غالبًا الأقدار تختار..! قصة قصيرة بقلم الكاتب على السيد محمد حزين من مصر.

12573885_529472203896248_6725130219435952166_n.jpg

أخذت تتحدث ليّ , تهزي , وتَهرَف بما لا تعرف , تهلوس بكلمات غير مفهومةٍ .. ثم ترنوا إليّ ـ من حين لآخرـ  بنظراتٍ غامضةٍ تشبه علامة استفهام كبيرة ..؟…

وكنت أستمع لها باهتمام بالغ , وأنا أحاول جاهداً أن أفهم ما تقول , وكذلك سر غموضها المفاجئ , وفك شفرتها .. وقراءة ملامحها , باحثاً عن معني لما تقوله .. ولكن هيهات دون جدوى ….

بَيْدَ أني كنت أشعر بأن بيننا مسافات بعيدة .. وحدود , وفواصل لا نهائية , وكثيرًا ما كنتُ أبدي لها اعتراضي على ذلك .. إما تلميحًا .. وربما كان تصريحًا .. أما هي فكانت تتعجب من سؤالي الذي كنتُ دائماً أطرحه عليها باستمرار , وألح به ..

ــ ” لماذا اختارتني أنا بالذات ..؟! “.. أو بمعني أخر ..

ــ ” لماذا وافقت علي الارتباط بي .؟! “.. فلا تجيب إلا بكلمة واحدة فقط  ..  

ــ ” القسمة والنصيب “..

وأخيرًا أقنعنا أنفسنا بأن الحب الصادق , قد يأتي مع الأيام , وبعد الزواج , وتعاهدنا علي ذلك , واتفقنا , ومع ذلك كنت أتيها وفي النفس منها حاجة …. 

” أنا الذي كنت مقطع السمكة وذيلها , الولد الشقي , الجريء , العفريت , الحبوب , دنجوان عصري وزماني , الـذي مشى مع طوب الأرض , وعرف بنات بعدد شعر رأسه ,  وكنت , وكنت , وفي الأخر أتزوج هكذا , زواج صالونات , ” …

ارتبطت بها قدراً , وغالباً الأقدار تختار لنا أشياء كثيرةٍ , بدون رغبةٍ منا أو اختيار .. ثم نكتشف في النهاية بأن هذا الذي كنا نبحث عنه , ونريده ….

كل عالمها الصغيرة كان , أسرتها , البيت , المدرسة , الكتب , وأنا وفقط .. إنسانة بسيطة جدًا, وطيبة جدًا, وخام , لا تعرف شيءً عن أو في الحياة .. خبرتها في الحياة ضعيفة , بل تكاد معدومة .. كانت وباختصار ورقة بيضاء .. وكان يسعدني ذلك منها.. والذي كان يسعدني أكثر, عندما كانت تؤكد ليّ علي انفراد, في كل لقاء يجمع بيننا هذا الأمر .. ثم تهمس في أذني : ” بأنها لم تكن تعرف أحدًا من قبل أن أدق علي بابها , وبأني أول إنسان يقتحم عالمها الصغير .. ويدخل حياتها بقوة …  

فأنظر إليها , أطيل النظر , أدقق في ملامح وجهها البريء , أتفرس طفولته , وأتأملها في حبٍ .. وتمضي الساعات سريعة جداً .. وكأنها ثواني معدودةٍ …..

وكنا نحزن عندما نفترق , أو نبتعد ــ ولو لبعض الوقت ــ عن بعض .. لكن كان عزائنا الوحيد , بأن الذي ربط بيننا , سيجمعنا مرة أخرى  ….

وكنتُ أعد الأيام والليالي , وأنتظر يوم اللقاء بلهفة وشوق , غير أنه كان هناك شعور ما غريب وغامض لا أدري ما هو , هذا الشعور كان يداخلني عندما كنت أتركها وأنصرف , شعور أشبه ما يكون بصراع نفسي بين قوتين متضاربتين .. مد وجزر, حركة وسكون , حزن وفرح , لهفة ولا مبالاة , وربما يكون غير ذلك, لكن لا أدري ما هو بالضبط .. وذلك هو الإحساس نفسه الذي كان يأتيني في اليوم الذي سألقاها فيه, ولا أجد له تفسير.. وكثيراً ما كنت أفكر في عدم الذهاب إليها .. ولكن كنت أنساق إليها تحت تأثير من نوع ما .. وبقوةٍ خرافيةٍ هائلة تدفعني إليها وتحرك قدماي سريعاٍ نحوها.. ربما يكون هذا هو الحب , ربما..؟!.. وربما قدري المبرم  , المبهم .. أو ربما يكون نوعاٍ من الاحتياج ــ إلي امرأةٍ جديدةٍ ــ تدخل حياتي القاحلةٍ , والتي صارت كأرضٍ جرداء تملأها الأشواك من كل ناحية ….

 فلا أفيق إلا وهي واقفة في انتظاري , تنظر إلي من الشباك , تترقبني أن أجيء وقد رسمت علي شفتيها ابتسامة رقيقةٍ , جذابةٍ , وفي عينيها نظرة فاترة ….. وقد بدأ عليه شيء من الخوف , والارتباك اللذيذ , ليزيد في جمالها , ويضيف إلي رصيدها بداخلي .. وحين تلمحني من بعد , تضطرب فرائصها , وتختفي ….

أدخل .. ألتهم السلم في خطوتين , أو ثلاث , لا أذكر .. أصعد إليها .. أجلس .. أنتظرها تأتي إليّ , وأنا قاعد علي الأريكة , أعدُ نفسي , أُستَّف أفكاري, كلماتي .. أرتب هندامي .. وأهيئ نفسي , وروحي , للقائها المنتظر .. تدخل بعدما تكون قد تهيأت لاستقبالي .. يتركنا الجميع وينصرفوا , غير بعيدٍ عنا , أشعر بعيونهم وهي تتلصص علينا ــ من حين لأخر ــ وأذانهم قد صارت رادار لصق علي الحائط .. لكني كنت لا أهتم لذلك …..

أتنحنح .. وأبدأ في الحديث .. أحكي لها عن حياتي .. وعن أسرتي .. ماضيّ وحاضري .. وعن عملي المفضل .. وما أحب , وما أكره .. و… و … و …

” وكنت أأكد لها في كل لقاء .. أنني إنسان مختلف تماماً عن كل البشر .. فأنا غريب الأطوار , متقلب الأمزجة , هوائي , لدي طموحات بحجم الكون , وأحلام تفوق الخيال والوصف , ولكنها مستحيلة المنال .. وبأني ذو أمزجة متباينة , متغايرة .. ولدي رغبة ملحة في تغير العالم من حولي , ليعود كما كان جميلاً , ومليءً بالحب والسعادة , هذا العالم الموبوء , الذي ملئ بالغش , والنفاق , والأقنعة المزيفة …”

وكانت تستمع إلي باهتمام بالغ , وحب شديد .. وفي عينيها بريق كالسحر .. وعلي شفتيها ابتسامة فاترةٍ .. وحين أتعب من الكلام .. أتوقف قليلا لأستريح .. ولألتقط أنفاسي .. وأجفف عرقي الخارط علي وجهي .. فتسألني بذكاء .. وبراءة الأطفال بعينيها

ــ ” لماذا توقفت عن الكلام .؟! “..

فأخبرها بأني قد تعبت , وسئمت من الكلام , ومن كل شيء , ولا أجد ما يقال غير الصمت .. واستحالة السؤال ….

فكثيراً ما كنت أطلب منها بأن تحدثني هي عن نفسها , فتهرب مني , وتختلق الأعذار , وتتعلل بأنها ليست خبرة , وبأنها لا تجيد الكلام , وبأنها ليست جريئة مثلي , ولا فصيحة , وبأنها لا تمتلك البراعة في التعبير , واللباقة التي امتلكها أنا ــ علي حد زعمها ــ حتى تتكلم , وتعبر عما يجول في خاطرها , وما بداخلها .. وفي النهاية تعتذر .. موحية ليّ بأن لديها كلام كثير جداً .. سيخرج في حينه ..؟!. وتمر الأيام , وتتوالي ألقاءات بيننا , وفي كل لقاء أكتشف فيها شيئاً ما جميل … يشدني إليها أكثر, شيءً جميل لم أجده في أي أمراه أخرى عرفتها من قبل , أو صادفتها في حياتي .. شيء جميل لا أدري ما هو ..؟!..

وبدأتُ أشعر بأن الهوة ــ التي كانت بيننا ــ متسعة اقتربتْ وارتأبتْ ….

وبأن الاختلاف الكبير الذي كان بيننا والذي كان يصل أحياناً إلي التصادم قد ألتقى في نقطةٍ اتفاق .. وكأن شيءً لم يكن ….

وبأن الأمور التي صارت بلا عودة ثبتتْ , والمسافات التي حاولت جهدي أن أقربها وحدها اقتربتْ .. والحصون المنيعة التي حاولتُ جهدي أن اهدمها قد هُدمتْ بعدما كانت قلاعًا محصنة .. كلها اندكت مرة واحدة تحت أقدام القدر ..

ثم أعود إلي بيتي .. أدخل غرفتي الصغيرة .. أغلق الباب عليّ .. أوقد المصباح..  أفتح النافذة التي تطل علي الليل , والقمر , والنجوم في السماء تتراقص جزلة … أسحب كرسي وأجلس , أفكر فيها , أتخيلها تجلس بجواري , أحدثها , وتحدثني ,  ألاعبها , وتلاعبني , وأظل هكذا حتى الصباح …..

وعندما أنام أحلم بها أيضاً .. ويأتيني طيفها في المنام … فـ …….

One Reply to “غالبًا الأقدار تختار..! قصة قصيرة بقلم الكاتب على السيد محمد حزين من مصر.”

  1. الكاتب في سطور
    * الاسم / على السيد محمد حزين
    * وإسم الشهرة / على حزين
    * تاريخ اليلاد / 8 / 8 / 1967
    * المؤهل / ليسانس ا صول الدين والدعوة الاسلامية باسيوط
    * شعبة / الحديث وعلومة .
    * يعمل / إمام وخطيب بالأوقاف المصرية
    * العنوان / ساحل طهطا / سوهاج
    * عضو عامل في نادي أدب طهطا
    * عضو مركزي / محاضر مركزي سوهاج ..
    * عضو عامل لشعراء العامية المصرية .
    * كاتب.. وقاص .. وروائي .. وشاعر
    * دعي للعديد من المؤتمرات الأدبية .
    * دعي للعديد من المؤتمرات الأدبية .
    * شارك في ندوات المجلس الأعلى للثقافة
    * منها ” المؤتمر الأدبي الخامس عشر لإقليم وسط الصعيد الثقافي, بالوادي الجديد ” الخطاب الثقافي وسط الصعيد ( الواقع والمستقبل ) 3/ 3/ 2015
    *مؤتمر أدباء إقليم وسط الصعيد الثقافي بسوهاج لعام ــ 2016 ” المؤسسات الثقافية والحراك المجتمعي ”
    * ومهرجان القصة القصيرة الأول بسوهاج 26 / 11 / 2017 / أجيال .. وإبداع دورة القاص القدير الأستاذ / محمد عبد المطلب
    * مؤتمر نادي القصة السادس بأسيوط ” القهر والاستبداد في سرديات كتاب الصعيد” دورة الأديب الراحل ” محمود البدري ـ 7 / 12 / 2017
    * مؤتمر اليوم الواحد بمحافظة سوهاج … ” تجليات الإبداع الجديد في سوهاج ” 3 / ابريل / 2019 …
    * نشر أعماله في العديد من الدوريات والجرائد والمجلات الأدبية المصرية علي سبيل المثال جريدة ” الجمهورية ـ والأهرام المسائي ـ و روزليوسف ــ واليوم السابع ــ وجريدة المساء ـ وأخبار اليوم ــ مجلة الحوار ــ ومجلة أقلام ” وغير ذلك
    * شارك في كثير من ندوات المجلس الأعلى للثقافة
    * كرم بشهادة من ” مؤسسة اسرار الأسبوع ” في احدي جولاتها الرائعة في قصر ثقافة سوهاج مساء يوم الاربعاء 8 / 2 / 2017 .. والتي يرئس مجلس إدارتها الشاعر الكبير // محمد سليم الديب
    * تناولت بعض اعماله ضمن ” رسالة ماجستير ” للقصة القصيرة في سوهاج للاستاذ الباحث // السيد محمد علي // ابن سوهاج وقد اشرف علي رسالته الاستاذ الدكتور // محمد عبد الحكيم // ” جامعة اسوط ــ كلية الأداب ــ قسم اللغة العربية ــ الدرسات العليا ”
    * نشر عملة ضمن كتاب الجمهورية ” 50 قصة قصيرة .. ” في يونية عام 2000 ..
    * نشرت أعماله بالصفحات والمجلات والمواقع الأدبية التي تتصل بعالم الفضاء الإلكتروني .ــ مثل موقع فيتو , والمنار الدولية , والمجلة الجزائرية الثقافية , وصدى الفصول , ومجلة المصباح دروب أدبية , وغير ذلك الكثير ,
    * له ثلاث مجموعات قصصية مطبوعة ــ
    1 ــ ” دخان الشتاء” من الهيئة العامة لقصور الثقافة عام 1999 م ..
    *2 ــ ” وحفيف السنابل ” عن فجر اليوم للطباعة والنشر عام 2004 م
    * 3ــ ” أشياء دائماُ تحدث “عن فجر اليوم للطباعة والنشر عام 2004 م
    * وفاز بالمركز الأول مرتين علي التوالي في مسابقات أدبية لنادي أدب طهطا .. ما بين عام / 1997 إلي عام 2000 م
    * وله تحت الطبع ـ مجموعتان قصصيتان”غرفة رقم (5)” و”بورترية”
    * تحت الطبع ــ روايتان 1 ــ ” اجازة ” … 2 ــ ” ايراد ”
    * تحت الطبع ــ ديوان “ولسه بحلم” عامي ” تغريدات صغيرة ” فصحى
    * للمراسلة ــ ساحل طهطا ـ حارة العبد ــ سوهاج
    * البريد الإلكتروني :
    alielsaeed472@yahoo.com
    * للمراسلة ــ ساحل طهطا ـ حارة العبد ــ سوهاج تليفون محمول
    محمول / 01018763675
    وتليفون ارضي 4761104مفتاح 093 ـــ 093476110 ” منزل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*