَوِّرَةً بِمَعْنَى اُلْكَامِلِ. عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ فِي صُورَةِ اُلْكَامِلِ، اُلْكَامِلُ يَسْتَفِيدُ لِلنَّفْسِ اُلْمُسْتَكْمِلَةِ، مِنَ اُلصُّورَةِ اُلْوُجُودَ، وَاُلصُّورَةُ تَسْتَفِيدُ مِنَ اُلْكَامِلِ اُلْكَمَالَ. وَهْيَ، أَيِ اُلنَّفْسَ، حِينَمَا تُذْعِنُ، لِلتَّخَلُّقِ، لِصُورَةِ الكَامِلِ، لاَ تُذْعِنُ لَهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ صُورَةٌ، بَلْ مِنْ حَيْثُ هِيَ ذَرِيعَةٌ لِمَعْنَى اُلْكَامِلِ الأَوَّلِ. فَاعْلَمْ إذًا، أَنَّ حَقِيقَةَ القُدْوَةِ إِنَّمَا بِعَيْنِهَا هِيَ صُورَةُ الكَامِلِ هَذِهِ. وَهَاهُنَا يُسْأَلُ سُؤَالٌ وَاجِبٌ، وَهْوَ أنّ القُدْوَةَ، وَقَدْ بَيَنَّا أَنَّهَا هِيَ بِعَيْنِهَا صُورَةُ الكَامِلِ، فَبِمَا تَسْتَحِقُّ صِفَةَ اُلْقُدْوَةِ وَمَا هِيَ اُلشُّرُوطُ اُلْوَاجِبَةُ فِيهَا حَتَّى تُؤَثِّرَ فِي اُلتَّخَلُّقِ وَالاِسْتِكْمَالِ. اُلْجَوَابُ : إِذَا حَكَتْ بِظُهُورِهَا خَاصَّةَ الإِطْلاَقِ مِنَ اُلْكَامِلِ، وَهْيَ أَنَّهُ لاَ يُقَيِّدُهُ شَيْءٌ. وَإِذْ أَنَّ اُلظُّهُورَ اُلصُّورِيَّ فِي نَفْسِهِ تَقْيِيدٌ، وَمِنَ اُلْمُحَالِ أَنْ يَصِفَ اُلْمُقَيَّدُ حَقِيقَةَ اُلْمُطْلَقِ، فَشَأْنُ اُلْقُدْوَةِ إذًا أَنْ يَظْهَرَ بِصِفَةِ لاَزِمِ اُلْخَاصَّةِ، فَيُقَامُ عِنْدَ اُلظَّاهِرِ لَهُ بِمَنْزِلَةِ اُلْخَاصَّةِ : وَأَعْنِي أَنَّ خَاصَّةَ اُلْكَامِلِ اُلإِطْلاَقُ، وَاُلْمُطْلَقُ مَا لاَ يُقَيِّدُهُ شَيْءٌ، وَاُلْمَعْرِفَةُ إِحَاطَةٌ وَتَقْيِيدٌ، فَيَلْزَمُ اُلْكَامِلُ مُمْتَنِعُ اُلْمَعْرِفَةِ. إِذًا، فَاُلقُدْوَةُ إِنَّمَا تَسْتَحِقُّ صِفَةَ اُلْقُدْوَةِ إِذَا حَكَتْ بِظُهُورِهَا مَعْنَى الامْتِنَاعِ اُلْمَعْرِفِيِّ، أَيْ مَتَى ظَهَرَتْ بِصِفَةِ مَا لاَ يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ. وَكَمَا أَنَّ القُدْوَةَ هُوَ مَجَازٌ لِلْكَامِلِ اُلْحَقِيقِيِّ، وَحَقِيقَتُهُ أَنَّهُ صُورَةٌ، كَذَلِكَ اِمْتِنَاعُهُ اُلْمَعْرِفِيُّ هُوَ مَجَازٌ لِلامْتِنَاعِ اُلْحَقِيقِيِّ، وَحَقِيقَتُهُ أَنَّهُ عَزِيزُ اُلْمَعْرِفَةِ ذُو سِرٍّ يَصُونُهُ وَيَسْتُرُهُ. إِذًا، فَهُوَ لِهَذِهِ اُلعِزَّةِ اُلْمَعْرِفِيَّةِ إِنَّمَا يُصْبِحُ لِلصُّورَةِ هَيْبَةٌ عَظِيمَةٌ وَتُقَامُ لِلنَّفْسِ بِصِفَةِ اُلقُدْوَةِ : أَيْ بِصِفَةِ اُلْمُصَوِّرَةِ لِلْكَامِلِ اُلْمُطْلَقِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : إِنْ كَانَ القُدْوَةُ قُدْوَةً مِنْ جِهَةِ عِزَّةِ اُلْمَعْرِفَةِ، فَمَا فَائِدَةُ ثبُوتِهِ وَقَدْ كَانَ الكَامِلُ الأَوَّلُ هُوَ، أَصْلاً، عَزِيزَ اُلْمَعْرِفَةِ. أُجِيبَ : اُلْكَامِلُ الأَوَّلُ ثَابِتٌ مَعْنًى. وَاُلصُّورَةُ، كَمَا قُلْنَا، إِنَّمَا تُفِيدُهُ الوُجُودَ عِنْدَ اُلنَّفْسِ. فَلِلْقُدْوَةِ مَزِيَّةُ اُلْجَمْعِ بَيْنَ مَعْنَى اُلْكَامِلِ فِي مَعْنَى عِزَّةِ اُلْمَعْرِفَةِ، وَوُجُودِهِ. وَهْوَ بِوَاسِطَةِ هَذِهِ اُلْهَيْبَةِ إِنَّمَا يَكُونُ إِذْعَانُ النَّفْسِ التَّامِّ لِمَا يَجْرِي عَلَى جَوَارِحِ القُدْوَةِ مِنْ أَعْمَالٍ، وَلِمَعَانِي مَا يَنْطِقُ بِهِ لِسَانُهُ مِنْ مَوَاعِظَ. لِذَلِكَ فَإِنَّ اُلْمَعَانِيَ اُلْخُلُقِيَّةَ وَإِنْ كَانَتْ تَابِعَةً لِلْقُدْوَةِ وَلَيْسَتْ مُقَوِّمَةً لَهَا، لَمْ يَدُلَّ إِذًا ثُبُوتُهَا عَلَى ثُبُوتِ الصِّفَةِ وَدَلَّ ارْتِفَاعُ بَعْضِهَا عَلَى انْتِفَاءِ اُلصِّفَةِ : كَكَوْنِ اُلْمَرْءِ ذَا مَالٍ وَافِرٍ. يَتْبَعُهُ أَنَّهُ ذُو طَعَامٍ وَذُو مَرْكُوبٍ فَارِهٍ، إِلَى غَيْرِهِ. لَكِنْ ثُبُوتُ اُلطَّعَامِ لاَ يَدُلُّ عَلَى وَفْرَةِ اُلْمَالِ، أَمَّا ارْتِفَاعُهُ فَيَدُلُّ عَلَى اِنْتِفَائِهِ، لاَ مَحَالَةَ. كَذَلِكَ فَاُلْكَوْنُ قُدْوَةً يَتْبَعُهُ اُلْكَوْنُ صَادِقًا عَدْلاً عَفِيفًا مُنْصِفًا، فَهَلُمَّ جَرًّا. وَلَكِنْ اُلْكَوْنُ بِأَحَدِ هَذِهِ اُلصِّفَاتِ لاَ يُوجِبُ اُلْكَوْنَ قُدْوَةً. أَمَّا لَوْ فَاتَ إِحْدَاهَا، دَلَّ فَوْتُهَا عَلَى اِنْتِفَاءِ الصِّفَةِ أَيْضًا، لاَ لِأَنَّهَا مُقَوِّمَةٌ لِلثُّبُوتِ، بَلْ لِأَنَّهَا كَاشِفَةٌ عَنْهُ. وَبِهَذَا نَعْلَمُ سِرَّ الاخْتِلاَفِ بَيْنَ اُلتَّعَلُّمِ اُلصِّنَاعِيِّ وَاُلتَّعَلُّمِ اُلْخُلُقِيِّ اُلْمَذْكُورِ فِي اُلشَّيْءِ اُلثَّالِثِ، آنِفًا. 

    ε) اِبْتِدَاءُ اُلْقَوْلِ فِي كَيْفَ أَوْجَبَتِ الانْتَرْنَتْ ضَيَاعَ اُلْقُدْوَةِ بِاُلْبِنَاءِ عَلَى مَا قَدْ تَقَدَّمَ.

   وَالآن نُرِيدُ أَنْ نُبَيِّنَ كَيْفَ أَنَّ الانْتَرْنَتْ، بِوَاسِطَةِ اِنْكِشَافِ الأَشْيَاءِ وَعَدَمِ بَقَاءِ جِهَاتٍ مِنْهَا مَسْتُورَةً وَاجِبَةَ السَّتْرِ هِيَ مُوجِبَةٌ لِضَيَاعِ القُدْوَةِ، قَطْعًا.

وَاُلْحَقُّ أَنَّا فِي فَصْلٍ مَضَى، الانْتَرْنَتْ وَانْكِشَافُ الأَشْيَاءِ، قَدْ ذَكَرْنَا وَجْهًا مِنْ هَذَا الكَيْفِ، وَهْوَ أَنَّ اُلْمِثَالَ الشَّرِيفَ، إِذْ قَدْ صَارَ مُخَالِطًا لِأَمْثِلَةٍ خَسِيسَةٍ لاَ مُتَنَاهِيَةٍ، فَلاَ مَنْجَى لَهُ أَلْبَتَّةَ مِنْ أَنْ تَسْرِيَ إِلَيْهِ مِنْهَا مَعَانِي اُلنَّقْصِ وَاُلْخِسَّةِ. وَذَاكَ لَعَمْرِي بِعَيْنِهِ مَا ضَيَاعُ القُدْوَةِ وَانْدِثَارُهَا. أَمَّا هَاهُنَا فَسَنَبْنِي اُلبَيَانَ عَلَى وَجْهٍ أَعْمَقَ، وَهْوَ مَا قَدْ فَصَّلْنَا آنِفًا فِي أَمْرِ اُلْقُدْوَةِ.

     ) بَيَانُ أَنَّ مَادَّةَ اُلقُدْوَةِ قَبْلَ الانْتَرْنَتْ كَانَتْ هِيَ اُلْحَاكِمَةَ فِي ظُهُورِهَا، إِذْ كَانَ ظُهُورُهَا فِي اُلْمَكَانِ وَاُلْوَاقِعِ، وَهْيَ بِذَلِكَ إِنَّمَا تَتَحَقَّقُ بِصِفَةِ اُلْقُدْوَةِ مِنْ أَوْجِهٍ ثَلاَثَةٍ نَذْكُرُهَا، وَنَأْخُذُ عَلَيْهَا مِثَالَ زَيْدٍ اُلْمُؤَدِّبِ

   إِذْ قَبْلَ الانْتَرْنَتْ كَانَتْ مَادَّةُ القُدْوَةِ إِنَّمَا ظُهُورُهَا فِي اُلْوَاقِعِ وَفِي مَكَانِهَا. لِذَلِكَ كَانَ حُكْمُ اُلظُّهُورِ رَاجِعًا إِلَيْهَا فِي جُلِّهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كُلِّهِ. وَإِذْ أَنَّ حَقِيقَتَهَا أَنَّهَا اِسْتِعْدَادٌ لِلْكَوْنِ قُدْوَةً، إِذًا فَقَدْ كَانَتْ حَاكِمَةً وَهْيَ فِي مَكَانِهَا، فِي ظُهُورِهَا عَلَى صُورَةِ القُدْوَةِ، ضَرُورَةً. وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَتْ ذَا عِنَايَةٍ نَافِذَةٍ بِأَنْ يَكُونَ تَبَدِّيهَا مَا أَمْكَنَ عَلَى اُلْهَيْئَةِ اُلْوَعْظِيَّةِ حَتَّى إِذَا خَبِرَهَا اُلْمُتَعَلِّمُ أَوْ لاَحَظَهَا اُلْمُلاَحِظُ لَمْ يَكَدْ يَجْتَمِعُ لَهُ مِنْها سِوَى جِهَاتٍ مَعْنَوِيَّةٍ، إِذَا أُلِّفَتْ أَشَارَ تَأْلِيفُهَا إِلَى ذَاتٍ هِيَ مَغْمُورَةُ اُلْكُنْهِ بِمَا يَنْبَجِسُ مِنْهَا مِنْ أَنْوَارِ اُلْمَعَانِي : وَهْيَ اُلْهَيْئَاتُ اُلْخُلُقِيَّةُ اُلْمَذْكُورَةُ. وَبِذَلِكَ إِنَّمَا تَتَحَقَّقُ اُلْمَادَّةُ بِصِفَةِ اُلْقُدْوَةِ مِنْ ثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ :

أَوَّلاً، مِنْ وَجْهِ كَوْنِهَا مَوْضُوعًا تَظْهَرُ بِهِ اُلْمَعَانِي اُلْمُحْتَذَاةُ.

ثَانِيًا، مِنْ وَجْهِ كَوْنِهِ لاَ يَدْخُلُ فِي التَّأْلِيفِ مَعَانٍ مُضَادَّةٌ، كَمُضَادَّةِ اُلْفُجُورِ لِلْعِفَّةِ.

ثَاِلثًا، مِنْ وَجْهِ كَوْنِ اُلْجِهَاتِ غَيْرِ اُلْمَعْنَوِيَّةِ مِنَ اُلْمَادَّةِ لاَ دُخُولَ لَهَا كَثِيرًا فِي جُمْلَةِ اُلْجِهَاتِ اُلْمَعْنَوِيَّةِ اُلْمُؤَلِّفَةِ لِلصِّفَةِ. إِذْ لَوْ غَلَبَتْ عَلَى اُلْجِهَاتِ اُلْمَعْنَوِيَّةِ، لَصَارَتِ اُلْمَادَّةُ مُتَعَلَّقًا مَعْرِفِيًّا مَعْلُومَ اُلْكُنْهِ. وَبِذَلِكَ يَرْتَفِعُ الشَّرْطُ الأَوَّلُ اُلْمَذْكُورُ لِلْقُدْوَةِ، وَهْوَ عِزَّةُ اُلْمَعْرِفَةِ اُلْمُورِثَةُ لِلْهَيْبَةِ. وَلِنُبَيِّنْ هَذَا بِمِثَالٍ : زَيْدٌ رَجُلٌ كَهْلٌ بِإِحْدَى القُرَى الصَّغِيرَةِ، عَمَلُهُ مُؤَدِّبٌ، سِيرَتُهُ في النَّاسِ مَحْمُودَةٌ وَذِكْرُهُ مَرْفُوعٌ. فَهُوَ مِثَالٌ فِي التَّأْدِيبِ، إِذِ اُلصِّبْيَةُ لاَ يَسْتَفِيدُونَ مِنْهُ فَقَطْ، حِفْظًا جِيَّدًا، بَلْ حِكَمًا مُبَيَّنَةً وَمَوَاعِظَ مَشْرُوحَةً. لِذَلِكَ فَفُلاَنٌ، اليَوْمَ، يَقُولُ : وَاللهِ لَوْلاَهُ لَمَا عَرَفْتُ مَعْنَى البِرِّ وَلَمَا كُنْتُ بَارًّا جِدًّا بِوَالِدَيَّ. وَفُلاَنٌ يَقُولُ : وَاللهِ لَوْلاَهُ لَمَا عَرَفْتُ زِينَةَ اُلْعِفَّةِ وَلَمَا صَارَتْ نَفْسِي تَعَافُ جِدًّا اُلْفِسْقَ وَاُلْفُجُورَ. وَفُلاَنٌ يَقُولُ : وَاللهِ لَوْلاَهُ لَمَا عَرَفْتُ قُبْحَ الظُّلْمِ وَلَمَا صِرْتُ أَتَوَخَّى اُلإِنْصَافَ مَا اسْتَطَعْتُ. وَهْوَ مِثَالٌ فِي الاِسْتِقَامَةِ وَحُسْنِ اُلْخُلُقِ، مِنْ صِدْقٍ وَعِفَّةٍ وَنَزَاهَةٍ وَأَمَانَةٍ وَعَدَالَةٍ وَكَرَمٍ. لِذَلِكَ فَفُلاَنٌ يَقُولُ : وَاللهِ لَقَدْ أَثَّرَ فِيَّ صِدْقُهُ فَأَصْبَحْتُ أُحِبُّهُ، أَيْ أُحِبُّ الصِّدْقَ وَإِنْ لَيْسَ لِي قُوَّةُ الثَّبَاتِ عَلَيْهِ. وَفُلاَنٌ يَقُولُ : وَاللهِ لَقَدْ أَثَّرَتْ فِيَّ عِفَّتُهُ فَأَصْبَحْتُ أُحِبُّهَا وَإِنْ لَيْسَ لِي قُوَّةُ الثَّبَاتِ عَلَيْها، إِلَى غَيْرِهِ. وَهْوَ أَيْضًا مِثَالٌ فِي الإِيمَانِ وَاُلتَّقْوَى وَالقِيَامِ بِاُلطَّاعَاتِ. لِذَلِكَ فَفُلاَنٌ يَقُولُ : وَاللهِ لَقَدْ أَثَّرَتْ فِيَّ مُوَاظَبَتُهُ عَلَى صَلاَةِ اُلْجَمَاعَةِ وَصَلاَةِ اُلْفَجْرِ فِي اُلْمَسْجِدِ، وَلَوْكَانَ بَرْدٌ وَقَرٌّ، فَأَصْبَحْتُ أَجْتَهِدُ أَنْ أَحْضُرَهَا. وَفُلاَنٌ يَقُولُ : وَاللهِ لَقَدْ أَثَّرَ فِيَّ حِفْظُهُ لِلأَوْقَاتِ فَأَصْبَحْتُ أُقَضِّي بَعْضَ اُلْفَرَاغِ فِي اُلتَّسْبِيحِ وَقِرَاءَةِ اُلْقُرْآنِ.

إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.

لَكِنْ مِنَ اُلبَيِّنِ أَنَّ اِسْتِفَادَةَ فُلاَنٍ مَثَلاً، مِنْ زَيْدٍ اُلْعِفَّةَ لَيْسَ فَقَطْ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ مِنْهُ، أَيْ مِنْ زَيْدٍ عَلَى وَجْهٍ هُوَ العِفَّةُ، بَلْ مِنْ جِهَةِ أَنَّ اُلْعِفَّةَ اُلْوَاقِعَةَ إِنَّمَا هِيَ مُقْتَرِنَةٌ أَيْضًا بِاُلْجِهَاتِ اُلأُخْرَى اُلْمَذْكُورَةِ، أَوْ هِيَ غَيْرُ مُقْتَرِنَةٍ بِمَا يُضَادُّ وَاحِدًا مِنْهَا. إِذْ لَوْ كَانَ زَيْدٌ مَثَلاً غَيْرَ بَارٍّ بِوَالِدَيْهِ، فَلَوْ أُوتِيَ عِفَّةَ يُوسُفَ، لَمَا أَثَّرَ بِوَصْفِ اُلْعِفَّةِ. وَإِذْ أَنَّ زَيْدًا لَيْسَ بِنَبِيٍّ مَعْصُومٍ، فَقَدْ لاَ يَخْلُو مِنْ بَعْضِ اُلصَّغَائِرِ الَّتِي لاَ تَصِلُ إِلَى أَنْ تَكُونَ قَبَائِحَ فَاحِشَةً وَلاَ يَجُوزُ لِأَجْلِهَا أَنْ يُوصَفَ بِاُلْمُنَافِقِ، أَوْ قَدْ يَكُونُ قَدْ كَانَتْ لَهُ فِي صِغَرِهِ أَوْ شَبَابِهِ بَعْضُ اُلْمَعَاصِي اُلْمَتْرُوكَةِ. وَمَعَ ذَلِكَ فَلَوْ ظَهَرَتْ هَذِهِ الأَوْجُهُ لِلنَّاسِ بِأَيِّ صُورَةٍ، فَإِنَّهَا إِمَّا أَنْ تُبْطِلَ صِفَةَ اُلْقُدْوَةِ أَوْ تَنَالَ مِنْهَا نَيْلاً عَظِيمًا. إذًا، فَلَمَّا كَانَ ظُهُورُ زَيْدٍ في مَكَانِهِ، فَقَدْ كَانَتْ عِنَايَتُهُ نَافِذَةً فِي أَنْ تَكُونَ الأَوْجُهُ اُلْمَذْمُومَةُ مَسْتُورَةً وَمَخْفِيَّةً : فَالنَّاسُ إِذَا أَحَبُّوا أَنْ يَرَوْهُ رَأَوْهُ حَيْثُ هُوَ أَحَبَّ أَنْ يَظْهَرَ : فَمَثَلاً أَحَبَّ أَنْ يَرَوْهُ فِي اُلْكُتَّابِ فَرَأَوْهُ فِي اُلْكُتَّابِ، وَفِي اُلْمَسْجِدِ فَرَأَوْهُ فِي اُلْمَسْجِدِ. وَحَيْثُ لَمْ يُحِبَّ أَنْ يَرَوْهُ امْتَنَعَ عَنْهُمْ أَنْ يَرَوْهُ : فَمَثَلاً هُوَ لَمْ يُحِبَّ أَنْ يَرَوْهُ يَسْمَعُ لأُمِّ كُلْثُومٍ، فَاعْتَنَى بِأَنْ يَكُونَ سَمَاعُهُ فِي حُجْرَتِهِ، فَلَمْ يَرَوْهُ. أَوْ هُوَ قَدْ قَضَّى صِغَرَهُ وَشَبَابَهُ بِبَلْدَةٍ كَانَ لَهُ فِيهَا بَعْضُ الفُسُوقِ، فَلَمَّا تَابَ أَحَبَّ أَنْ لاَ يُعْرَفَ فُسُوقُهُ القَدِيمُ، فَاعْتَنَى بِأَنْ هَاجَرَ إِلَى بَلْدَةٍ نَائِيَةٍ جِدًّا، فَلَمْ يَبْقَ مَنْ يَعْرِفُ هَذَا اُلْمَاضِي اُلْكَرِيهَ. ثُمَّ إِنَّ هُنَاكَ أَمْرًا آخَرَ أَقَلَّ بَيَانًا مِنَ الأَوَّلِ، وَهْوَ أَنَّ زَيْدًا إِنَّمَا هُوَ بَشَرٌ تَجْرِي عَلَيْهِ صُوَرُ اُلْحَيَاةِ اُلْمُخْتَلِفَةِ سِوَى اُلْهَيْئَاتِ اُلْوَعْظِيَّةِ اُلْمَذْكُورَةِ. إِذْ هُوَ بَدَنٌ ذُو ضَرُورَاتٍ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَنَوْمٍ وَغُسْلٍ وَتَثَاؤُبٍ وَتَجَشُّأٍ. وَهْوَ نَفْسٌ، صَحِيحٌ هِيَ غَيْرُ مُغْرِقَةٍ فِي اُلْبَاطِلِ وَاُلسَّفَاهَةِ، لَكِنَّهَا لاَ تَخْلُو، بِلاَ مَلاَمَةٍ، مِنْ بَعْضِ اُللَّهْوِ وَالانْبِسَاطِ فِي اُلفُكَاهَةِ، وَإِلاَّ عَمِيَتْ. وَهْوَ رَبُّ بَيْتٍ قَائِمٌ عَلَى تَدْبِيرِهِ وذُو أَحْوَالٍ قَطْعًا مَعَ زَوْجِهِ وَأَوْلاَدِهِ وَجِيرَانِهِ. إِذًا فَهَذِهِ الصُّوَرُ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُضَادَّةٍ لِلْمَعَانِي اُلْوَعْظِيَّةِ، فَإِنَّهَا إِذَا ظَهَرَتْ كَثِيرًا وَتَكَرَّرَتْ نَازَعَتِ اُلْجِهَاتِ اُلْمَعْنَوِيَّةَ، التَّأْلِيفَ، فَأَنْشَأَتْ ذَاتًا هِيَ قَرِيبَةٌ لِأَنْ تَصِيرَ مَادَّةً تَتَسَلَّطُ عَلَيْهَا اُلْمَعْرِفَةُ، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ سَتَكُونُ ذَاتًا مَغْمُورَةَ اُلْكُنْهِ بِمَا يَنْبَجِسُ مِنْهَا مِنْ أَنْوَارِ اُلْمَعَانِي اُلْقَاهِرَةِ اُلْمُوجِبَةِ لِلنَّاسِ الإِذْعَانَ، لَوْ كَانَتِ اُلْجِهَاتُ اُلْمَعْنَوِيَّةُ اُلْمُؤَلَّفَةُ لَيْسَ يَشُوبُهَا كَثِيرًا الصُّوَرُ اُلْمَذْكُورَةُ. لِذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ ظُهُورُ زَيْدٍ فِي مَكَانِهِ، فَقَدْ كَانَتْ عِنَايَتُهُ نَافِذَةً أَيْضًا فِي أَنْ تَكُونَ هَذِهِ اُلأَوْجُهُ اُلْحَيَاتِيَّةُ الَّتِي هِيَ فِي نَفْسِهَا غَيْرُ مَذْمُومَةٍ، غَيْرَ ظَاهِرَةٍ أَصْلاً أَوْ مُتَكَرِّرَةِ الظُّهُورِ : فَمَثَلاً مِنَ الطَّبِيعَةِ الإِنْسَانِيَّةِ أَنْ قَدْ يَكُونُ لِزَيْدٍ خُصُومَةٌ مَعَ زَوْجِهِ أَوْ تَقْرِيعٌ لابْنِهِ أَوْ ذَهَابٌ إِلَى سُوقٍ أَوْ وُقُوفٌ عَلَى تَاجِرِ أَوْ مُسَاوَمَةٌ فِي بِضَاعَةٍ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَهُوَ سَيَحْتَاطُ حَتَّى تَبْقَى اُلْخُصُومَةُ وَالتَّقْرِيعُ مَكْتُومَيْنِ، وَسَيَتَحَرَّى حَتَّى لاَ يَكُونَ لَهُ ذَهَابٌ مُتَكَرِّرٌ إِلَى اُلسُّوقِ أَوْ وُقُوفٌ دَائِمٌ عَلَى تَاجِرٍ أَوْ مُسَاوَمَةٌ فِي بِضَاعَةٍ بِإِلْحَاحٍ وَشِدَّةٍ. لأَنَّ هَذِهِ الصُّوَرَ لَوْ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ، اِخْتَلَطَتْ بِاُلْجِهَاتِ اُلْوَعْظِيَّةِ وَمَنَعَتْ أَنْ يُعْطِيَ التَّأْلِيفُ ذَاتًا بِوَصْفِ اُلْقُدْوَةِ، بَلْ قَدْ يَصِيرُ التَّأْلِيفُ تَقْوَى مِنْهُ الإِشَارَةُ إِلَى ذَاتٍ هِيَ مَادَّةٌ لِلْمَعْرِفَةِ وَاُلْحَدِيثِ بِقَدْرِ قُوَّةِ هَذِهِ اُلصُّوَرِ وَتَكَرُّرِهَا. فَيُصْبِحُ حَالُ زَيْدٍ قَرِيبًا من حَالِ عَمْرٍو مَثَلاً، الَّذِي تُذْكَرُ عَنْهُ أَشْيَاءُ، أَهْلُ اُلْقَرْيَةُ يَتَحَاكَوْنَهَا دَائِمًا اسْتِخْبَارًا أَوِاِسْتِطْرَافًا، كَكَوْنِهِ كَثِيرًا مَا يُسْمَعُ صِيَاحُهُ فِي أَهْلِهِ يَلُومُهُمْ عَلَى اُلتَّبْذِيرِ أَوْ أَنَّهُ إِذَا وَقَفَ عَلَى تَاجِرٍ وَرَامَ بِضَاعَةً أَلَحَّ عَلَيْهِ فِي اُلْحَطِّ.

     ●●) بَيَانُ كَيْفَ أَنَّ مَادَّةَ اُلْقُدْوَةِ بَعْدَ الانْتَرْنَتْ لَمْ تَعُدْ حَاكِمَةً فِي ظُهُورِهَا، بَلِ اُلْحَاكِمُ هُوَ اُلْوَاسِطَةُ اُلْوَهْمِيَّةُ، وَكَيْفَ أَنَّ اُلْحَاكِمَ اُلْجَدِيدَ هُوَ فَاسِخٌ لاَ مَحَالَةَ لِشَرْطِ اُلْقُدْوَةِ، أَيْ عِزَّةَ اُلْمَعْرِفَةِ.

   ذَلِكَ مَا كَانَ اُلشَّأْنُ قَبْلَ الانْتَرْنَتْ. أَمَّا بَعْدَهَا، فَاُلْخَطْبُ لَيْسَ فَقَطْ فِي أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قُدْوَةً أَوْ مِمَّنْ يُوصَفُ لِلنَّاسِ بِأَنَّهُ قُدْوَةٌ قَدْ صَارَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ظُهُورُهُ أَيْضًا بِاُلْوَاسِطَةِ اُلْوَهْمِيَّةِ، بَلْ لَوْ قُدْوَةٌ أُخْرَى أَنِفَتْ ذَلِكَ وَأَبَتْ إِلاَّ أَنْ لاَ يَكُونَ لَهَا ظُهُورٌ إِلاَّ فِي اُلوَاقِعِ، فَحَالُهَا إِذَنْ سَوْفَ لَنْ يَخْرُجَ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ :

إِمَّا أَنْ تَبْقَى مَغْمُورَةًُ غَيْرَ مُؤَثِّرَةٍ كَثِيرًا.

وَإِمَّا أَنْ تُسْلَخَ مِنْ مَكَانِهَا وَتُحْشَرَ قَسْرًا فِي اُلْعَالَمِ اُلْوَهْمِيِّ. وَذَلِكَ إِذَا اعْتَنَى آخَرُونَ مِنْ غَيْرِ إِرَادَةِ القُدْوَةِ أَوْ عِلْمِهِ عَلَى إِدْرَاجِ هَيْئَاتٍ لَهُ مُصَوَّرَةٍ أَوْ مَسْمُوعَةٍ فِي الانْتَرْنَتْ، كَمَا فُعِلَ، مَثَلاً، بِالإِمَامِ الكَبِيرِ محمّد متولّي الشَّعراوي رحمه الله. وَاُلسِّرُّ الأَخْفَى فِي كُلِّ هَذَا اُلْحِرْصِ عَلَى اُلظُّهُورِ اُلْوَهْمِيِّ هُوَ أَنَّ طُولَ مُعَاشَرَةِ النَّاِس لِلانْتَرْنَتْ قَدْ اسْتَحْدَثَ فِيهِمْ خُلُقًا عَجِيبًا وَهْوَ حُبُّهُمْ لِأَنْ يَكُونَ ذَوْقُهُمْ لِلأَشْيَاءِ، وَلَوْ كَانَتْ وَاقِعِيَّةً عَيْنِيَّةً، ذَوْقًا وَهْمِيًّا : إِذْ فِي أَصْلِ الأُمُورِ، اُلنَّفْسُ إِذَا قَصَدَتْ شَيْئًا وَهْمِيًّا كَـطُومْ وتِجِرِّي، فَاُلْوَهْمُ فِي قَصْدِهَا لَيْسَ مُجَرَّدَ وَاسِطَةٍ لَوْ كَانَتْ تَسْتَطِيعُ بُلُوغَ اُلشَّيْءِ بِدُونِه لاسْتَغْنَتْ عَنْهُ. بَلْ فِي نَفْسِ طَلَبِهَا لِـطُومْ إِنَّمَا هِيَ تَطْلُبُ وَهْمَ طُومْ. أَمَّا لَوْ قَصَدَتْ شَيْئًا وَاقِعِيًّا بِوَاسِطَةٍ وَهْمِيَّةٍ، فَاُلْنَّفْسُ، ضَرُورَةً، لَوْ اسْتَطَاعَتْ الاسْتِغْنَاءَ عَنْهُ، اِسْتَغْنَتْ عَنْهُ قَطْعًا. فَمَثَلاً أَبٌ يُخَاطِبُ ابْنَهُ اُلْمُغْتَرِبَ بِوَاسِطَةِ سَكَايْبْ، أَتُرَاهُ سَيُخَاطِبُهُ بِتِلْكُمُ اُلْوَاسِطَةِ لَوْ كَانَ حَاضِرًا بِاُلْبَيْتِ. لَكِنَّ اليَوْمَ، أَصْبَحَتِ النَّاسُ إِنَّمَا تُؤْثِرُ أَنْ يَكُونَ ذَوْقُهَا لِلأَشْيَاءِ، فِي اُلْجُمْلَةِ، بِوَاسِطَةِ الانْتَرْنَتْ، وَلَوْ فِيمَا هُوَ مُسْتَطَاعٌ إِدْرَاكُهُ عِيَانًا. لِأَجْلِ ذَلِكَ صَارَتِ الأَشْيَاءُ تَقْدِيرُهَا أَنَّهُ مَا لَمْ تَظْهَرْ بِاُلْوَهْمِ، فَهْي غَرِيبَةٌ مُوحِشَةٌ وَلَوْ كَانَ تَحَقُّقُهَا فِي اُلْوَاقِعِ تَحَقُّقًا تَامًّا. إِذَنْ، فَمُخَالَفَةُ اُلْقُدْوَةِ مِنَ اُلظُّهُورِ فِي مَكَانِهِ إِلَى اُلظُّهُورِ فِي العَالَمِ اُلْوَهْمِيِّ إِنَّمَا يَتْبَعُهُ لاَزِمٌ كَبِيرٌ لاَ يُدْرَكُ إِلاَّ بِنَظَرٍ دَقِيقٍ : وَهْوَ سَلْبُ حُكْمِ اُلظُّهُورِ مِنْهُ، وَتَسَلَّطُ حُكْمُ اُلْوَهْمِ فِيهِ. وَإِذْ أَنَّ اُلْمَحْكُومَ يَسْتَفِيدُ مَعْنًى مِنَ اُلْحَاكِمِ مِنْ حَيْثُ حُكْمُ اُلْحَاكِمِ فِيهِ، كَذَلِكَ فَإِنَّ القُدْوَةَ إِنَّمَا يَسْتَفِيدُ مَعْنًى مِنَ اُلْوَهْمِ مِنْ حَيْثُ حُكْمُ اُلْوَهْمِ فِيهِ. وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ حَقِيقَةَ اُلْوَهْمِ أَنَّهُ تَصْوِيرٌ لِلأَشْيَاءِ بِمَا يُلاَئِمُ إِدْرَاكَ اُلْخَيَالِ وَذَوْقِهِ. لَكِنَّ عَلاَقَةَ اُلْخَيَالِ بِاُلأَشْيَاءِ عَلاَقَةُ اسْتِمْتَاعٍ بِسَبَبِ شُعُورِهِ بِسُلْطَانِهِ اُلْمُطْلَقِ عَلَيهَا مِنْ تَصَرُّفٍ أَوْ إِبْدَاعٍ أَوْ إِحَاطَةٍ، إِلَى غَيْرِهِ. وَإِذْ مِنْ سُبُلِ إِخْضَاعِ اُلشَّيْءِ مَعْرِفَةُ أَسْرَارِهِ وَخَفَايَاهُ، كَذَلِكَ فَإِنَّ الانْتَرْنَتْ بِاسْتِحْوَاذِهَا عَلَى القُدْوَةِ سَتَطْلُبُ لَهُ، لاَ مَحَالَةَ، لَيْسَ فَقَطْ اُلْجِهَاتِ اُلْمَعْنَوِيَّةَ الَّتِي بِهَا هُوَ فَاعِلٌ ثَابِتٌ، بَلْ أَيْضًا اُلْجِهَاتِ اُلْغَيْرِ اُلْمَعْنَوِيَّةِ الَّتِي بِهَا هُوَ مَعْرُوفُ الكُنْهِ مَكْشُوفُ اُلسِّرِّ. وَقَدْ قُلْنَا إِنَّمَا هَذَا لَمُبْطِلٌ لِشَرْطِ اُلْقُدْوَةِ اُلأَوَّلِ، وَهْوَ عِزَّةُ اُلْمَعْرِفَةِ اُلْمُورِثَةِ لِلْهَيْبَةِ. فَقَدْ بَانَ لَنَا، إِذَنْ، كَيْفَ أَنَّ الانْتَرْنَتْ هِيَ مُضَيِّعَةٌ لِلْقُدْوَةِ بِوَاسِطَةِ انْكِشَافِ الأَشْيَاءِ وَكَوْنِهَا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ. 

  4) آفَاتٌ لاَزِمَةٌ مِنَ اُلتُّخْمَةِ اُلْحَدَثِيَّةِ

   اُلسَّبَبُ اُلْقَرِيبُ اُلرَّابِعُ : وَهْوَ اُلتُّخْمَةُ اُلْحَدَثِيَّةُ اُلْوَاجِبَةُ مِنَ الانْتَرْنَتْ. إِذْ قَدْ بَيَنَّا فِي فَصْلِ “فُضُولُ اُلْمَعْرِفَةِ” أَنَّ لِذَلِكَ أَثَرَيْنِ ظَاهِرَيْنِ :

   I) تَذَكِيرٌ بِالأَثَرَيْنِ اللاَّزِمَيْنِ مِنَ التُّخْمَةِ اُلْحَدَثِيَّةِ اُلْمُبَيَّنَيْنِ فِي فَصْلِ “فُضُولُ اُُلْمَعْرِفَةِ”، وَذِكْرٌ لِلصِّفَاتِ اُلسَّيِّئَةِ اُلتَّابِعَةِ لِلأَثَرِ الأَوَّلِ، وَهْيَ اُلْحَيْرَةُ وَاُلْقَلَقُ وَاُلْوَحْشَةُ وَاُلْخِيَانَةُ وَاُلْعُقُوقُ وَاُلدَّيْثُ وَاُلْكَسَلُ، ثُمَّ سَرْدٌ لِمَا هِيَ اُلشُّرُوطُ اُلْوَاجِبَةُ لِثُبُوتِ أَضْدَادِهَا مِنْ يَقِينٍ وَسَكِينَةٍ وَأُنْسٍ وَوَفَاءٍ وَبِرٍّ

اُلأَوَّلُ، ظُهُورُ اُلْعَالَمِ فِي هَيْئَةِ اُلسَّيَلاَنِ اُلدَّائِمِ.

اُلثَّانِي، رُسُوخُ خُلُقٍ مَعْرِفِيِّ فَاسِدٍ، وَهْوَ حُبُّ اُلْحَوَادِثِ وَطَلَبُ اُلاِسْتِلْذَاذِ اُلْمَحْضِ بِهَا. إِذَنْ، فَسَيَلْزَمُ مِنَ اُلأَثَرِ الأَوَّلِ لِلنَّفْسِ أَحْوَالٌ وَصِفَاتٌ كَثِيرَةٌ سَيِّئَةٌ أَخَصُّهَا : اُلْحَيْرَةُ وَاُلْقَلَقُ وَاُلْوَحْشَةُ وَاُلْخِيَانَةُ وَاُلْعُقُوقُ وَاُلدَّيْثُ وَاُلْكَسَلُ. وَلِمَعْرِفَةِ كَيْفَ ذَلِكَ، فَلاَ بُدَّ أَوَّلاً مِنْ ذِكْرِ مَا حَقِيقَةُ أَضْدَادِ اُلأَحْوَالِ اُلْمَذْكُورَةِ وَمَا هِيَ شُرُوطُهَا : فَضِدُّ اُلْحَيْرَةِ اليَقِينُ وَهْوَ قَطْعُ اُلنَّفْسِ بِأَنَّ الشَّيْءَ عَلَى صِفَةٍ مَا وَلَيْسَ هُوَ عَلَى غَيْرِهَا، وَمِنْ شَرْطِهِ دَوَامُ اُلشَّيْءِ عَلَى صِفَتِهِ أَوِ انْسِلاَخُهُ مِنْهَا بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ. وَضِدُّ اُلقَلَقِ اُلسَّكِينَةُ وَهْيَ تَفْوِيضُ اُلنَّفْسِ أَمْرَهَا لِمَا قَدْ صَحَّ يَقِينُهَا فِيهِ، وَشَرْطُهَا كَشَرْطِ اُلْيَقِينِ بِعَيْنِهِ. وَضِدُّ الوَحْشَةِ اُلأُنْسُ وَهْوَ اِنْبِسَاطُ النَّفْسِ وَرَاحَتُهَا مِنْ مُخَالَطَتِهَا اُلشَّيْءَ، وَمِنْ شَرْطِهِ اُلْمُعَاشَرَةُ الطَّوِيلَةُ وَامْتِدَادُ اُلْمُلاَزَمَةِ. وَضِدُّ اُلْخِيَانَةِ اُلْوَفَاءُ وَهْوَ حِفْظُ اُلْعَهْدِ، وَمِنْ شَرْطِهِ اُلْحُضُورُ عِنْدَ كُلِّ مَعْهُودٍ أَوْ مَوْعُودٍ. وَضِدُّ العُقُوقِ البِرُّ وَهْوَ اُلتَّعَهُّدُ وَاُلرِّعَايَةُ واُلإِحْسَانُ وَاُلْعَطْفُ لِمَنْ يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ مِنْ ذِي رَحِمٍ أَوْ أَلِيفٍ أَوْ مُحْسِنٍ. وَقَدْ قُلْنَا إِنَّ هَذِهِ اُلْمَعَانِي إِنَّمَا تَثْبُتُ بِاُلْمُؤَانَسَةِ واُلْمُعَاشَرَةِ. إِذَنْ فَهْيَ مِنْ شُرُوطِ اُلبِرِّ أَيْضًا. وَضِدُّ اُلدَّيْثِ اُلْغِيرَةُ وَهْيَ اُلأنَفَةُ وَاُلْحَمِيَّةُ عَلَى مَا يَنْبَغِي صَوْنُهُ مِنَ اُلْعُدْوَانِ وَالانْتِهَاكِ مِنْ عِرْضٍ أَوْ أَرْضٍ، وَمِنْ شَرْطِهِ كَالَّذِي مَضَى. وَضِدُّ اُلْكَسَلِ اُلْهِمَّةُ وَاُلنَّشَاطُ وَهْوَ اُلإِقْبَالُ عَلَى اُلْعَمَلِ وَاُلْمُثَابَرَةُ عَلَيْهِ، وَمِنْ شَرْطِهِ ثَبَاتُ اُلْمَعْمُولِ وَبَقَاؤُهُ.

    α) إِيرَادُ أُمُورٍ ثَلاَثَةٍ لاَزِمَةٍ مِنْ سَيَلاَنِ اُلْعَالَمِ، وَبَيَانٌ لِكَيْفَ هِيَ نَاقِضَةٌ لِشُرُوطِ اُلْمَعَانِي الأَضْدَادِ، وَمُوجِبَةٌ إِذَنْ لِلصِّفَاتِ السَّيِّئَةِ اُلْمَذْكُورَةِ

   لَكِنَّ سَيَلاَنَ اُلْعَالَمِ إِنَّمَا يَقْتَضِي ثَلاَثَةَ أُمُورٍ مُرَتَّبٍ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ :

أَوَّلاً، أَنَّ اخْتِلاَفَ اُلْعَالَمِ لَيْسَ فِي عَوَارِضِهِ فَقَطْ، بَلْ فِي حَقِيقَتِهِ أَيْضًا. كَكَوْنِ اُلاخْتِلاَفِ، مَثَلاً لَيْسَ فَقَطْ مِنْ زَيْدٍ الأبْيَضِ إِلَى زَيْدٍ اُلأَسْمَرِ، بَلْ مِنْ زَيْدٍ إِلَى عَمْرٍو.

ثَانِيًا، وَلَيْسَ عَلَى سَبِيلِ اُلانْتِقَالِ مِنْ حَقِيقَةٍ إِلَى حَقِيقَةٍ، بَلْ مِنْ حَقِيقَةٍ إِلَى بُطْلاَنِهَا. كَكَوْنِ اُلانْتِقَالِ مَثَلاً لَيْسَ مِنْ حَبَّةٍ إِلَى اُلشَّجَرَةِ، بَلْ مِنْ شَجَرَةٍ إِلَى حَطَبٍ.

ثَالِثًا، وَلَيْسَ بَيْنَ حَدَّيِ الانْتِقَالِ مِنْ تَرَاخٍ زَمَنِيٍّ بَيِّنٍ. كَكَوْنِ بَيْنَ حَدِّ اُلوِلاَدَةِ وَحَدِّ اُلْمَوْتِ مَثَلاً عُقُودٌ مِنَ اُلسِّنِينَ. بَلْ كَالَّّذِي مَا بَيْنَ إِلْقَاءِ اُلْبَصَرِ والرُّؤْيَةِ.

وَهْوَ بَيِّنٌ جِدًّا أَنَّ هَذِهِ الأُمُورَ اُلثَّلاَثَةَ هِيَ نَاقِضَةٌ قَطْعًا لِلشُّرُوطِ اُلْمَذْكُورَةِ جَمْعَاءَ : إِذِ اِخْتِلاَفُ اُلْعَالَمِ مِنَ اُلْحَقِيقَةِ إِلَى بُطْلاَنِهَا يَنْقُضُ شَرْطَ دَوَامِ اُلشَّيْءِ عَلَى صِفَتِهِ. وَارْتِفَاعُ اُلتَّرَاخِي اُلزَّمَنِيِّ بَيْنَ حَدَّيِ اُلاِنْتِقَالِ يَنْقُضُ طُولَ اُلْمُدَّةِ اُلْمُنْسَلَخِ بَعْدَهَا. فَيرْتَفِعُ إِذًا مَشْرُوطَاتُهُمَا بِلاَ وَاسِطَةٍ، وَهْيَ اُليَقِينُ وَاُلسَّكِينَةُ وَاُلْهِمَّةُ وَاُلنَّشَاطُ لِتَثْبُتَ أَضْدَادُهَا اُلْحَيْرَةُ وَاُلْقَلَقُ وَاُلْكَسَلُ. وَتَرْتَفِعُ أَيْضًا مَشْرُوطَاتُهُمَا اُلأُخْرَى بِوَاسِطَةٍ، وَهْيَ اُلأُنْسُ وَاُلْوَفَاءُ وَاُلْبِرُّ وَاُلْغِيرَةُ لِتَثْبُتَ أَضْدَادُهَا اُلْوَحْشَةُ وَاُلْخِيَانَةُ وَاُلْعُقُوقُ وَاُلدَّيْثُ. وَأُرِيدُ بِاُلْوَاسِطَةِ اُلْمُعَاشَرَةَ وَاُلْمُلاَزَمَةَ. وَهَذَانَ إِنَّمَا يَصِحَّانِ بِمُعَاشَرٍ بَاقٍ ثَابِتٍ.  

   II) اِبْتِدَاءُ اُلْقَوْلِ في آفَتَيْنِ تَابِعَتَيْنِ لِلأَثَرِ الثَّانِي، وَهْوَ حُبُّ اُلْحَوَادِثِ وَالاسْتِلْذَاذُ بِهَا

   أَمَّا اُلأَثَرُ الثَّانِي وَهْوَ حُبُّ اُلْحَوَادِثِ وَطَلَبُ الاسْتِلْذَاذِ اُلْمَحْضِ بِهَا فَتَلْزَمُهُ آفَتَانِ بَيِّنَتَانِ :

    α) ذِكْرٌ لِلآفَةِ الأُولَى وَهْيَ جَفَافُ اُلْعِبْرَةِ، وَبَيَانُ كَيْفَ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ جَعَلَ النَّفْسَ لاَ تَفْهَمُ خِطَابَ اُلْعَالَمِ لَهَا إِلاَّ بِالانْفِعَالِ مِنْهُ، وَأَخْذُ شَاهِدَيْنِ عَصْرِيَّيْنِ اثْنَيْنِ عَلَى ذَلِكَ

اُلأُولَى، وَكُنَّا قَدْ بَيَنَّاهَا فِي اُلْفَصْلِ اُلْمَذْكُورِ، وَهْيَ جَفَافُ اُلنَّفْسِ مِنَ اُلْعِبْرَةِ. وَلاَ تَحْسَبَنَّ ذَلِكَ أَمْرَا هَيِّنًا، إِذْ مَنْزِلَةُ اُلْعِبْرَةِ مِنَ الإِنْسَانِ كَمَنْزِلَةِ اُلْمَاءِ مِنَ اُلنَّبَاتِ : فَلاَ نَشْأَةَ لَهُ اُلنَّشْأَةَ اُلإنْسَانِيَّةَ اُلْحَقَّةَ وَلاَ تَخَلُّقَ لَهُ بِاُلْمَعَانِي النُّطْقِيَّةِ اُللاَّئِقَةِ بِكَمَالِهِ الَّذِي بِهِ يُبَايِنُ البَهَائِمَ وَيُلاَصِقُ اُلْمَلاَئِكَةَ إِلاَّ إِذَا كَانَتْ نَفْسُهُ مِنْ طَعَامِهَا وَشَرَابِهَا اُلْعِبْرَةَ وَاُلْمَوْعِظَةَ. وَهْيَ بِقَدْرِ جُوعِهَا مِنْهُمَا وَعَطَشِهَا إِنَّمَا تَخْرُجُ مِنْ حَدِّ الإِنْسَانِيَّةِ وَتَدْخُلُ فِي اُلْبَهِيمِيَّةِ. وَاُلسِّرُّ فِي هَذَا أَنَّ اُلنَّفْسَ إِذَا سَرَتْ فِيهَا اُلْعِبْرَةُ صَارَ لَهَا ذَوْقٌ لِلْمَعْنَى وَاشْتَاقَتْ إِلَيْهِ. وَهْيَ لِشَوْقِهَا لِلْمَعْنَى إِنَّمَا تَكُونُ مُسْتَكْمِلَةً فَاعِلَةً. أَيْ مُتَعَالِيَةً عَلَى اُلطَّبِيعَةِ أَشْرَفَ مِنَ اُلْمَحْسُوسِ اُلْمَحْضِ. فَإِنْ هِيَ خَلَتْ مِنَ اُلْعِبْرَةِ لَمْ يَبْقَ لَهَا شَوْقٌ لِلْمَعْنَى، أَيْ لَمْ تَبْقَ فَاعِلَةً مُسْتَكْمِلَةً. بَلْ مُنْغَمِسَةً فِي اُلطَّبِيعَةِ غَائِصَةً فِي اُلْمَحْسُوسِ. وَحِينَئِذٍ، فَلَنْ يَكُونَ لَهَا فِعْلٌ أَوْ شُعُورٌ بِذَاتِهَا أَوْ بِالأَشْيَاءِ إِلاَّ عَلَى جِهَةِ الانْفِعَالِ وَالتَّأَثَّرِ مِنْ خَارِجٍ. وَذَلِكَ مَا مَعْنَى صَيْرُورَةِ اُلنَّفْسِ بَهِيمِيَّةَ اُلطََّبْعِ. لأََنَّ عَلاَقَةَ اُلبَهِيمَةِ باُلْعَالَمِ عَلاَقَةُ انْفِعَالٍ مَحْضٍ. وَبِاُلْعَكْسِِ، فَهَذِهِ النَّفْسُ اُلْبَهِيمِيَّةُ حَالُهَا حَالَ اُلبَهِيمَةِ اُلْحَقِيقِيَّةِ، مَا لَمْ يَرِدْ عَلَيْهَا مَا فِي اُلْخَارِجِ عَلَى سَبِيلِ اُلْفِعْلِ وَاُلتَّأْثِيرِ، بَلْ وَرَدَ عَلَيْهَا عَلَى سَبِيلِ اُلطَّلَبِ والنِّدَاءِ اُلْمَعْنَوِيِّ فَقَطْ، فَإِنَّهَا لَمْ تَلْتَفِتْ إِلَيْهِ وَلَمْ تُدْرِكْ وُجُودَهُ، أَصْلاً. وَهْوَ بِعَيْنِهِ مَا صَارَتْ عَلَيْهِ اُلنَّفْسُ أَيْضًا بِسَبَبِ مَا قُلْنَا مِنْ جَفَافِهَا اُلْمَذْكُورِ مِنَ اُلْعِبْرَةِ. وَلِي عَلَى هَذَا الأَخِيرِ شَاهِدَانِ عَصْرِيَّانِ مُؤَكِّدَانِ :

     ) ذِكْرُ الشَّاهِدِ الأَوَّلِ، وَهْوَ اُلْمَيْلُ اُلْعَامُّ إِلَى تَأْسِيسِ اُلْحَقَائِقِ أَبَدًا عَلَى اُلصُّورَةِ

   اُلشَّاهِدُ الأَوَّلُ، وَهْوَ مَا نَرَاهُ اُلْيَوْمَ مِنْ مَيْلٍ يَكَادُ يَكُونُ عَامًّا إِلَى إِلْقَاءِ الأَشْيَاءِ عَلَى هَيْئَةٍ مُصَوَّرَةٍ وَإِقَامَةِ اُلْحَقَائِقِ وَتَأْسِيسِهَا عَلَى اُلصُّورَةِ. وَذَلِكَ لَيْسَ فَقَطْ فِي الأُمُورِ اُلْمُبَايِنَةِ لِلْمَعَانِي، أَصْلاً، كَاُلْمَعَارِفِ اُلصِّنَاعِيَّةِ أَوِ النَّادِرَاتِ اُلْمُسْتَطْرَفَةِ أَوِ اُلْحِكَايَاتِ اُلْمُلْهِيَةِ. بَلْ كَذَلِكَ فِي اُلْمَعَانِي نَفْسِهَا وَفِي اُلصِّفَاتِ الإنْسَانِيَّةِ وَاُلْمَدَنِيَّةِ. إِذْ قَدِيمًا كُنَّا نُرِيدُ أَنْ نُرَبِّيَ النَّاسَ عَلَى مَعَانٍ مَحْمُودَةٍ فَتُذْكَرُ لَهَا أَمْثِلَةٌ شَرِيفَةٌ لِلاِسْتِئْنَاسِ وَاُلْعِبْرَةِ كَيُوسُفَ عَلَيْهِ اُلسَّلاَمُ لِلْعِفَّةِ، وَأَبِي بَكْرٍ اُلصِّدِّيقِ لِلتَّصْدِيقِ، وَعُمَرِ بْنِ اُلْخَطَّابِ لِلْعَدْلِ، وَأَبِي اُلدَّرْدَاءِ لِلْوَرَعِ، وَعَبْدِ الله بْنِ رَوَاحَةَ لِلْجِهَادِ وَاُلْبَذْلِ. ولِأَنَّ اللَّفْظَ فَقَطْ إِنَّمَا يُشِيرُ إِلَى اُلْمَعْنىَ أَوْ يُحِيلُ عَلَى اُلشَّيْءِ بِوَاسِطَةِ اُلْمَعْنَى، لَمْ يَجُزْ إِذَنْ أَنْ يَكُونَ لِلأَمْثَلَةِ اُلْغَائِبَةِ اُلْمُفِيدَةِ لِلْمَعَانِي ظُهُورًا وَعْظِيًّا إِلاَّ بِوَاسِطَةٍ لَفْظِيَّةٍ. لِذَلِكَ إِنَّمَا كَانَتْ تُلْقَى عَلَى اُلنَّاسِ إِمَّا سَمَاعًا أَوْ كِتَابَةً. أَيْ بِوَاسِطَةٍ لَفْظِيَّةٍ تَارَةً هِيَ صَوْتٌ وَتَارَةً هِيَ خَطٌّ. لَكِنْ أَنْتَ تَرَى اُلآنَ كَيْفَ قَدْ صَارَتْ عَادَةً مُسْتَحْكَمَةً تَصْوِيرُ الأَمْثِلَةِ وإِلْقَاؤُهَا عَلَى اُلنَّاسِ مُتَمَثَّلَةً. كَتَصْوِيرِ الأَنْبِيَاءِ وَاُلصَّحَابَةِ، أَوْ تَصْوِيرِ أَعْمَالِ اُلْجِهَادِ واُلْمُقَاوَمَةِ لِـَحمَاسْ مَثَلاً أَوْ غَيْرِهَا. وَهْوَ ضَلاَلٌ فِي اُلْوَاسِطَةِ يُضَادُّ اُلْمَقْصُودَ اُلْمَعْنَوِيَّ إِنْ كَانَ اُلْعَامِلُ لَهَا قَاصِدًا حَقًّا اُلتَّعْلِيمَ وَالتَّأَسِّي. وَذَلِكَ لأَنَّ مَادَّةَ الصُّوَرِ، الأُولَى وَالأَصْلِيَّةِ، كَالأَفْلاَمِ وَاُلْمُسَلْسَلاَتِ، هِيَ حَوَادِثُ عَارِضَةٌ لأَشْيَاءَ مَحْسُوسَةٍ. وَاُلْمَعَانِي إِنْ عَرَضَتْ فِيهَا، فَبِاُلْقَصْدِ الثَّانِي وَبِاُلْهَيْئَةِ اللَّفْظِيَّةِ أَوَّلاً : كَأَنْ يَظْهَرَ شَيْخٌ فِي فِيلِمْ يُلْقِي مَوْعِظَةً فِي مَسْجِدٍ. لَكِنَّ النَّاسَ لاَ تَطْلُبُ اُلفِيلَمْ لأَنَّهَا تَطْلُبُ اُلْمَوْعِظَةَ الَّتِي بِهَا اِسْتِكْمَالُهَا وَفِعْلُهَا. بَلْ لِتُصِيبَ مِنْهُ مَا هُوَ مُضَادٌّ لِلْمَقْصُودِ اُلْمَعْنَوِيِّ أَصْلاً، وَهْوَ اُلْهَيَجَانُ وَالانْفِعَالُ. وَهْيَ تُصِيبُهُ مِنْهُ لأَنَّ مَادَّةَ الفِيلِمْ الأَصْلِيَّةَ، كَمَا قُلْنَا، إِنَّمَا هِيَ حَوَادِثُ وَوَاقِعَاتٌ. إِذَنْ، فَكَوْنُ النَّفْسِ تَكَادُ لاَ تَلْتَفِتُ لِغَيْرِ اُلْمُدْرَكِ مُعَايَنَةً مَا لَمْ يَكُنْ مُصَوَّرًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَعُدْ تَطْلُبُ الأَشْيَاءَ عَلَى سَبِيلِ الفِعْلِ وَالاِسْتِئْنَاسِ اُلْمَعْنَوِيِّ، بَلْ عَلَى سَبِيلِ التَّأَثُّرِ وَالاِنْفِعَالِ فَقَطْ. وهذا لَعَمْرِي لَدَلِيلٌ عَلَى جَفَافِهَا اُلفَادِحِ من اُلْعِبْرَةِ التَّابِعِ لِشَغَفِهَا الكَبِيرِ بِاُلْحَوَادِثِ بِسَبَبِ الانْتَرْنَتْ. وَمِثَالٌ آخَرُ فِي طَيِّ هَذَا الشَّاهِدِ وَهْوَ أَنَّهُ فِي نَفْسِ اُلْمُنَاظَرَاتِ اُلْفِكْرِيَّةِ وَاُلْخُصُومَاتِ السِّيَاسِيَّةِ إِذْ هِيَ أَقْرَبُ الأَشْيَاءِ لِلتَّأْسِيسِ اُلْمَعْنَوِيِّ وَاُلْبِنَاءِ اُلْخُلُقِيِّ، إِذًا، فَالأَحْرَى أَنْ تَكُونَ اُلإِحَالَةُ فِيهَا إِنَّمَا هَيَ عَلَى مَنْطُوقٍ أَوْ مَكْتُوبٍ، كَمَنْ يَحْتَجُّ عَلَى مَنْ يَنْتَصِرُ لِلدِّيمُقْرَاطِيَّةِ بِقَوْلِ أَفْلاَطُونْ بِأَنَّهَا مُقَدِّمَةٌ لِلْفَوْضَى اُلْمُوَطِّئَةِ لِلاسْتِبْدَادِ، فَقَدْ صِرْنَا إِنَّمَا نُحِيلُ عَلَى هَذَا اُلْفِيدِيُو أَوْ ذَاكَ اُلْفِيدِيُو. وَهْوَ مَا يُرِيكَ أَيْضًا كَيْفَ أَنَّ النَّفْسَ قَدْ جَفَّتْ من اُلْعِبْرَةِ، فَلَمْ تَعُدْ تُدْرِكُ إِلاَّ اُلْمَحْسُوسَ أَوِ اُلْمُصَوَّرَ. أَيْ أَنَّ الأَشْيَاءَ لَمْ تَعُدْ تُحَرِّكُهَا عَلَى جِهَةِ الشَّوْقِ وَالاِسْتِكْمَالِ، بَلْ عَلَى جِهَةِ الانْفِعَالِ والتَّأَثُّرِ فَقَطْ كَاُلْبَهِيمَةِ.

     ●●) ذِكْرُ الشَّاهِدِ الثَّانِي، وَهْو بَعْضُ اُلْعَادَاتِ اُلْمُكْتَسَبَةِ لِكَثِيرٍ مِنْ وُعَّاظِ اُلْيَوْمِ

   اُلشَّاهِدُ الثَّانِي، وَهْوَ بَعْضُ اُلْعَادَاتِ اُلْمُكْتَسَبَةِ لِكَثِيرٍ مِنْ وُعَّاظِ اُلْيَوْمِ. إِذْ حَقِيقَةُ اُلْوَاعِظِ أَنَّهُ دَاعٍ إِلَى اُلْمَعْنَى، أَيْ دَاعٍ إِلَى الفِعْلِ وَالاِسْتِكْمَالِ. وَإِذْ لَيْسَ شَيْءٌ مَانِعٌ مِنْ أَثَرِ مَا حَقِيقَتُهُ الإِكْمَالِ بِاُلْفِعْلِ أَشَدَّ مِنْ شَيْءٍ أَثَرُهُ اُلْمُتَعَدِّي اُلانْفِعَالُ، إذًا، فَإِنَّ اسْتِفَادَةَ اُلنَّاسِ مِنَ اُلْمَعَانِي اُلصَّادِرَةِ مِنَ اُلْوَاعِظِ فِي أَوْعِيَةٍ لَفْظِيَّةٍ خَاصَّةً هُوَ مَشْرُوطٌ لاَ مَحَالَةَ بِتَجَرُّدِهِ مَا أَمْكَنَ مِنَ اُلْقَوَاطِعِ الانْفِعَالِيَّةِ. لِذَلِكَ كَانَ الوَاعِظُ قَدِيمًا قَبْلَ فَسَادِ الذَّوْقِ ذَا حِرْصٍ عَلَى أَنْ تَكُونَ لِلنَّاسِ غَفْلَةٌ عَنْ شَخْصِهِ وَهَيْئَتِهِ وَأَنْ يُنَزِّهَهَا مَا أَمْكَنَ عَنْ كُلِّ مَا خِطَابُهُ لَيْسَ هُوَ عَلَى جِهَةِ النِّدَاءِ اُلْمَعْنَوِيِّ بَلْ عَلَى جِهَةِ التَّأْثِيرِ وَالانْفِعَالِ. وَالتَّحَقُّقُ بِهَذِهِ اُلْخِصَالِ هُوَ مَا يُسَمَّى اُلْوَقَارَ : وَالَّذِي مِنْ شُرُوطِهِ كَمَا تَعْلَمُ قِلَّةُ اُلْحَرَكَةِ، بَلِ السُّكُونُ والرَّزَانَةُ وَبَسَاطَةُ اُلثَّوْبِ وَأَنْ لاَ يَظْهَرَ مِنْ اُلْجِسْمِ مَا اُسْتُطِيعَ إِلاَّ القِسْمُ الأَعْلَى اُلشَّرِيفُ وَبَسَاطَةُ مَكَانِ اُلْقِيَامِ بِهِ. فَهَلُمَّ جَرًّا. لَكِنْ أَنْتَ تَرَى أَنَّ الوَاعِظَ الآنَ أَوْ كَثِيرًا مِنْهُمْ قَدِ اتَّخَذَ عَادَاتٍ مُكْتَسَبَةً : فَمَثَلاً، قَدْ تَعَوَّدَ أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ كُلُّ اُلْجِسْمِ، وَقَدَ تَعَوَّدَ أَنْ يَظْهَرَ فِي أَمْكِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ ذَوَاتِ أَشْكَالٍ وَأَلْوَانٍ مُتَنَوِعَّةٍ، وَقَدْ تَعَوَّدَ خَاصَّةً أَنْ تَكُونَ لَهُ حَرَكَاتُ انْتِقَالٍ أَوْ حَرَكَاتٌ جِسْمَانِيَّةٌ مُتَبَايِنَةٌ. وَفِي اُلْجُمْلَةِ إِنَّهُ قَدْ تَعَوَّدَ أَنْ يَقْرِنَ خِطَابَهُ اُلْمَعْنَوِيَّ بِهَيْئَاتٍ لَهَا صُورَةُ اُلْحَدَثِ، وَذَلِكَ لِحُكْمِ ذَوْقِهِ بِأَنَّ الأَثْبَتَ فِي الإِدْرَاكِ هُوَ الأَظْهَرُ فِي اُلْحَدَثِيَّةِ. وَلِيَقِينِهِ اُلْخَفِيِّ بِأَنَّ النَّاسَ كَالأَطْفَالِ اُلصِّغَارِ مَا لَمْ تَخْلِطْ لَهُمُ الدَّوَاءَ اًُلْمُرَّ بِاُلْحَلْوى مَاشَرِبُوهُ، كَذَلِكَ هَؤُلاَءِ مَا لَمْ تَخْلِطْ لَهُمُ اُلْمَعْنَى بِاُلْحَدَثِيَّةِ مَا أَسَاغُوهُ، أَصْلاً. فُكُلُّ هَذَا إِذَنْ، هُوَ شَاهِدٌ أَيْضَا عَلَى مَا قُلْنَا بِأَنَّ الانْتَرْنَتْ قَدْ أَوْرَثَتْ شَغَفًَا بِاُلْحَوَادِثِ، وَهَذَا الشَّغَفُ إِنَّمَا يَتْبَعُهُ جَفَافُ اُلْعِبْرَةِ، لاَ مَحَالَةَ.

    β) ذِكْرُ الآفَةِ الثَّانِيَةِ، وَهْيَ أَنَّ النَّفْسَ قَدْ صَارَتْ تَطْلُبُ اُلْحَوَادِثَ اُلْفَظِيعَةَ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْهَا تَعَمَّدَتْ إِحْدَاثَهَا، وَذَلِكَ هَوَ مُوجِبٌ لِفُشُوِّ اُلْجَرِيمَةِ وَرُكُوبِ اُلْمُنْكَرَاتِ

   أَمَّا الآفَةُ الثَّانِيَةُ اللاَّزِمَةُ مِنْ حُبِّ اُلْحَوَادِثِ فَهْيَ أَنَّ النَّفْسَ قَدْ صَارَ أَكْثَرُ الْتِفَاتِهَا لِلْحَوَادِثِ. وَمَا لَيْسَ بِحَادِثٍ فَلاَ الْتِفَاتَ إِلَيْهِ. وَإِذْ أَنَّ الأُنْسَ إِنَّمَا بِاُلْمُدْرَكِ وَشَرْطُ الإِدْرَاكِ الالْتِفَاتُ، إِذَنْ، فَاُلنَّفْسُ قَدْ صَارَتْ كُلَّمَا خَلاَ العَالَمُ مِنَ اُلْحَوَادِثِ قَوِيَتْ وَحْشَتُهَا وَصَارَ لَهَا تَوَهُّمٌ بِأَنَّهُ كُلَّمَا كَثُرَتِ اُلْحَوَادِثُ قَوِيَ أُنْسُهَا. لَكِنَّ اُلأُنْسَ مَطْلُوبٌ وَاُلْوَحْشَةُ مَرْهُوبَةٌ. وَسَبَبُ اُلْمَطْلُوبِ مَطْلُوبٌ. إِذَنْ، فَالنَّفْسُ قَدْ صَارَ لَهَا أَيْضًا طَلَبٌ شَدِيدٌ لِلْحَوَادِثِ لَيْسَ عَلَى جِهَةِ اُلْمَعْرِفَةِ فَقَطْ بَلْ عَلَى جِهَةِ اُلْفِعْلِ وَالإِحْدَاثِ. مِثْلَ مَنْ أَحَبَّ رُؤْيَةَ النَّارِ تَشْتَعِلُ فَسَوْفَ لَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى وُرُودِهِ مَوَاطِنَ اُلْحَرِيقِ، بَلْ سَيَتَعَمَّدُ هُوَ نَفْسُهُ لإِشْعَالِهَا وَإِيقَادِهَا. لَكِنْ قَدْ قُلْنَا إِنَّ الالْتِذَاذَ بِاُلْحَوَادِثِ إِنَّمَا لِعَيْنِ الانْتِقَالِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَإِنَّهُ كُلَّمَا كَانَ اُلتَّضَادُّ بَيْنَهُمَا أَعْظَمَ كَانَتِ اللذَّةُ أَعْظَمَ. لِذَلِكَ فَقَدْ أَصْبَحَ اُلقَصْدُ إلى فِعْلِ اُلْحَوَادِثِ اُلْعَظِيمَةِ مُنْتَشِرًا وَيَزْدَادُ تَوَسَّعًا بِاطِّرَادٍ. وَإِذْ أَنَّ اُلْحَالَ اُلْمُنْتَقَلَ مِنْهَا إِنَّمَا تَكُونُ عَادَةً هِيَ الأَصْلَ، أَعْنِي اُلْمَعْرُوفَ وَاُلْمَشْرُوعَ وَاُلْقَانُونِيَّ، إِذَنْ، فَاُلْحَالُ اُلْمُضَادَّةُ اُلْمُنْتَقَلُ إِلَيْهَا سَتَكُونُ غَالِبًا اُللاَّمَعْرُوفَ وَاللاَّمَشْرُوعَ، أَعْنِي اُلْجَرِيمَةَ وَاُلْجِنَايَةَ وَاُلْعُدْوَانَ. فَيَلْزَمُ، كَمَا نَرَاهُ بَادِيًا اُلْيَوْمَ أَنَّ اُلْقَصْدَ إِلَى فِعْلِ اًُلْجَرَائِمِ اُلْفَظِيعَةِ وَرُكُوبِ اُلْجِنَايَاتِ اُلْعَظِيمَةِ قَدْ أَصْبَحَ مُنْتَشِرًا وَيَزْدَادُ تَوَسُّعًا بِاطِّرَادٍ. وَلَعَلَّهُ قَدْ بَانَ لَكَ مِمَّا قُلْتُ أَنَّ سَبَبِيَّةَ الانْتَرْنَتْ فِي نَشْرِ آفَةِ اُلْجَرِيمَةِ لَيْسَ فَقَطْ فِي أَنَّهَا تُصَوِّرُ أَمْثِلَةً كَثِيرَةً عَنْهَا، قَدْ يَحْتَذِيهَا ذَوُو اُلنُّفُوسِ اُلضَّعِيفَةِ، بَلْ لِأَنَّهَا أَيْضًا إِنَّمَا تَصْنَعُ ذَوْقًا مُحِبًّا لِلْحَوَدِاثِ، وَهْوَ بِوَاسِطَةِ هَذَا اُلْحُبِّ اُلشَّدِيدِ إِنَّمَا يَكُونُ اُلإِقْبَالُ القَوِيُّ عَلَى اُلْقَبَائِحِ وَاُلْفَظَائِعِ.

ــــــــــ

اُلْفَصْلُ الثَّانِي

الغُلُوُّ والانْتِحَارُ

   وَهَاهُنَا أَيْضًا نَحْنُ لاَ نُرِيدُ أن نُبَيِّنَ أَنَّ تِلْكُمُ الآفَاتِ قَدْ أَوْجَبَتْهَا فَقَطْ الانْتَرْنَتْ وَمَا تَبِعَهَا مِنْ فَسْخِ صِفَةٍ، بَلْ أَنَّهُ بِوَاسِطَتِهِمَا إِنَّمَا قَدْ صَارَ لَهَا هَذَا الانْتِشَارِ اُلْوَاسِعِ وَأَنَّهُ لَهُمَا جِهَةٌ لَطِيفَةٌ بِهَا قَدْ أَوْجَبَتْ فُشُوَّهَا غَيْرَ اُلْمَعْلُومِ لِأَوَّلِ النَّظَرِ.

 أ) مُقَدِّمَةٌ يَسِيرَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِخَوَاصِّ عَلاَقَةِ الإِنْسَانِ بِاُلْعَالَمِ، وَلِحَقِيقَةِ اُلْفَرْقِ بَيْنَ اُلْعَمَلِ الإِنْسَانِيِّ وَاُلْعَمَلِ اُلآلِيِّ

   لَقَدْ قُلْنَا فِي اُلْفَصْلِ اُلْمُتَقَدِّمِ إِنَّ صِفَةَ اُلْعَالَمِ صُورَةٌ لِصِفَةِ الإِنْسَانِ. لَكِنْ كَذَلِكَ، بِاُلْعَكْسِ، إِنَّ تَصَوَّرَ الإِنْسَانِ وانْتِقَاشَهُ بِاُلصِّفَةِ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى مِثَالِ اُلْعَالَمِ وَهَيْئَتِهِ. فَهُمَا كَالأَبِ وَالابْنِ. فَالأَبُ عَالَمٌ كَانَ قَدِ اسْتَفَادَ صُورَتَهُ مِنْ أَبِيهِ الإِنْسَانِ، وَالابْنُ هُوَ إِنْسَانٌ إِنَّمَا يَسْتَفِيدُ خُلُقَهُ وَشِيَمَهُ مِنْ أَبِيهِ العَالَمِ. إِذًا، فَاُلْعَالَمُ هُوَ قُدْوَةٌ لِلإِنْسَانِ ومِثَالُهُ وَمَقْْصُودُهُ. وَإِذْ أَنَّ الابْنَ إِذَا تَعَلَّمَ مِنْ أَبِيهِ مَعْنَى اُلْبِرِّ، مَثَلاً، كَانَ الأَبُ مِثَالَهُ، ثُمَّ إِذَا عَمِلَ بِمُقْتَضَى اُلْمَعْنَى صَارَ الأَبُ مَقْصُودَهُ وَغَايَتَهُ، كَذَلِكَ فَإِنَّ الإِنْسَانَ لَيَعْمَلُ فِي اُلْعَالَمِ بِمُقْتَضَى اُلْمَعْنَى اُلْمُسْتَفَادِ مِنْهُ عَلَى جِهَةِ الاقْتِدَاءِ وَالتَّأَسِّي. ولِتَعْلَمْ أَيْضًا أَنَّ اُلْفِعْلَ لاَ يُنْسَبُ إِلَى الإِنْسَانِ عَلَى اُلْحَقِيقَةِ لِمُجَرَّدِ جَرَيَانِهِ عَلَى بَدَنِهِ، بَلْ لَهُ امْتِيَازٌ عَنْ نَوْعَيْنِ مِنَ اُلْفِعْلِ : اُلْفِعْلِ الطَّبِيعِيِّ اُلْمُلْحَقِ بِالطَّبِيعَةِ اُلْكُلِّيَّةِ، وَاُلْفِعْلِ الآلِيِّ الَّذِي هُوَ مَحْضُ انْفِعَالِ الآلَةِ عَنِ العِلَّةِ الفَاعِلَةِ. أَمَّا فِعْلُ الإِنْسَانِ فَهْوَ حَرَكَةٌ يَبْعَثُهَا عَزْمٌ مَبْدَؤُهُ إِرَادَةٌ كَانَ انْتِهَاضُهَا وانْتِعَاشُهَا لِحُضُورِ صُورَةٍ مَا، فَحَصَلَ لَهَا مِنْهَا طَلَبٌ وَشَوْقٌ. لِذَلِكَ فَإِنْ بَطَلَتْ الصُّورَةُ لَزِمَهُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ : إِمَّا بُطْلاَنُ اُلْفِعْلِ أَصْلاً، أَوْ صَيْرُورَتُهُ حَرَكَةً آليَّةً صِرْفَةً لاَ مُوجِبَ لَهَا سِوَى العِلَّةِ اُلْفَاعِلَةِ اُلْمَحْضَةِ.

 ب) بَيَانُ كَيْفَ أَنَّ هَذَا اُلْقَتْلَ وَالانْتِحَارَ هُوَ عَمَلٌ بِمُقْتَضَى صِفَةِ اُلْعَالَمِ اُلْمُنْفَسِخَةِ، وَأَنَّ مَطْلُوبَ أَصْحَابِهِمَا مِنْهُمَا إِنَّمَا هُوَ نَفْسُ اللاَّمَعْنَى

   إِذًا، فَبِمَا تَقَدَّمَ نَقُولُ : اِحْتَارَ النَّاسُ اليَوْمَ مِنْ آفَةٍ لَمْ تَكَدْ تَخْلُو مِنْهَا أَرْضٌ، وَهْيَ الإِقْبَالُ اُلْوَاسِعُ عَلَى الانْتِحَارِ وَالإِسْرَافُ فِي اُلْقَتْلِ وَصَيْرُورَةُ اُلْمَوْتِ غَايَةً فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ خَلاَ مِنْ ضَابِطٍ أَوْ شَرْطٍ أَوْ مَعْنًى. وَالأَسْبَابُ اُلْمَذْكُورَةُ جُلُّهَا صَحِيحٌ لاَ اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ، مِثْلَ إِحْبَاطِ الشَّبَابِ وَيَأْسِهِ وَتَسَلُّطِ الظُّلْمِ وَالاِسْتِبْدَادِ عَلَى الأُمَمِ بِمُعَاضَدَةِ اُلْغَرْبِ وَكَيْدِهِ وَتَأَدُّبِ النَّاشِئَةِ بِأَدَبِ اُلْعُنْفِ وَاُلْقََسْوَةِ. لَكِنْ مَعَ كُلِّ هَذَا، فَهُنَاكَ سَبَبٌ، لَعَمْرِي، خَفِيٌّ لَطِيفٌ، لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ، إِذَا عُلِمَ عُلِمَ أَنَّ هَذِهِ الآفَةَ هِيَ عَارِضٌ مَرَضِيٌّ مُسْتَحْكَمٌ لاَزِمٌ مِنْ خَلَلٍ وُجُودِيٍّ بَاقٍ مَا بَقِي اُلْخَلَلُ. وَلاَ شَكَّ أَنَّكَ تَعْلَمُ مِنَ السِّيَاقِ أَنِّي أُشِيرُ بِاُلسَّبَبِ اُلْخَفِيِّ إِلَى انْفِسَاخِ الصِّفَةِ بِسَبَبِ الانْتَرْنَتْ. وَلَكِنْ أَنْتَ لاَ تَعْرِفُ بَعْدُ كَيْفَ أَنَّ تِلْكُمُ الآفَةَ إِنَّمَا لَهَا لُزُومٌ مِنَ اُلسَّبَبِ اُلْمَذْكُورِ. فَانْظُرْ : لَقَدْ قُلْنَا أَوَّلَ اُلْكِتَابِ “إِنَّ الشَّيْءَ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ الصِّفَةِ إِبْهَامٌ وَلاَ تَعَيُّنٌ وَشَبِيهٌ بِاُلْعَدَمِ” عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ إِذَا مَا خَلاَ من الصِّفَةِ، بِاُلْحَقِيقَةِ، لاَ بِالاعْتِبَارِ، صَارَ لاَ مَحَالَةَ إِبْهَامًا فِي نَفْسِهِ عَدَمًا فِي حَقِيقَتِهِ. لَكِنَّ اُلْعَالَمَ قَدْ فُسِخَتْ صِفَتُهُ بِالانْتَرْنَتْ. إِذًا، فَهْوَ إِبْهَامٌ وَعَدَمٌ أَيْضًا. لَكِنَّ اُلْعَالَمَ هُوَ أَبُ الإِنْسَانِ وَمِثَالُهُ ومَقْصُودُهُ : فَمِنْ حَيْثُ هُوَ مِثَالُهُ إِنَّمَا يَسْتَفِيدُ مِنْهُ صُورَةَ اُلْعَمَلِ الَّذِي قَدْ يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ اُلْعَالَمِ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَمِنْ حَيْثُ هُوَ مَقْصُودُهُ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مَوْضُوعَ اُلْعَمَلِ عَلَى اُلصُّورَةِ الَّتِي اِسْتَفَادَهَا الإِنْسَانُ مِنْهُ، أَيْ مِنَ اُلْعَالَمِ. فَمَثَلاً الابْنُ يَسْتَفِيدُ مِنْ أَبِيهِ صُورَةَ اُلْبِرِّ، فَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ بِاُلْعَمَلِ أَبَاهُ نَفْسَهُ، عَمِلَ فِيهِ بِمُقْتَضَى اُلصُّورَةِ اُلْمُسْتَفَادَةِ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ أَبِيهِ، كَجَارٍ لَهُ مُسِنٍّ، عَمِلَ فِيهِ أَيْضًا بِمُقْتَضَى نَفْسِ الصُّورَةِ. وَمَا صُورَةُ اُلْعَالَمِ ؟ إِنَّهَا اُلْعَدَمُ والفَنَاءُ. فَمَا اُلْعَمَلُ ؟ إِنَّهُ بِصُورَةِ اُلْعَدَمِ، أَيْ مَحْضَ الإِعْدَامِ وَالإِفْنَاءِ. وَمَا مَقْصُودُ الإِنْسَانِ بِاُلْعَمَلِ ؟ إِنَّهُ اُلْعَالَمُ وَاُلْعَمَلُ فِيهِ بِالإفْنِاءِ وَالإِعْدَامِ. إذًا، فَالتَّوَسُّعُ فِي اُلْقَتْلِ بِلاَ مَعْنًى، وَالإِسْرَافُ فِي التَّخْرِيبِ لِذَاتِهِ بِلاَ مَعْنًى، وَالإِقْبَالُ عَلَى الانْتِحَارِ بِلَهْفَةٍ وَعَزِيمَةٍ غَيْرِ مُنْتَقِضَةٍ، لَيْسَتْ عَوَارِضَ زَائِدَةٍ عَلَى اُلْعَمَلِ، خِلاَفًا، مَثَلاً، لِجِدَارٍ مُنْتَقِضٍ، إِذِ انْتِقَاضُهُ غَيْرُ مُنْطَوٍ فِي اُلبِنَاءِ اُلْمَطْلُوبِ. بَلْ إِنَّ اُلْقَتْلَ وَالتَّخْرِيبَ هُمَا نَفْسُ اُلْمَقْصُودِ مِنَ اُلْعَمَلِ ونَفْسُ العَمَلِ اُلْمَقْصُودِ، بَلْ إِنَّهُمَا لاَ يَصِحَّانِ غَرَضًا لَهُ إِلاَّ إِذَا كَانَا بِلاَ مَعْنًى، أَيْ أَنَّ اُلْمَقْصُودَ مِنَ اُلْعَمَلِ اُلْمُتَأَسِّي بِاُلْعَالَمِ اُلْمُنْفَسِخِ، إِنَّمَا هُوَ عَيْنُ اللاَّمَعْنَى فِي اُلْقَتْلِ وَعَيْنُ اللاَّمَعْنَى فِي التَّخْرِيبِ. لِذَلِكَ، فَعِنْدِي، إِنَّ وَصْفَ اُلْعَامِلِينَ لِهَذِهِ الأَعْمَالِ “غُلاَةً” وَ”مُتَعَصِّبِينَ” تَسْمِيَةٌ غَيْرُ مُطَابِقَةٍ وَلاَ تَقَعُ عَلَى مَدْلُولِهَا. وَأَبْعَدُ مِنْهُ مَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ “تَعَصُّبَهُمْ” القَائِدَ لِلْقَتْلِ اُلْعَبَثِيِّ إِنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ “تَأَثُّرِهِمْ بِأَفْكَارٍ مُتَطَرِّفَةٍ”. وَكَكُلِّ عِلاَجٍ إِنَّمَا يَكُونُ بِرَفْعِ أَسْبَابِهِ، كَذَلِكَ فَلاَ عِلاَجَ “لِلتَّطَرُّفِ” إِلاَّ “بِمُحَارَبَةِ اُلأَفْكَارِ اُلْمُتَطَرِّفَةِ”، حَتَّى أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَدْ ذَهَبَ إِلَى نَزْعِ الدِّينِ أَصْلاً.

  1) اِسْتِطْرَادٌ فِي أَنَّ الأَعْمَالَ اُلْمَذْكُورَةَ لاَ يَلِيقُ بِهَا وَصْفُ اُلتَّعَصُّبِ أَيْضًا

   وَهَذَا الرَّأْيُ مُحْتَاجٌ لِفَضْلِ بَيَانٍ : اِعْلَمْ أَنَّ حَقِيقَةَ التَّعَصُّبِ هِيَ إِكْرَاهُ اُلْغَيْرِ لِلانْقِيَادِ، وَلَوْ ظَاهِرِيًّا، لِتَصْدِيقٍ مَا. وَهَذَا اُلْمَعْنَى يُدَلُّ عَلَيْهِ اليَوْمَ بِهَذِهِ اُلْعِبَارَةِ اُلرَّكِيكَةِ التَّعَصُّبُ هُوَ مُحَاوَلَةُ فَرْضِ فِكْرَتِهِ عَلَى الآخَرِ بِاُلْقُوَّةِ. وَمِنَ اُلْمَعْلُومِ أَنَّ التَّعَصُّبَ إِذَا أَفْرَطَ، فَإِنْ أَذْعَنَ اُلْمُخَالِفُ وَلَمْ يُمَانِعْ، فَاُلْمُتَعَصِّبُ، عَادَةً، لاَ يَقْتُلُهُ أَوْ يُؤْذِيهِ، وَإِنْ أَبَى وَمَانَعَ فَقَدْ يَقْتُلُهُ وَقَدْ لاَ يَقْتُلُهُ. أَيْ أَنَّ اُلْقَتْلَ عَارِضٌ لِعَمَلِ اُلْمُتَعَصِّبِ وَهْوَ تَابِعٌ لِقَصْدِهِ الأَوَّلِ، “فِكْرَتِهِ”. إِذًا فَقَتْلُ اُلْمُتَعَصِّبِ هُوَ ذُو مَعْنًى يَسْرِي إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِ اُلْفِكْرَةِ اُلْمُسْتَغْرِقَةِ إِيَّاهُ، وَهْوَ إِعْدَامٌ مِنْ أَجْلِ الإِيجَادِ، ونَفْيٌ مِنْ أَجْلِ اُلإِثْبَاتِ، وإِمَاتَةٌ مِنْ أَجْلِ الإِحْيَاءِ. أَمَّا هَؤُلاَءِ فَمَقْصُودُهُمْ اللاَّمَعْنَى. فَلَوْ جُعِلَتْ لَهُمْ فِكْرَةٌ، وَلَوْ عَلَى سَبِيلِ الاسْتِئْثَارِ وَالتَّعَصُّبِ، فَقَدْ جُعِلَتْ لَهُمْ فِكْرَةٌ، والفِكْرَةُ صُورَةٌ، وَاُلصُّورَةُ مَعْنًى. فَالعَمَلُ التَّابِعُ لَهَا ذُو مَعْنًى لاَ مَحَالَةَ. وَلَقَدْ قُلْتُ “عَمَلُ الإِنْسَانِ بِصُورَةِ اُلْعَدَمِ اُلْمُسْتَفَادَةِ مِنَ اُلْعَالَمِ.” فَلِمُسْتَدْرِكٍ أَنْ يَقُولَ : إِنَّكَ هَاهُنَا قَدْ أَثْبَتَّ لِلإِنْسَانِ صُورَةً، وَلَوْ تَعَلَّقَتْ بِالعَدَمِ، وَالصُّورَةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ صُورَةٌ تَعَيُّنٌ وَحَدٌّ، وَاُلْمَعْنَى هُوَ التَّعَيُّنُ وَاُلْحَدُّ. إِذًا فَاُلْعَامِلُ بِصُورَةِ اُلْعَدَمِ عَامِلٌ بِاُلْمَعْنَى، قَطْعًا. أُجِيبَ : إِنَّ اُلصُّورَةَ هِيَ حَالٌ ذِهْنِيَّةٌ لَهَا تَعَلُّقٌ بِشَيْءٍ. فَمِنْ حَيْثُ هِيَ حَالٌ، فَهْيَ تَعَيُّنٌ وَحَدٌّ، أَمَّا مِنْ حَيْثُ اُلْمُتَعَلَّقِ فَلَيْسَ وَاجِبًا ذَلِكَ، كَاُلْعَدَمِ. وَالذِّهْنُ إِذَا غَابَ فِي اُلْحَالِ لَمْ يَرَ سِوَى اُلْمُتَعَلَّقِ. وَإِنْ أَحَبَّ رُؤْيَةَ الحَالِ غَابَ عَنِ اُلْمُتَعَلَّقِ وَكَرَّ عَلَى الأَوَّلِ بِالنَّظَرِ وَالرَّوِيَّةِ. كَذَلِكَ فَاُلْعَامِلُ بِصُورَةِ اُلْعَدَمِ لَهُ بِاُلصُّورَةِ حَالُ التَّعَيُّنِ وَاُلْحَدِّ، لَكِنَّهُ لاَ يَرَاهَا بَلْ يَرَى مُتَعَلَّقَهَا فَقَطْ وَهْوَ نَفْسُ العَدَمِ وَاللاَّتَعَيُّنِ الَّذِي بِهِ عَمَلُهُ. لِذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ مَقْصُودُهُ اللاَّمَعْنَى.

 ج) ذِكْرُ لِمَ كَانَ قَتْلُ هَؤُلاَءِ وَاِنْتِحَارُهُمْ هُمَا لَهُمَا عَمَلَيْنِ كَعَمَلَيِ الآلَةِ

   وَهُنَاكَ أَمْرٌ آخَرُ، وَهْوَ أَنَّ اُلْعَمَلَ بِصُورَةِ اُلْعَدَمِ هُوَ عَمَلٌ بِصُورَةٍ، وَاُلْعَمَلُ بِصُورَةٍ عَمَلٌ بِمَقْصُودٍ، وَاُلْعَمَلُ بِمَقْصُودٍ عَمَلٌ بِإِرَادَةٍ، وَالإِرَادَةُ تَرْجِيحٌ يَسْبِقُهُتَرَدُّدٌ. ذَلِكَ مَا خَاصَّةُ الإِنْسَانِ، خِلاَفًا لِلآلَةِ الَّتِي قُلْنَا إِنَّهَا انْفِعَالٌ مَحْضٌ عَنِ مُوجِبٍ خَارِجِيٍّ وَإِنَّ فِعْلَهَا غَيْرُ مَسْبُوقٍ بِتَصَوُّرٍ، أَيْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا تَرَدُّدٌ يَسْبِقُ فِعْلَهَا ألْبَتَّةَ. وَإِذْ لاَ مَوْضِعَ حَقِيقٌ عَلَى اُلْغَايَةِ لِكُلِّ ذِي تَرَدُّدٍ بِأَنْ يَتَرَدَّدَ فِيهِ مِنْ قَتْلِ الذَّاتِ ذَاتَهَا، فَلاَ جَرَمَ أَنَّهُ إِنْ رُئِيَ لِلشَّيْءِ ثَبَاتٌ فِي نَفْيِ نَفْسِهِ بِلاَ تَرَدُّدٍ، أَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءُ إِمَّا آلَةٌ أَوْ قَدْ صَارَ لَهُ خُلُقُ الآلَةِ. وَهْوَ بِعَيْنِهِ مَا نَرَاهُ فِي هَؤُلاَءِ الَّذِينَ قَلَّمَا تَرَى لَهُمْ تَرَدُّدًا فِي إِعْدَامِ أَنْفُسِهِمْ، فَضْلاً مِنْ غَيْرِهِمْ. فَاُلسُّؤَالُ إِذًا: لَيْتَ شِعْرِي، إِنْ كَانَ هَؤُلاَءِ عَمَلُهُمْ بِاُلصُّورَةِ، وَلَوْ كَانَتْ صُورَةَ العَدَمِ، فَلِمَ انْتِحَارُهُمْ وَقَتْلُهُمْ كَفِعْلِ الآلَةِ ؟ اُلْجَوَابُ : أَنْتَ تَعْلَمُ أَوَّلاً أَنَّ عَمَلَهُمْ لَيْسَ بِأَيِّ صُورَةٍ، بَلْ بِصُورَةِ اُلْعَدَمِ. فَنَظَرُهُمْ بِهَا إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى اُلْعَدَمِ حَيْثُ يَلْتَبِسُ عِنْدَهُمُ الأَمْرُ، فَيُقِيمُونَ العَدَمَ الَّذِي هُوَ مُتَعَلَّقُ الصُّورَةِ، عَلَى أَنَّهُ عَدَمُ الصُّورَةِ نَفْسِهَا. فَإِذْ نَزَلَ عِنْدَهُمْ عَدَمُ الصُّورَةِ، أَتَتْ أَعْمَالُهُمْ كَعَمَلِ مَنْ لاَ صُورَةَ لَهُ أَصْلاً، أَيْ أَتَتْ أَفْعَالُهُمْ عَلَى نِظَامِ الآلَةِ وخُلُقِهَا.

 د) بَيَانٌ ثََالِثٌ لِلْحَيْرَةِ ذُو وَجْهَيْنِ

   وَلِي بَيَانٌ ثَالِثٌ مَوْقُوفٌ عَلَى الانْتِحَارِ دُونَ اُلْقَتْلِ أَوِ اُلتَّخْرِيبِ، وَهْوَ لِمَ هَذَا التَلَهُّفُ الوَاسِعُ عَلَى قَتْلِ النَّفْسِ بِرَبْطِهِ بِاُلْعَيْبِ اُلْمَذْكُورِ أَعْنِي انْفِسَاخَ الصِّفَةِ ؟ وَاُلْبَيَانُ ذُو وَجْهَيْنِ :

  1) وَجْهٌ أَوَّلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ اِسْتِوَاءَ اُلْحَرَكَةِ هُوَ مُورِثٌ لِلْمَشَقَّةِ اُلْمَحْضَةِ

اُلْوَجْهُ الأَوَّلُ : كُلُّ مَشَقَّةٍ خَلَتْ مِنْ أَثَرٍ فَهْيَ عَذَابٌ مَحْضٌ. وَاُلْعَذَابُ اُلْمَحْضُ لاَ يُحْتَمَلُ، بَلْ يُطْلَبُ قَطْعًا زَوَالُهُ بِأَحَدِ الأَمْرَيْنِ، إِمَّا بِرَفْعِ السَّبَبِ أَوْ بِنَفْيِ اُلْمَحَلِّ. فَمَثَلاً رَجُلٌ يُكْوَى بِالنَّارِ، فَبَدَنُهُ مَحَلُّ الأَلَمِ، وَسَبَبُهُ اُلْجَلاَّدُ. وَالأَلَمُ يُرْفَعُ إِمَّا بِنَهْيِ اُلْجَلاَّدِ أَوْ بِبَوَارِ اُلْبَدَنِ. فَإِنِ امْتَنَعَ الأَوَّلُ، وَجَبَ الثَّانِي فَقَطْ. كَذَلِكَ فَاُلْحَرَكَةُ هِيَ انْتِقَالٌ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ وَتَكُونُ بِمَشَقَّةٍ، ضَرُورَةً. فَلَوْ اسْتَوَتْ كُلُّ جِهَاتِ اُلْحَرَكَةِ، صَارَ اُلْمُتَحَرِّكُ كَأَنَّهُ لاَبِثٌ بِمَكَانِهِ مَعَ مُكَابَدَةٍ لِعَنَاءِ اُلْحَرَكَةِ. إذًا فَمَشَقَّةُ مَنِ اسْتَوَتْ جِهَاتُ حَرَكَتِهِ إِنَّمَا هِيَ عَذَابٌ مَحْضٌ. كَذَلِكَ إِنَّ اُلْمُتَحَرِّكَ فِي العَدَمِ كَاُلْمُتَحَرِّكِ فِي صَحْرَاءٍ قَفْرٍ، إِذْ كُلُّ انْتِقَالٍ مِنْ نُقْطَةٍ إِلَى نُقْطَةٍ هُوَ لَهُ فِي اُلصُّورَةِ كَتِكْرَارِهِ لِنُقْطَةٍ وَاحِدَةٍ، إِذْ لاَ تَمَايُزَ بَيْنَ النُّقَطِ فِي اُلقَفْرِ. إِذًا، فَاُلْمُتَحَرِّكُ فِي اُلْعَدَمِ هُوَ لاَبِثٌ فِي الصُّورَةِ، مَعَ مَشَقَّةِ اُلْحَرَكَةِ. وَهَذِهِ اُلْمَشَقَّةُ عَذَابٌ صِرْفٌ دَائِمٌ. وَلَمَّا كَانَ اُلْجَلاَّدُ، أَعْنِي العَالَمَ اُلْمُنْفَسِخَ ثَقِيلاً جِدًّ لاَ مُتَنَاهِيًا، الإِنْسَانُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يُفْنِيَ مِنْهُ وَلَوْ ذَرَّةً وَاحِدَةً، لَمْ يَبْقَ لِرَفْعِ اُلْعَذَابِ إِلاَّ السَّبِيلُ الثَّانِي وَهْوَ إِبْطَالُ اُلْمَحَلِّ. وَالانْتِحَارُ طَرِيقٌ لَهُ مِنْ جَانِبَيْنِ :

الأَوَّلُ، إِنَّهُ كَمَا قُلْنَا يُبْطِلُ اُلْمَحَلَّ وَبِبُطْلاَنِهِ يَرْتَفِعُ اُلْعَذَابُ.

الثَّانِي، إِنَّ النَّفْسَ اُلْمُتَعَذِّبَةَ وَاهِنَةٌ مَائِلَةٌ إِلَى كُلِّ تَأْوِيلٍ تَرْجُو مِنْهُ خَلاَصًا. لِذَلِكَ فَهْيَ قَدْ تُمْسِي عَلَى عَقِيدَةِ بَارْكِلِي اُلْفَيْلَسُوفِ الإرْلَنْدِي(1685-1753) مِنْ أَنَّ العَالَمَ لاَ ثُبُوتَ لَهُ في ذَاتِهِ، وَأَنَّ نَفْسَ وُجُودِهِ نَفْسُ إِدْرَاكِهِ. فَيَلْزَمُ أَنَّهُمَا لَمْ يُدْرَكْ لَمْ يُوجَدْ. وَإِنْ سَبَقَ وُجُودُهُ وَأُحِبَّ فَنَاؤُهُ فَمِنْ غَيْرِ الضَّرُورَةِ أَنْ يُعْدَمَ عَيْنُهُ، بَلْ لِيَنْقَطِعْ إِدْرَاكُهُ حَسْبُ. وَإِذِ اُلْحَيَاةُ شَرْطُ الإِدْرَاكِ، إذًا فَبِبُطْلاَنِهَا بُطْلاَنُ الإِدْرَاكِ، وَبِبُطْلاَنِ الإِدْرَاكِ أَبَدًا بُطْلاَنُ اُلْعَالَمِ أَبَدًا.

  2) وَجْهٌ ثَانٍ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ اُلْمُنْتَحِرَ يَقِيسُ اُلْخُرُوجَ مِنَ اُلْعَدَمِ إِلَى اُلْوُجُودِ عَلَى سَلْبِ اُلْحُكْمِ اُلسَّلْبِيِّ “إِنِّي لَسْتُ مَوْجُودًا”  

اُلْوَجْهُ الثَّانِي : إِنَّ الإِنْسَانَ اُلْمُنْفَسِخَ اُلصِّفَةِ كَاُلْعَالَمِ اُلْمُنْفَسِخِ هُوَ شَبِيهٌ بِاُلْعَدَمِ أَيْضًا. وَإِذْ لَهُ مَرْتَبَتَانِ، مَرْتَبَةُ اُلْحَقِيقَةِ وَمَرْتَبَةُ اُلْحُكْمِ : فَفِي الأُولَى هُوَ عَدَمٌ، أَيْ مَادَّةً بِلاَ صُورَةٍ وَلاَ يَخْرُجُ إِلَى اُلْوُجُودِ إِلاَّ بِالتَّكْوِينِ، وَالتَّكْوِينُ إِنَّمَا يَكُونُ بِتَحَقُّقِ اُلْمَادَّةِ بِالصُّورَةِ. وَفِي اُلْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ هُوَ حَامِلٌ لِلْوَصْفِ عَلَى ذَاتِهِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ “إِنِّي عَدَمٌ”. لَكِنَّ الإِنْسَانَ اُلْمُنْفَسِخَ قَدْ يُدَاخِلُ بَيْنَ اُلْمَرْتَبَتَيْنِ : فَهُوَ قَدْ يَجْعَلُ القَضِيَّةَ اُلْمُوجِبَةَ “إِنِّي عَدَمٌ” مُسَاوِيَةً لِلسَّالِبَةِ “إِنِّي لَسْتُ مَوْجُودًا”. وَإِذْ سَلْبُ السَّلْبِ إِيجَابٌ، كَذَلِكَ فَإِنَّ سَلْبَ “إِنِّي لَسْتُ مَوْجُودًا” “إِنِّي مَوْجُودٌ”. لِذَلِكَ فَهُوَ قَدْ يَقِيسُ قَائِلاً إِنَّ اُلْفِعْلَ اُلْمُخْرِجَ مِنَ اُلْعَدَمِ إِلَى اُلْوُجُودِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى صُورَةِ اُلْفِعْلِ اُلْمُخْرِجِ مِنَ اُلسَّلْبِ إِلَى الإِيجَابِ، أَعْنِي النَّفْيَ. وَإِذْ أَنَا عَدَمٌ، فَلاَ خُرُوجَ لِي إِلَى الوُجُودِ إِلاَّ بِالنَّفْيِ، وَذَلِكَ بِعَيْنِهِ الانْتِحَارُ.

ــــــــــ

اُلْفَصْلُ الثَّالِثُ

الانْسِلاَلُ مِنَ الأَوْطَانِ وَالنَّسَلاَنُ إِلَى أَرْضِ اُلْغَرْبِ

 أ) فِي أَقْسَامِ اُلشَّيْءِ اُلْخَمْسَةِ مِنْ جِهَةِ حَاجَةِ الإِنْسَانِ إِلَيْهِ

   يُمْكِنُ قِسْمَةُ الشَّيْءِ مِنْ جِهَةِ حَاجَةِ الإِنْسَانِ إِلَيْهِ إِلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ :

أَوَّلاً، الضَّرُورِيُّ الَّذِي يَدْفَعُ مَضَرَّةً بِهَا تَلَفٌ مُحَقَّقٌ لِلْبَدَنِ، وَهْوَ عَلَى أَجْنَاسٍ ثَلاَثَةٍ،

الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ لِدَفْعِ ضَرَرَيِ اُلْجُوعِ وَاُلْعَطَشِ.

وَاللِّبَاسُ لِدَفْعِ ضَرَرِ اُلْبَرْدِ وَغَيْرِهِ.

وَاُلْمَسْكَنُ لِلْوِقَايَةِ مِنَ القَرِّ وَاُلْحَرِّ وَسَائِرِ الآفَاتِ.

وَلاَجَرَمَ أَنَّ هَذِهِ الأَجْنَاسَ هِيَ ضَرُورِيَّةٌ بِحَقِيقَتِهَا لاَ بِصُورَتِهَا، أَعْنِي أَنَّ الطَّعَامَ لَيْسَ لاَ يُفِيدُ إِلاَّ إِذَا كَانَ، مَثَلاً، لَحْمًا أَوْ سَمَكًا، بَلْ أَدْنَى نَوْعٍ مِنْهُ مَا اشْتَمَلَ عَلَى القُوَى اُلْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا اُلْبَدَنُ مِمَّا يُسَمَّى اُلْيَوْمَ “الفِيتَامِينَاتْ”، كَانَ هُوَ الضَّرُورِيَّ، لاَ الأَعْلَى مِنْهُ. وَأَدْنَى نَوْعٍ مِنَ اللِّبَاسِ، مَا دَفَعَ أَذَى اُلْبَرْدِ اُلْمُتْلِفِ كَانَ هُوَ الضَّرُورِيَّ لاَ الأَعْلَى مِنْهُ. وَأَيْضًا أَدْنَى بَيْتٍ ذِي أَرْبَعَةِ جُدُرَانٍ وَسَقْفٍ، مَا وَقَى مِنَ القَرِّ وَاُلْحَرِّ اُلْمُتْلِفَيْنِ، كَانَ هُوَ الضَّرُورِيَّ، لاَ الأَعْلَى مِنْهُ.

ثانيا، اُلْقَرِيبُ مِنَ الضَّرُورِيِّ، وَهْوَ الَّذِي يَدْفَعُ مَشَقَّةً غَيْرَ مُتْلِفَةٍ لِلْبَدَنِ، لَكِنَّهَا إِذَا طَالَتْ قَدْ تُفْضِي إِلَى تَلَفِهِ وَهْيَ بِذَاتِهَا مُنَغِّصَةٌ لِلْمَعِيشَةِ، كَكَوْنِ الرَّجُلِ فِي الشِّتَاءِ اُلْبَارِدِ ذَا ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ مِنْ صُوفٍ أَوْ قُطْنٍ. فَهَذَا قَدْ يَقِيهِ اُلْمَوْتَ لَكِنَّهُ لَنْ يَقِيَهُ لَذْعَ اُلْبَرْدِ الَّذِي إِنْ طَالَ جِدًّا قَدْ يُفْضِي إِلَى اُلْمَرَضِ ثُمَّ اُلْهَلاَكِ. إذًا، فَاُلثَّوْبُ الثَّانِي أَوْ نَفْسُ الثَّوْبِ الأَوَّلِ، إِذَا كَانَ مِنْ صُوفٍ أَوْ قُطْنٍ، يُقَالُ إِنَّهُ قَرِيبٌ مِنَ الضَّرُورِيِّ.

ثَالِثًا، الزَّائِدُ عَلَى الضَّرُورَةِ وَهْوَ ذُو أَقْسَامٍ ثَلاَثَةٍ :

اُلْقِسْمُ الأَوَّلُ، مَا يَدْخُلُ فِي تَمَامِ الكَفَافِ، وَهْوَ مَا يَدْفَعُ مَشَقَّةً خَفِيفَةً قَدْ تُصْبِحُ، لَوْ دَامَتْ، ثَقِيلَةً مُنَغِّصَةً لِلْمَعِيشَةِ لَكِنَّهُ لاَ تُفْضِي إِلَى هَلاَكٍ، كَالصُّنْبُورَةِ بِاُلْبَيْتِ، إِذْ هِيَ تَدْفَعُ مَشَقَّةَ جَلْبِ اُلْمَاءِ الَّتِي لَوْ دَامَتْ لَمْ تُفْضِ إِلَى تَلَفٍ بَلْ نَغَّصَتْ اُلْمَعِيشَةَ، وَإِنْ لَمْ تَدُمْ كَانَتْ خَفِيفَةً هَيِّنَةً.

اُلْقِسْمُ الثَّانِي، مَا يَدْخُلُ فِي رَغَدِ اُلْمَعِيشَةِ، وَهْوَ مَا يَدْفَعُ مَشَقَّةً خَفِيفَةً غَيْرَ مُنَغِّصَةٍ لِلْمَعِيشَةِ، وَإِنْ دَامَتْ، كَالثَّلاَّجَةِ بِاُلْبَيْتِ، أَوْ مَا حَقِيقَتُهُ مِنَ الضَّرُورَةِ أَوِ اُلْكَفَافِ، لَكِنْ صُورَتُهُ لَهَا فَضْلُ جَوْدَةٍ أَوْحُسْنُ أَثَرٍ زَائِدٍ، كَاُلْمَاءِ اُلْمَعْدَنِيِّ بِاُلْقِيَاسِ إِلَى مَاءِ الصُّنْبُورَةِ.  

اُلْقِسْمُ الثَّالِثُ، مَا يَدْخُلُ فِي تَرَفِ اُلْمَعِيشَةِ، وَهْوَ الشَّيْءُ الَّذِي اُلْحَاجَةُ إِلَيْهِ لَمْ تَكُنْ لِدَفْعِ مَشَقَّةٍ أَصْلِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ أَوْ خَفِيفَةٍ، كَاتِّخَاذِ مَسْبِحٍ فِي اُلْبَيْتِ. أَوِ الشَّيْءُ الَّذِي هُوَ مِنَ الأَقْسَامِ اُلْمَذْكُورَةِ، لَكِنْ لَهُ زِيَادَةٌ فِي الصُّورَةِ غَيْرِ ذَاتِ أَثَرٍ يُعْتَدُّ فِي اُلْحَقِيقَةِ، كَسَيَّارَةٍ فَارِهَةٍ جِدًّا ثَمَنُهَا مِئَاتُ آلاَفِ الدَّنَانِيرِ.

 ب) فِي اُلْفَقْرِ اُلْمُطْلَقِ وَاُلْفَقْرِ الإِضَافِيِّ، وَفِي أَنَّهُ قَبْلَ تَدَاخُلِ الأَمْكِنَةِ كَانَتْ أَنْوَاعُ اُلْكَفَافِ وَالرَّغَدِ وَالتَّرَفِ أَنْوَاعًا تَابِعَةً لأَمْكِنَتِهَا

   وَلاَ رَيْبَ أَنَّ مَنْ لَمْ يُحَصِّلْ رُتْبَةََ اُلْكَفَافِ، وَإِنْ حَصَّلَ مَا دُونَهَا، فَهْوَ فَقِيرٌ بِإِطْلاَقٍ، أَيْ أَنَّ نَقْصَهُ نَقْصٌ طَبِيعِيٌّ. أَمَّا مَنْ حَصَّلَهَا، فَهْوَ فَقِيرٌ بِاُلْوَصْفِ وَالإِضَافَةِ، أَيْ بِالإِضَافَةِ إِلَى الرُّتْبَتَيْنِ الأَعْلَيَيْنِ، أَوْبِالإِضَافَةِ إِلَى مَنْ فِي رُتْبَتِهِ، إِنْ كَانَ كَفَافُهُ أَجْوَدَ مِنْ كَفَافِهِ. أَمَّا مَنْ فِي رُتْبَةِ رَغَدِ اُلْمَعِيشَةِ فَقَطْ إِذَا قِيسَ  إِلَى مَرْتَبَةِ التَّرَفِ أَوْ إِلَى مَنْ رَغَدُهُ أَجْوَدُ مِنْ رَغَدِهِ، فَلاَ يُقَالُ فَقِيرٌ أَوْ أَفْقَرُ مِنْهُ بَلْ أَقَلُّ رَغَدًا أَوْ أَنْقَصُ سَعَةَ مَعِيشَةٍ مِنْهُ. وَمَنْ فِي رُتْبَةِ التَّرَفِ إِذَا قِيسَ إِلَى أَتْرَفَ مِنْهُ، لاَ يُقَالُ أَفْقَرُ بَلْ أَقَلُّ تَرَفًا أوثَرَاءً مِنْهُ. إِذَنْ فَالإِنْسَانُ إِنْ كَانَ فَقِيرًا بِإِطْلاَقٍ وَخَلاَ مَكَانُهُ مِنَ اُلضَّرُورِيَّاتِ فَإِنَّ انْتِقَالَهُ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ سَيَكُونُ ضَرُورِيًّا مِنْ سِنْخِ حَرَكَةِ الطَّبِيعَةِ الَّتِي مَقْصُودُهَا إِصْلاَحُ نَقْصٍ أَصْلِيٍّ. لِذَلِكَ فَاُلْمُنْتَقِلُ اُلْمُضْطَرُّ تَحْصُلُ مِنْهُ النُّقْلَةُ وَإِنْ لَمْ تَسْبِقْ لَهُ مَعْرِفَةٌ وَرُؤْيَةٌ لِلْمَكَانِ اُلْمُنْتَقِلِ إِلَيْهِ. أَمَّا مَنْ رُتْبَتُهُ الكَفَافُ، فَفَقْرُهُ إِضَافِيٌّ وَهْوَ بِاُلْهِمَّةِ سَيَطْلُبُ نَوْعَ كَفَافٍ أَجْوَدَ مِنْ كَفَافِهِ أَوْ مَرْتَبَةَ الرَّغَدِ أَوِ التَّرَفِ. كَذَلِكَ مَنْ فِي رُتْبَةِ الرَّغَدِ، بِاُلْهِمَّةِ سَيَطْلُبُ رَغَدًا أَجْوَدَ أَوْ مَرْتَبَةَ التَّرَفِ. وَمَنْ فِي رُتْبَةِ التَّرَفِ بِاُلْهِمَّةِ سَيَطْلُبُ نَوْعَ تَرَفٍ أَجْوَدَ مِنْ تَرَفِهِ. لَكِنْ لِتَعْلَمْ أَنَّ أَنْوَاعَ اُلْكَفَافِ وَالرَّغَدِ وَالتَّرَفِ لَيْسَتْ وَاحِدَةً لِكُلِّ الأَمْكِنَةِ. فَمَثَلاً قَدِيمًا، اُلْكَفَافُ فِي قَرْيَةٍ بِأَحَدِ غَابَاتِ أوغندا، أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ كُوخٌ مِنْ شَعَرٍ وَطَعَامٌ مِنْ ثِمَارِ اُلْغَابَةِ وَشَرَابٌ مِنْ نَهْرٍ غَيْرِ بَعِيدٍ. والرَّغَدُ أَنْ يَكُونَ لَهُ بَيْتٌ مِنْ حَجَرٍ وَمِصْبَاحٌ زَيْتِيٌّ وَدَابَّةٌ يَرْكَبُهَا. والتَّرَفُ أَنْ يَكُونَ لُهُ بَيْتٌ وَاسِعٌ ذُو حُجُرَاتٍ وَدَوَابٌّ كَثِيرَةٌ وَخَدَمٌ وَفِرَاشٌ لَيِّنٌ. أَمَّا كَفَافُ رَجُلٍ بِفَرَنْسَا وَرَغَدُهُ وَتَرَفُهُ، فَغَيْرَ شَكٍّ، أَنَّهَا خِلاَفُ الثَّلاَثَةِ الأُولَى، أَلْبَتَّةَ. وَيُبْنَى عَلَى مَا قِيلَ أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ رَجُلٌ لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ إلاّ بِمَكَانِهِ أَوْ اُلْمَكَانُ الآخَرُ هُوَ عِنْدَهُ نَاءٍ فِي حُكْمِ اُلْمُمْتَنِعِ، فَإِنْ كَانَ فَقِيرًا مُضْطَرًّا، فَانْتِقَالُهُ، كَمَا قُلْنَا، بِاُلضَّرُورَةِ الطَّبِيعِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ مَرْتَبَةٍ أُخْرَى، فَتَحْصِيلُهُ إِيَّاهَا سَيَكُونُ بِقِيَاسِهِ إِلَى نَوْعِ اُلْمَرْتَبَةِ وَشُرُوطِهَا فِي اُلْمَكَانِ اُلْمَخْصُوصِ. فَمَثَلاً، الأوغَنْدِيُّ سَيَرَى نَفْسَهُ مِنْ أَهْلِ الكِفَايَةِ إِنْ حَصَّلَ شُرُوطَهَا حَيْثُ يَقْطُنُ وَلَيْسَ عَلَى شُرُوطِهَا فِي فَرَنْسَا. فَإِنْ كَانَ مِنَ الرَّاضِينَ، فَسَيَطْمَئِنُّ مُلْقِيًا عَصَى التَّرْحَالِ، وَإِنْ كَانَ مِنَ السَّاعِينَ فَسَيَطْلُبُ سَائِرَ اُلْمَرَاتِبِ بِحَسَبِ شُرُوطِهَا فِي عَيْنِ اُلْمَكَانِ. وَقِسْ عَلَيْهِ إِنْ رَأَى نَفْسَهُ فِي أَحَدِ اُلْمَرَاتِبِ اُلْبَاقِيَةِ.

 ج) تَفْصِيلُ اُلْقَوْلِ فِي اللَّوَازِمِ اُلْكُبْرَى اُلثَّلاَثَةِ مِنْ تَدَاخُلِ الأَمْكِنَةِ، اُلْمُوجِبَةِ لانْدِفَاعِ النَّاسِ اُلشَّدِيدِ إِلَى أَرْضِ اُلْغَرْبِ

   وَإِذْ قَدْ بَيَنَّا أَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الانترنت، تَدَاخُلُ الأَمْكِنَةِ وَتَسَلُّطُ غَيْرِ إِمْكَانِ اُلْمَكَانِ عَلَى اُلْمَكَانِ، فَسَيَلْزَمُ ثَلاَثَةُ أُمُورٍ كُبْرَى :

  1) اِنْفَسَاخُ أَنْوَاعِ اُلْمَرَاتِبِ اُلْمَذْكُورَةِ، وَثُبُوتُ اُنْمُوذَجٍ وَاحِدٍ فِي اُلْفَقْرِ وَاُلْغِنَى وَالرَّغَدِ

الأَوَّلُ، انْفِسَاخُ أَنْوَاعِ اُلْمَرَاتِبِ اُلْمَذْكُورَةِ وَشُرُوطِهَا اُلْخَاصَّةِ بِكُلِّ مَكَانٍ مَكَانٍ، وثُبُوتُ انْمُوذَجٍ وَاحِدٍ لَهَا ذِي تَعَلُّقٍ بِمَكَانٍ وَاحِدٍ، وَهْوَ أَرْضُ اُلْغَرْبِ: فَمَثَلاً، لَمْ يَبْقَ لِلأُوغَنْدِيِّ بِاُلْغَابَةِ كَفَافُهُ اُلْقَرِيبُ التَّابِعُ لِإِمْكَانِهِ الَّذِي كَانَ بِهِ فَقَطْ يَقِيسُ نَفْسَهَ، فَإِنْ رَآهَا حَاصِلَةً لَهُ، ارْتَاحَ وَاطْمَأَنَّ، وَإِنْ رَآهَا فَاقِدَةً لَهُ، لَمْ يَحْتَجْ لِلسَّعْيِ خَارِجَ أَرْضِهِ حَتَّى يَنَالَهُ ويَصِيرَ مُتَنَزِّهًا مِنَ اُلْفَقْرِ. وَكَذَلِكَ رَغَدُهُ وَتَرَفُهُ. بَلِ اُلْكَفَافُ اُلْمُطْلَقُ اُلْوَاحِدُ الَّذِي مَا لَمْ يَنَلْهُ الأُوغَنْدِيُّ لَمْ يَسْلَمْ مِنْ عَارِ اُلْفَقْرِ هُوَ كَفَافُ اُلْغَرْبِيِّ بِعَيْنِهِ. وَإِنْ هُوَ مِمَّنْ يَحْرِصُ عَلَى اُلْغِنَى وَلاَ يَصْبِرُ عَلَيْهِ فَسَوْفَ يُهْزَأُ بِهِ لَوِ ادَّعَاهُ لِكَوْنِهِ ذَا بَيْتٍ مِنْ حَجَرٍ. بَلْ سَيُقَالُ لَهُ: يَا هَذَا مَا لَمْ تَمْلَكْ سَيَّارَةً ذَاتَ دَفْعٍ رُبَاعِيٍّ وَكَذَا كَذَا مِنْ أَشْيَاءَ هِيَ مِعْيَارُ الثَّرَاءِ فِي اُلْغَرْبِ، فَأَنْتَ بَعْدُ غَيْرُ غَنِيٍّ. وَقِسْ عَلَى الأُوغَنْدِيِّ سَائِرَ أَقْوَامِ الأَرْضِ جَمِيعًا. إِذَنْ، فَذَلِكَ السِّرُّ الأَوَّلُ فِي تَوَسُّعِ الآفَةِ اُلْمَعْرُوفَةِ اُلْيَوْمَ بـاُلْهِجْرَةِ اُلْغَيْرِ الشَّرْعِيَّةِ، بِرَبْطِهَا بِآلَةِ الانْتَرْنَتْ. إِذْ بَعْدَمَا كَانَ السَّعْيُ إِلَى اُلْمَرَاتِبِ وَبَيْنَ اُلْمَرَاتِبِ مِنْ كِفَايَةٍ وَرَغَدٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، هُوَ حَرَكَاتٍ كَثِيرَةً مُتَفَرِّقَةً فِي أَمَاكِنِهَا اُلْكَثِيرَةِ، صَارَتِ الآنَ إِنَّمَا تَؤُمُّ مَكَانًا وَاحِدًا وَهِمَّتُهَا مُجْتَمِعَةً عَلَى مَوْضِعٍ وَاحِدٍ. فَحَالُهَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ لَيُشْبِهُ سَوَاقِيًا كَثِيرَةً كَانَ لَهَا مَصَابٌّ مُتَفَرِّقَةٌ، ثُمَّ جُعِلَ لَهَا مَصَبٌّ وَاحِدٌ، فَلاَ جَرَمَ أَنَّ مِيَاهَهَا اُلْمُجْتَمِعَةَ سَيَحْصُلُ مِنْهَا سَيْلٌ عَظِيمٌ. وَذَلِكَ بِعَيْنِهِ السَّيْلُ البَشَرِيُّ الضَّخْمُ اُلْمُنْصَبُّ اليَوْمَ إِلَى أَرْضِ اُلْغَرْبِ. 

  2) اُلْوَهْمُ بِيُسْرِ اُلْمَعِيشَةِ فِي اُلْغَرْبِ لِكَثْرَةِ مَا يَحْضُرُ مِنْهَا فِي الانْتَرْنَتْ مِنْ نَعِيمٍ وَقِلََّةِ مَا يُرَى فِيهَا مِنْ بُؤْسٍ، قِلَّةً إِضَافِيَّةً

الثَّانِي، إِنَّ كُلَّ قَوْمٍ هُمْ فِي وَاقِعٍ وَحَقِيقَةُ الوَاقِعِ، كَمَا أَسْلَفْنَا، هِيَ اُلْمُقَاوَمَةُ وَاُلْمُدَافَعَةُ، لِذَلِكَ فَتَحْصِيلُ اُلْكَفَافِ وَاُلْغِنَى فِيهِ، وَ لَوْ بِشُرُوطِهِ وَبِنَوْعِ مَرَاتِبِهِ، هُوَ صَعْبٌ مُكِدٌّ وَأَحْيَانًا قَلِيلٌ. لَكِنَّ النَّاسَ بِالانْتَرْنَتْ قَدْ صَارَ لَهَا اِطِّلاَعٌ عَلَى صُوَرٍ لاَ مُتَنَاهِيَةٍ مِنْ مَعِيشَةِ اُلْغَرْبِ لاَ يُرَى مِنْهَا بُؤْسٌ إِلاَّ نَادِرًا، بَلْ بُؤْسُهَا هُوَ اُلْغِنَى فِي بَعْضِ اُلْْمَوَاضِعِ. أَمَّا غَالِبُ مَا يُرَى اُلْكَفَافُ وَالرَّغَدُ الَّّذِي إِذَا قِيسَ إِلَى مَا لَهَا، أَيْ مَا لِلنَّاسِ، فَهْوَ اُلْجَنَّةُ بِعَيْنِهَا. إِذَنْ فَقَدْ اجْتَمَعَ لِأَهْلِ الأُمَمِ شَيْئَانِ :

أَوَّلاً، اطِّلاَعٌ عَلَى نَوْعِِ رَغَدٍ لاَ يُقَاسُ بِمَا هُمْ فِيهِ وَاُلْبَوْنُ بَيْنَهُمَا كَبِيرٌ جِدًّا.

ثَانِيًا، وَهْمٌ بِأَنَّ هَذَا الرَّغَدَ لِكَثْرَتِهِ فِي الصُّورَةِ كَثِيرٌ فِي اُلْوَاقِعِ، وَلِكَثْرَتِهِ فِي اُلْوَاقِعِ، فَهْوَ فِي مَكَانِهِ لَسَهْلُ اُلْمَنَالِ عَلَى طَرَفِ الثُّمَامِ. 

كَذَلِكَ فَبِاجْتِمَاعِهِمِا، لَمْ يَبْقَ إِذَنْ لِلْغَرَابَةِ وَجْهٌ مِمَّا يُرَى اليَوْمَ مِنْ انْدِفَاعِ النَّاسِ اُلْقَوِيِّ نَحْو أَرْضٍ وَاحِدَةٍ أَرْضِ اُلْغَرْبِ، وَإِنْ قَطَعُوا دُونَهَا القِفَارَ وَاُلْبِحَارِ. ومِثَالُهُ دُكَّانَانِ، فَلَوِ اجْتَمَعَ لِلثَّانِي خَصْلَتَانِ، كَكَوْنِ جِنْسِ بِضَاعَتِهِ خَيْرًا مِنَ الأَوَّلِ، فَمَثَلاً هُوَ يَبِيعُ التَّلْفَازَ، وَالأَوَّلُ يَبِيعُ اُلْمِذْيَاعَ. ثُمَّ إِنَّهُ يَبِيعُ الآلَةَ اُلْوَاحِدَةَ بِثَمَنٍ أَحَطَّ مِنْ ثَمَنِ اُلْمِذْيَاعِ اُلْوَاحِدِ، فَقَطْعًا إِنَّ الزَّحْمَةَ سَتَكُونُ عَلَيْهِ. بَلْ عُدَّهُ مِنَ اُلْعَجَائِبِ لَوْ رَأَيْتَ قَدْ أَقْبَلَ عَلَى اُلأَوَّلِ زَبُونٌ وَاحِدٌ. 

  3) سَلْبُ اُلْمَكَانِ الأَصْلِيِّ ضَوَابِطَهُ وَآدَابَهُ اُلْمَخْصُوصَةَ فِي اُلْفَقْرِ وَاُلْغِنَى وَالتَّرَفِ، فَهَلُمَّ جَرًّا

ثَالِثًا، لَقَدْ قُلْنَا إِنَّ اُلْمَكَانَ لَيْسَ بِبُعْدٍ إِقْلِيدِيٍّ مُجَرَّدٍ، بَلْ هُوَ ظَرْفٌ مَكْسُوٌّ بِاُلْمَعَانِي الإِنْسَانِيَّةِ وَتَتْبَعُهُ ضَوَابِطُ مَخْصُوصَةٌ وآدَابٌ مَخْصُوصَةٌ. كَذَلِكَ فَإِنَّ اُلْفَقْرَ، لاَ سِيَّمَا الإِضَافِيَّ، وَاُلْغِنَى هُمَا وَصْفَانِ مَعْنَوِيَّانِ يُؤْخَذُ الأَوَّلُ، عَادَةً، بِأَنَّهُ شَرٌّ مَهْرُوبٌ مِنْهُ، وَالثَّانِي بِأَنَّهُ خَيْرٌ مَطْلُوبُ الزِّيَادَةِ مِنْهُ. وَلَكِنْ الوَصْفَانِ إِذْ هُمَا إِنْسَانِيَّانِ غَيْرَ طَبِيعِيَّيْنِ فَلَيْسَ لَهُمَا تَأْوِيلٌ وَاحِدٌ بِكُلِّ مَكَانٍ. فَمَثَلاً، لِلْمَكَانِ الإِسْلاَمِيِّ الأَصْلِيِّ قَوَاعِدُ عَظِيمَةٌ فِي اُلْفَقْرِ وَاُلْغِنَى : فَهْوَ أَوَّلاً، يُنْكِرُ أَلْبَتَّةَ أَنْ يَكُونَ مِيزَانُ التَّفَاضُلِ بَيْنَ النَّاسِ بِاُلْقُنْيَةِ، أَيْ أنّ العَبْدَ فَاضِلٌ بِقَدْرِ مَا يَمْلِكُ. بَلْ إِنَّ التَّفَاضُلَ بِاُلْمَعْنَى مِنْ خُلُقٍ وَعِلْمٍ وَدِينٍ. ثَانِيًا، بَلِ الفَقْرُ، وَإِنْ كَانَ كَفَافًا، مَعَ العِفَّةِ وَالرِّضَا، هُوَ خَيْرٌ مِنَ اُلْغِنَى، وَإِنْ كَانَ مِنْ كَسْبٍ حَلاَلٍ، إِذِ الدُّنْيَا حَلاَلُهَا حِسَابٌ وَحَرَامُهَا عِقَابٌ. ثَالِثًا، إِنَّ اُلْفَقْرَ، وَإِنْ كَانَ فَقْرًا مُطْلَقًا، فَلَيْسَ بِشَرٍّ مَحْضٍ، بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَصِيرَ أَصْلاً لِخَيْرٍ عَظِيمٍ لَوْ رُوعِيَتْ آدَابُهُ : إِذْ هُوَ قَدْ يَكُونُ ابْتِلاَءً لِلْعَبْدِ مِنَ اُلْمَوْلَى كَفَّارَةً لَهُ. وَاُلْعَبْدُ بِصَبْرِهِ وَرِضَاهُ قَدْ يَنَالُ أَفْضَلَ اُلْجَزَاءِ بِالآخِرَةِ. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. لَكِنْ بِتَدَاخُلِ الأَمْكِنَةِ الَّذِي قَوَّتْهُ الأَنْتَرْنَتْ، وَهْيَ مَا تَنْفَكُّ تَزِيدُ مِنْهُ، صَارَ مَحْوٌ مُتَوَسِّعٌ لِلآدَابِ اُلْمَخْصُوصَةِ لِكُلِّ مَكَانٍ مَكَانٍ، لِتَقُومَ مَقَامَهَا نَوْعٌ وَاحِدٌ مِنَ الآدَابِ، أَعْنِي آدَابَ اُلْمَكَانِ اُلْغَرْبِيِّ. وَاُلخَاصَّةُ اُلْعُظْمَى لَهَا أَنَّهَا مَعَانٍ مُسْتَحْدَثَةٌ مَقْطُوعَةٌ مِنَ الأَصْلِ التُّرَاثِيِّ اُلْقَدِيمِ مَبْنَاهَا عَلَى أُصُولٍ عَقْلِيَّةٍ مُبْتَكَرَةٍ تُبْطِلُ الغَيْبِيَّاتِ وَتَجْعَلُ مِنَ الدُّنْيَا مَقْصُودَ الإِنْسَانِ الأَخِيرِ، كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا فِي فَصْلِ “الآفَاتُ النَّفْسِيَّةُ”. لِذَلِكَ، فَبِالضَّرُورَةِ، سَيَكُونُ اُلْحُكْمُ فِي هَذِهِ الآدَابِ اُلْمُنْبَنِيَةِ عَلَى هَذِهِ الأُصُولِ أَنَّ اُلْفَقْرَ اُلْمُطْلَقَ شَرٌّ مَحْضٌ، وَأَنْ لاَ مَنْفَذَ تَأْوِيلِيًّا يُهَوِّنُ مِنْهُ، وَأَنَّ الإِنْسَانَ نَاقِصٌ فِي اُلْمَعْنَى والثُّبُوتِ بِقَدْرِ نُقْصَانِ القُنْيَةِ، وَهْوَ زَائِدُهُمَا بِقَدْرِ زِيَادَتِهَا، وَأَنْ لاَ حِيَلَةَ أَصْلاً لِلْفَقِيرِ أَوِ الأَفْقَرِ حَتَّى يُزِيلَ مِنْ نَفْسِهِ أَلَمَ اُلْحَقَارَةِ وَوَحْشَةَ النُّقْصَانِ. وَفِي اُلْجُمْلَةِ فَإِنَّ الآدَابَ اُلْغَرْبِيَّةَ إِنَّمَا تُنْزِلُ اُلْفَقْرَ مَنْزِلَةَ الشَّرِّ اُلْمُطْلَقِ، وَهَذَا ذَوْقٌ قَدْ عَمَّ جُلَّ الأُمَمِ وَاُلشُّعُوبِ. وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الشَّرَّ اُلْمُطْلَقَ دَفْعُهُ اضْطِرَارِيٌّ وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ سِوَاهُ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا، فَمَا أَمْكَنَ أَنْ يُزَالُ بِهِ اُلشَّرُّ اُلْمُطْلَقُ فَهْوَ مُبَاحٌ وَلاَ لاَئِمَةَ مِنْهُ. لِذَلِكَ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ اُلْفُقَرِاءِ اليَوْمَ، لاَ يَحْتَمِلُونَ اُلْفَقْرَ أَصْلاً، بَلْ وَطْأَتُهُ عَلَيْهِمْ وَطْأَةَ الشَّرِّ اُلْمُطْلَقِ والعَدَمِ اُلْمَحْضِ. وَهْوَ قَدْ صَارَ عِنْدَهُمْ كُلُّ سَبِيلٍ رَافِعٍ لَهُ، وَلَوْ كَانَ وَاهِيًا جِدًّا، وَاجِبَ السُّلُوكِ حَتْمًا. ثُمَّ عَلَى هَذَا نَبْنِي هَذَا التَّنْبِيهَ : وَهْوَ أَنَّ اليَوْمَ، قَدْ وُجِدَ سَعْيٌ كَبِيرٌ وَعَمَّتْ حَيْرَةٌ عَظِيمَةٌ. فَأَمَّا السَّعْيُ، فَهْوَ اِجْتِهَادٌ وَاسِعٌ فِي اُلْغَرْبِ لِصَدِّ طُوفَانِ اُلْهِجْرَةِ بِاُلْقَانُونِ وَاُلْحِرَاسَةِ والرَّدْعِ وَإِلْزَامِ حُكَّامِ الأُمَمِ حَتَّى يَمْنَعُوا الفَيْضَ مِنَ اُلْمَنْبِعِ. وَكُلُّهُ بَعْدُ بِلاَ جَدْوَى. وَأَمَّا اُلْحَيْرَةُ، فَهْيَ اُلْعَجَبُ مِنْ أَنَّ اُلْمُهَاجِرَةَ اُلْجَدِيدَةَ لاَ اِتَّعَاظَ لَهَا بِالآلاَفِ اُلْغَارِقَةِ التَّالِفَةِ وَالضَّائِعَةِ مِمَّنْ سَبِقَهَا. فَمَعْرِفَةُ السِّرِّ فِي ذَلِكَ سَهْلٌ بِمَا تَقَدَّمَ : إِذْ لَمَّا صَارَ اُلْفَقْرُ، بِالذَّوْقِ اُلْغَرْبِيِّ الطَّارِدِ لِلذَّوْقِ الأَصْلِيِّ، شَرًّا مُطْلَقًا، أَعْنِي عَدَمًا مَحْضًا، فَاُلْفَقِيرُ إذًا، هُوَ مَعْدُومٌ أَصْلاً. وَهْوَ إِذَا طَلَبَ اُلْغِنَى بِاُلْهِجْرَةِ مَعَ احْتِمَالِ هَلاَكِهِ القَوِيِّ، فَإِنَّمَا هُوَ عَدَمٌ مُتَحَقِّقٌ يَطْلُبُ الوُجُودَ، بِوَاسِطَةٍ مُحْتَمِلَةِ الإِفْنَاءِ. فَلَيْتَ شِعْرِي، هَلْ هَذَا تَحْذِيرٌ قَوْلُكَ لِلْمَعْدُومِ، إِنَّكَ إِنْ طَلَبْتَ اُلْوُجُودَ بِهَذِهِ الوَسِيلَةِ فَرُبَّمَا أَعْدَمَتْكَ ؟ بَلِ اُلْفَقِيُرُ مَعْدُومٌ أَصْلاً، فَإِنْ عُدِمَ فِي الطَّرِيقِ، فَمَا اِسْتَجَدَّ لَهُ حَالٌ، ثمّ يَبْقَى رَجَاءُ أَنْ يَبْلُغَ اُلْوُجُودَ، كَائِنًا مَا كَانَ ضَئِيلاً. وَاُلْمِثَالُ عَلَيْهِ : إِنَّ أَيَّمَا رَجُلٍ عَاقِلٍ قُضِيَ عَلَيْهِ بِاُلْقَتْلِ اُلْمُحَقَّقِ، لَوْ خُيِّرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يُتَّخَذَ غَرَضًا لأَرْبَعَةِ رُمَاةٍ يُعْفَى عَنْهُ إِنْ هُمْ مَا أَقْصَدُوهُ، سَيَخْتَارُ الثَّانِي قَطْعًا. وَحُجَّةُ مَنْ يَنْعَتُهُ بِاُلْمُتَهَوِّرِ لَنْ تَزِنَ عِنْدَهُ شَيْئًا. 

اُلْفَصْلُ اُلرَّابِعُ

الإِغْرَاقُ فِي اُلْمُتَعِ اُلْحِسِّيَّةِ وَاُلْمُخَدِّرَاتِ

   وَذَانِكَ أَيْضًا آفَتَانِ قَدْ قَوَّتْهُمَا الانْتَرْنَتْ وَلاَزِمُهَا اُلْمَذْكُُورُ مِنْ فَسْخِ الصِّفَةِ. وَهُوَ لِضَرَرِهِمَا العَظِيمِ عَلَى النَّاسِ، اليَوْمَ، إِنَّمَا أَحْبَبْتُ أَنْ أُفْرِدَ لَهُمَا فَصْلاً وَلاَ أُلْحِقَهُمَا بِاُلْفَصْلِ الأَوَّلِ مِنَ اُلْبَابِ الثَّانِي. وَسَأَتَّخِذُ لِلْبَيَانِ، مَسْلِكَيْنِ : اُلْمَسْلِكَ الوُجُودِيَّ، وَاُلْمَسْلِكَ النَّفْسِيَّ.  

 أ) بَيَانُ كَيْفَ قَوَّتِ الانْتَرْنَتْ آفَتَيِ الإِغْرَاقِ فِي اُلْمُتْعَةِ وَاُلْمُخَدِّرَاتِ بِاُلْمَسْلِكِ اُلْوُجُودِيِّ مَسْبُوقًا بِمُقَدِّمَةٍ فَلْسَفِيَّةٍ تُوَضِّحُ أَنَّ الانْفِعَالَ يَشْتَدُّ كُلَّمَا ضَعُفَتِ اُلصِّفَةُ 

   أَمَّا اُلْمَسْلِكُ اُلْوُجُودِيُّ، فَأُوَطِّئُ لَهُ، أَوَّلاً، بِهَذِهِ اُلْمُقَدِّمَةِ اُلْفَلْسَفِيَّةِ : إِذْ فِيمَا سَلَفَ، لَقَدْ نَزَّلْنَا الصِّفَةَ مِنْ أَعْمَالِ الإِنْسَانِ بِمَنْزِلَةِ اُلْكُلِّ إِلَى أَجْزَائِهِ. وَلَكَ عِلْمٌ بِأَنَّ الأَجْزَاءَ اُلْمُتَبَايِنَةَ إِذَا تَعَرَّتْ مِنَ اُلْكُلِّ، خَلَتْ آحَادُهَا مِنْ رَابِطٍ وَاحِدٍ يَجْمَعُهَا، وَلَمْ يَبْقَ لِبَعْضِهَا نَظَرٌ إِلَى بَعْضٍ أَلْبَتَّةَ. كَذَلِكَ الأَعْمَالُ الإِنْسَانِيَّةُ بِلاَ صِفَةٍ، إِِنَّمَا هِيَ أَجْزَاءٌ مُتَبَايِنَةٌ، خَالِيَةٌ مِنْ هِمَّةٍ وَاحِدَةٍ تَسْرِي فِيهَا مَعًا، وَلَيْسَ لِبَعْضِهَا نَظَرٌ إِلَى بَعْضٍ. أَوْ قُلْ : إِذْ أَنَّ الصِّفَةَ تَخْتَلِفُ مِنَ الثُّبُوتِ التَّامِّ فَاُلثُّبُوتِ الضَّعِيفِ فَاُلأَضْعَفِ حَتَّى الانْتِفَاءِ التَّامِ، فَإِنَّ نَظَرَ اُلْعَمَلِ إِلَى العَمَلِ سَيَخْتَلِفُ أَيْضًا بِحَسَبِهِ. أَيْ أَنَّ الصِّفَةَ إِنْ كَانَ ثُبُوتُهَا تَامًّا، فَاُلنَّظَرُ تَامٌّ، وَإِنْ ضَعِيفًا فَضَعِيفٌ، وَإِنْ أَضْعَفَ فَأَضْعَفُ، وَإِنْ مُنْتَفِيًا فَمُنْتَفٍ. إِذِ العَمَلُ اُلْوَاحِدُ بِمُجَرَّدِهِ هُوَ غَيْرُ مُنْطَوٍ، وَلَوْ عَلَى ذَرَّةٍ ضَئِيلَةٍ مِنَ اُلْبَاعِثِ الذَّاتِيِّ الَّذِي يَدْفَعُهُ لِصَرْفِ عَيْنَيْهِ إِلَى العَمَلِ الآخَرِ. بَلِ الصِّفَةُ مِنْ خَارِجٍ، هِيَ الَّتِي تُلْزِمُهُ ذَلِكَ. مِثَالُهُ عَبْدٌ كَسُولٌ جِدًّا، إِنْ تُرِكَ وَشَأْنَهُ، مَا أَقْبَلَ عَلَى عَمَلٍ، أَصْلاً. فَإِنْ صَحَّ مِنْهُ عَمَلٌ، فَلِبَاعِثٍ خَارِجِيٍّ، فَإِنْ كَانَ اُلْعَمَلُ ضَعِيفًا، فَلِضُعْفِ الإِلْزَامِ، وَاُلإِلْزَامُ ضَعِيفٌ لِضُعْفِ اُلْمُلْزِمِ، وَهُوَ السَّيِّدُ. أَمَّا إِنْ خَلاَ العَبْدُ مِنْ سَيِّدٍ، خَلاَ مِنْ كُلِّ عَمَلٍ. إذًا، فَنَظِيرُ اُلْعَبْدِ مِنَ اُلْمِثَالِ، فِي الأَمْرِ اُلْمَذْكُورِ، هُوَ اُلْعَمَلُ اُلْوَاحِدُ، وَنَظِيرُ عَمَلِ اُلْعَبْدِ أَوْ لاَ عَمَلِهِ، نَظَرُ اُلْعَمَلِ اُلْوَاحِدِ أَوْ لاَ نَظَرِهِ إِلَى اُلْعَمَلِ الآخَرِ، وَنَظِيرُ السَّيِّدِ هُوَ الصِّفَةُ. وَاُلْمِثَالُ مِنْ جِنْسِ اُلْمَعْنَى اُلْمُحَرَّرِ، رَجُلٌ أُعْطِيَ آجُرًّا وَطِينًا وَأَعْوَادًا : فَلَهُ ثَلاَثَةُ أَعْمَالٍ جُزْئِيَّةٍ مُتَعَلِّقَاتٍ بِالأَشْيَاءِ الثَّلاَثَةِ. أَعْنِي مُعَالَجَةَ الآجُرِّ، وَمُعَالَجَةَ الطِّينِ، وَمُعَالَجَةَ الأَعْوَادِ. فَإِنْ كَانَ مُتَحَقِّقًا بِصِفَةِ البَنَّاءِ عَلَى التَّمَامِ، فَهْيَ، إِذًا، صِفَةٌ ذَاتُ إِيجَابٍ قَوِيٍّ لِلأَعْمَالِ الثَّلاَثَةِ  أَنْ تَجْتَمِعَ عَلَى مَقْصُودٍ وَاحِدٍ تُفَسِّرُهُ الصِّفَةُ، وَهْوَ بِنَاءُ بَيْتٍ. وَإِذْ قَدْ اجْتَمَعَتْ عَلَى هَذَا اُلْمَقْصُودِ اُلْوَاحِدِ، فَلاَ مَحَالَةَ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا سَيَكُونُ لَهُ مُرَاعَاةٌ شَدِيدَةٌ لِبَقِيَّةِ إِخْوَانِهِ. فَمَثَلاً اُلْعَمَلُ فِي الآجُرِّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ رَصُّهُ عَلَى جِهَةِ الارْتِفَاعِ مِنَ الأَرْضِ ارْتِفَاعًا مُسْتَقِيمًا، لاَ عَلَى جِهَةِ الانْبِسَاطِ، لأَنَّ الصُّورَةَ البَيْتِيَّةَ تَقْتَضِي سَطْحًا قَائِمًا عَلَى أَرْبَعَةِ جُدْرَانٍ. وَاُلْجِدَارُ اُلْوَاحِدُ إِنَّمَا قِوَامُهُ آجُرٌّ مَرْصُوصٌ مُرْتَفِعٌ مِنَ الأَرْضِ عَلَى الاسْتِقَامَةِ. لَكِنَّ هَذَا الرَّصَّ، لاَ يَنْشَؤُ مِنْهُ اُلْجِدَارُ الَّذِي اِقْتَضَتْهُ الصُّورَةُ البَيْتِيَّةُ الَّتِي اقْتَضَتْهَا صِفَةُ الرَّجُلِ بِكَوْنِهِ بَنَّاءً، إِلاَّ إِذَا كَانَتِ الآجُرَّةُ مَوْصُولَةً إِلَى الآجُرَّةِ، بِاُلطِّينِ. إِذَنْ، فَاُلْعَمَلُ في الآجُرِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ عَمَلٌ تَابِعٌ لِلصِّفَةِ البَنَّائِيَّةِ، وَاجِبٌ عَلَيْهِ إِيجَابًا صَحِيحًا أَنْ يَنْظُرَ إِلَى قَرِينِهِ الثَّانِي، العَمَلِ فِي اُلطِّينِ. وَهَذَا النَّظَرُ، لاَ يَكُونُ جُزَافِيًّا، بَلْ عَلَى اُلْجِهَةِ اُلْمَخْصُوصَةِ اُلْمُتَعَلِّقَةِ بِمَا هُوَ ضَرُورِيٌّ مِنَ اُلْعَمَلِ فِي الطِّينِِ لِلْعَمَلِ في الآجُرِّ، حَتَّى يَنْشَأَ مِنْهُ جِدَارٌ صَحِيحٌ حَقِيقٌ بِبَيْتٍ صَحِيحٍ حَقِيقٍ بِاُلصِّفَةِ البَنَّائِيَّةِ الصَّحِيحَةِ. كَذَلِكَ اُلْعَمَلُ فِي الطِّينِ إِذْ هُوَ تَابِعٌ لِلصُّورَةِ اُلْبَيْتِيَّةِ التَّابِعَةِ لِلصِّفَةِ البَنَّائِيَّةِ، يَنْبَغِي أَنْ يُرَاعِي بِشِدِّةٍ، العَمَلَ الأَوَّلَ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ الاسْتِقْلاَلُ بِذَاتِهِ أَلْبَتَّةَ. فَمَثَلاً صِنَاعَةُ الطِّينِ، إِذَا لاَحَظَتْ بِنَاءَ اُلْجِدَارِ، فَسَتَرَى نَفْسَهَا مُلْزَمَةً بِإِخْرَاجِهِ عَلَى صُورَةٍ مُعْتَدِلَةٍ مُتَنَزِّهَةٍ مِنَ الرُّطُوبَةِ اُلْمُفْرِطَةِ اُلْقَرِيبَةِ مِنَ اُلْمُيُوعَةِ، أَوْ مِنَ الرُّطُوبَةِ اُلْمُفَرِّطَةِ اُلْقَرِيبَةِ مِنَ اُلْيُبُوسَةِ، وَ إِلاَّ كَانَ اُلْجِدَارُ اُلْمَبْنِيُّ بِهِ، وَاهِيًا جِدًّا، لَيْسَ لَهُ مِنْ مَعْنَى اُلْجِدَارِيَّةِ سِوَى الاسْمِ. وَقِسْ عَلَيْهِ اُلْعَمَلَ الثَّالِثَ، مُعَالَجَةَ الأَعْوَادِ.

   فَيَتَأَكَّدُ بِاُلْمِثَالِ مَا قُلْنَا أَوَّلاً مِنْ أَنَّ الصِّفَةَ هِيَ الَّتِي تَجْعَلُ الأَعْمَالَ اُلْمُتَبَايِنَةَ نَاظِرَةً إِلَى مَقْصُودٍ وَاحِدٍ، وَبِوَاسِطَةِ هَذَا النَّظَرِ إِنَّمَا يَصِيرُ لِبَعْضِهَا نَظَرٌ إِلَى بَعْضٍ. أَيْ أَنَّ الصِّفَةَ هِيَ الَّتِي تَجْعَلُ الأَعْمَالَ اُلْكَثِيرَةَ عَمَلاً وَاحِدًا تَنْدَرِجُ فِيهِ هِيَ، أَيْ الأَعْمَالَ، انْدِرَاجَ اُلْجُزْئِيَّاتِ فِي اُلْكُلِّ. كَذَلِكَ فَإِنَّ اُلْعَمَلَ اُلْوَاحِدَ تَكُونُ وِحْدَتُهُ قَوِيَّةً بِقَدْرِ قُوَّةِ الصِّفَةِ، وَبِقَدْرِ ضُعْفِهَا، تَكُونُ الوِحْدَةُ ضَعِيفَةً، وَبِقَدْرِ ضُعْفِ الوِحْدَةِ، تَكُونُ اُلْكَثْرَةُ اُلْمُقَوِّمَةُ لَهُ عَظِيمَةً. فَإِذَا ارْتَفَعَتِ الصِّفَةُ بِاُلْكُلِّيَّةِ، ارْتَفَعَتِ الوِحْدَةُ مِنْهُ أَيْضًا بِاُلْكُلِّيَّةِ، وَصَارَ اُلْعَمَلُ كَثْرَةً مَحْضَةً. لَكِنَّ اُلْكَْثَرَةُ اُلْمَحْضَةُ هِيَ هُيُولَى مُجَرَّدَةٌ مِنْ كُلِّ صُورَةٍ، وَمِنَ اُلْمَعْلُومِ أَنَّ حَقِيقَةَ اُلْهُيُولَى هِيَ الانْفِعَالُ اُلْمَحْضُ. إِذَنْ، فَاُلْعَمَلُ اُلْخَالِي مِنْ كُلِّ صِفَةٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ اُلْحَقِيقَةِ سِوَى الاسْمِ، بَلْ إِنَّمَا هُوَ انْفِعَالٌ مَحْضٌ. وَفِي اُلْجُمْلَةِ، لَنَا أَنْ نَقُولَ : إِنَّ لِلْعَمَلِ طَرَفَيْنِ أَقْصَيَيْنِ، وَأَوْسَاطًا تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ القُرْبِ أَوِ البُعْدِ مِنْ أَحَدِهِمَا :

فَأَمَّا الطَّرَفُ الأَوَّلُ، فَهُوَ العَمَلُ الَّذِي هُوَ فِعْلٌ صِرْفٌ لاَ يَشُوبُهُ انْفِعَالٌ أَلْبَتَّةَ، وَالَّذِي وِحْدَتُهُ نَقِيَّةٌ مِنْ كُلِّ كَثْرَةٍ. وَهَذَا العَمَلُ إِنَّمَا هُوَ تَابِعٌ لِلصِّفَةِ التَّامَّةِ الَّتِي لَهَا الكَمَالُ الأَخِيرُ، وَلَيْسَ يَشُوبُهَا نَقْصٌ، أَصْلاً.

وَأَمَّا الطَّرَفُ الثَّانِي اُلْمُقَابِلُ، فَهْوَ اُلْعَمَلُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مِنْ حَقِيقَتِهِ إِلاَّ الاسْمَ، وَهُوَ انْفِعَالٌ مَحْضٌ لاَ يَشُوبُهُ فِعْلٌ. وَهَذَا الانْفِعَالُ إِنَّمَا هُوَ تَابِعٌ لِفَنَاءِ الصِّفَةِ بِاُلْكُلِّّيَّةِ وَتَعَرِّي الشَّيْءِ مِنْهَا كَائِنَةً مَا كَانَتْ ضَئِيلَةً.  

وَأَمَّا فِيمَا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ الأَقْصَيَيْنِ، فَاُلْعَمَلُ هُوَ ذُو مَرَاتِبَ لاَ مُتَنَاهِيَةٍ يَخْتَصُّ فِيهَا مِنَ الطَّرَفَيْنِ بِأَنَّهُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ مُخْتَلِطًا. أَعْنِي أَنَّ اُلْعَمَلَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِعْلاً مُخْتَلِطًا بِانْفِعَالٍ. وَنِسْبَةُ الأَوَّلِ إِلَى الثَّانِي تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ قُرْبِ العَمَلِ مِنَ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ : فَبِقَدْرِ قُرْبِهِ مِنَ الأَوَّلِ، كَانَ اُلْفِعْلُ أَعْظَمَ مِنَ الانْفِعَالِ، وَبِقَدْرِ قُرْبِهِ مِنَ الثَّانِي كَانَ الانْفِعَالُ أَعْظَمَ مِنَ اُلْفِعْلِ.

   إِذَنْ فَاُلْعَمَلُ كُلَّمَا مَالَ إِلَى الكَثْرَةِ مَالِ إلى الكَوْنِ بِحَقِيقَةِ الانْفِعَالِ، وَكُلَّمَا مَالَ إلى الوِحْدَةِ مَالَ إلى الكَوْنِ بِحَقِيقَةِ الفِعْلِ. وَإِذْ قَدْ قُلْنَا بِأَنَّ الكَثْرَةَ تَابِعَةٌ لِضُعْفِ الصِّفَةِ، والوِحْدَةَ تَابِعَةٌ لِقُوَّتِهَا. فَيَلْزَمُ أَنَّ اُلصِّفَةَ كُلَّمَا ضَعُفَتْ مَالَ العَمَلُ إلى الكَوْنِ بِحَقِيقَةِ الانْفِعَالِ، وَكُلَّمَا قَوِيَتْ، مَالَ العَمَلُ إلى الكَوْنِ بِحَقِيقَةِ الفِعْلِ. لَكِنَّ الانْفِعَالَ لاَ يَخْلُو مِنْ أَلَمٍ أَوْ لَذَّةٍ. بَلْ إِنَّ نَفْسَ حَقِيقَةِ الانْفِعَالِ، إِنَّمَا هي الكَوْنُ إِمَّا لَذَّةً، أَوْ أَلَمًا. فَيَلْزَمُ كَذَلِكَ، أَنَّهُ كُلَّمَا ضَعُفَتْ الصِّفَةُ، قَوِيَتْ حَالَتَا اللذَّةِ والأَلَمِ، واشْتَدَّتَا. وَهُوَ عَلَى هَذِهِ النَّتِيجَةِ، إِنَّمَا يُبْنَى البَيَانُ الأَوَّلُ الطَّبِيعِيُّ، لِسَبَبِيَّةِ الانْتَرْنَتْ، في الشُّيُوعِ الوَاسِعِ لِلْأَخْلاَقِ اللَذِّيَّةِ، والإِغْرَاقِ في اُلْمُتَعِ اُلْحِسِّيَّةِ، وَطَلَبِ الانْفِعَالاَتِ بِإِلْحَاحٍ، وَلَوْ كَانَتْ مُؤْذِيَةً. لأَنَّهَا بِسَلْخِهَا اُلْمُتَعَاظِمِ لِلصِّفَةِ، إِنَّمَا تَسْلُبُ من الإِنْسَانِ مَعْنَى الفِعْلِ. وهو بِقَدْرِ مَا يَخْسِرُ من الفِعْلِيَّةِ، إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ في الانْفِعَالِيَّةِ، لُزُومًا، أعني في اللذِّيَّةِ أو الأَذِيَّةِ. 

 ب) بَيَانُ كَيْفَ قَوَّتِ الانْتَرْنَتْ آفَتَيِ الإِغْرَاقِ فِي اُلْمُتْعَةِ وَاُلْمُخَدِّرَاتِ بِاُلْمَسْلِكِ اُلنَّفْسِيِّ، وَهْوَ ذُو مَدْخِلَيْنِ

   وَأَمَّااُلْمَسْلِكُ النَّفْسِيُّ فَهْوَ ذُو مَدْخِلَيْنِ :

  1) مُقَدِّمَةٌ طَوِيلَةٌ تُوَضِّحُ هَذِهِ الأَشْيَاءَ : أنّ الزَّمَنَ هُوَ صُورَةٌ مِنْ إِنْشَاءِ النَّفْسِ، وَأَنَّ اُلنَّفْسَ قَدْ تُلاَقِي الصُّورَةَ إِمَّا عَامِرَةً بِاُلْحَوَادِثِ أَوْ خَالِيَةً مِنْهَا، وَلِمَ هِيَ، أَيِ النَّفْسَ، إِنَّمَا تَنْزَعُ إِلَى اللَّذَّةِ وَاللَّهْوِ وَأَنْوَاعٍ مِنَ اُلْغَيْبَةِ كُلَّمَا زَادَ خُلُوُّهَا، أَيِ اُلصُّورَةَ، مِنَ اُلْحَوَادِثِ  

   اُلْمَدْخِلُ الأَوَّلُ، وَنُوَطِّئُ لَهُ أَيْضًا بِهَذِهِ اُلْمُقَدِّمَةِ : لَقَدْ بَانَ في مَبَاحِثَ فَلْسَفِيَّةٍ أُخْرَى، أَنَّ الزَّمَنَ هو آنَاتٌ مُتَعَاقِبَةٌ، كُلُّ آنٍ يَطْرُدُ الَّذِي قَبْلَهُ، وَيَحُلُّ مَحَلَّهُ، بِلاَ نِهَايَةٍ. لَكِنْ هَذَا لَيْسَ هُوَ كُلَّ حَقِيقَةِ الزَّمَنِ، بَلْ جُزْؤُهُ اُلْمَادِّيّ فَقَطْ. إِذْ لاَ بُدَّ مِنْ مَعْنًى زَائِدٍ عَلَى مَحْضِ الآنَاتِ، بِهِ، إِنَّمَا هِيَ يَصِيرُ بَعْضُهَا حَاضِرًا هو نِهَايَةٌ لِآنَاتٍ مُتَصَرِّمَةٍ تَظْهَرُ بِهَيْئَةِ اُلْمَاضِي، وَمَبْدَأٌ لِآنَاتٍ مُزْمَعَةٍ أَنْ تَكُونَ، تَظْهَرُ بِهَيْئَةِ اُلْمُسْتَقْبَلِ. وَبَانَ أَنَّ اُلْمُنْشِئَ لِهَذَا اُلْمَعْنَى، هُوَ النَّفْسُ : فَهْيَ إِذْ تُشِيرُ إِلَى الآن اُلْمُدْرَكِ بِاُلْفِعْلِ، تُسَوِّيهِ حَاضِرًا، وَإِذْ تُشِيرُ إلى الآنَاتِ اُلْمُنْقَضِي إِدْرَاكُهَا، تُسَوِّيهَا مَاضِيًا، وَإِذْ تُشِيرُ إلى الآنَاتِ اُلْمُزْمَعِ إِدْرَاكُهَا، تُسَوِّيهَا مُسْتَقْبَلاً. والنَّفْسُ، بِتَأْلِيفِهَا لِلإِشَارَاتِ الثَّلاَثِ، إِنَّمَا يَجِبُ مِنْهَا صُورَةُ الزَّمَنِ اُلْمُؤَلَّفَةِ مِنْ حَاضِرٍ، وَمِنْ أُفُقَيْهِ، اُلْمَاضِي وَاُلْمُسْتَقْبَلِ. لَكِنْ هَاهُنَا، يَنْبَغِي جِدًّا أَنْ نُنَبِّهَ عَلَى أَمْرٍ دَقِيقٍ، وهو أَنَّ إِنْشَاءَ النَّفْسِ لِلزَّمَنِ، لَيْسَ هُوَ نَفْسَ شُعُورِهَا بِهِ. بَلْ إِنَّهَا تُدْرِكُهُ فِي فِعْلٍ ثَانٍ، بِهِ، إِنَّمَا هِيَ تَتَلَقَّى الزَّمَنَ اُلْمُنْشَئَ، وَتَدْخُلُ تَحْتَ حُكْمِهِ. وَإِذْ أَنَّ الزَّمَنَ هو وِعَاءٌ لِلْحَوَادِثِ، كَاُلْمَكَانِ هو وِعَاءٌ للأَشْيَاءِ، وإذ أَنَّ النَّفْسَ قَدْ تُلاَقِي اُلْمَكَانِ، وَهُوَ عَامِرٌ بِالأَشْيَاءِ، وَقَدْ تُلاَقِيهِ وهو نَاقِصُ اُلْعُمْرَانِ نُقْصَانًا مُتَعَاظِمًا، حَتَّى يَصِيرَ عِنْدَهَا كَاُلظَّرْفِ الإِقْلِيدِيِّ اُلْمُجَرَّدِ، كَذَلِكَ فَهْيَ قد تُلاَقِي الزَّمَنَ، وهو عَامِرٌ بِاُلْحَوَادِثِ، وقد تُلاَقِيهِ، وهو نَاقِصُ اُلْعُمْرَانِ نُقْصَانًا مُتَعَاظِمًا حَتَّى يَصِيرَ عِنْدَهَا كَاُلصُّورَةِ الزَّمَنِيَّةِ اُلْمُجَرَّدَةِ. لَكِنْ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الإِنْسَانَ، مَثَلاً، لَوْ تَحَرَّكَ فِي مَكَانٍ قَفْرٍ، فَسُرْعَانَ مَا يَلْحَقُهُ اُلْمَلَلُ، وَلَوْ كَانَتِ اُلْمَسَافَةُ اُلْمَقْطُوعَةُ قَصِيرَةً. وَأَنَّ اُلْمَلَلَ يَزِيدُ، مَا كَانَ اُلْمَكَانُ مُتَجَرِّدًا من الأَشْيَاءِ، وهو، بِعَيْنِهِ، لَوْ قَطَعَ مَسَافَةً طَوِيلَةً ذَاتَ عُمْرَانٍ، فَقَدْ لاَ يَمَلُّ أو يَضْجَرُ، إِلاَّ مِنْ جِهَةِ الإِجْهَادِ اُلْبَدَنِيِّ. والسِّرُّ في الاخْتِلاَفِ بين اُلْحَالَيْنِ، أَنَّ النَّفْسَ إِذَا لاَقَتْ اُلْمَكَانَ اُلْفَقِيرَ مِنَ الأَشْيَاءِ، ظَهَرَ كَبُعْدِ مُجَرَّدٍ، لاَ تَمَايُزَ بَيْنَ أَجْزَائِهِ، ألْبَتَّةَ، قَاهِرًا لَهَا بِذَاتِهِ عَلَى القَطْعِ، بِلاَ قَصْدٍ مِنْهَا إِلَيْهِ، بَيِّنٍ. لِذَلِكَ، فَهْيَ حِينَ تَكُونُ في أَوَّلِهِ، لاَ تَرَى فِيهِ سِوَى جَبَلٍ من اُلْمَشَقَّةِ البَحْتَةِ، إِنَّمَا عَيْنُ قَطْعِهِ، هُو عَيْنُ نَقْضِ ذَلِكَ اُلْجَبَلِ حَجَرَةً حَجَرَةً. وَحِينَ تَكُونُ قَاطِعَةً لَهُ، تَرَى عَمَلَهَا غَيْرَ ذِي مَعْنَى، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعَلَّقٍ بِقَصْدٍ، وَذَلِكَ مَلَلُهَا وَضَجَرُهَا.  أَمَّا إِذَا لاَ قَتْ اُلْمَكَانَ العَامِرَ، فَهْيَ لاَ تَرَى مَكَانًا هُوَ بُعْدٌ مُجَرَّدٌ، وَأَشْيَاءَ هِيَ شَاغِلَةٌ إِيَّاهُ. بَلِ اُلْمَكَانُ اُلْمُجَرَّدُ يَتَوَارَى بِحَسَبِ كَثْرَةِ الأشْيَاءِ أَوْتَنَوُّعِهَا، وَيَبْقَى شُهُودُ النَّفْسِ الأَوَّلُ إِنَّمَا هَذِهِ الأَشْيَاءِ بِعَيْنِهَا. لِذَلِكَ فَهْيَ في أَوَّلِ قَطْعِهَا إِيَّاه أَوْ حِينَهُ، لَنْ يَنْتَصِبَ أَمَامَهَا امْتِدَادٌ مَحْضٌ مُنْبَسِطٌ، لا تَفَاضُلَ بَيْنَ أَجْزَائِهِ، أَوَّلُهُ كَآخِرِهِ، يُوجُبُ عَلَيْهَا مِنْ خَارِجٍ أَنْ تَنْقُلَ قَدَمَهَا عَلَيْهِ، فَتَمْتَلِئُ شَفَقَةً وَجَزَعًا. بَلْ إِنَّ النَّفْسَ لاَ يَنْتَصِبُ أَمَامَهَا مِنَ اُلْمَكَانِ اُلْعَامِرِ إِلاَّ مَا تَعَلَّقَ بِهِ نَظَرُهَا. أَمَّا مَافَاتَهُ، فَلَيْسَ لَهُ مُثُولٌ إِلاَّ إِذَا قَصَدَتْهُ هِيَ بِالنَّظَرِ. فَمَثَلاً زَيْدٌ، بَيْنَمَا يُجُوبُ اُلْمَدِينَةَ، أَلْفَى نَفْسَهُ عِنْدَ بَابِ إِحْدَى اُلسِّكَكِ اُلْمَجْهُولَةِ. وَهُنَالِكَ، وَقَعَ نَظَرُهُ على دُكَّانٍ يَبِيعُ أَثْوَابًا. وَفِي هَذَا النَّظَرِ الأَوَّلِ، لَيْسَ اُلظَّاهِرُ هُوَ سِكَّةً هِيَ امْتِدَادٌ مُجَرَّدٌ، صُودِفَ فِي أَوَّلِهِ دُكَّانٌ مَا. بَلِ اُلسِّكَّةُ هِيَ هَذَا الدُكَّانُ. وَإِذْ هَذَا اُلدُّكَّانُ يَدْعُو بِذَاتِهِ مُتَمِّمًا، كَدُكَّانٍ آخَرَ، انْتَقَلَ قَصْدُ النَّظَرِ إِلَيْهِ، لِيُعْرَفَ، فَهَلُمَّ جَرَّا. لِذَلِكَ كَانَتِ اُلْحَرَكَةُ فِي اُلْمَكَانِ العَامِرِ إِنَّمَا هِيَ تَعَاقُبٌ لِمَشْهُودَاتٍ هِيَ تَابِعَةٌ لِتَعَاقُبِ مَقَاصِدَ نَفْسِيَّةٍ. وَإِذْ هَذِهِ اُلْحَرَكَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِاُلْقَصْدِ، فَهْيَ ذَاتُ مَعْنًى، لاَ مَحَالَةَ. إِذَنْ فَاُلنَّفْسُ قَدْ لاَ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا مِنْهَا ضَجَرٌ إِلاَّ مِنْ حَيْثُ مَا قَدْ يَنَالُ اُلبَدَنَ من إِجْهَادٍ. وَشَبِيهٌ بِاُلْمَكَانِ أَمْرُ الزَّمَانِ : فَهُوَ أَيْضًا إِذَا كَانَ عَامِرًا بِاُلْحَوَادِثِ، تَوَارَتِ الصُّورَةُ الزَّمَنِيَّةُ اُلْمُجَرَّدَةُ، وَتَصَدَّرَتِ اُلْحَوَادِثُ اُلْمُتَعَاقِبَةُ اُلْمَقْصُودَةُ بِالنَّظَرِ. أَمَّا إِذَا مَا خَلاَ من اُلْحَوَادِثِ حَتَّى قَرُبَ مِنْ أَنْ يُصْبِحَ صُورَةً مُجَرَّدَةً، اِنْتَصَبَ كَاُلْوِعَاءِ اُلْخَاوِي، وَشَعَرَتْ النَّفْسُ أَنْ لَيْسَ لَهَا مِنْ مَفَرٍّ سِوَى أَنْ تَتَكَلَّفَ هِيَ بِمَلْئِهِ وَقَضْمِهِ، لاَ سِيَّمَا جِهَتَهُ اُلْمُوسُومَةَ بِاُلْمُسْتَقْبَلِ. وَإِذْ هَذِهِ اُلْجِهَةُ اُلصُّورِيَّةُ لاَ مُتَنَاهِيَةٌ وَلاَ تَفَاضُلَ بَيْنَ أَجْزَائِهَا، فَاُلنَّفْسُ اُلْمُكَلَّفَةُ سَتَشْعُرُ إِذَنْ أَنَّهَا لَمَقْسُورَةٌ عَلَى عَمَلٍ مُتَكَرِّرٍ إِلَى مَا لاَ نِهَايَةَ، هُوَ مَحْضُ عَبَثٍ كَشَأْنِ سِيزِيفْ. وَبِهَذَا، يُمْكِنُ أَنْ نَعْرِفَ لِمَ البَطَّالُونَ وَمَنْ صَارُوا إِلَى اُلْمَعَاشِ، مَثَلاً، كَثِيرًا مَا يَشْعُرُونَ بِاُلضَّجَرِ وَاُلْمَلَلِ. إِذِ اُلْحَوادِثُ قَدْ انْحَسَرَتْ عَنْهُمْ، وَبَاتُوا مُقَابِلِينَ لِتِنِّينِ الزَّمَنِ اُلْمُتَجَرَّدِ، مُوَاجَهَةً. وَهْوَ عَلَى هَذَا كَذَلِكَ إِنَّمَا يُبْنَي بَيَانُ لِمَ النَّفْسُ اُلْمُلاَقِيَةُ لِلزَّمَنِ اُلْخَاوِي، هِيَ نَازِعَةٌ، عَادَةً، إِلَى اللَّهْوِ واللذَّةِ والسُّكْرِ وَأَنْوَاعٍ أُخَرٍ مِنَ اُلْغَيْبَةِ، كَاُلْمُخَدِّرَاتِ :

   إِذْ قَدْ قُلْنَا إِنَّ حَقِيقَةَ اللَّذَّةِ مِنْ جِهَةِ مَا هِيَ لَذَّةٌ هِيَ انْفِعَالٌ مَحْضٌ، والانْفِعَالُ اُلْمَحْضُ هو مَادَّةٌ نَفْسِيَّةٌ عَارِيَةٌ من الصُّورَةِ. لَكِنَّ اُلْمَادَّةَ النَّفْسِيَّةَ إِنَّمَا تَنْقَلِبُ فِعْلاً، مَا سُوِيَّتْ بِالصُّورَةِ. وَمَعْنَى تَسْوِيَتِهَا بِالصُّورَةِ، هو اِلْتِفَاتُ النَّفْسِ إِلَيْهَا بِالإِشَارَةِ. ثُمَّ، بِاُلْعَكْسِ، إِذَا اُلْتَفَتَتِ النَّفْسُ بِالإِشَارَةِ عَنِ اُلْفِعْلِ، انْقَلَبَ، ضَرُورَةً، مَادَّةً مَحْضَةً، أَيِ انْفِعَالاً. والانْفِعَالُ، قَدْ يَكُونُ لَذَّةً، وَقَدْ يَكُونُ أَلَمًا. إِذَنْ، فَالنَّفْسُ، لَمَّا عَلِمَتْ أَنَّ الوِعَاءَ الزَّمَنِيَّ اُلْخَاوِيَ اُلْمُتَسَلِّطَ عَلْيَهَا اُلْمُكْرَهَةَ عَلَى إِفْنَائِهِ، وَهْيَ كُلَّمَا أَفْنَتْهُ، انْبَعَثَ كَطَائِرِ فِنِيقِسْ، إِنَّمَا هُوَ مِنْ إِنْشَائِهَا وَتَصْوِيرِهَا، أَيْقَنَتْ أَنَّهُ إِذَا أَحَبَّتْ أَنْ تَنْجُوَ مِنْ عَذَابِ اُلْمُكَابَدَةِ اُلْعَبَثِيَّةِ إِلَى مَا لاَ نِهَايَةٍ، ضَرْبَةً وَاحِدَةً، كَانَ لَهَا ذلك بِفِعْلٍ وَاحِدٍ، بَلْ بِامْتِنَاعٍ وَاحِدٍ عَنِ اُلْفِعْلِ : أَلاَ وَهْوَ أَنْ تُمْسِكَ إِمْسَاكًا ثَابِتًا عَنِ الإِنْشَاءِ الزَّمَنِيِّ. وَمِثَالُهُ، لو رَجُلٌ أَيْقَنَ أَنَّ كُلَّ وَلَدٍ يَلِدُهُ إِذَا اِشْتَدَّ مُرْهِقُهُ، أَيْ مُرْهِقٌ الوَالِدَ، وَمُضْطَرُّهُ لِمُكَابَدَتِهِ وَإِفْنَائِهِ، فَلاَ جَرَمَ أَنَّ التَّدْبِيرَ القَرِيبَ الَّذِي سَيُفْضِي إِلَيْهِ : “إِنْ أَنَا أَحْبَبْتُ اُلْخَلاَصَ مِنْ هَذَا اُلْعَذَابِ الأَلِيمِ اُلْمُتَجَدِّدِ، ضَرْبَةً وَاحِدَةً، فَمَا عَلَيَّ، لَعَمْرِي، إِلاَّ أَنْ أَمْنَعَ نَفْسِي مِنَ الإِيلاَدِ، بَتَاتًا.” وَمَعْنَى إِمْسَاكِ النَّفْسِ عَنِ الإِنْشَاءِ الزَّمَنِيِّ هُوَ قَطْعُ فَيْضِهَا مِنَ الإِشَارَةِ اُلْمُصَوِّرَةِ لِلْمَادَّةِ الزَّمَنِيَّةِ، أَيِ الآن، فِي هَيْئَةِ حَاضِرٍ هُوَ نِهَايَةٌ لِمَاضٍ وَمَبْدَأٌ لِمُسْتَقْبَلٍ. لَكِنَّ الإِشَارَةَ هِيَ مِنَ النَّفْسِ حَقِيقَةٌ وَتَكْوِينٌ. وَمَا كَانَ مِنَ الشَّيْءِ جِبِلَّةً، لَمْ يَنْفَكَّ عَنْهُ إِلاَّ بِبُطْلاَنِ ذَلِكَ اُلشَّيْءِ. إِذَنْ، فَمَا سَبِيلُ النَّفْسِ حَتَّى تَمْتَنِعَ عَنِ الإِشَارَةِ الوَاجِبِ امْتِنَاعُهَا حَتَّى تَعْقُمَ، أَيِ النَّفْسَ، مِنَ الزَّمنِ الوَاجِبِ أَنْ تَعْقُمَ مِنْهُ حَتَّى تَنْجُوَ مِنْ مُكَابَدَتِهِ إِذَا قَابَلَتْهُ مُوَاجَهَةً ؟ سَبِيلُهَا التَّدْبِيرُ وَالاحْتِيَالُ لِنَفْسِهَا : إِذْ هِيَ تَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي جَعَلَهَا أَهْلاً لِلإِشَارَةِ وَتَصْوِيرِ اُلْمَادَّةِ الزَّمَنِيَّةِ إِنَّمَا هُوَ عُلُوُّهَا التَّكْوِينِيُّ عَلَيْهَا. إِذَنْ، فَلَوْ هِيَ احْتَالَتْ حَتَّى تَكُونَ عَلَى هَيْئَةٍ تُشْبِهُ اُلْمَادَّةَ، فَقَدْ تَتَنَزَّهُ مِنْ الإِشَارَةِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ خَلاَصُهَا مِنَ الزَّمَنِ اُلْمُرْهِقِ. وَقَدْ قُلْنَا إِنَّ اُلْمَادَّةَ الزَّمَنِيَّةَ هي الآن، والآن انْفِعَالٌ مَحْضٌ، والانْفِعَالُ اُلْمَحْضُ هُوَ إِمَّا لَذَّةٌ أو أَلَمٌ. والأَلَمُ مُؤْذٍ : فَاُلْنَّفْسُ إِذَا أَحَبَّتْ أَنْ تَنْجُوَ مِنْ عَذَابِ اُلْمُكَابَدَةِ اُلْعَبَثِيَّةِ إِلَى مَا لاَنِهَايَةَ، فَقَدْ يَكُونَ لَهَا إِذَنْ إِقْبَالٌ شَدِيدٌ عَلَى التَّخَلُّقِ بِهَيْئَةِ اُلْمَادَّةِ. وَذَلِكَ بِعَيْنِهِ هُوَ غَيْبَتُهَا فِي اللَّذَّةِ.

  2) اِبْتِدَاءُ اُلْبَيَانِ بِاُلْمَدْخِلِ الأَوَّلِ، بَيَانًا مَبْنِيًّا عَلَى اُلْمُقَدِّمَةِ الآنِفَةِ

   أَمَّا الآنَ، فَقَدْ بَقِيَ أَنْ نُبَيِّنَ بِوَاسِطَةِ هَذِهِ اُلْمُقَدِّمَةِ الطَّوِيلَةِ مَا بَعْضُ سَبَبِيَّةِ الانْتَرْنَتْ فِيمَا صَارَ لِلنَّاسِ اُلْيَوْمَ مِنْ إِنْهِمَاكٍ شَدِيدٍ عَلَى اُلْمُتَعِ اُلْحِسِّيَّةِ كَاُلْبَهَائِمِ.

   اعْلَمْ أَنَّ اُلْجَوَابَ اُلْمُجْمَلَ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ هُوَ أَنَّ الانْتَرْنَتْ إِنَّمَا كَانَ لَهَا أَيْضًا أَثَرٌ آخَرُ كَبِيرٌ، أَلاَ وَهْوَ تَجْرِيدُ الزَّمَنِ وَتَسْلِيطُ صُورَتِهِ اُلْخَاوِيَةِ عَلَى النُّفُوسِ. وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ بِمَا قُلْنَا أَوَّلاً مِنْ أَنَّ الزَّمَنَ يَتَعَاظَمُ تَجْرِيدُهُ بِتَعَاظُمِ خُلُوِّهِ مِنَ اُلْحَوَادِثِ.

   I) ذِكْرٌ لِخَوَاصَّ كُبْرَى ثَلاَثٍ لِلْحَوَادِثِ اُلْوَاقِعِيَّةِ، وَلِخَاصَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ لاَزِمَتَيْنِ مِنَ اُلثَّلاَثِ

   لَكِنَّ اُلْحَوَادِثَ الَّتِي بِهَا عِمَارَةُ الزَّمَنِ وَالَّتِي ظُهُورُهَا إِنَّمَا يَخْسِفُ الصُّورَةَ الزَّمَنِيَّةَ الخَاوِيَةَ لَيْسَتْ أَيًّا كَانَتْ. بَلْ تِلْكَ اُلْمُسْتَفَادَةُ مِنَ اُلْوَاقِعِ. إِذْ لِلْحَوادِثِ الوَاقِعِيَّةِ خَوَاصُّ ثَلاَثٌ كُبْرَى :

اُلْخَاصَّةُ الأُولَى، إِنَّهَا ذَاتُ ظُهُورٍ وَنِظَامٍ وَتَرْتِيبٍ مُنْفَصِلاَتٍ عَنِ الشُّعُورِ.

اُلْخَاصَّةُ اُلثَّانِيَةُ، أَجْزَاؤُهَا مُتَعَلِّقٌ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَمُؤَثِّرٌ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ، وَاُلْمُتَأَخِّرُ مِنْهَا هُوَ ثَمَرَةٌ كُلِّيَّهٌ لِلْمُتَقَدِّمِ جَمِيعًا.

اُلْخَاصَّةُ الثَّالِثَةُ، وَلِتَيْنِكَ اُلْخَاصَّتَيْنِ، فَاُلْحَوَادِثُ اُلْوَاقِعِيَّةُ هِيَ إِذَنْ صُورَةٌ مَعْقُولَةٌ وَذَاتُ قِوَامٍ وَحَقِيقَةٍ وَثَبَاتٍ.

وَمُتَعَلَّقُ النَّفْسِ الأَخِيرِ هُوَ اُلْوَاقِعُ. وَأَعْنِي بِاُلْمُتَعَلَّقِ الأَخِيرِ، مَا إِذَا أَصَابَتْهُ النَّفْسُ لَمْ تَطْمَحْ لِشَيْءٍ آخَرَ وَرَاءَهُ، بَلْ سَكَنَتْ عِنْدَهُ وَاطْمَأَنَّتْ فِيهِ. فَمَثَلاً تُومَاسْ أَدِيسُونْ كَانَ قَدْ تَمَنَّى أَوَّلاً آلَةً تُضِيءُ بِاُلْكَهْرَبَاءِ وَتُغْنِي عَنِ الزَّيْتِ، وَهَذَا تَعَلُّقٌ بِاُلْفَانُوسِ اُلْمُتَمَنَّى، لِذَلِكَ طَلَبَ مَا وَرَاءَهُ. ثُمَّ هُوَ عَزَمَ عَلَى صُنْعِهِ، وَهَذَا تَعَلُّقٌ بِاُلْفَانُوسِ عَلَى جِهَةِ العَزْمِ، لِذَلِكَ طَلَبَ مَا وَرَاءَهُ. ثُمَّ هُوَ رَوَّى بِاُلْمَعَارِفِ اُلْعِلْمِيَّةِ فِي صُنْعِهِ، وَهَذَا تَعَلُّقٌ بِاُلْفَانُوسِ اُلْمُرَوَّى، لِذَلِكَ طَلَبَ مَا وَرَاءَهُ. ثُمَّ هُوَ تَخَيَّلَ صُورَتَهُ أَوْ رَسَمَ لَهُ مِثَالاً، وَهَذَا تَعَلُّقٌ بِاُلْفَانُوسِ اُلْمُتَخَيَّلِ، لِذَلِكَ طَلَبَ مَا وَرَاءَهُ. ثَمَّ إِنَّهُ لَمَّا أَخَرَجَ فَانُوسًا فِي اُلْوَاقِعِ يُحَقِّقُ اُلْفَانُوسَ اُلْمُتَمَنَّى انْقَطَعَ سَعْيُهُ حِينَئِذٍ وَسَكَنَتْ حَرَكَتُهُ. وَهَذَا التَعَلُّقُ الأَخِيرُ هُوَ تَعَلُّقٌ بِاُلْفَانُوسِ اُلْوَاقِعِيِّ. وَإِذْ أَنَّ حَوَادِثَ الوَاقِعِ مِنْ ضِمْنِهِ، كَانَتِ اُلْْحَوَادِثُ اُلْوَاقِعِيَّةُ أَيْضًا مُتَعَلَّقًا أَخِيرًا لِلنَّفْسِ. وَالنَّفْسُ قَدْ تَتَعَلَّقُ بِهَا، إِمَّا عَلَى جِهَةِ أَنَّهَا ذَاتُ مَقْصُودٍ هُوَ كُلٌّ، تَؤُمُّهُ الأَجْزَاءُ اُلْحَدَثِيَّةُ وَتُصَحِّحُهُ، وَإِمَّا عَلَى جِهَةِ أَنَّهَا ذَاتُ مَقْصُودٍ هُوَ بَعْضُ الأَجْزَاءِ اُلْحَدَثِيَّةِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ مَقْصُودٍ أَعْلَى مُبَايِنٍ. فَمَثَلاً، زَيْدٌ تَعَلُّقُهُ بِأَنْ يَكُونَ رَبَّ بَيْتٍ سَعِيدٍ. فَهَذَا اُلْحَادِثُ اُلْمُتَعَلَّقُ هُوَ كُلٌّ مُلْحَقٌ بِأَجْزَاءٍ حَدَثِيًّةِ أُخَرٍ آمَّةٍ إِيَّاه مُقَوِّمَةٍ لَهُ : كَكَوْنِهِ كَانَ أَوّلاً شَابًّا بَطَّالاً، ثُمَّ وَرِثَ عَنْ أَبِيهِ البَخِيلِ أَرَاضِيًا مُعَطَّلَةً، ثُمَّ جَمَعَ لَهَا عُمَّالاً، ثُمَّ قَسَّمَهُمْ فِرَقًا لِأَعْمَالٍ شَتَّى، ثُمَّ زَرَعَ فَحَصَدَ فَبَاعَ، العَامَ الأَوَّلَ، فَمَا بَعْدَهُ. ثُمَّ إِنَّهُ جَمَعَ مَالاً وَافِرًا، ثُمَّ بَنىَ بَيْتًا وَأَثَّثَهُ الأَثَاثَ اُلْحَسَنَ، ثُمَّ إِنَّهُ اقْتَرَنَ بِفَتَاةٍ صَالِحَةٍ، ثُمَّ إِنَّهُ الآن قَدْ رُزِقَ غُلاَمًا تَامًّا. وَقَدْ كَانَ عَمْرٌو مِنْ العُمَّالِ، وَكَانَ تَعَلُّقُهُ بِأَنْ يَحْرِثَ أَرْضَ زَيْدٍ الثَّانِيَةَ : فَهَذَا اُلْحَادِثُ اُلْمُتَعَلَّقُ هو جُزْءٌ دَاخِلٌ تَحْتَ مَقْصُودٍ أَعْلَى، مَقْصُودِ زَيْدٍ، مُبَايِنٍ لِمَقَصُودِ عَمْرٍو. فَيَلْزَمُ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ قَصْدَ النَّفْسِ إِنَّمَا اعْتِمَادُهُ الطَّبِيعِيُّ عَلَى اُلْحَوَادِثِ اُلْوَاقِعِيَّةِ. وَهَذَا الاِعْتِمَادُ هُوَ مُوجِبٌ لِلنَّفْسِ مَعَانِيًا تَابِعَةً لِلْخَوَاصِّ اُلْمَذْكُورَةِ لِتِلْكُمُ اُلْحَوَادِثِ. إِذْ أَنَّ اُلْحَوَادِثَ الوَاقِعَيَّةَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا قَائِمَةٌ ثَابِتَةٌ، فَإِنَّ بِنَاءَ النَّفْسِ عَلَيْهَا غَيْرُ مُنْتَقِضٍ بِالْتِفَاتِهَا عَنْهُ، بَلْ هُوَ أَيْضًا بَاقٍ ثَابِتٌ. فَمَثَلاً، زَيْدٌ البَنَّاءُ قَدْ رَصَّ أَمْسِ مَائَةَ آجَرُّةٍ. وَاُلْيَوْمَ عَادَ لِيَرُصَّ مَائَةً أُخْرَى. لَكِنَّهُ يَعُودُ وَهْوَ مُطْمَئِنٌّ بِأَنَّ عَمَلَهُ الثَّانِي إِنَّمَا يُبْنَى عَلَى ثَمَرَةِ عَمَلِهِ الأَوَّلِ وَأَنَّ ثَمَرَةَ عَمَلِهِ اليَوْمَ لَيْسَتْ فَقَطْ مَائَةَ آجُرَّةٍ مَرْصُوصَةٍ، بَلِ اُلْجِدَارُ اُلْوَاحِدُ اُلْمَطْلُوبُ رَفْعُهُ. عَلَى مَعْنَى أَنَّ زَيْدًا إِذَا رَصَّ آخِرَ آجُرَّةٍ فَسَوْفَ تَسْرِي في يَدِهِ، لَيْسَ فَقَطْ صَلاَبَةُ آخِرِ آجُرَّةٍ مَرْصُوصَةٍ، بَلْ صَلاَبَةُ كُلِّ اُلْجِدَارِ وَوِحْدَتُهُ وَمَعْنَاهُ. كَذَلِكَ فَإِنَّ اعْتِمَادَ النَّفْسِ عَلَى اُلْحَادِثِ الوَاقِعِيِّ هُوَ اعْتِمَادٌ عَلَى ثَابِتٍ تَسْرِي إِلَيْهَا مِنْهُ ثَبَاتُ كُلِّ اُلْحَوَادِثِ وَوِحْدَتُهَا وَمعْنَاهَا بِقَدْرِ مَا كَانَ لَهَا مِنْهَا خِبْرَةٌ وَمُؤَانَسَةٌ. إِذَنْ فَاُلْحَوَادِثُ اُلْوَاقِعِيَّةُ هِيَ بِالإِضَافَةِ إِلَى النَّفْسِ اُلْمُتَلَقِّيَةِ إِيَّاهَا ذَاتُ خَاصَّتَيْنِ اثْنَيَيْنِ :

اُلْخَاصَّةُ الأُولَى، أَنَّهَا فَاعِلَةٌ، والنَّفْسُ مُنْفَعِلَةٌ عَنْهَا.

واُلْخَاصَّة الثَّانِيَةُ، أَنَّ النَّفْسَ تَحْفَظُ مِنْهَا هَيْئَاتٍ رَاسِخَةٍ ذَاتَ وِحْدَةٍ وَمَعْنًى وَثَبَاتٍ تُحَاكِي اُلْهَيْئَاتِ اُلْحَدَثِيَّةِ اُلْمُنْقَضِيَةِ. 

   II) ذِكْرُ لِمَ كَانَتِ اُلْحَوَادِثُ اُلْوَاقِعِيَّةُ هِيَ خَاسِفَةً لِلصُّورَةِ الزَّمَنِيَّةِ اُلْمُجَرَّدَةِ، لِلْخَوَاصِّ اُلْمَذْكُورَةِ

   لَكِنْ قَدْ قُلْنَا فِيمَا سَلَفَ أَنَّ الصُّورَةَ الزَّمَنِيَّةَ هِيَ مِنْ إِنْشَاءِ النَّفْسِ، أَيْ أَنَّهَا مُنْفَعِلَةٌ عَنْهَا وَأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ إِلْبَاسٍ لِآنَاتٍ سَائِلَةٍ سَيَلاَنًا مَحْضًا مَعَانِيَ اُلْحَاضِرِ وَاُلْمَاضِي وَاُلْمُسْتَقْبَلِ. ثُمَّ إِنَّ اُلْحَوَادِثَ الوَاقِعِيَّةَ وَإِنْ كَانَتْ بِاُلْخَاصَّةِ الأُولَى، هِيَ مُنْفَصِلَةٌ عَنِ الشُّعُورِ، إِذَنْ فَتَعَاقُبُهَا هُوَ غَيْرُ تَعَاقُبِ الآنَاتِ الزَّمَنِيَّةِ النَّفْسِيَّةِ، فَإِنَّ إِدْرَاكَهَا عَلَى اُلْمَعْنَى الزَّمَنِيِّ مِنْ حَيْثُ إِنَّ بَعْضَهَا مُتَقَدِّمٌ والآخَرُ مُتَأَخِّرٌ، وَاُلْمُتَأَخِّرُ إِنَّمَا حَلَّ مَحَلَّ اُلْمُتَقَدِّمِ اُلْمُنْقَضِي، فَهَلُمَّ جَرَّا، إِنَّمَا يَتِمُّ بِوَاسِطَةِ الصُّورَةِ الزَّمَنِيَّةِ. أَيِ القَوْلَ مَثَلاً، إِنَّ هَذَا اُلْحَدَثَ هُوَ حَاضِرٌ مَاضِيهِ ذَاكَ اُلْحَدَثُ، مَعْنَاهُ : إِنَّ هَذَا اُلْحَدَثَ ظَرْفُهُ هُوَ الآنُ اُلْحَاضِرُ، وَذَاكَ اُلْحَدَثُ ظَرْفُهُ هو آنٌ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الآنِ اُلْحَاضِرِ. لَكِنْ لاَ تَفْهَمْ إِدْرَاكَ النَّفْسِ لِزَمَنِيَّةِ اُلْحَوَادِثِ بِوَاسِطَةِ الصُّورَةِ الزَّمَنِيَّةِ أَنَّهَا تُحْضِرُ أَوَّلاً تَحْتَ عَيْنِهَا الصُّورَةَ الزَّمَنِيَّةَ اُلْخَاوِيَةَ ثُمَّ هِيَ تَسْكُبُ فِيهَا اُلْمَادَّةَ اُلْحَدَثِيَّةَ ثُمَّ إِنَّهَا تُخْرِجُ مِنْهُ حَوَادِثًا زَمَنِيَّةً. بَلْ إِنَّهَا لاَ تَرَى، دُفْعَةً وَاحِدَةً، إِلاَّ اُلْحَوَادِثَ الزَّمَنِيَّةَ، أَمَّا الصُّورَةُ الزَّمَنِيَّةُ فَهْيَ قَصْدٌ لِلنَّفْسِ تَابِعٌ وَمُنْدَرِجٌ تَحْتَ القَصْدِ الأَوَّلِ، وَهْوَ نَفْسُ اُلْحَوَادِثِ. والسِّرُّ فِي أَنَّ قَصْدَ اُلْحَوَادِثِ إِنَّمَا لَهُ اُلْحُكْمُ عَلَى قَصْدِ الصُّورَةِ الزَّمَنِيَّةِ وَأَنَّهُ هُوَ الظَّاهِرُ، إِذَنْ فَلَيْسَ هُوَ بِمُظْهِرٍ، وَأَنَّهَا هِيَ اُلْمُظْهِرَةُ، إِذَنْ فَلَيْسَتْ هِي بِظَاهِرَةٍ، مَا قُلْنَا آنِفًا مِنْ أَنَّ الصُّورَةَ الزَّمَنِيَّةَ هِيَ مُنْفَعِلَةٌ عَنِ النَّفْسِ، لَكِنَّ اُلْحَوَادِثَ هِيَ فَاعِلَةٌ وَحَافِظَةٌ فِيهَا لِهَيْئَاتٍ رَاسِخَةٍ. وَبَيِّنٌ أَنَّ المُنْفَعِلَ عَنْ شَيْءٍ، كَالزَّمَنِ عَنِ النَّفْسِ، هُوَ مُنْفَعِلٌ عَنِ الفَاعِلِ فِيهِ، كَاُلْحَوَادِثِ في النَّفْسِ. أَعْنِي أَنَّهُ بَيِّنٌ أَنَّ الزَّمَنَ هُوَ مُنْفَعِلٌ عَنِ اُلْحَوَادِثِ. وَبِذَلِكَ يَبِينُ أَيْضًا مَا أَثْبَتْنَا أَوَّلاً مِنْ أَنَّ اُلْحَوَادِثَ الَّتِي بِهَا عِمَارَةُ الزَّمَنِ، أَيِ الَّتِي ظُهُورُهَا يَخْسِفُ الصُّورَةَ الزَّمَنِيَّةَ اُلْخَاوِيَةَ إِنَّمَا هِيَ اُلْحَوَادِثُ اُلْوَاقِعِيَّةُ.

   III) التَّفْصِيلُ تَفْصِيلاً كَبِيرًا لاسْتِنْتَاجٍ سَهْلٍ إِدْرَاكُهُ بِاُلْبَيَانِ اُلْمُتَقَدِّمِ فَحْوَاهُ أَنَّ آَلَةَ الانْتَرْنَتْ إِنَّمَا هِيَ مُجَرِّدَةٌ لِلزَّمَنِ لأَنَّ حَوَادِثَهَا وَهْمِيَّةٌ، وَإِذْ هِيَ كَذَلِكَ اِنْتَقَضَ إِذَنْ شَرْطُ اُلْعِمَارَةِ اُلزَّمَنِيَّةِ 

   وَلَعَلَّ القَارِئَ بَعْدَ هَذَا البَيَانِ سَيُبَادِرُ إِلَى الاسْتِنْتَاجِ : وَلَمَّا كَانَتِ اُلْحَوَادِثُ اُلْمُتَلَقَّاةُ مِنَ الانْتَرْنَتْ حَوَادِثَ وَهْمِيَّةً، أَيْ غَيْرَ وَاقِعِيَّةٍ، انْتَقَضَ شَرْطُ العِمَارَةِ. وَبِذَلِكَ كَانَتْ هَذِهِ الآلَةُ سَبَبًا فِي تَجْرِيدِ الزَّمَنِ وَتَسْلِيطِ صُورَتِهِ الخَاوِيَةِ عَلَى النُّفُوسِ. وَهْوَ جَوَابٌ صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى تَفْصِيلٍ كَبِيرٍ : إِذْ قَدْ يُفْهَمُ أَنَّ النَّفْسَ لِمُجَرَّدِ مُلاَقَاتِهَا لِحوَادِثَ وَهْمِيَّةٍ مِنَ الانْتَرْنَتْ، بِلاَ شَرْطٍ زَائِدٍ، يَتَجَرَّدُ الزَّمَنُ عِنْدَهَا، كَمَا لَوْ قُلْنَا إِنَّ اُلْمَرْءَ إِنِ اِسْتَعْمَلَ وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْدِيلَ مَزْكُومٍ صَارَ مَزْكُومًا. فَأَوَّلاً، إِنَّ اُلْحَادِثَ اُلْوَاحِدَ قَدْ يَظْهَرُ بِاُلْوَهْمِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ حَادِثٍ وَاقِعِيٍّ، إِذَا كَانَتْ مَادَّتُهُ مُلْحَقَةً إِلْحَاقًا قَرِيبًا بِاُلْوَاقِعِ اُلْمَحْسُوسِ: فَمَثَلاً، هُرُوبُ رَئِيسٍ طَاغِيَةٍ مِنَ البِلاَدِ، حَادِثٌ لاَ تَعْرِفُهُ الرَّعِيَّةُ إِلاَّ بِوَاسِطَةٍ وَهْمِيَّةٍ مِنْ تَلْفَزَةٍ أَوِ اِنْتَرْنَتْ. وَهْوَ، لأَنَّهُ قَرِيبٌ جِدًّا مِنْ وَاقِعِهَا اُلْمَحْسُوسِ، أَلْحَقَتْهُ بِهِ، بِلاَ رَوِيَّةٍ أَوْ قِيَاسٍ. وَهْوَ لِهَذَا الإِلْحَاقِ الأَوَّلِيِّ، بِعَيْنِهِ، إِنَّمَا تَتَلَقَّى الرَّعِيَّةُ حَادِثَ اُلْهُرُوبِ بِأَنَّهُ حَادِثٌ وَاقِعِيٌّ يَنْدَرِجُ ضِمْنَ سِلْسِلَةِ اُلْحَوَادِثِ الوَاقِعِيَّةِ وَيُقَوِّمُ وِحْدَتَهَا وَمَعْنَاهَا وَإِنْ كَانَ ظُهُورُهُ ظُهُورًا وَهْمِيًّا. والسِّرُّ فِي هَذَا الإِلْحَاقِ، مَعَ الظُّهُورِ اُلْوَهْمِيِّ، أَنَّ الوَاقِعَ اُلْمَحْسُوسَ هُوَ وَاقِعٌ بِنَفْسِهِ، وَأَنَّ غَيْرَهُ إِنَّمَا تَلْحَقُهُ الوَاقِعِيَّةُ بِنِسْبَتِهِ إِلَيْهِ. وَهُوَ بِقَدْرِ قُوَّةِ هَذِهِ النِّسْبَةِ إِنَّمَا يَقْوَى وَصْفُهُ بِاُلْوَاقِعِ. كَالرَّئِيسِ اُلْمَعْلُومِ بِاُلْمُعَايَنَةِ أَوْ بِاُلْخَبَرِ اُلْمُتَوَاتِرِ اُلْقَرِيبِ مِنَ اُلْمُعَايَنَةِ بِأَنَّهُ ثَابِتٌ وَهُوَ جُزْءٌ مَحْسُوسٌ مِنَ البِلاَدِ الوَاقِعِيَّةِ اُلْمَحْسُوسَةِ. إِذَنْ، فَهَذِهِ اُلْمَادَّةُ إِنْ هِيَ اِنْدَرَجَتْ ضِمْنَ ظُهُورٍ وَهْمِيٍّ، كَهُرُوبِ الرَّئِيسِ اُلْمَبْسُوطِ في الانْتَرْنَتْ، فَإِنَّهَا تَنْدَرِجُ وَهْيَ مُشْرَبَةٌ بِاُلْمَعْنَى الوَاقِعِيِّ اُلْمَنْسُوبَةِ إِلَيْهِ نِسْبَةً قَوِيَّةً جِدًّا، وَهْيَ نِسْبَةُ اُلْجُزْءِ مِنَ اُلْكُلِّ. لأَجْلِ ذَلِكَ، فَهْيَ صَادِعَةٌ لِوِعَائِهَا الوَهْمِيِّ، وَظَاهِرَةٌ لِصَاحِبِ الوَاقِعِ عَلَى أَنَّهَا جُزْءٌ وَاقِعِيٌّ هُوَ مُتَمِّمٌ، لِذَاتِهِ، لِلْوَاقِعِ اُلْمَحْسُوسِ. ثَانِيًا، إِنَّ اُلْحَادِثَ اُلْوَاحِدَ أَوِ اُلْحَوَادِثَ اُلْوَهْمِيَّةَ اُلْقَلِيلَةَ، وَإِنْ كَانَتْ مَادَّتُهَا وَاهِيَةَ النِّسْبَةِ بِاُلْوَاقِعِ اُلْمَحْسُوسِ اُلْقَرِيبِ، فَلَيْسَتْ بِمُؤَثِّرَةٍ حَقًّا فِي تَجْرِيدِ الزَّمَنِ، بَلِ النَّفْسُ قَدْ تَحْتَاجُ لِقَدْرٍ مِنَ الوَهْمِ، حِينًا فَحِينًا، لِئَلاَّ تَمْرَضَ. ثَالِثًا، أَمَّا كَيْفَ اُلْحَوَادِثُ اُلْوَهْمِيَّةُ هِيَ مُؤَثِّرَةٌ فِي التَّجْرِيدِ اُلْمَذْكُورِ، فَمِنْ جِهَةِ كَمِّهَا : إِذْ عِدَّتُهَا في الانْتَرْنَتْ لاَ مُتَنَاهِيَةٌ، وَلِلاَتَنَاهِيهَا امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ انْقِطَاعُ النَّفْسِ مِنْهَا تَابِعًا لانْقِطَاعِهَا هِيَ نَفْسِهَا، مِنْ خَارِجٍ. كَإِذَا مَا فَرَضْنَا طِفْلاً يُحِبُّ اُلْحَلْوَى كَثِيرًا حَتَّى لَوْ أُعْطِيَ مِنْهَا ثَلاَثِينَ حَبَّةً أَفْنَاهَا فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ. فَإِنْ أُخْبِرْنَا أَنَّهُ أَكَلَ وَاحِدَةً فَثَانِيَةً فَثَالِثَةً فَرَابِعَةً فَخَامِسَةً، ثُمَّ إِنَّهُ قَدْ أَمْسَكَ، فُهِمَ، لاَ مَحَالَةَ، أَنَّهُ إِنَّمَا لانْقِطَاعِ اُلسَّادِسَةِ فَمَا بَعْدَهَا هُوَ قَدْ عَفَّ عَنْ أَكْلِهِ عِشْرِينَ حَبَّةً، مَثَلاً. وَإِذِ النَّفْسُ تَسْتَهْوِيهَا الوَهْمِيَّاتُ، إِذَنْ كَانَ إِقْبَالُهَا عَلَيْهَا لاَ مَحْدُودًا. وَهُوَ لِهَذَا الانْقِطَاعِ الطَّوِيلِ إِنَّمَا يَتَجَرَّدُ عِنْدَهَا الزَّمَنُ، ضَرُورَةً. أَمَّا بَيَانُهُ فَهُوَ ذَا : لَقَدْ قُلْنَا إِنَّ الوَاقِعَ اُلْمَحْسُوسَ هُوَ وَاقِعٌ بِنَفْسِهِ. كَذَلِكَ اُلْحَوَادِثُ اُلْوَاقِعِيَّةُ اُلْمَحْسُوسَةُ. وَأَعْنِي بِأَنَّهَا وَاقِعٌ بِنَفْسِهَا أَنَّ عَيْنَ ذَاتِهَا هُوَ عَيْنُ وَاقِعِيَّتِهَا، خِلاَفًا لِلْحَادِثِ الوَاقِعِيِّ اُلْمُسْتَفَادِ لِلنَّفْسِ بِاُلْوَاسِطَةِ اُلْوَهْمِيَّةِ. إِذْ أَنَّ اُلْحَادِثَ اُلْوَهْمِيَّ ذَا اُلْمَادَّةِ اُلْوَاقِعِيَّةِ لَيْسَ بِذَاتِهِ يَجِبُ عَلَى صِفَةِ الوَاقِعِ، بَلْ إِنَّمَا بِوَاسِطَةِ إِلْحَاقِهِ إِلَى اُلْوَاقِعِ اُلْمَحْسُوسِ، يَنْبُوعِ اُلْوَاقِعِيَّةِ بِأَسْرِهَا. وَلِهَذَا كَانَ تَأَدُّبُ النَّفْسِ بِاُلْوَاقِعِ وَتَشَرُّبُهَا مِنْ مَعَانِي النِّظَامِ وَالتَّرْتِيبِ وَاُلْمَعْقُولِ وَالثَّبَاتِ إِنَّمَا تَسْتَفِيدُهُ حَقِيقَةً مِنَ اُلْوَاقِعِ اُلْمَحْسُوسِ وَمِنْ حَوَادِثِهِ. وَهْوَ بِهَذِهِ اُلْمَعَانِي أَيْضًا إِنَّمَا صَارَتِ النَّفْسُ عَامِرَةً رَاسِخَةً ذَاتَ قِوَامٍ وَعُمْقٍ. كَذَلِكَ فَهْيَ كُلَّمَا طَالَ اغْتِذَاؤُهَا مِنَ ذَلِكَ الوَاقِعِ وَحَوَادِثِهِ قَامَ بِنَاؤُهَا وَثَبُتَ. وَإِنْ هِيَ أَدْبَرَتْ عَنْهُ طَوِيلاً فَلَيْسَ فَقَطْ هِيَ سَتَخْسَرُ قِوَامًا زَائِدًا لِبِنَائِهَا، بَلْ إِنَّ نَفْسَ البِنَاءِ اُلْحَاصِلِ سَيَنَالُهُ اُلْوَهَنُ وَالضُّعْفُ. إِذَنْ، فَلَوْ عَلَى فَرْضِ أَنَّ الأَنْتَرْنَتْ لَيْسَتْ تَشْتَمِلُ إِلاَّ عَلَى اُلْحَوَادِثِ ذَوَاتِ اُلْمَادَّةِ الوَاقِعِيَّةِ القَرِيبَةِ مِنَ اُلْوَاقِعِ اليَنْبُوعِ، فَإِنَّ انْغِمَاسَ النَّفْسِ فِي آحَادِهَا اللاَّمَحْدُودَةِ هُوَ يَتْبَعُهُ قَطْعًا فَقْرُهَا الكَبِيرُ مِنَ اُلْمَعْنَى الوَاقِعِيِّ، أَيْ مِنَ اُلْقِوَامِ والنِّظَامِ والثَّبَاتِ. وَذَلِكَ لِسَبَبَيْنِ : أَوَّلُهُمَا اُلْمَذْكُورُ آنِفًا. إِذْ زَمَنُ إِقْبَالِ النَّفْسِ عَلَى اُلْوَهْمِيِّ هُوَ بِعَيْنِهِ زَمَنُ إِدْبَارِهَا عَنْ يَنْبُوعِ الوَاقِعِيَّةِ. وَذَاكَ زَمَنٌ طَوِيلٌ جِدًّا. فَزَمَنُ إِدْبَارِهَا كَذَلِكَ طَوِيلٌ جِدًّا. فَيَلْزَمُ، ضَرُورَةً، مَا قُلْنَا مِنْ وَهَنٍ لِلْمَعْنَى الوَاقِعِيِّ وَضُعْفِهِ الشَّدِيدِ. كَاُلْبَدَنِ إِذْ قِوَامُهُ مِنْ أَعْضَاءٍ وَعِظَامٍ وَعَضَلاَتٍ. لَكِنَّهُ إِنَّمَا بِمُعَالَجَتِهِ لِلأَشْيَاءِ الصُّلْبَةِ اُلْمُحِيطَةِ وَمُقَاوَمَتِهَا إِيَّاهُ إِنَّمَا اسْتَفَادَ قُوَّةً وَقِوَامًا وَثَبَاتًا. أَمَّا لَوْ بُويِنَ مِنْهَا مَا أَمْكَنَ، كَمَا لَوْ بَقِي سَاكِنًا طَوِيلاً فَسَتَضْعُفُ إِذَنْ قُوَّتُهُ وَقَدْ يَعْجِزُ عَنِ اُلْوُقُوفِ فَقَطْ. وَاُلسَّبَبُ الثَّانِي، إِنَّا قُلْنَا إِنَّ اُلْحَادِثَ الوَهْمِيَّ ذَا اُلْمَادَّةِ الوَاقِعِيَّةِ هِيَ صَادِعَةٌ لِوِعَائِهَا الوَهْمِيِّ وَظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّهَا جُزْءٌ مُتَمِّمٌ لِلْوَاقِعِ بِوَاسِطَةِ إِلْحَاقِهَا بِاُلْوَاقِعِ اُلْيَنْبُوعِ. وَهَذَا اُلْفِعْلُ الإِلْحَاقِيُّ هُوَ سَهْلٌ قَدْ لاَ تَشْعُرُ بِهِ النَّفْسُ. لَكِنَّهُ إِذَا كَثُرَتْ اُلْحَوَادِثُ الوَاقِعِيَّةُ الوَهْمِيَّةُ كَثْرَةً عَظِيمَةً فَإِنَّ أَفْعَالَ الإِلْحَاقِ سَتَكْثُرُ أَيْضًا، وَهْيَ بِاجْتِمَاعِهَا عَلَى النَّفْسِ فَقَدْ تُصِيبُ مِنْهَا مُكَابَدَةً مَا، يَتْبَعُها قُصُورٌ عَنْ إِلْحَاقِ اُلْحَادِثِ بِوِحْدَةِ الوَاقِعِ، وَقَهْرٌ مِنَ الوِعَاءِ اُلْوَهْمِيِّ لِلْمَادَّةِ الوَاقِعِيَّةِ فَتَظْهَرُ حِينَئِذٍ جُمْلَةُ اُلْحَوَادِثِ عَلَى أَنَّهَا حَوَادِثُ لِعَالَمٍ وَهْمِيٍّ، لَيْسَ في ظُهُورِهِ فَقَطْ، بَلْ في مَادَّتِهِ أَيْضًا.      

   وَبَعْدَ هَذَا التَّفْصِيلِ يَبِينُ إِذَنْ كَيْفَ أَنَّ حَوَادِثَ الانْتَرْنَتْ الوَهْمِيَّةَ هِيَ مُجَرِّدَةٌ لِلزَّمَنِ مِنَ حَوَادِثِهِ اُلْوَاقِعِيَّةِ اُلْمُلاَئِمَةِ لِعِمَارِتِهِ اُلصَّحِيحَةِ. وَإِذْ بَانَ، بَانَ كَيْفَ أَنَّ هَذِهِ الآلَةَ هِيَ سَبَبٌ فِي تَجْرِيدِ الزَّمَنِ وَتَسْلِيطِ صُورَتِهِ اُلْخَاوِيَةِ عَلَى النُّفُوسِ. وَإِذْ بَانَ، بَانَ أَيْضًا بِأَحَدِ الوُجُوهِ، لِمَ كَانَتْ هَذِهِ الآلَةُ مُؤَثِّرَةً جِدًّا فِي دَفْعِ النَّاسِ إِلَى اللَّذِّيَّةِ وَ إِغْرَاقِهِمْ فِي اُلْمُتَعِ اُلْحِسِّيَّةِ، كَاُلْبَهَائِمِ.

  2) اُلْبَيَانُ بِاُلْمَدْخِلِ الثَّانِي

   اُلْمَدْخِلُ الثَّانِي، لَقَدْ قُلْنَا إِنَّ الوَاقِعَ اُلْمَحْسُوسَ وَاقِعٌ بِنَفْسِهِ. لِذَلِكَ كَانَتْ أَجْزَاؤُهُ كُلُّهَا مُتَعَلِّقًا بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَمُؤَثِّرًا بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ وَلاَزِمًا بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ تَعَلُّقًا وَتَأْثِيرًا وَلُزُومًا جَارِيًا عَلَى نِظَامٍ ثَابِتٍ لاَ يَخْتَلِفُ أَبَدًا مُنْفَصِلاً عَنِ الشُّعُورِ أَلْبَتَّةَ. وَهْوَ لِهَذِهِ اُلْمَعَانِي قِيلَ إِنَّ الوَاقِعَ فِي ذَاتِهِ هُوَ مَعْقُولٌ. كَذَلِكَ فَإِنَّ اُلْخَوَاصَّ اُلْكُلِّيَّةَ لِمَعْقُولِيَّةِ الوَاقِعِ إِنَّمَا تَتْبَعُهَا خَوَاصُّ جُزْئِيَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ، بَعْضُهَا لاَزِمٌ  لِلْوَاقِعِ وَبَعْضُهَا مُضَافٌ إِلَى النَّفْسِ :

   I) ذِكْرٌ لِلْخَوَاصِّ اُلْجُزْئِيَّةِ التَّابِعَةِ لِلْخَوَاصِّ اُلكُلِّيَّةِ لِمَعْقُولِيَّةِ اُلْوَاقِعِ

   أَمَّا اُلْخَاصَّةُ الأُولَى، فَهْيَ إِنَّ كُلَّ جُزْئِيَّاتٍ مَا وَاقِعِيَّةٍ إِذَا اجْتَمَعَتْ لَزِمَهَا أَثَرٌ وَاحِدٌ أَبَدًا، ضَرُورَةً. فَمَثَلاً إِذَا اجْتَمَعَ اُلْقُطْنُ والنَّارُ لَزِمَهُمَا دَائِمًا من الأَزَلِ إِلَى الأَبَدِ اِحْتِرَاقٌ. وَلَيْسَ بِهَوَى النَّفْسِ أَلاَّ يَكُونَ بَعْدَ الاجْتِمَاعِ لُزُومٌ لِلْأَثَرِ. فَمَثَلاً لَوْ أَبٌ عَلَى بُعْدٍ طَوِيلٍ جِدًّا رَأَى ابْنَهُ الصَّغِيرَ يُهْوِي بِيَدِهِ إلى سِلْكٍ كَهْرَبَائِيٍّ عَارٍ فَكُرْهُهُ لِأَنْ يُصْعَقَ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ حُصُولِ الصَّعْقِ.      

وَاُلْخَاصَّةُُ الثَّانِيَةُ، إِنَّ كُلَّ جُزْءٍ وَاقِعِيٍّ إِذَا كَانَ، فَقَدْ تَقَدَّمَتْهُ جُزْئِيَّاتٌ وَاقِعِيَّةٌ بِعَيْنِهَا، ضَرُورَةً، لَوْلاَهَا لَمَا صَحَّ كَوْنُهُ. فَمَثَلاً، إِنَّي الآنَ مُرْتَوٍ. إِذَنْ، فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنِّي شُرْبٌ لِلْمَاءِ، قَطْعًا. وَلَيْسَ بِهَوَى النَّفْسِ أَلاَّ تَكُونَ الوَاقِعَةُ قَدْ تَقَدَّمَتْهَا وَاقِعَاتٌ أُخْرَى، لاَ مَحَالَةَ، وَهْيَ وَاقِعَاتٌ بِعَيْنِهَا وَلَيْسَتْ كَيْفَمَا كَانَتْ. فَمَثَلاً زَيْدٌ مَلِكٌ حَذِرٌ قَدْ تَخَثَّرَ دَمُهُ. إِذَنْ، فَقَدْ سَقَاهُ بَعْضُ اُلْمَخْصُوصِينَ جِدًّا سُمًّا. وَهَذَا أَشَدُّ عَلَيْهِ مِنْ فِعْلِ السُمِّ نَفْسِهِ.

وَاُلْخَاصَّةُ الثَّالِثَةُ، أَنَّ النَّفْسَ كُلَّمَا رَامَتْ شَيْئًا وَاقِعِيًّا لَمْ يَتْبَعْ ثُبُوتُهُ إِرَادَتَهُ اُلْمَحْضَةَ، بَلْ يَنْبَغِي هِيَ أَنْ تُذْعِنَ لِدَقَائِقِ الوَاقِعِ وَأَنْ يَكُونَ لَهَا صَبْرٌ وَجَلَدٌ مَعَ الأَسْبَابِ وَاُلْمُقَدِّمَاتِ اُلْمُوجِبَةِ إِيَّاه. فَمَثَلاً، زَيْدٌ هُوَ قُدَّامَ مَكْتِبِ اُلْبَرِيدِ لِيَقْبِضَ رِزْقَهُ اُلشَّهْرِيَّ. لَكِنَّهُ، الآنَ دُونَ بُلُوغِهِ مُدَبِّرَ اُلْمَكْتِبِ صَفٌّ طَوِيلٌ يَشْتَمِلُ عَلَى عِشْرِينَ شَخْصًا. لِذَلِكَ، فَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَ مَقْصُودَهُ الوَاقِعِيَّ، قَبْضَ الرِّزْقِ، إِلاَّ بَعْدَ إِذْعَانٍ لِلْبُعْدِ الوَاقِعِيِّ الفَاصِلِ وَصَبْرٍ حَقِيقِيٍّ عَلَى انْقِضَائِهِ. عَلَى مَعْنَى أَنَّ الإِرَادَةَ لاَ يَتْبَعُهَا اُلْمُرَادُ لِمُجَرَّدِهَا. بَلْ هِيَ تُرِيدٌ، لَكِنَّهُ يَتَسَلَّطُ عَلَيْهَا قَاهِرٌ وَاقِعِيٌّ أَوَّلٌ وَهُوَ الشَّخْصُ الأَوَّلُ فِي الصَّفِّ فَيَمْنَعُهَا مِنْ مُرَادِهَا، خَمْسَةَ دَقَائِقَ مَثَلاً، وَهْيَ اُلْمُدَّةُ الَّتِي احْتَاجَهَا لإِتْمَامِ شَأْنِهِ. ثُمَّ يَتَسَلَّطُ عَلَيْهَا قَاهِرٌ ثَانٍ فَثَالِثٌ، فَهُلُمَّ جَرًّا.

   II) ذِكْرٌ لِلأَحْوَالِ النَّفْسِيَّةِ اللاَّزِمَةِ مِنَ اُلْخَواصِّ الثَّلاَثِ اُلْمَذْكُورَاتِ

وَمِنَ اُلْخَوَاصِّ الثَّلاَثِ يَلْزَمُ لِلنَّفْسِ هَذِهِ الأَحْوَالُ :

أَمَّا مِنَ اُلْخَاصَّةِ الأُولَى، فَيَلْزَمُ اُلْخَوْفُ وَاُلْيَأْسُ. إِذْ هِيَ تَعْلَمُ اسْتِحَالَةَ أَنْ تَمْنَعَ بِمُجَرَّدِ الإِرَادَةِ الأَثَرَ اُلْمَكْرُوهَ مِنْ مُقَدِّمَاتِ اُلْمَكْرُوهِ. وَاسْتِحَالَةَ أَنْ يَكُونَ لِمُقَدِّمَاتِ اُلْعَدَمِ أَثَرٌ وُجُودِيٌّ.

وَمِنَ اُلْخَاصَّةِ الثَّانِيَةِ، فَيَلْزَمُ اُلْحَسْرَةُ وَالنَّدَمُ. إِذْ هِيَ تَعْلَمُ اسْتِحَالَةَ أَنْ تَجْعَلَ الأَثَرَ اُلْمُنْكَرَ غَيْرَ تَابِعٍ لِمُقَدِّمَاتِهِ الأَنْكَرِ جِدًّا مِنْ نَفْسِ الأَثَرِ. أَوِاسْتِحَالَةَ أَلاَّ يَكُونَ العَدَمُ اُلْمُنْكَرُ الآنَ إِنَّمَا هُوَ مُلْحَقٌ بِالتَّفْرِيطِ اُلْمُتَقَدِّمِ فِي مُقَدِّمَاتِهِ اُلْوَاجِبَةِ.

وَمِنَ اُلْخَاصَّةِ الثَّالِثَةِ، فَيَلْزَمُ الشَّفَقَةُ وَاُلْهَيْبَةُ. إِذْ هِيَ تَعْلَمُ اسْتِحَالَةَ أَنْ تَبْلُغَ مَقْصُودَهَا الوَاقِعِيَّ مِنْ غَيْرِ خَوْضٍ لِلْوَسَائِطِ الوَاقِعِيَّةِ القَاهِرَةِ وَاُلْمُكِدَّةِ.

إِذَنْ، فالوَاقِعُ هو كُلٌّ ذُو أَجْزَاءٍ مَوْصُولٍ بَيْنَهَا وَصْلاً ثَابِتًا قَوِيًّا لاَ يَنْقَطِعُ، أَصْلاً. وَهُوَ كَثِيفٌ مُصْمَتٌ خَالٍ مِنَ اُلْفُرَجِ وَاُلْفُسْحَاتِ ثَقِيلٌ ضَاغِطٌ جِدًّا عَلَى النَّفْسِ الَّتِى حَالُها إليه حَالُ الانْقِيَادِ وَالقَهْرِ وَاُلْقَسْرِ.

   III) إِيرَادُ اُلْقَوْلِ فِي كَيْفَ أَنَّ عَالَمَ اُلْوَهْمِيَّاتِ هُوَ ذُو خَاصَّةٍ تَلْزَمُ مِنْهَا خَوَاصُّ ثَلاَثٌ مُقَابِلَةٌ لِلْخَوَاصِّ الثَّلاَثِ اُلْمَذْكُورَاتِ

   إِنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ اُلْوَهْمِيَّاتَ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْهَا الانْتَرْنَتْ هِيَ وَهْمِيَّةٌ لَيْسَ بِمَادَّتِهَا، بَلْ بِظُهُورِهَا. إِذْ جُلُّ مَوْضُوعَاتِهَا مَوْضُوعَاتٌ وَاقِعِيَّةٌ. إِذَنْ، وَلَوْ بِفَرْضِ خُلُوِّهَا مِنَ اُلْوَهْمِيَّاتِ ذَوَاتِ اُلْمَادَّةِ اُلْوَهْمِيَّةِ، فَإِنَّمَا هِيَ عَالَمٌ هُوَ كُلٌّ وَهْمِيٌّ ذُو أَجْزَاءٍ وَهْمِيَّةٍ لاَ مُتَنَاهِيَةٍ. وَبَيِّنٌ أَنَّ اُلْكُلَّ اُلْوَهْمِيَّ هُو ذُو خَوَاصَّ هِيَ مُقَابِلَةٌ عَلَى التَّمَامِ لِلْكُلِّ اُلْوَاقِعِيِّ : فَأَوَّلاً، وَفِي اُلْجُمْلَةِ، لاَ جُزْءَ وَاحِدَ مِنْهُ لَهُ تَعَلُّقٌ وَاحِدٌ، بِذَاتِهِ بِجُزْءٍ آخَرَ وَاحِدٍ، لاَ عَلَى جِهَةِ التَّأْثِيرِ أَوْ عَلَى جِهَةِ اللُّزُومِ. وَهَذِهِ اُلْخَاصَّةُ، إِنَّمَا تَتْبَعُهَا خَوَاصُّ جُزْئِيَّةٌ مُقَابِلَةٌ لِلْخَوَاصِّ الثَّلاَثِ اُلْمَذْكُورَاتِ:

أَمَّا اُلْخَاصَّةُ الأُولَى، فَهْيَ أَنَّهُ لاَ جُزْءَ وَاحِدَ في العَالَمِ اُلْوَهْمِيِّ أَوْ جُمْلَةَ مِنَ الأَجْزَاءِ قَدْ يَلْزَمُهَا بِالذَّاتِ أَثَرٌ وَاحِدٌ هُوَ جُزْءٌ آخَرُ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِهَةِ مَادَّتِهَا الوَاقِعِيَّةِ إنّما يَلْزَمُه ذَلِكَ : فَمَثَلاً، لَوْ كُنْتَ شَاهِدًا فِي الوَاقِعِ عَلَى حَرِيقٍ قَدْ أَفْنَى بِاُلْكُلِّيَّةِ بَيْتًا لِأُسْرَةٍ فَقِيرَةٍ فَإِنَّ مَشْهُودَكَ الثَّانِي وَهُوَ صُوَرُ السَّوَادِ وَالتَفَحُّمِ وَاُلْخَرَابِ وَاُلْعَوِيلِ هُوَ وَاجِبٌ بِالذَّاتِ مِنَ الأَوَّلِ. لِذَلِكَ فَأَنْتَ مَابَقِيتَ فِي نَفْسِ الوَاقِعِ فَلَنْ تَنْفَعَ إِرَادَتُكَ فِي مَنْعِ هَذَا اللُّزُومِ واتِّخَاذِ مَشْهُودٍ آخَرَ بَهِيجٍ. لَكِنْ لَوْ كُنْتَ شَاهِدًا عَلَى اُلْحَرِيقِ اُلْوَاقِعِيِّ في مَقْطَعٍ مُصَوَّرٍ ثمّ شَاهِدًا عَلَى صُوَرِ اُلْرّمَادِ وَاُلْخَرَابِ فِي مَقْطَعٍ آخَرَ، فَإِنَّ شُهُودَكَ الثَّانِي، لَيْسَ لاَزِمًا مِنْ شُهُودِكَ الأَوَّلِ لِأَنَّ مَشْهُودَكَ الثَّانِي، أَعْنِي صُوَرَ اُلْخَرَابِ اُلْوَهْمِيَّةَ هُوَ وَاجِبٌ بِالذَّاتِ مِنَ اُلْمَشْهُودِ الأَوَّلِ، أَعْنِي صُورَةَ اُلْحَرِيقِ اُلْوَهْمِيَّةَ، بَلْ لِأَنَّكَ أَنْتَ بِإِرَادَتِكَ اُلْمَحْضَةِ قَدْ أَتْبَعْتَ اُلْمَشْهُودَ الأَوَّلَ اُلْمَشْهُودَ الثَّانِيَ. لِذَلِكَ فَلَوْ كَانَتْ نَفْسُكَ مِمَّنْ يَسْتَوْحِشُ مِنَ البُؤْسِ وَاُلْحُزْنِ فَقَدْ تَنْقَبِضُ عَنِ اُلْمَشْهُودِ الثَّانِي اُلْمَذْكُورِ وَتَجْعَلُ اللاَّزِمَ لِلْمَشْهُودِ الأَوَّلِ إِنَّمَا هُوَ صُوَرُ غِنَاءٍ وَرَقْصٍ لِأُسْرَةٍ ثَرِيَّةٍ ذَاتِ بَيْتٍ جَمِيلٍ قَدْ وَشَّاهُ الثَّلْجُ فِي أَرْضٍ غَنَّاءَ. إِذَنْ، فَفِي اُلْوَهْمِ، هُوَ بِهَوَى النَّفْسِ أَلاَّ يَكُونَ بَعْدَ اجْتِمَاعٍ لِأَجْزَاءٍ لُزُومٌ لِأَثَرِهِ. وَهَذِهِ اُلْخَاصَّةُ مِمَّا تُنَزِّهُ النَّفْسَ مِنْ أَلَمِ اُلْخَوْفِ وَاُلْيَأْسِ.

وَاُلْخَاصَّةُ الثَّانِيَةُ، وَتَبِينُ بِمَا بَانَ آنِفًا، وَهْيَ أَنَّ اُلْجُزْءَ اُلْوَهمِْيَّ بِمَا هُوَ مَشْهُودٌ وَهْمِيٌّ، لَيْسَ هُوَ وَاجِبًا أَلْبَتَّةَ عَنْ مُقَدِّمَاتٍ وَهْمِيَّةٍ بِعَيْنِهَا أَوْ لاَ بِعَيْنِهَا، وَإِنَّمَا هِيَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهَا فَقَطْ. فَمَثَلاً مَشْهُودِي اُلْوَهْمِيُّ الآنَ صُوَرُ البُؤْسِ وَاُلْحُزْنِ. وَهْوَ مَشْهُودِي، لاَ لأَنَّ مَشْهُودَاتٍ أُخْرَى وَهْمِيَّةً قَدْ تَقَدَّمَتْهُ، وَلَوْ كَانَتْ مَادَّةُ اُلْمَشْهُودَاتِ هِيَ مُؤَثِّرَةً بِاُلذَّاتِ فِي مَادَّةِ اُلْحُزْنِ وَاُلْبُؤْسِ. عَلَى مَعْنَى أَنَّ شُهُودِي لِلْحُزْنِ اُلْوَهْمِيِّ الآنَ إِنَّمَا هُوَ مُتَأَخِّرٌ فَقَطْ عَنْ شُهُودِي لِصُورِ الاحْتِرَاقِ، لاَ أَنَّهُ لَوْلاَ الشُّهُودُ اُلْمُتَقَدِّمُ لَمَا كَانَ شُهُودُ اُلْحُزْنِ ذَاكَ. وَهِذِهِ اُلْخَاصَّةِ مِمَّا تُنَزِّهُ النَّفْسَ مِنْ أَلَمِ اُلْحَسْرَةِ وَالنَّدَامَةِ.

وَاُلْخَاصَّةُ الثَّالِثَةُ، أَنَّ النَّفْسَ كُلَّمَا رَامَتْ شَيْئًا وَهْمِيًّا تَبِعَ ثُبُوتُهُ إِرَادَتَهَا وَلَمْ تَحْتَجْ لِصَبْرٍ وَلاَ جَلَدٍ مَعَ أَسْبَابٍ أَوْ مُقَدِّمَاتٍ مُوجِبَةٍ إِيَّاهُ. فَمَثَلاً قَدْ أَقَعُ عَلَى شَرِيطٍ مُصَوَّرٍ يَظْهَرُ صَانِعُهُ فِي أَوَّلِهِ بِذَيْلِ صَفٍّ طَوِيلٍ قُدَّامَ مَتْحَفِ لُوفَرْ. وَهُوَ إِلَى أَنْ تَأْتِيَ نَوْبَتُهُ لِلْوُلُوجِ، فَقَدْ يَبْقَى مُخَاطِبًا إِيَّانَا بِكَلاَمٍ طَوِيلٍ فِي شَأْنِ اُلْمَتْحَفِ. لَكِنْ، لَوْ أَنَا رُمْتُ أَنْ أَرَى مَا سَيَكْشِفُهُ لِي مِنَ اُلْمَكَانِ، لَمْ أَحْتَجْ لِأَنْ أَصْبِرَ كَمَا صَبَرَ هُوَ، بَلْ بِنَقْلٍ مِنَ السَّهْمِ أُحَرِّكُهُ من الفَأْرَةِ إِنَّمَا أَصِيرُ رَأْسًا فِي بَاطِنِ اللُّوفَرْ. وَهَذِهِ اُلْخَاصَّةُ مِمَّا تُنَزِّهُ النَّفْسَ مِنْ أَلَمِ الشَّفَقَةِ وَاُلْهَيْبَةِ.

إِذَنْ، فَاُلْوَهْمُ هُوَ كُلٌّ ذُو أَجْزَاءٍ مُنْفَصِلَةٍ، لاَ وَشَائِجَ بَيْنَهَا أَصْلاً، وَهُوَ سَخِيفٌ مُتَخَلْخِلٌ خَفِيفٌ كُلُّهُ فُرْجَةٌ وَفُسْحَةٌ، لَيْسَ فَقَطْ هُوَ غَيْرُ ضَاغِطٍ عَلَى النَّفْسِ، بَلْ إِنَّ ثُبُوتَهُ تَابِعٌ لِإِرَادَتِهَا، وَهُوَ الَّذِي حَالُهُ مَعَهَا حَالُ الانْقِيَادِ وَالانْفِعَالِ.

   IV) اُلْبَيَانُ بِاُلْبِنَاءِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِمَ أَوْجَبَتِ الانْتَرْنَتْ إِقْبَالاً قَوِيًّا عَلَى اُلْمُتَعِ اُلْحِسِّيَّةِ وَاُلْمُخَدِّارَتِ

   وَبَعْدُ، فَهَاهُنَا أَيْضًا، إِنَّمَا نُرِيدُ أَنْ نَبْنِيَ اُلْبَيَانَ، لاَ عَلَى أَنَّ النَّفْسَ بِالانْتَرْنَتْ تَغِيبُ في اُلْوَهْمِ، إِذِ الوَهْمُ بِمِقْدَارٍ هُوَ ضَرُورِيٌّ لَهَا كَيْ لاَ تَمْرَضَ، بَلْ أَنَّ النَّفْسَ، بِالانْتَرْنَتْ هِيَ تَغِيبُ فِي الوَهْمِ غَيْبَةً لاَ مُتَنَاهِيَةً. إِذِ الوَاقِعُ وَإِنْ كَانَ يَجِبُ بِذَاتِهِ، فَإِنَّمَا يَصِيرُ مَقْبُولاً لِلنَّفْسِ مُسَلَّمًا بِهِ بِاُلْمُمَارَسَةِ وَاُلْمُعَاشَرَةِ. وَأُسَمِّي هَذِهِ اُلْمُمَارَسَةَ التَأَدُّبَ. فَهْيَ إِنْ طَالَ تَأَدُّبُهَا بِهِ، رَسَخَ فِيهَا مَعْنَى الضَّرُورَةِ والنِّظَامِ وَصَارَ لَهَا ذَوْقًا وَغَدَتْ ذَاتَ خِبْرَةٍ بِمَسَالِكِهِ وَحَوَادِثِهِ، فَيَقِلُّ عِنْدَهَا اُلْخَوْفُ وَاُلْيَأْسُ وَاُلْحَسْرَةُ وَالنَّدَمُ وَالشَّفَقَةُ وَاُلْهَيْبَةُ. لِأَنَّ النَّفْسَ بِذَلِكَ إِنَّمَا يَصِيرُ لَهَا يَقِينٌ بِأَنَّ  اُلْمَكْرُوهَ اللاَّزِمَ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ، وَاُلْوُجُودَ الَّذِي لَيْسَ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ مُقَدِّمَاتِهِ، وَاُلْمَطْلُوبَ الَّّذِي لاَ يُبْلَغُ إِلاَّ بِوَسَائِطَ مُكِدَّةٍ، مَا هُوَ مُجَرَّدُ تَسَلُّطٍ مِنَ اُلْوَاقِعِ عَلَيْهَا، أَوْ إِيجَابٍ جُزَافِيٍّ اعْتِبَاطِيٍّ ظَالِمٍ. بَلْ إِنَّهُ مِنْ مُقْتَضَى النِّظَامِ وَالتَّرْتِيبِ الَّذِي هِيَ نَفْسُهَا قَدْ تَأَدَّبَتْ عَلَيْهِ وَغَدَتْ قَدْ تَسْتَنْكِفُ جِدًّا لَوْ كَانَتِ الأَشْيَاءُ عَلَى خِلاَفِهِ. وَمِثَالُهُ، صَبِيٌّ دُفِعَ إِلَى أُسْتَاذٍ مَعَ صِبْيَةٍ آخَرِينَ. فَهُوَ قَدْ يَرَى أَنَّ الأُسْتَاذَ هُوَ يُعَاقِبُ التِّلْمِيذَ إِذَا تَقَدَّمَتْ مِنْهُ أَفْعَالٌ، وَيَحْرِمُهُ إِذَا لَمْ تَتَقَدَّمْ مِنْهُ أَفْعَالٌ، وَيُجَازِيهِ إِذَا تَقَدَّمَتْ مِنْهُ أَفْعَالٌ، وَلاَ يَنَالُ مِنْهُ، أَيْ مِنَ الأُسْتَاذِ، مَرْغُوبَهُ إِلاَّ بَعْدَ كَدِّ فِي أَفْعَالٍ. إِذَنْ، فَالصَّبِيُّ فِي أَوَّلِ الأَمْرِ وَقَبْلَ عِشْرَتِهِ لِلأُسْتَاذِ قَدْ يَقْضِي بِأَنَّهُ مَخْشِيٌّ ظَالِمٌ غَشُومٌ. لَكِنَّهُ حِينَمَا يُدْرِكُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ مُقْتَضَى صَلاَحِ اُلْمَعْرِفَةِ وَيَصِيرُ لَهُ ذَوْقٌ بِالنِّظَامِ والتَّرْتِيبِ بَعْدَ طُولِ وَقْتٍ، فَسَيَخْتَلِفُ حُكْمُهُ لاَ مَحَالَةَ، وَمَا كَانَ عِنْدَهُ مَكْرُوهًا سَيُصْبِحُ مَكْرُوهًا لَوْ كَانَ عَلَى خِلاَفِهِ. ثُمَّ إِنَّ اُلْخِبْرَةَ بِاُلْوَاقِعِ وَمَسَالِكِهِ يُكْسِبُ النَّفْسَ قُدْرَةً عَلَى حَصْرِ أَيِّ اُلْمُقَدِّمَاتِ اُلْمُوجِبَةِ لِلْمَكْرُوهِ. وَبِذَلِكَ فَهُوَ يَقِلُّ عِنْدَهَا كَثِيرٌ مِنْ مَكْرُوهَاتِ الوَاقِعِ، لِأَنَّهَا سَتَمْتَازُ مِنَ اُلْمُقَدِّمَاتِ اُلْمَكْرُوهَةِ اُلْمَعْرُوفَةِ. كَالصَّبِيِّ فِي اُلْمِثَالِ، فَهُوَ بَعْدَ اُلْخِبْرَةِ بِأُسْتَاذِهِ عَلِمَ أَنَّهُ إِنَّمَا يُعَاقِبُ مِنَ الأَفْعَالِ عَلَى كَذَا وَكَذَا وَكَذَا. إِذَنْ فَمَا دُونَهَا، فَالأُسْتَاذُ فِيهَا هُوَ مَأْمُونٌ غَيْرُ مَخْشِيٍّ، أَصْلاً. وَيُكْسِبُهَا مَعْرِفَةً بمُقَدِّمَاتِ اُلْخَيْرَاتِ وَدُرْبَةً فِيهَا، فَيَهُونُ عَلَيْهَا الكَدْحَ فِي أَسْبَابِهَا، أَيِ اُلْخَيْرَاتِ، إِنِ اتَّخَذَتْهَا مَقْصُودًا، أَوْ هِيَ لاَ تَبْقَى لَهَا حَسْرَةٌ عَظِيمَةٌ إِنْ حُرِمَتْهَا بَعْدَ أَنْ قَصَّرَتْ فِي أَسْبَابِهَا لِعِلْمِهَا بِاُلْخِبْرَةِ أَنَّ اُلْخَيْرَاتِ إِنَّمَا هِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ مُنَاسِبَةٍ لَهَا لاَئِقَةٍ بِهَا. كَالصَّبِيِّ، فَمِنْ طُولِ خِبْرَتِهِ بالأُسْتَاذِ عَلِمَ أَنَّ حُسْنَ تَقْدِيرِهِ مَبْنَاهُ عَلَى حُسْنِ تَعَلُّمِ التِّلْمِيذِ، وَحُسْنُ تَعَلُّمِهِ إِنَّمَا مَبْنَاهُ عَلَى العَمَلِ وَإِنْجَازِ اُلْمَطْلُوبَاتِ اُلْعِلْمِيَّةِ، وَهْوَ مَبْنَى مُناسِبٌ جِدًّا لِخَيْرِ رِضَا الأُسْتَاذِ. إِذَنْ، فَلَوْ نَالَ سَخَطَهُ فَإِنَّ حَسْرَةَ الصَّبِيِّ سَتَكُونُ أخَفَّ، لأنَّهُ قَصَّرَ فِي عَمَلِهِ، مِمَّا لَوْ نَالَهُ لِمُقَدِّمَةٍ اعْتِبَاطِيَّةٍ غَيْرِ مُنَاسِبَةٍ، كَكَوْنِ الأُسْتَاذِ ذَلِكَ اليَوْمَ كَانَ غَاضِبًا عَلَى زَوْجِهِ. وَأَيْضًا، لِخِبْرَتِهِ الطَّوِيلَةِ بِالأُسْتَاذِ وَكَثْرَةِ مَا كَانَ يُلْزِمُهُمْ بِهِ مِنْ أَعْمَالٍ، صَارَ كُلُّ كَدٍّ فِي الاسْتِعْدَادِ لِنَيْلِ مَطْلُوبِ النَّجَاحِ كَدًّا هَيِّنًا غَيْرَ مُورِثٍ لِلشَّفَقَةِ وَاُلْهَيْبَةِ، أَصْلاً.  

   إِذَنْ، فَلَوْ فُرِضَ نَفْسٌ دُفِعَتْ فِي الوَاقِعِ دُفْعَةً وَهْيَ ذَاتُ شُعُورٍ تَامٍّ، مُتَجَرِّدَةً مِنْ كُلِّ تَأَدُّبٍ وَاقِعِيٍّ سَابِقٍ، فَقَطْعًا هِيَ سَتَتَلَقَّى الوَاقِعَ ابْتِدَاءً بِأَنَّهُ بُؤْرَةٌ مُظْلِمَةٌ وَحَقِيقَةٌ تَسَلُّطِيَّةٌ مَحْضَةٌ وَثِقَلٌ صِرْفٌ وَصَلاَبَةٌ بَحْتَةٌ. وَبِاُلْعَكْسِ، فَإِنَّ النَّفْسَ لَوْ تَأَدَّبَتْ بِاُلْوَاقِعِ ثُمَّ غَابَتْ عَنْهُ، فَإِنَّهُ كُلَّمَا طَالَتْ غَيْبَتُهَا قَوِيَ فِيهَا اُلْمَعْنَى اُلْمَذْكُورُ. فَإِنْ طَالَتْ جِدًّا فَقَدْ يُصْبِحُ حَالُهَا إِلَى الوَاقِعِ حَالَهَا فِي الفَرْضِ. وَهُوَ مَا أَصْبَحَتْ عَلَيْهِ اليَوْمَ، حَقًّا، بِسَبَبِ مَا قُلْنَا مِنْ غَيْبَتِهَا بِالانْتَرْنَتْ فِي الوَهْمِ غَيْبَةً لاَ مُتَنَاهِيَةً. بَلِ الأَمْرُ هَاهُنَا أَنْكَرُ مِنْهُ فِي الفَرْضِ : إِذْ فِي الفَرْضِ، النَّفْسُ تَنْتَقِلُ مِنَ اللاَّشُعُورِ اُلْمُطْلَقِ إِلَى شُعُورٍ بِاُلْوَاقِعِ خَالِيًا مِنْ أَدَبِهِ، كَكَوْنِ زَيْدٍ انْتَقَلَ مِنَ اللاَّحُكُومَةِ اُلْمُطْلَقَةِ إِلَى حُكْمِ اُلْحَجَّاجِ. أَمَّا هَاهُنَا، فَالنَّفْسُ تَنْتَقِلُ مِنْ عَالَمٍ، لَيْسَ فَقَطْ هُوَ غَيْرَ ظَالِمٍ في وُجُوبِهِ، بَلْ إِنَّ وُجُوبَهُ هُوَ نَفْسُهُ إِنَّمَا هُوَ تَابِعٌ لِلإِرَادَةِ النَّفْسِيَّةِ مِطْوَاعٌ سَهْلٌ. لِذَلِكَ تَكُونُ وَحْشَتُهَا مِنَ الوَاقِعِ أَعْظَمَ وَنُفُورُهَا أَشَدَّ، كَكَوْنِ زَيْدٍ انْتَقَلَ إِلَى حُكْمِ اُلْحَجَّاجِ بَعْدَ أَنْ عَرَفَ حُكْمَ الإِمَامِ العَادِلِ عُمْرِو بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ. وَلَكِنْ، لَمَّا كَانَ الوَاقِعُ هُوَ وَاجِبًا بِذَاتِهِ والنَّفْسُ اُلْمُغْتَرِبَةُ فِي عَالَمِ الوَهْمِ لاَ مَهْرَبَ لَهَا مِنْهُ فَقَدْ تَلْجَأُ إِلَى حِيلَةٍ ضَرُورِيَّةٍ وَهْيَ أَنْ تَخْلَعَ عَلَى الوَاقِعِ خِصَالَ الوَهْمِ. وَإِذْ هِيَ غَيْرُ قَادِرَةٍ أَنْ تَجْعَلَ هَذِهِ الخِصَالَ ثَابِتَةً فِيهِ عَيْنِيًّا، فَإِنَّهَا سَتَكْتَفِي بِأَنْ تَجْعَلَ إِدْرَاكَهَا لِلْوَاقِعِ مِنْ سِنْخِ إِدْرَاكِهَا لِلْوَهْمِ. وَإِذِ الوَاقِعُ هُوَ ثَقِيلٌ ضَاغِطٌ لِكَوْنِهِ مُتَّصِلَ الأَجْزَاءَ مُصْمَتًا صُلْبًا، إِذَنْ، فَهْيَ سَتَجْعَلُ إِدْرَاكَهَا لَهُ إِدْرَاكًا يُعْطِيهاَ إِيَّاهُ فِي هَيْئَةِ اُلْوَهْمِ : أَيْ مُفَكَّكًا مُهَلْهَلاً لاَ قِوَامَ لَهُ تَابِعًا بِاُلْكُلِّّيَّةِ لإِرَادَتِهَا : وَغَيْرَ شَكٍّ أَنَّ أَبْيَنَ الطُّرُقِ إِلَى هَذَا اُلْجَعْلِ إِنَّمَا هُوَ شُرْبُ اُلْمُخَدِّرِ.

ــــــــــ

خَاتِمَةٌ

   لِيَعْلَمِ اُلْقَارِئُ أَنِّي فِي هَذَا اُلْكِتَابِ لَسْتُ أَزْعُمُ بِأَنِّي قَدْ أَحْصَيْتُ كُلَّ الآفَاتِ اللاَّزِمَةِ مِنَ الانْتَرْنَتْ، جَمِيعًا، بَلْ إِنِّي أَرْجُو أَنْ أَكُونَ قَدْ حَصَرْتُ مِنْهَا الأُمَّهَاتِ. وَإِذَا عُرِفَتِ الأُمَّهَاتُ عُرِفَتِ اُلْفُرُوعُ بِيُسْرٍ. كَذَلِكَ فَأَنَا حِينَمَا نُطْتُهَا بِهَذِهِ الآلَةِ، لَمْ يَكُنْ قَصْدِي، غَيْرَ شَكٍّ، أَنَّ الأَنْتَرْنَتْ هِيَ الَّتِي أَوْجَبَتْهَا أَوَّلاً، أَوْ هِيَ الَّتِي تُوجِبُهَا فَقَطْ، بَلْ قَصْدِي هُوَ أَنَّ هَذِهِ الآلَةَ بِوَجْهٍ، قَدْ تَخْتَصُّ بِآفَاتٍ قَدْ لاَ تَلْزَمُ إِلاَّ مِنْهَا، أَمَّا فِي اُلْجُمْلَةِ، فَإِنَّ آلاَتٍ كَثِيرَةً غَيْرَهَا، هِيَ مُشَارِكَةٌ لَهَا أَيْضًا فِي اللُّزُومِ، سِوَى أَنَّ لُزُومَهَا مِنْهَا إِنَّمَا هُوَ دَائِمًا أَبْيَنُ وَأَبْلَغُ فِيهَا، مِنْهُ فِي سَائِرِ الآلاَتِ، كَالتَّلْفَازِ وَاُلْمِذْيَاعِ وَاُلْهَاتِفِ وَاُلْمُصَوِّرَةِ، فَهَلُمَّ جَرًّا. بَلْ إِنَّ كُلَّ خَطٍّ يُوصَلُ، أَوْ آلَةٍ نَاقِلَةٍ يُقَوَّى حَمْلُهَا وَتُزَادُ سُرْعَةُ حَرَكَتِهَا، أَوْكُلَّ مِتْرٍ مِنْ أَرْضٍ يُعَبَّدُ، أَوْ كُلَّ عَائِقٍ يُرْفَعُ، إِلَى غَيْرِهِ، فَفِي اُلْحَقِيقَةِ، إِنَّمَا هِيَ مُوَطِّئَاتٌ دَقِيقَةٌ لِفَسْخِ الصِّفَةِ، وَمَبَادِئُ ضَئِيلَةٌ لِكُلِّ الآفَاتِ التَّابِعَةِ اُلْمَذْكُورَةِ. وَإِنِّي لَأَعْجَبُ كَيْفَ أَنَّ هَذِهِ النَّتِيجَةَ بَعْدَ اُلْبَحْثِ وَالنَّظَرِ، إِنَّمَا كَانَتْ قَدْ دَلَّتْ عَلَيْهَا كَذَلِكَ جَدَّتُنَا ذَاتَ يَوْمٍ، حِينَ غَضَاضَتِي، إِذْ كُنْتُ أُباَهِي عِنْدَهَا بِفَضْلِ اُلْعُلُومِ الصِّنَاعِيَّةِ ذَاكِرًا لِفَوَائِدِهَا اُلْجَمَّةِ، فِي جَوَابٍ لَهَا وَاحِدٍ هُوَ قَوْلٌ يَعْرِفُهُ اُلْقُدَامَي، فَحْوَاهُ : “إذا جَرَى اُلْمَا في اُلْحُيُوطْ وَسَرَى الضَّوْ في اُلْخُيُوطْ هَذِيكِي كَمَالِتْ الشُّرُوطْ”    

فِهْرِسُ اُلْكِتَابِ

مُقَدِّمَةٌ ……………………………………………………..3

 أ) حَقِيقَةُ اُلصِّفَةِ وَشُرُوطُهَا وَفِي نَشْأَتَيِ الإِنْسَانِ……………………………….3

 ب) اُلْخَاصَّةُ اُلْكُبْرَى لِلأَنْتَرْنَتْ وَفِي أَنَّهُ يَتْبَعُهَا لَوَازِمُ عَظِيمَةٌ……………………..6

اُلْبَابُ الأَوَّلُ : الانْتَرْنَتْ وَصُورُ اِنْفِسَاخِ اُلصِّفَةِ…………………….7

اُلْفَصْلُ الأَوَّلُ : الانْتَرْنَتْ وَالانْسِلاَخُ مِنَ اُلْمَكَانِ…………………….8

 أ) اُلْخَاصَّةُ اُلْكُبْرَى لِلْوَاقِعِ وَمَايَتْبَعُهَا، لَهُ فِي نَفْسِهِ، وَلِلإِنْسَانِ…………………….9

 ب) نِظَامُ اُلْوَاقِعِ إِلَى اُلْمُسْتَعْمِلِ لِلْحَاسُوبِ اُلْمَرْمُوزِ لَهُ بِزَيْدٍ إِذَا كَانَ اُلْحَاسُوبُ غَيْرَ ذِي فَحْوًى……………………………………………………………….10

 ج) نِظَامُ اُلْوَاقِعِ إِلَى زَيْدٍ إِذَا كَانَ اُلْحَاسُوبُ مَوْصُولاً بِالانْتَرْنَتْ…………………12

  1) اِنْسِلاَخُ زَيْدٍ مِنَ اُلْوَاقِعِ إِذَا كَانَ طِفْلاً………………………………… 13

  2) اِنْسِلاَخُهُ إِذَا كَانَ فَتًى شَابًّا………………………………………….15

  3) اِنْسِلاَخُهُ إِذَا كَانَ كَهْلاً أَوْ شَيْخًا……………………………………..21

اُلْفَصْلُ الثَّانِي : الانْتَرْنَتْ وَانْكِشَافُ الأَشْيَاءِ……………………………23

 أ) لاَزِمُ الاِنْكِشَافِ اُلأَوَّلِ انْكِشَافِ كُلٍّ عَلَى كُلٍّ، وَهْوَ وِحْدَةُ اُلْهِمَّةِ وَاُلْقَصْدُ إِلَى مِثَالٍ وَاحِدٍ أَجْوفَ………………………………………………………… 26

 ب) لَوَازِمُ الاِنْكِشَافِ اُلثَّانِي اِنْكِشَافِ كُلٍّ لِكُلِّهَا…………………………….28

  1) لاَزِمٌ أَوَّلٌ : اِنْفِكَاكُ اُلظُّهُورِ مِنَ اُلْكَوْنِ…………………………………28

  2) لاَزِمٌ ثَانٍ : فَسَادُ اُللُّغَةِ……………………………………………..30

  3) لاَزِمٌ ثَالِثٌ : فَسَادُ اُلْمَدْلُولِ…………………………………………33

 ج) لاَزِمُ الاِنْكِشَافِ اُلثَّالِثِ اِنْكِشَافِ كُلِّهَا لِكُلٍّ…………………………35

  1) كَيْفَ أَنَّ عُلُوَّ اُلْكَثْرَةِ مُبْطِلٌ لِلْفَضْلِ وَاُلاِخْتِصَاصِ…………………………35

  2) اُلأَثَرُ اُلْمَذْمُومُ اُلأَوَّلُ اُلْعَائِدُ عَلَى اُلْمِثَالِ اُلْمُخَالِطِ…………………………36  

  3) اُلأَثَرُ اُلْمَذْمُومُ اُلثَّانِي اُلْعَائِدُ عَلَى اُلْمِثَالِ اُلْمُطَّلِعِ…………………………. 36

اُلْفَصْلُ الثَّالِثُ : الانْتَرْنَتْ وتَدَاخُلُ الأَمْكِنَةِ…………………………….38

 أ) كَيْفَ أَنَّ شَكْلِيَّةَ اُلْعَالَمِ إِنَّمَا هِيَ تَابِعَةٌ لِحُكْمِ اُلْبُعْدِ فِي مَعْرِفَةِ أَحَدِ اُلْمَكَانَيْنِ لِحَوَادِثِ الآخَرِ………………………………………………………………. 38

 ب) فِي أَنَّ الانْتَرْنَتْ هِيَ مُبْطِلَةٌ لِهَذَا اُلْحُكْمِ، وَبِبُطْلاَنِهِ يَمِيلُ اُلْعَالَمُ إِلَى اُلْكَوْنِ نُقْطَةً وَاحِدَةً……………………………………………………………….41

اُلْفَصْلُ الرَّابِعُ : الانْتَرْنَتْ وَفَنَاءُ التَّارِيخِ…………………………………43

 أ) حَقِيقَةُ اُلنَّشْأَةِ اُلزَّمَنِيَّةِ وَفِي أَنَّهَا ذَاتُ أَصْلٍ نَفْسَانِيٍّ………………………….43

 ب) مَعْنَى كَوْنِ الأَمْرِ زَمَنِيًّا، وَفِي قِسْمَيْهِ : الأَمْرِ الزَّمَنِيِّ الظَّاهِرِيِّ وَالأَمْرِ الزَّمَنِيِّ اُلْبَاطِنِيِّ، وَفِي اُلْفَرْقِ بَيْنَ تَأْلِيفَيْهِمَا…………………………………………………45

 ج) بَيَانُ كَيْفَ أَنَّ الانْتَرْنَتْ هِيَ مُفْنِيَةٌ لِلتَّارِيخِ مِنَ اُلْوَجْهِ اُلْمُتَعَلِّقِ بِاُلزَّمَنِيَّةِ الظَّاهِرِيَّةِ….48

  1) ذِكْرٌ لِلصُّورَةِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا لِلنَّفْسِ إِنْشَاءٌ لِلْحَقِيقَةِ الزَّمَنِيَّةِ بِقِسْمَيْهَا………….49

  2) تَخْصِيصُ اُلْقَوْلِ فِي الإِنْشَاءِ اُلْمُتَعَلِّقِ بِاُلْحَقِيقَةِ اُلزَّمَنِيَّةِ الظَّاهِرِيَّةِ اِعْتِمَادًا عَلَى مِثَالِ زَيْدٍ اُلْمُصَادَفِ عَلَى هَيْئَةِ اُلْعَابِدِ……………………………………………… 51

  3) اِسْتِطْرَادٌ لِشَرْحِ مَعْنَى إِدْرَاكِ اُلشَّيْءِ فِي صُورَةٍ، وَفِي اُلْفَرْقِ بَيْنِ اُلإِدْرَاكِ اُلْمُطْلَقِ وَاُلإِدْرَاكِ فِي صُورَةٍ…………………………………………………….57

  4) تَخْلِيصُ مَعْنًى مُفِيدٍ جِدًّا مِنَ اُلشَّرْحِ اُلْمُتَقَدِّمِ وَهْوَ ضَرُورَةُ اُلْفَصْلِ بَيْنَ زَمَنِيَّةِ اُلشَّيْءِ وَزَمَنِيَّةِ صُورَةِ اُلشَّيْءِ……………………………………………………59

  5) ذِكْرٌ بِأَنَّ الانْتَرْنَتْ إِذْ تَرْفَعُ هَذَا اُلْفَصْلَ تُوجِبُ لَبْسًا مُسْتَحْكِمًا حَيْثُ إِنَّهَا تُقِيمُ تَأْلِيفَ اُلصُّورَةِ بِمَنْزِلَةِ تَأْلِيفِ اُلصِّفَةِ………………………………………..60

 د) بَيَانُ كَيْفَ أَنَّ الانْتَرْنَتْ هِيَ مُفْنِيَةٌ لِلتَّارِيخِ مِنَ اُلْوَجْهِ اُلْمُتَعَلِّقِ بِاُلزَّمَنِيَّةِ اُلْبَاطِنِيَّةِ……61

  1) بَيَانُ مَا خَوَاصُّ اُلْبَاطِنِ وَمَا خَوَاصُّ أَحْوَالِهِ قِيَاسًا إِلَى خَوَاصِّ الظَّاهِرِ وَأَحْوَالِهِ، وَذِكْرٌ لِشُرُوطِ إِلْحَاقِ الأَسْبَابِ اُلظَّاهِرِيَّةِ بِاُلأَنَائِيَّةِ وَاُلزَّمَنِيَّةِ اُلْبَاطِنِيَّةِ……………………. 61

  2) اُلْبَاطِنُ اُلْحَقِيقِيُّ وَاُلْبَاطِنُ اُلْمَعْنَوِيُّ، وَفِي اُلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا لاَ سِيَّمَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الأَحَوَالَ وُاُلْحَوَادِثَ اُلْمُلْحَقَةَ بِالأَوَّلِ هِيَ مُقَوِّمَةٌ لَهُ فَقَطْ، وَهْيَ لِلثَّانِي مُقَوِّمَةٌ وَمُبْقِيَةٌ عَلَى ثُبُوتِـــهِ…………………………………………………………..64

  3) بَيَانٌ لِوَجْهٍ أَوَّلٍ فِي إِفْنَاءِ الانْتَرْنَتْ لِلزَّمَنِ اُلْبَاطِنِيِّ اُلْمَعْنَوِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ اُلْمَادَّةَ اُلْوَاقِعِيَّةَ الإِدْرَاكِيَّةَ هِيَ أَسْبَقُ إِلْحَاقًا بِالزَّمَنِ اُلْمَعْنَوِيِّ اُلْوَاقِعِيِّ مِنَ اُلْمَادَّةِ اُلْوَاقِعِيَّةِ اُلْوَهْمِيَّـــةِ…………………………………………………………66

  4) بَيَانٌ لِوَجْهٍ ثَانٍ فِي إِفْنَاءِ الانْتَرْنَتْ لِلزَّمَنِ اُلْبَاطِنِيِّ اُلْمَعْنَوِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى فَرْضِ أَنَّ اُلْمَادَّةَ اُلْوَاقِعِيَّةَ اُلْوَهْمِيَّةَ قَدْ تَسْبِقُ إِلْحَاقًا بِالزَّمَنِ اُلْمَعْنَوِيِّ اُلْوَاقِعِيِّ، اُلْمَادَّةَ اُلْوَاقِعِيَّةَ الإِدْرَاكِيَّــــةَ……………………………………………………..69

  5) لاَزِمٌ آخَرُ مُوجِبٌ لِبُطْلاَنِ اُلْمَعْنَى التَّارِيخِيِّ قَائِمٌ عَلَى أَنَّ الانْتَرْنَتْ هِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى حَوَادِثَ لاَ مُتَنَاهِيَةٍ مُنْتَزَعَةٍ مِنْ أُمَمٍ غَيْرِ مَحْصُورَةٍ……………………………..70

   I) سَرْدٌ لِلشُّرُوطِ الَّتِي بِهَا إِنَّمَا تُلْحَقُ اُلْحَوَادِثُ بِالتَّارِيخِ اُلْوَاحِدِ ذِي اُلْحَقِيقَةِ اُلْمُنْحَازَةِ، وَبَيَانٌ لِوُجُوهِ اُلْمُشَابَهَةِ وَالاِفْتِرَاقِ بَيْنَ وَظَائِفِ الانْتَرْنَتْ الثَّلاَثِ وَاُلْوَظَائِفِ اُلنَّفْسِيَّةِ الثَّـلاَثِ……………………………………………………………. 70

   II) بَيَانُ كَيْفَ أَنَّ اُلْخَوَاصَّ اُلتَّابِعَةَ لِوَظَائِفِ الانْتَرْنَتْ الثَّلاَثِ خِلاَفًا لِلْخَوَاصِّ اُلنَّفْسِيَّةِ، هِيَ مُوجِبَةٌ لاسْتِوَاءِ اُلْحَوَادِثِ، وَاسْتِوَاؤُهَا هُوَ مَانِعٌ لإِلْحَاقِهَا بِاُلسِّلْسِلَةِ اُلزَّمَنِيَّةِ اُلْمَـخْصُوصَةِ……………………………………………………….. 72

 هـ) بَيَانُ كَيْفَ أَنَّ الانْتَرْنَتْ هِيَ مُفْنِيَةٌ لِلتَّارِيخِ بِوَجْهِ آخَرَ مُنْفَرِدٍ : وَهْوَ أَنَّهَا مِمَّا تُصَيِّرُ كُلَّ جِهَاتِ اُلشَّيْءِ ظَاهِرَةً مَعًا دُفْعَةً وَاحِدَةً………………………………….77

اُلْفَصْلُ اُلْخَامِسُ : الانْتَرْنَتْ وَفُضُولُ اُلْمَعْرِفَةِ…………………………..86

 أ) فِي مَعْنَى فُضُولِ اُلْمَعْرِفَةِ وَذِكْرٌ لأَنْوَاعِهِ………………………………….86

  1) اُلنَّوْعُ الأَوَّلُ مِنْ فُضُولِ اُلْمَعْرِفَةِ وَهْوَ اُلصُّوَرُ وَالأَخْبَارُ اُلْقَبِيحَةُ، وَبَيَانٌ لِتَوَابِعِهِ اُلْمُضِرَّةِ اُلْفَاسِخَةِ وَهْيَ: رَفْعُ مِيزَانِ اُلْجَمَالِ، وَ إِشَاعَةُ آدَابِ اُلْعُرْيِ، وَتَغْلِيبُ الصِّفَاتِ الطَّبِيعِيَّةِ عَلَى الصِّفَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ………………………………………………………87

  2) اُلنَّوْعُ اُلثَّانِي مِنْ فُضُولِ اُلْمَعْرِفَةِ وَهْوَ أَسْرَارُ النَّاسِ وَعَوْرَاتُهُمْ وَمَا يَنْبَغِي إِخْفَـــاؤُهُ…………………………………………………………91

  3) اُلنَّوْعُ اُلثَّالِثُ مِنْ فُضُولِ اُلْمَعْرِفَةِ وَهْوَ الأُمُورُ الغَرِيبَةُ الخَارِجَةُ عَنِ اُلْمَأْلُوفِ……94

  4) اُلنَّوْعُ الرَّابِعُ مِنْ فُضُولِ اُلْمَعْرِفَةِ وَهْوَ أُمُورُ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَاُلْعَبَثِ……………95

   I) ضَرَرُ الانْتَرْنَتْ مِنْ جِهَةِ زَمَنِ اللَّعِبِ بِرَبْطِهِ بِمَعَادِنِ النَّاسِالأَرْبَعَةِ ذَوَاتِ الإِقْبَالِ عَلَيْـهِ……………………………………………………………….96

   II) ضَرَرُ الانْتَرْنَتْ مِنْ جِهَةِ مَادَّةِ اللَّعِبِ………………………………….98

  5) اُلنَّوْعُ اُلْخَامِسُ مِنْ فُضُولِ اُلْمَعْرِفَةِ وَهْوَ نَفْسُ حَوَادِثِ اُلْعَالَمِ وتَعَاقُبَاتِهَا وَتَوَاتُرَاتِــهَا……………………………………………………….100

 ب) بَيَانُ كَيْفَ أَنَّ الانْتَرْنَتْ قَدْ تَضُرُّ أَيْضًا بِنَفْسِ مَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنْ مَعَارِفَ هِيَ مُتَنَزِّهَةٌ مِنَ اُلْفُضُولِ………………………………………………………….104

  1) حَقِيقَةُ اُلتَّعَلُّمِ وَذِكْرٌ لِبَعْضِ آدَابِهِ…………………………………….104  

  2) بَيَانٌ لِضَرَرِ الانْتَرْنَتْ بِمَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنْ مَعَارِفَ هِيَ مُتَنَزِّهَةٌ مِنَ اُلْفُضُولِ،  بِاُلْبِنَاءِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مَقْرُونًا بِاُلتَّنْبِيهِ عَلَى أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا عَائِدٌ إِلَى الانْتَرْنَتْ، وَالثَّانِي عَائِدٌ إِلَى اُلْمُسْتَعْمِلِ…………………………………………………………..106 

   I) الآفَةُ الأُولَى اُللاَّزِمَةُ : عَدَمُ اُلْكَمَالِ اُلْمَعْرِفِيِّ اُلْحَقِيقِيِّ……………………108

   II) الآفَةُ الثَّانِيَةُ اُللاَّزِمَةُ : اِسْتِوَاءُ اُلْمَعَارِفِ……………………………….110

   III) الآفَةُ الثَّالِثَةُ اُللاَّزِمَةُ : اَلْيَأْسُ مِنَ اُلْمَعْرِفَةِ وَاُلْحُكْمُ بِاُلْعَجْزِ اُلضَّرُورِيِّ………113

   IV) الآفَةُ اُلرَّابِعَةُ اُللاَّزِمَةُ : اُلْوَهْمُ بِاُلْمَعْرِفَةِ وَاُلتَّشْغِيبُ وَاُلْعِنَادُ……………….114

اُلْبَابُ الثَّانِي : اُلتَّوَابِعُ اُلنَّفْسِيَّةُ وَالإِنْسَانِيَّةُ لِلانْتَرْنَتْ وَفَسْخِ اُلصِّفَةِ… 119

اُلْفَصْلُ الأَوَّلُ : الاكْتِئَابُ وَغَيْرُهُ مِنَ الآفَاتِ النَّفْسِيَّةِ وَاُلْخُلُقِيَّةِ…………120

 أ) الآفَةُ النَّفْسِيَّةُ الأُولَى اللاَّزِمَةُ مِنَ الانْتَرْنَت، وَهْيَ الاِكْتِئَابُ……………….. 120

  1) تَعْرِيفٌ مُجْمَلٌ لِلاكْتِئَابِ وَذِكْرٌ لأَظْهَرِ عَلاَمَاتِهِ………………………..120

  2) مُقَدِّمَةٌ طَوِيلَةٌ فِي اُلْخَوْفِ وَفِي أَرْكَانِهِ وَفِي اِخْتِلاَفِهِ مِنْ حَيْثُ الشِّدَّةِ وَاُلضُّعْفِ، وَمِنْ حَيْثُ اُلْكَمِّ وَاُلطُّولِ، وَفِي حَقِيقَةِ اُلْخَوْفِ وَاُلْمَخُوفِ، وَفِي ضَرْبٍ مِنَ اُلْمُشَابَهَةِ بَيْنَ الأَلَمِ النَّفْسِيِّ وَالأَلَمِ اُلْبَدَنِيِّ، وَفِي ذِكْرِ اللاَّزِمِ اُلْبَيِّنِ مِنْ كُلِّ مَا تَقَدَّمَ……………….  120

  3) بَيَانٌ لِكَيْفَ أَوْجَبَتِ الانْتَرْنَتْ فُشُوًّا وَاسِعًا لِلاكْتِئَابِ مِنْ جِهَةِ أَلَمِ اُلْخَوْفِ وَإِفْرَاطِ اُلْهَمِّ………………………………………………………………..125

   I) بَيَانٌ بِوَجْهٍ أَوَّلٍ…………………………………………………. 126

   II) بَيَانٌ بِوَجْهٍ ثَانٍ………………………………………………….126

  4) بَيَانٌ لِكَيْفَ أَوْجَبَتِ الانْتَرْنَتْ فُشُوًّا وَاسِعًا لِلاكْتِئَابِ مِنْ جِهَةِ اِضْطِرَابِ الأَعْمَالِ وَارْتِفَاعِ اُلْقَصْدِ اُلْجَامِعِ، يَسْبِقُهُ ذِكْرٌ لِخَاصَّةٍ لَطِيفَةٍ فِي اُلصِّفَةِ اُلْمَعْنَوِيَّةِ بِالإِضَافَةِ إِلَى اُلصِّفَةِ اُلْحِسِّيَّةِ……………………………………………………………..127

  5) بَيَانٌ لِكَيْفَ أَوْجَبَتِ الانْتَرْنَتْ فُشُوًّا وَاسِعًا لِلاكْتِئَابِ مِنْ جِهَةِ عَارِضِ اُلْخُمُولِ وَكَثْرَةِ اُلنَّوْمِ………………………………………………………….130

 ب) ذِكْرٌ لآفَاتٍ نَفْسِيَّةٍ أُخْرَى لاَزِمَةٍ مِنَ الانْتَرْنَتْ بِوَاسِطَةِ بَعْضِ مُوجَبَاتِهَا اُلْمُبَيَّنَةِ آنِفًا، وَهْيَ : تَدَاخُلُ الأَمْكِنَةِ، وَ صَيْرُورَةُ حَوَادِثِ كُلِّ مَكَانٍ مَكَانٍ حَوَادِثَ لِلْمَكَانِ اُلْوَاحِدِ،  وَ صَيْرُورَةُ اُلأَشْيَاءِ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ مُنْكَشِفًا بَعْضُهَا لِبَعْضٍ، وَ اُلتُّخْمَةُ اُلْحَدَثِيَّةُ…….. 131

  1) آفَاتٌ لاَزِمَةٌ مِنْ تَدَاخُلِ الأَمْكِنَةِ…………………………………….131

   I) خَوَاصُّ الأَمْكِنَةِ إِذَا كَانَتْ مُتَبَايِنَةً وَمَا قَدْ يَتْبَعُهَا إِذَا صَارَتْ مُتَدَاخِلَةً……….131

   II) تَنْبِيهٌ مُجْمَلٌ عَلَى أَنَّهُ لِصُورَةِ اُلْمَكَانِ وَلِهَيْئَتِهِ أَثَرٌ فِي أَحْوَالِ النَّفْسِِ، وَسَرْدٌ مِنْهَا لِلأَحْوَالِ اُلْمَحْمُودَةِ اُلْكُبْرَى، وَهْيَ : اُلأَمْنُ وَاُلطُّمَأْنِينَةُ، وَالرِّضَا وَاُلْقَنَاعَةُ، وَاُلأَمَلُ وَاُلرَّجَـاءُ…………………………………………………………..133

    α) فِي أَصْنَافِ الأَمْنِ الثَّلاَثَةِ، وَفِي مَا هُوَ شَرْطُهَا جَمِيعًا، وَفِي كَيْفَ أَنَّ الانْتَرْنَتْ بِوَاسِطَةِ تَدَاخُلِ الأَمْكِنَةِ هِيَ نَاقِضَةٌ لِلشَّرْطِ مُوجِبَةٌ لأَصْنَافِ ثَلاَثَةِ مِنَ اُلْخَوْفِ مُضَادَّاتٍ لأَصْنَافِ الأَمْنِ الثَّلاَثَةِ………………………………………………… 134

    β) فِي تَفْصِيلِ مْعْنًى زَائِدٍ لِلطُّمَأْنِينَةِ عَلَى مَعْنَى اُلأَمْنِ، وَاُلْقَوْلُ كَيْفَ أَنَّ هَذِهِ اُلْحَالَ بِسَبَبِ تَدَاخُلِ الأَمْكِنَةِ هِيَ مُرْتَفِعَةٌ أَيْضًا، لِيَثْبُتَ مُضَادُّهَا، اُلْحَيْرَةُ وَاُلْقَلَقُ…………135

   III) تَعْرِيفُ اُلْقَنَاعَةِ وَالرِّضَا، وَبِمَا يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ، وَذِكْرُ الأَصْلَيْنِ الَّذَيْنِ بِهِمَا يَصِحَّانِ لِلنَّفْسِ وَأَنَّهُمَا، أَيِ اُلْقَنَاعَةَ وَالرِّضَا قَيْدَانِ إِنْ خَلَتْ مِنْهُمَا اُلنَّفْسُ وَجَبَ لَهَا اُلْمَعْنَيَانِ اُلْمُضَادَّانِ اُلْمُؤْلِمَانِ، وَهُمَا اُلْحَسْرَةُ وَاُلسُّخْطُ……………………….136

    α) فِي فُشٌوِّ اُلْحَسْرَةِ وَالسُّخْطِ فُشُوًّا عَظِيمًا لاجْتِمَاعِ شَرْطَيْنِ اِثْنَيْنِ عَلَى النَّفْسِ : الأَوَّلُ، وَهَنُ قَيْدَيِ اُلْقَنَاعَةِ وَاُلرِّضَا، وَاُلثَّانِي، ضُعْفُ الإِرَادَةِ مَعَ قُوَّةِ اُلْمَيْلِ اُلطَّبِيعِيِّ…138

     ●) فِي أَنَّ وَهَنَ قَيْدَيِ اُلْقَنَاعَةِ وَالرِّضَا إِنَّمَا بِسَبَبِ مَا نَالَ الأَصْلَيْنِ اُلْمَذْكُورَيْـــنِ………………………………………………….. 138

     ●●) ذِكْرُ اُلشَّرْطِ اُلثَّانِي اُلْمُجْتَمِعِ عَلَى اُلنَّفْسِ……………………….. 140

    β) تَعْرِيفُ اُلْمَفْقُودِ وَذِكْرُ أَصْنَافِهِ وَمَا حَالُ اُلْحَسْرَةِ وَاُلسُّخْطِ لِلنَّفْسِ بِالإِضَافَةِ إِلَى كُلِّ صِنْفٍ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى أَمْرَيْنِ اِثْنَينِ، وَاُلْقَوْلُ قَوْلاً مُجْمَلاً كَيْفَ أَنَّ اُلْمَفْقُودَاتِ بَعْدَ تَدَاخُلِ الأَمْكِنَةِ قَدْ صَارَتْ غَيْرَ مَحْصُورَةِ اُلكَمِّ وَمُتَفَاوِتَةَ اُلْكَيْفِ وَمُتَزَايِدَةَ اُلْجِنْسِ زِيَادَةً لاَ مُتَنَـاهِيَةً……………………………………………………………141 

    γ) اُلْقَوْلُ كَيْفَ أَنَّهُ قَبْلَ تَدَاخُلِ الأَمْكِنَةِ كَانَتِ اُلْمَفْقُودَاتُ مَحْصُورَةَ اُلكَمِّ وَاُلْكَيْفِ وَاُلْجِنْسِ، تَابِعَةً لإِمْكَانِ اُلْمَكَانِ اُلْمَخْصُوصِ، وَصْفُهَا وَصْفُ ذَلِكَ اُلْمَكَانِ بِعَيْنِهِ، وَأَنَّهُ لِذَلِكَ كَانَتْ حَسْرَةُ الأَمْكِنَةِ أَهْوَنَ بِكَثِيرٍ مِنْهَا بَعْدَ تَدَاخُلِهَا……………………143

    δ) تَوْضِيحٌ لِلْمَقْصُودِ بِاللاَّحَصْرَةِ فِي اُلكَمِّ وَ التَّفَاوُتِ فِي اُلْكَيْفِ، وَمَا تَأْثِيرُهُمَا اُلْبَالِغُ فِي إِيرَاثِ اُلنَّفْسِ اُلْحَسْرَةَ وَاُلسُّخْطَ اِعْتِمَادًا عَلَى مِثَالَيْنِ اِثْنَيْنِ………………….145

    ε) بَيَانٌ لِلْمَفْقُودَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ كَيْفَ صَارَتْ مُتَزَايِدَةَ اُلْجِنْسِ بِلاَ نِهَايَةٍ………..146

     ●) ذِكْرٌ لأُمُورٍ ثَلاَثَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِحَاجَةِ الإِنْسَانِ وَعَلاَقَتِهَا بِاُلْمَصْنُوعِ، مَتْبُوعٌ بِاسْتِطْرَادٍ فِي أَنَّ اُلْمَصْنُوعَ قَدِيمًا كَانَ مُقَيَّدًا بِضَوَابِطَ كُلِّّيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ عَلَيْهِ، مُقْتَرِنًا بِسَرْدِ مِثَالٍ عَلَى ذَلِكَ، وَهْوَ عُرْفُ اللِّبَاسِ فِي تُونِسَ فِي سَالِفِ الدَّهْرِ…………………………147

     ●●) تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ اُلْمَكَانَ اُلْغَرْبِيَّ هُوَ اُلْمَكَانُ اُلْمُدَاخِلُ اُلْقَاهِرُ، وَذِكْرٌ لِبَعْضِ خَوَاصِّهِ……………………………………………………………..148

     ●●●) تَخْصِيصُ اُلْقَوْلِ فِي اُلْخَاصَّةِ اُلْخَامِسَةِ، وَمَا لَزِمَ مِنْهَا مِنْ أَصْلٍ كَبِيرٍ قَامَ عَلَيْهِ قِيَامًا ضَرُورِيًّا خُلُقُ “اُلْحَدَاثَةِ” بِأَسْرِهِ، وَهْوَ اِعْتِبَارُ “الإِبْدَاعِ” اُلْفَضِيلَةَ اُلْعُلْيَا. وَأَنَّ التَّابِعَ الأَعْظَمَ لِهَذَا الأَصْلِ، إِطْلاَقُ اُلْمَصْنُوعِ مِنْ كُلِّ قَيْدٍ أَوْ مِثَالٍ، بَلْ إِلْحَاقُهُ إِلْحَاقًا مَحْضًا بِاُلْخَيَالِ اُلْمَحْضِ وَاُلْهَوَى اُلْفَرْدِيِّ. ثُمَّ اُلْبَيَانُ، بِاُلْبِنَاءِ عَلَى ذَلِكَ، كَيْفَ صَارَتْ مَفْقُودَاتُ اُلْغَرْبِيِّ لاَ مُتَنَاهِيَةً فِي اُلْجِنْسِ……………………………………………149

    ζ) بَيَانُ أَنَّ اللاَّتَنَاهِيَ اُلْجِنْسِيَّ لِمَفْقُودَاتِ اُلْغَرْبِيِّ وَإِنْ قَدْ تُورِثُهُ هُوَ أَيْضًا اُلْحَسْرَةَ وَاُلسُّخْطَ فَرُبَّمَا بِوَجْهٍ وَاحِدٍ أَوْ مَحْدُودٍ، أَمَّا فِي اُلْمَكَانِ اُلْمُدَاخَلِ فَالأَلَمَانِ عَظِيمَانِ هَائِلاَنِ، وَوَجُوبُهُمَا مِنَ اللاَّتَنَاهِي اُلْمَذْكُورِ إِنَّمَا هُوَ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ………………152

     ●) مُقَدِّمَتَانِ مُوَطِّئَتَانِ لِلْقَوْلِ اُلْمُفَصَّلِ فِي اُلْجِهَةِ الَّتِي بِهَا كَانَتْ حَسْرَةُ اُلْمَكَانِ الأَصْلِيِّ هَائِلَةً عَظِيمَةً، وَهُمَا : الأُولَى، تُبَيِّنُ أَنَّ اُلْمَصْنُوعَ لاَ يَخْلُو مِنْ مُوَافَقَةٍ لِخَواصِّ اُلْمَكَانِ وَخَوَاصِّ أَهْلِهِ اُلْجِسْمِيَّةِ. وَاُلثَّانِيَةُ، تُبَيِّنُ أَنَّ اُلْمَصْنُوعَ هُوَ سِرُّ كُلِّ أُمَّةٍ وَمَقْصُودُهَا اُلْخَفِيُّ، وَأَنَّ كُلَّ مُسْتَعْمِلٍ لَهُ طَالَبَهُ بِخُلُقِ الأُمَّةِ وَآدَابِهَا. وَيُؤْخَذُ لِلْمُقَدِّمَتَيْنِ مِثَالُ “اُلْمُوضَةِ” اُلْمَشْهُورُ……………………………………………………………154

     ●●) تَفْصِيلُ اُلْقَوْلِ فِي كَيْفَ أَنَّ حَسْرَةَ اُلْمَكَانِ اُلْمُدَاخَلِ أَعْظَمُ بِكَثِيرٍ مِنْ حَسْرَةِ اُلْمَكَانِ اُلْغَرْبِيِّ بِاُلْبِنَاءِ عَلَى تَقَدَّمَ………………………………………….157

   IV) اِبْتِدَاءُ اُلْقَوْلِ فِي اُلْيَأْسِ وَاُلْقُنُوطِ، وَكَيْفَ وُجُوبُهُمَا مِنْ تَدَاخُلِ الأَمْكِنَةِ، وَذَلِكَ بِذِكْرِ مُقَدِّمَةٍ فِي اُلسُّوءِ وَالاسْتِعْدَادِ وَمَا اُلْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، وَفِي أَنَّ الأَمَلَ وَالرَّجَاءَ، أَوِ اُلْيَأْسَ وَاُلْقُنُوطَ إِنَّمَا مَبْنَاهُمَا فِي اُلنَّفْسِ عَلَى تَرْجِيحِهَا بِالإِيجَابِ أَوِ النَّفْيِ لِلانْتِقَالِ إِلَى اُلْوُجُودِ مِنْهُمَا الاثْنَيْنِ، أَعْنِي السُّوءَ وَالاسْتِعْدَادَ، إِذْ هُمَا عَدَمَانِ………………………159       

    α) ذِكْرُ كَيْفَ أَنَّ تَدَاخُلَ الأَمْكِنَةِ قَدْ أَوْجَبَ اُليَأْسَ وَاُلْقُنُوطَ مِنْ جِهَةِ قَطْعِ النَّفْسِ بِامْتِنَاعِ خَلاَصِهِا مِنَ السُّوءِ وَبُلُوغِهَا حَالاً صَالِحَةً…………………………..160

    β) ذِكْرُ كَيْفَ أَنَّ تَدَاخُلَ الأَمْكِنَةِ قَدْ أَوْجَبَ اُليَأْسَ وَاُلْقُنُوطَ مِنْ جِهَةِ قَطْعِ النَّفْسِ بِامْتِنَاعِ خُرُوجِ اُلْمُسْتَعِدِّ إِلَى كَمَالِهِ………………………………………162

   V) إِفْرَادُ اُلْقَوْلِ فِي آفَةٍ عَظِيمَةٍ لاَزِمَةٍ مِنْ تَدَاخُلِ الأَمْكِنَةِ، وَهْيَ تَشَوُّهُ الطُّفُولَةِ وَتَكَسُّرُهُا وَاِنْمِحَاقُهَا…………………………………………………………..164

  2) آفَاتٌ لاَزِمَةٌ مِنْ صَيْرُورَةِ حَوَادِثِ كُلِّ مَكَانٍ مَكَانٍ حَوَادِثَ لِلْمَكَانِ اُلْوَاحِدِ…167

   I) بَحْثٌ فِي الانْفِعَالِ، وَفِي أَنَّ سَبَبَهُ هُوَ اُلْحَادِثُ، وَفِي أَنَّ الانْفِعَالَ اُلنَّفْسِيَّ يَخْتَصُّ مِنَ الاِنْفِعَالِ اُلْحِسِّيِّ بِأَنَّهُ هُوَ تَكَلُّفٌ لِحَالٍ، إِقَامَةً لِلْحَادِثِ وَجَوَابًا لِمَطْلُوبِهِ………….168

   II) بَيَانُ كَيْفَ أَنَّ اُلنَّفْسَ صَارَتْ كُلْفَتُهَا بِحَوَادِثَ لاَ مُتَنَاهِيَةٍ أَوْجَبَتْ لَهَا اُلْوَهَنَ وَالإِنْهَاكَ، وَالاسْتِئْنَاسُ عَلَى ذَلِكَ بِمِثَالِ حَارِسِ اُلْمَرْمَى وَاُلكُرَاتِ اُلْمَقْذُوفَاتِ…… 170

  3) آفَاتٌ لاَزِمَةٌ مِنْ صَيْرُورَةِ اُلأَشْيَاءِ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ مُنْكَشِفًا بَعْضُهَا لِبَعْضٍ……175

   I) اُلآفَةُ الأُولَى، اُلضِّيقُ وَاُلْحَرَجُ، وَبَيَانُهَا يَنْبَنِي عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ………………. 175

    α) مُقَدِّمَةٌ أُولَى، تُوَضِّحُ حَقِيقَةَ اُلْفِعْلِ الإِنْسَانِيِّ وَبِمَا يَنْفَصِلُ عَنِ الانْفِعَالِ اُلطَّبِيعِيِّ، وَتُبَيِّنُ أَنَّ اُلْفِعْلَ مِنَ الإِنْسَانِ بِقَدْرِ اِسْتِنَادِهِ إِلَى الإِرَادَةِ تَحَقَّقَ فِي اُلْفِعْلِيَّةِ وَأُلْحِقَ بِاُلـــرُّوحِ……………………………………………………….175

    β) مُقَدِّمَةٌ ثَانِيَةٌ تُوَضِّحُ أَنَّ الإِنْسَانَ بِقَدْرِ اِنْفِرَادِهِ اِنْبَنَى فِعْلُهُ عَلَى الإِرَادَةِ اُلْخَالِصَةِ، وَأَنَّهُ إِذَا مَا زُوحِمَ مَالَتْ هَيْئَتُهُ إِلَى اُلْبَهِيمِيَّةِ عَلَى قَدْرِ اُلْمُزَاحَمَةِ، وَالاِسْتِئْنَاسُ لِذَلِكَ بِمِثَالِ زَيْدٍ اُلْمُخْتَلِي فِي بَيْتِهِ بِاُلْحَاسُوبِ……………………………………………176

    γ) يُسْرُ مَعْرِفَةِ ضَرُورَةِ لُزُومِ الآفَةِ اُلْمَذْكُورَةِ مِنَ الانْتَرْنَتْ، بِاُلْمُقَدِّمَتَيْنِ……….179 

   II) الآفَةُ اُلثَّانِيَةُ، ضَيَاعُ اُلْقُدْوَةِ………………………………………..179

    α) مُقَدِّمَةٌ طَوِيلَةٌ تُوَضِّحُ هَذِهِ اُلأَشْيَاءَ وَهْيَ : مَا اُلْوَصْفُ اُلْخُلُقِيُّ وَمَا اُلْوَصْفُ اُلْقَانُونِيُّ، وَكَيْفَ يَضْبُطَانِ كِلاَهُمَا اُلسِّيرَةَ الإِنْسَانِيَّةَ، وَأَنَّ بَيْنَ ضَبْطَيْهِمَا بَوْنًا كَبِيرًا، وَأَنَّ اُلْمَعْنَى اُلْخُلُقِيَّ هُوَ غَيْرُ قَاهِرٍ لِلْمَيْلِ الطَّبِيعِيِّ إِلاَّ إِذَا تَلَقَّتْهُ اُلنَّفْسُ بِأَنَّهُ مَعْنًى مُطْلَقٌ، وَمَا شُرُوطُ اُلتَّعَلُّمِ اُلْخُلُقِيِّ، وَبِمَا يَمْتَازُ مِنْ صِنْفَيْنَ آخَرَيْنِ مِنَ التَّعَلُّمِ، اُلتَّعَلُّمِ النَّظَرِيِّ وَالتَّعَلُّمِ اُلْعَمَلِيِّ اُلْمِهْنِيِّ……………………………………………………….180 

    β) ذِكْرُ جَوَابٍ عَلَى سُؤَالٍ ضَرُورِيٍّ فِيمَا قَدْ قِيلَ مُشْتَمِلاً عَلَى بَيَانٍ مُفِيدٍ بِأَنَّ اُلنَّفْسَ إِنَّمَا تَتَخَلَّقُ لإِذْعَانِهَا اُلْمَحْضِ لِلآمِرِ اُلْمَحْضِ بِوَاسِطَةِ إِذْعَانِهَا لِلأَمْرِ اُلْمَحْضِ……..185 

    γ) اُلتَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ اُلْقُدْوَةَ قُدْوَةٌ لَيْسَ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مَوْضُوعًا تَظْهَرُ بِهِ اُلْهَيْئَاتُ اُلْخُلُقِيَّةُ كَالانْمُوذَجِ فِي الصِّنَاعَةِ، بَلْ هُوَ يَشْتَمِلُ كَذَلِكَ عَلَى مَعْنًى زَائِدٍ، بِهِ إِنَّمَا كَانَ قُدْوَةً وَكَانَ مُؤَثِّرًا فِي تَخَلُّقِ اُلْمُتَخَلِّقِ……………………………………………….187

    δ) بَيَانٌ لَطِيفٌ جِدًّا فِي أَنَّ حَقِيقَةَ اُلْقُدْوَةِ إِنَّمَا هِيَ اُلصُّورَةُ مُتَصَوِّرَةً بِمَعْنَى اُلْكَامِلِ. ثُمُّ ذِكْرٌ لِلشُّرُوطِ الَّتِي بِهَا يَسْتَحِقُّ القُدْوَةُ صِفَةَ اُلْقُدْوَةِ حَتَّى يَكُونَ ذَا تَأْثِيرٍ فِي التَّخَلُّقِ وَالاسْتِكْمَالِ، لاَ سِيَّمَا شَرْطَ عِزَّةِ اُلْمَعْرِفَةِ اُلْمُورِثَةِ لِلْهَيْبَةِ……………………..189     

    ε) اِبْتِدَاءُ اُلْقَوْلِ فِي كَيْفَ أَوْجَبَتِ الانْتَرْنَتْ ضَيَاعَ اُلْقُدْوَةِ بِاُلْبِنَاءِ عَلَى مَا قَدْ تَـــقَدَّمَ…………………………………………………………192

     ●) بَيَانُ أَنَّ مَادَّةَ اُلقُدْوَةِ قَبْلَ الانْتَرْنَتْ كَانَتْ هِيَ اُلْحَاكِمَةَ فِي ظُهُورِهَا، إِذْ كَانَ ظُهُورُهَا فِي اُلْمَكَانِ وَاُلْوَاقِعِ، وَهْيَ بِذَلِكَ إِنَّمَا تَتَحَقَّقُ بِصِفَةِ اُلْقُدْوَةِ مِنْ أَوْجِهٍ ثَلاَثَةٍ نَذْكُرُهَا، وَنَأْخُذُ عَلَيْهَا مِثَالَ زَيْدٍ اُلْمُؤَدِّبِ………………………………… 193    

     ●●) بَيَانُ كَيْفَ أَنَّ مَادَّةَ اُلْقُدْوَةِ بَعْدَ الانْتَرْنَتْ لَمْ تَعُدْ حَاكِمَةً فِي ظُهُورِهَا، بَلِ اُلْحَاكِمُ هُوَ اُلْوَاسِطَةُ اُلْوَهْمِيَّةُ، وَكَيْفَ أَنَّ اُلْحَاكِمَ اُلْجَدِيدَ هُوَ فَاسِخٌ لاَ مَحَالَةَ لِشَرْطِ اُلْقُدْوَةِ، أَيْ عِزَّةَ اُلْمَعْرِفَةِ……………………………………………….197

  4) آفَاتٌ لاَزِمَةٌ مِنَ اُلتُّخْمَةِ اُلْحَدَثِيَّةِ…………………………………….199

   I) تَذَكِيرٌ بِالأَثَرَيْنِ اللاَّزِمَيْنِ مِنَ التُّخْمَةِ اُلْحَدَثِيَّةِ اُلْمُبَيَّنَيْنِ فِي فَصْلِ “فُضُولُ اُُلْمَعْرِفَةِ”، وَذِكْرٌ لِلصِّفَاتِ اُلسَيِّئَةِ اُلتَّابِعَةِ لِلأَثَرِ الأَوَّلِ، وَهْيَ اُلْحَيْرَةُ وَاُلْقَلَقُ وَاُلْوَحْشَةُ وَاُلْخِيَانَةُ وَاُلْعُقُوقُ وَاُلدَّيْثُ وَاُلْكَسَلُ، ثُمَّ سَرْدٌ لِمَا هِيَ اُلشُّرُوطُ اُلْوَاجِبَةُ لِثُبُوتِ أَضْدَادِهَا مِنْ يَقِينٍ وَسَكِينَةٍ وَأُنْسٍ وَوَفَاءٍ وَبِرٍّ……………………………………………………..200

    α) إِيرَادُ أُمُورٍ ثَلاَثَةٍ لاَزِمَةٍ مِنْ سَيَلاَنِ اُلْعَالَمِ، وَبَيَانٌ لِكَيْفَ هِيَ نَاقِضَةٌ لِشُرُوطِ اُلْمَعَانِي الأَضْدَادِ، وَمُوجِبَةٌ إِذَنْ لِلصِّفَاتِ السَّيِّئَةِ اُلْمَذْكُورَةِ…………………………..201

   II) اِبْتِدَاءُ اُلْقَوْلِ في آفَتَيْنِ تَابِعَتَيْنِ لِلأَثَرِ الثَّانِي، وَهْوَ حُبُّ اُلْحَوَادِثِ وَالاسْتِلْذَاذُ بِـــهَا…………………………………………………………..202

    α) ذِكْرٌ لِلآفَةِ الأُولَى وَهْيَ جَفَافُ اُلْعِبْرَةِ، وَبَيَانُ كَيْفَ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ جَعَلَ النَّفْسَ لاَ تَفْهَمُ خِطَابَ اُلْعَالَمِ لَهَا إِلاَّ بِالانْفِعَالِ مِنْهُ، وَأَخْذُ شَاهِدَيْنِ عَصْرِيَّيْنِ اثْنَيْنِ عَلَى ذَلِــــكَ……………………………………………………… 202

     ●) ذِكْرُ الشَّاهِدِ الأَوَّلِ، وَهْوَ اُلْمَيْلُ اُلْعَامُّ إِلَى تَأْسِيسِ اُلْحَقَائِقِ أَبَدًا عَلَى اُلـــصُّورَةِ……………………………………………………….203

     ●●) ذِكْرُ الشَّاهِدِ الثَّانِي، وَهْو بَعْضُ اُلْعَادَاتِ اُلْمُكْتَسَبَةِ لِكَثِيرٍ مِنْ وُعَّاظِ اُلْيَوْمِ……………………………………………………………….205

    β) ذِكْرُ الآفَةِ الثَّانِيَةِ، وَهْيَ أَنَّ النَّفْسَ قَدْ صَارَتْ تَطْلُبُ اُلْحَوَادِثَ اُلْفَظِيعَةَ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْهَا تَعَمَّدَتْ إِحْدَاثَهَا، وَذَلِكَ هَوَ مُوجِبٌ لِفُشُوِّ اُلْجَرِيمَةِ وَرُكُوبِ اُلْمُنْكَرَاتِ……207

اُلْفَصْلُ الثَّانِي : الغُلُوُّ والانْتِحَارُ……………………………………..209

 أ) مُقَدِّمَةٌ يَسِيرَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِخَوَاصِّ عَلاَقَةِ الإِنْسَانِ بِاُلْعَالَمِ، وَلِحَقِيقَةِ اُلْفَرْقِ بَيْنَ اُلْعَمَلِ الإِنْسَانِيِّ وَاُلْعَمَلِ اُلآلِيِّ…………………………………………………………209

 ب) بَيَانُ كَيْفَ أَنَّ هَذَا اُلْقَتْلَ وَالانْتِحَارَ هُوَ عَمَلٌ بِمُقْتَضَى صِفَةِ اُلْعَالَمِ اُلْمُنْفَسِخَةِ، وَأَنَّ مَطْلُوبَ أَصْحَابِهِمَا مِنْهُمَا إِنَّمَا هُوَ نَفْسُ اللاَّمَعْنَى……………………………210

  1) اِسْتِطْرَادٌ فِي أَنَّ الأَعْمَالَ اُلْمَذْكُورَةَ لاَ يَلِيقُ بِهَا وَصْفُ اُلتَّعَصُّبِ أَيْضًا………212

 ج) ذِكْرُ لِمَ كَانَ قَتْلُ هَؤُلاَءِ وَاِنْتِحَارُهُمْ هُمَا لَهُمَا عَمَلَيْنِ كَعَمَلَيِ الآلَةِ…………213

 د) بَيَانٌ ثََالِثٌ لِلْحَيْرَةِ ذُو وَجْهَيْنِ………………………………………..214

  1) وَجْهٌ أَوَّلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ اِسْتِوَاءَ اُلْحَرَكَةِ هُوَ مُورِثٌ لِلْمَشَقَّةِ اُلْمَحْضَةِ……….214

  2) وَجْهٌ ثَانٍ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ اُلْمُنْتَحِرَ يَقِيسُ اُلْخُرُوجَ مِنَ اُلْعَدَمِ إِلَى اُلْوُجُودِ عَلَى سَلْبِ اُلْحُكْمِ اُلسَّلْبِيِّ “إِنِّي لَسْتُ مَوْجُودًا”………………………………………216  

اُلْفَصْلُ الثَّالِثُ : الانْسِلاَلُ مِنَ الأَوْطَانِ وَالنَّسَلاَنُ إِلَى أَرْضِ اُلْغَرْبِ…….217

 أ) فِي أَقْسَامِ اُلشَّيْءِ اُلْخَمْسَةِ مِنْ جِهَةِ حَاجَةِ الإِنْسَانِ إِلَيْهِ……………………217

 ب) فِي اُلْفَقْرِ اُلْمُطْلَقِ وَاُلْفَقْرِ الإِضَافِيِّ، وَفِي أَنَّهُ قَبْلَ تَدَاخُلِ الأَمْكِنَةِ كَانَتْ أَنْوَاعُ اُلْكَفَافِ وَالرَّغَدِ وَالتَّرَفِ أَنْوَاعًا تَابِعَةً لأَمْكِنَتِهَا……………………………………..219

 ج) تَفْصِيلُ اُلْقَوْلِ فِي اللَّوَازِمِ اُلْكُبْرَى اُلثَّلاَثَةِ مِنْ تَدَاخُلِ الأَمْكِنَةِ، اُلْمُوجِبَةِ لانْدِفَاعِ النَّاسِ اُلشَّدِيدِ إِلَى أَرْضِ اُلْغَرْبِ……………………………………………….221

  1) اِنْفَسَاخُ أَنْوَاعِ اُلْمَرَاتِبِ اُلْمَذْكُورَةِ، وَثُبُوتُ اُنْمُوذَجٍ وَاحِدٍ فِي اُلْفَقْرِ وَاُلْغِنَى وَالــرَّغَدِ………………………………………………………….221

  2) اُلْوَهْمُ بِيُسْرِ اُلْمَعِيشَةِ فِي اُلْغَرْبِ لِكَثْرَةِ مَا يَحْضُرُ مِنْهَا فِي الانْتَرْنَتْ مِنْ نَعِيمٍ وَقِلََّةِ مَا يُرَى فِيهَا مِنْ بُؤْسٍ، قِلَّةً إِضَافِيَّةً………………………………………….222

  3) سَلْبُ اُلْمَكَانِ الأَصْلِيِّ ضَوَابِطَهُ وَآدَابَهُ اُلْمَخْصُوصَةَ فِي اُلْفَقْرِ وَاُلْغِنَى وَالتَّرَفِ، فَهَلُمَّ جَرًّا………………………………………………………………..223

الفصل الرّابع : الإِغْرَاقُ فِي اُلْمُتَعِ اُلْحِسِّيَّةِ وَاُلْمُخَدِّرَاتِ……………….226

 أ) بَيَانُ كَيْفَ قَوَّتِ الانْتَرْنَتْ آفَتَيِ الإِغْرَاقِ فِي اُلْمُتْعَةِ وَاُلْمُخَدِّرَاتِ، بِاُلْمَسْلِكِ اُلْوُجُودِيِّ مَسْبُوقًا بِمُقَدِّمَةٍ فَلْسَفِيَّةٍ تُوَضِّحُ أَنَّ الانْفِعَالَ يَشْتَدُّ كُلَّمَا ضَعُفَتِ اُلصِّفَةُ…………..226 

 ب) بَيَانُ كَيْفَ قَوَّتِ الانْتَرْنَتْ آفَتَيِ الإِغْرَاقِ فِي اُلْمُتْعَةِ وَاُلْمُخَدِّرَاتِ بِاُلْمَسْلِكِ اُلنَّفْسِيِّ، وَهْوَ ذُو مَدْخِلَيْنِ……………………………………………………..230

  1) مُقَدِّمَةٌ طَوِيلَةٌ تُوَضِّحُ هَذِهِ الأَشْيَاءَ : أنّ الزَّمَنَ هُوَ صُورَةٌ مِنْ إِنْشَاءِ النَّفْسِ، وَأَنَّ اُلنَّفْسَ قَدْ تُلاَقِي الصُّورَةَ إِمَّا عَامِرَةً بِاُلْحَوَادِثِ أَوْ خَالِيَةً مِنْهَا، وَلِمَ هِيَ، أَيِ النَّفْسَ، إِنَّمَا تَنْزَعُ إِلَى اللذَّةِ وَاللَّهْوِ وَأَنْوَاعٍ مِنَ اُلْغَيْبَةِ كُلَّمَا زَادَ خُلُوُّهَا، أَيِ اُلصُّورَةَ، مِنَ اُلْحَوَادِثِ………231  

  2) اِبْتِدَاءُ اُلْبَيَانِ بِاُلْمَدْخِلِ الأَوَّلِ، بَيَانًا مَبْنِيًّا عَلَى اُلْمُقَدِّمَةِ الآنِفَةِ………………235

   I) ذِكْرٌ لِخَوَاصَّ كُبْرَى ثَلاَثٍ لِلْحَوَادِثِ اُلْوَاقِعِيَّةِ، وَلِخَاصَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ لاَزِمَتَيْنِ مِنَ الثَّلاَثِ……………………………………………………………..236

   II) ذِكْرُ لِمَ كَانَتِ اُلْحَوَادِثُ اُلْوَاقِعِيَّةُ هِيَ خَاسِفَةً لِلصُّورَةِ الزَّمَنِيَّةِ اُلْمُجَرَّدَةِ، لِلْخَوَاصِّ اُلْمَذْكُورَةِ…………………………………………………………..239

   III) التَّفْصِيلُ تَفْصِيلاً كَبِيرًا لاسْتِنْتَاجٍ سَهْلٍ إِدْرَاكُهُ بِاُلْبَيَانِ اُلْمُتَقَدِّمِ فَحْوَاهُ أَنَّ آَلَةَ الانْتَرْنَتْ إِنَّمَا هِيَ مُجَرِّدَةٌ لِلزَّمَنِ لأَنَّ حَوَادِثَهَا وَهْمِيَّةٌ، وَإِذْ هِيَ كَذَلِكَ انْتَقَضَ إِذَنْ شَرْطُ اُلْعِمَارَةِ اُلزَّمَنِيَّةِ……………………………………………………….240 

  2) اُلْبَيَانُ بِاُلْمَدْخِلِ الثَّانِي…………………………………………….244

   I) ذِكْرٌ لِلْخَوَاصِّ اُلْجُزْئِيَّةِ التَّابِعَةِ لِلْخَوَاصِّ اُلكُلِّيَّةِ لِمَعْقُولِيَّةِ اُلْوَاقِعِ…………….244

   II) ذِكْرٌ لِلأَحْوَالِ النَّفْسِيَّةِ اللاَّزِمَةِ مِنَ اُلْخَواصِّ الثَّلاَثِ اُلْمَذْكُورَاتِ………….245

   III) إِيرَادُ اُلْقَوْلِ فِي كَيْفَ أَنَّ عَالَمَ اُلْوَهْمِيَّاتِ هُوَ ذُو خَاصَّةٍ تَلْزَمُ مِنْهَا خَوَاصُّ ثَلاَثٌ مُقَابِلَةٌ لِلْخَوَاصِّ الثَّلاَثِ اُلْمَذْكُورَاتِ……………………………………..246

   IV) اُلْبَيَانُ بِاُلْبِنَاءِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِمَ أَوْجَبَتِ الانْتَرْنَتْ إِقْبَالاً قَوِيًّا عَلَى اُلْمُتَعِ اُلْحِسِّيَّةِ وَاُلْمُخَدِّارَتِ…………………………………………………………249

خَاتِمَةٌ …………………………………………………..253

فِهْرِسُ اُلْكِتَابِ ……………………………………………254

   إِنَّهُ عِنْدِي لَمْ يُبْدِعِ الإِنْسَانُ شَيْئًا أَضَرَّ عَلَيْهِ وَعَلَى اُلْوُجُودِ مِنَ “الانْتَرْنَتْ”. وَذَلِكَ لَيْسَ فَحَسْبُ لِسَيِّئَاتِهَا اُلْمَعْلُومَةِ لِلْعَامَّةِ كَإِشَاعَتِهَا اُلْفَاحِشَةَ وَاُلْقُبْحَ وَاُلْغُلُوَّ وَاُلْقَسْوَةَ، بَلْ لِمَعْنَى آخَرَ دَقِيقٍ مَنْ يَتَبَيَنّْهُ يَقْضِ أَنَّهَا قَطْعًا هِيَ فَاتِكَةٌ بِالإِنْسَانِيَّةِ وَمُبِيرَةٌ لَهَا كَمَا لَمْ تَكُنْ لِتَفْعَلَهُ لَوْ جُمِعَتْ كُلُّ أَسْلِحَةِ العَالَمِ. وَمَعْنَايَ أَنَّهَا سَائِقَةٌ حَتْمًا إِلَى فَسْخِ الصِّفَةِ.  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*