لا أجد عنوانا لنفسي..! خاطرة بقلم سليم بن حسن من تونس.

سؤال واحد فقط أحاول أن أستسيغ من خلاله حجة أستطيع إقناع نفسي بها : كيف أستطيع مواكبة نفسي حذو الآخرين ؟ عندما أحاول النظر طويلا إلى هذا السؤال ، تعلو ملامحي علامات التفكير المفرط الذي لا يظهر للعيان و إنما أحس به يدق نواميس الكلمات و يبعثر الأفكار و يمزج رهاف الأحاسيس بالألغاز الفلسفية الوجودية .. لأن محاولة معرفة ما إذا كنت تتخطى حدود علاقاتك مع الآخرين فقط رغبة منك لتحقيق رغبة شخصية أو نرجسية ربما ! أو أن تصفع من قبل تهامر الأفكار التي تقيض الوحدة على حساب الكثرة! شيء يثير التكالب الفكري . تخيل نفسك محاطا بأسئلة تنهشك كقطيع ذئاب ينهش نعجة ! إن كل وسيلة تقربني إلى الآخر تبعدني عن آخر مغاير ، لست أفهم هل الأمر مني أم أنها فلسفة الحياة ؟ أم أني فقط غير قادر على التحكم في علاقاتي و توجيهها أو تشذيبها على أطراف متساوية ؟ السير على رصيف المشاعر الجماعية أمر صعب جداً ، و عند الإلتفات إلى رصيف مقابل يحمل نفسك و مشاعرك ككتلة متشعبة تتزحلق فيما بينها بزيت التفرد ، تحس بالإختناق و التأكسد ، كأنك على شفير إختيار موتك ؛ إما عن طريق تجرع السم أو الإنتحار ، علما أن الإنتحار شمة المنهزمين ، و في حالة مثل هذه ، لم أجد نفسي بين طرف منهزم و لا منتصر و حتى بين بين ، ربما لأنني لست موجودا فقط ! و لكنني رغم السوداوية التي ما تلبث أحيانا تسكن فكري و تلعق بسكين شفراتها الحادة معجون أملي المتمثل في الإستمرارية لست كذلك ، لأنني ببساطة مركبة لست شخصا سوداوي ، بل حسب ما يعتقد أصدقائي : أنا شخص إيجابي خفي . أحب الجميع ؛ الحابل و النابل ، الخال من البهرات و المغرق في التوابل ، خاصة أصحاب القلوب النقية و الأفكار العميقة . إن كنت أحب الجميع حقا ، فهل بإمكاني أن أفكر في طمس رغبات الآخرين دون مراعات شعورهم تجاه تصرفي !؟ أم هل سأستطيع أن أحلق بالرغبة الواحدة في أفق الرغبات المشتركة و أقطف بعد ذلك _ أو أن نقطف معا _ ثمار الحب و الصداقة !؟ لا وجود لجواب واحد ، بل توجد آفاق متعدد للسؤال ، و الأجوبة تختلف و تتعدد ، فإن وجدت إجابة فإني إقتربت من حل نفسيتي ، و إن لم أجد فالعزلة _ رغم تعاستها أحياناً _ تبدو أفضل خيار . رجعت بخفي حنين ، بعد أن نزلت جبل الأخلاق ثم نزلت خال منه و قد يأست من كل فكرة و تأملات ساذجة في عالم المشاعر و الدواخل. أنا شخص أشعر كثيرا ، و ربما هذا لا يبدو ظاهرا أو جليا على ملامحي ، و لكنني كذلك ، مرهف المشاعر معقد كطقس يمر و يلبث في زغوان ، ربما بسبب المزاج المتغير دائما و أنا أعتقد حقاً أن المزاج يلعب دورا أساسيا في رسم العلاقات . أحاول أن أفهم نفسي .. ذاتي .. هويتي .. أحاول أن أجمع القطع المبتورة من لعبة الذاكرة و ألفق كل قطعة بأختها كي أرسم صورة واضحة لي .. كي أجدني أين لا أحد يستطيع إيجادي. ألوح بيدي في أفق الأمل الواعد ، ثم تتجمد أناملي بفعل البرد ! لا حظ لي. حتى البرد قد أخذ نصيبه مني ، و كأنه يريد أن يقول من خلال النسمة المتوعكة أن لا شيء قادر على تسخين وجهتي و رفع الوسطى و السبابة معلنا حب الحياة و السلام . معلول من كل شيء .. من الحياة .. من التفاصيل المملة و أروقة الأفكار الجبانة ، و عندما أغوص داخل الأرواح لا أجد من يستحق الغوص من أجله ، كغيمة نفذت من القطرات . أستغرب من العالم ، هذه القرية الكونية الإنسانية لم تعد إنسانية كما كانت ، أو أنها فقدت بريقها بسبب الإنسان ، أو أنها ، تهاوت كجذع نخلة و سقطت كتمثال آن زواله ! لم أعد أدري الصواب من الخطأ ، الحب من التخوف ، أو الصداقة من الزيف .. الوقت لا يمضي هكذا ، يشفي كل علة أو يطمس كل ذكرى ، الوقت جامد فينا ، نحركه عندما أردنا أن نرتقي أو نخمده عندما نحس بالإنكسار .. القدرة على بناء شخصية زمنية تتقدم حينا و تتزعزع أحيانا ، المراوحة بين الطباق و الجناس و محاولة المزج بينهما يمكن أن ينتج طقسا معتدل ، تعتدل فيه درجة حرارة الروح و الأفكار مع تجمد القدرة على المواصلة أو الإنهزام ، و لكن في كلتا الحالتين يخلق قوس قزح الذي من خلاله ترتسم علامات الأمل و الغد الأجمل ، كأن الغيث قد نزل على ضفاف الغيمات و أنتج ضحكة لا إرادية ، و لكن الخفي يحركها و يدير دفة البحث في أخاديد نواميس الحياة كي يجعل من كل المخلوقات_ الإنسان و السماء_ تتشارك مرحلة الشعور و تلتقي بجانب نهر رقراق تنضج فيه أرواح جميلة . أنا لست جيداً ، شرير على وجه ملاك .. لست جيداً لأي شيء .. سيئ كأغنية تجارية و لكنني ، أشعر بالحياة لوجود بضع الأصدقاء المميزة قلوبهم و الطاهرة أرواحهم ، أنتظر منهم كلمة طيبة و إبتسامة تثلج الصدر. سؤال واحد فقط أحاول أن أستسيغ من خلاله حجة أستطيع إقناع نفسي بها : هل إقتربت من حل معظلة الوجود ؟ أهمس لنفسي ضاحكا و قد إنتابني شعور لادغ : ما زلت على الطريق و الأرض موطنك ، إن أردت إيجاد نفسك فلتجدني !.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*