غَسَقَتْ أَعْيُنُ الشُّهَدَاءِ..! بقلم الشاعر عمر سبيكة من تونس.

السَّمَاوَاتُ تَصْعَدُ مِنْ وَجَعِ الأَرْضِ،
يَصْعَدُ مَغْرِبُهَا
وَ الصَّبَاحْ،
السَّمَاوَاتُ تَصْعَدُ مِنْ آهَةِ الْأَرْضِ
كَالمَطَرِ الصَّادِحِ،
كَالدَّمِ المُسْتَبَاحْ،
تَحْرُسُ الطَّيْرَ
حِينَ يُغَادِي
وَ حِينَ يُرَاوِحُ أَعْشَاشَهُ
وَ الجَنَاحْ.
رُبَّمَا
حَطَّتِ الْأَرْضُ بِالْأَرْضِ،
أَوْ رُبَّمَا
رَاقَتِ الْأَرْضُ رَقْرَاقَهَا،
رُبَّمَا
مَسَّتِ الْأَرْضَ أَجّْنِحَةُ الطَّيْرِ،
أَوْ رُبَّمَا
مَسَّهَا الظِّلُّ مُحْتَفِلًا،
ربّمَا
صَاغَتِ الْأَرْضُ أَجْنِحَةَ الظِّلِّ،
أَوْ رُبَّمَا
قَالَهَا الظِّلُّ مُرْتَجِلًا،
قَاوَمَ الظِّلُّ
كَمْ قَاوَمَ الظِّلُّ،
وَ انْشَقَّ مِنْ شَجَرِ اللَّيْلِ ظِلٌّ،
وَظِلٌّ
تَدَلَّى إِلَى الْأَرْضِ،
ظَلَّلَ جُثْمَانَهُ
و الدّمَاءْ،
وَ عَمَّ الْمَدَى مَطَرٌ
تَتَطَايَرُ أَسْرَابُهُ
وَ السَّرَابْ،
قَاوَمَ الظِّلُّ،
كَمْ قَاوَمَ الظِّلُّ،
وَ انْسَابَ مِنْ نَظْرَةِ اللَّهِ دَمْعٌ
وَ دَمْعٌ،
وَ دَمْعٌ
أَرِاقُ اغْتِرَابَ التُّرَابْ،
قَاوَمَ الظِّلُّ،
وَ امْتَدَّ
تَحْتَ رَمَادِ الْمُخَيَّمِ مَدٌّ
وَ مَدٌّ
وَ مَدٌّ،
غَسَقَتْ أَعْيُنُ الشُّهَدَاءِ،
تَرَاءَى الْخَيَالُ،
يُرَاقِصُ تِمْثَالَهُ
فِي مَرَايَا الْخَيَالْ،
رُبَّمَا انْفَلَتَ الظِّلُّ
مِنْ جَسَدِ الطِّفْلِ،
أَوْ رُبَّمَا انْسَحَبَ الطِّفْلُ
مِنْ رَقْصَةِ الظِّلِّ،
أَوْ رُبَّمَا انْسَحَبَ الطِّفْلُ مِنْ رَقْصَةِ الْمَوْتِ عِنْدَ انْهِيَارِ الْمَبَانِي،
رُبَّمَا فَارَقَ الطِّفْلُ أَطْيَافَهُ
فِي فَيَافِي الْفَلَا،
رُبَّمَا ابْتَسَمَ الطِّفْلُ،
أَوْ رُبَّمَا،
رُبَّمَا ارْتَسَمَ
بِالسَّنَا،
رُبَّمَا
رُبَّمَا ارْتَجَلَ الطِّفْلُ مَشْرِقَهُ،
رُبَّمَا ارْتَجَلَ الطِّفْلُ مَغْرِبَهُ،
رُبَّمَا ارْتَجَلَ الطِّفْلُ عَوْدَتَهُ
فِي خَيَالِ الْمُخَيَّمِ،
فِي غَيْهَبِ الْغَيْمِ،
غَسَقَ الْغَيْمُ،
وَ ارْتَجَلَ الطِّفْلُ مَوَّالَهُ
فِي الصَّدَى الْمُقْفَلِ،
غَسَقَتْ أَعْيُنُ الشُّهَدَاءِ،
وَ بَاحَ التُّرَابُ
إِلَى مَطَرٍ
يتَرَقْرَقُ
بِالنَّظَرَاتِ الْغَرِيقَةِ،
اكْتَمَلَ الْحَفْلُ،
لَكِنَّهُ الطِّفْلُ يَذْكُرُ أَوْصَافَ قَاتِلِهِ،
دَائِمًا
يَتَذَكَّرُ،
هَلْ يَتَذَكَّرُ مَنْ شَقَّ أَحْجَارَهُ الطَّلَلُ؟
غَسَقَ الْغَيْمُ،
وَ احْتَفَلَ الْمَطَرُ،
رَاقَصَ الطِّفْلُ أَطْيَافَهُ
فِي خَيَالِ الْمَرايَا
وَ فِي دِيمَةِ الدِّيَمِ،
رُبَّمَا
أَخْطَأَ الشُّهَدَاءُ الطَّرِيقَ إِلَى جَنَّةٍ تَتَفَتَّحُ أَبْوَابُهَا
كُلَّمَا اقْتَتَلَ الْأَهْلُ،
أَوْ كُلَّمَا انْخَرَطَ الْأَهْلُ
فِي رَقْصَةِ الْمَطَرِ،
رُبَّمَا
أَخْطَأَ الشُّهَدَاءُ الطَّرِيقَ إِلَى جَنَّةٍ تَتَفَتَّحُ أَبْوَابُهَا
كُلَّمَا انْسَحَبَ الطِّفْلُّ مِنْ ظِلِّهِ الْمُتَضَائِلِ،
فِي حَفَلَاتِ الدَّمِ الْمُقْمِرِ،
رُبَّمَا
أَخْطَأَ الشُّهَدَاءُ الطَّرِيقَ إِلَى جَنَّةٍ تَتَفَتَّحُ أَبْوَابُهَا
كُلَّمَا اغْتَسَلَ الْمَاءُ أَوْ كُلَّمَا اغْتَسَلَ،
وَ اعْتَلَى،
وَ تَبَتَّلَ،
أَوْ كُلَّمَا انْطَفَأَ اللَّيْلُ فِي هَجْمَة اللَّيْلِ
وَ احْتَفَلَ،
رُبَّمَا
انْطَفَأَ اللَّيْلُ،
أَوْ رُبَّمَا انْطَفَأَ الْأَهْلُ،
أَوْ رُبَّمَا ارْتَكَبَ اللَّيْلُ فِي مَغْرِبِ الْأَهْلِ مَظْلَمَةً،
غَسَقَ الْمَاءُ
وَ اسْتَرْسَلَ الظَّمَأُ.
السَّمَاوَاتُ تَصْعَدُ مِنْ وَجَعِ الأَرْضِ،
لَمْ يَعْرِفِ الطِّفْلُ صُورَتَهُ
فِي ارْتِبَاكِ الْمَرَايَا،
وَ لَمْ يَعْرِفِ الطِّفْلُ مَشْرِقَهُ
فِي انْهِمَارِ النَّهَارِ،
وَ لَمْ يَعْرِفِ الطِّفْلُ دَوْلَتَهُ
فِي الْتِبَاسِ الْغُبَارِ.
وَ لَمْ يَعْرِفِ الطِّفْلُ خُطْوَتَهُ
فِي ارْتِبَاكِ الْخُطَى
وَ الثَّنَايَا،
وَ لَمْ يَعْرِفِ اللَّهُ انْسَانَهُ
فِي انْفِجَارِ الْمَدَى المُتَفَجِّرِ،
هَذِي الْقَصِيدَةُ،
هَلْ كَانَ فِي وِسْعِهَا أَنْ تُعِيدَ إِلَى اللَّهِ انْسَانَهُ الْآفِلَ،
وَ السَّمَاوَاتُ،
هَذِي السَّمَاوَاتُ،
هَلْ كَانَ فِي وِسْعِهَا أَنْ تُعِيدَ إِلَى الْأَرْضِ إِسْهَابَهِا الذَّابِلَ؟
لَمْ تُشْرِقِ الْأَرْضُ حَيْثُ الْخِيَامُ تُفَاوِضُ مِنْ أَلْفِ عَامٍ وَ أَكْثَرَ رِيحَ الْمَعَارِكِ،
لَمْ تُشْرِقِ الْأَرْضُ،
لَمْ نَتَصَالَحْ مَعَ الرِّيحِ حَتَّى نَذُرَّ تَفَاصِيلَنَا وَ الْحَيَاةَ
كَمَا تَشْتَهِي الرِّيحُ،
لَمْ نَتَصَالَحْ مَعَ الْمَوْتِ
حَتَّى نَمُوتَ
كَمَا نَشْتَهِي أَنْ نَمُوتَ،
فَهَلْ أَخْطَأَ الشُّهَدَاءُ الطَّرِيقَ
إِلَى جَنَّةِ اللَّهِ؟
هَلْ أَخْطَأَ الظِّلُّ
حِينَ نَأَى
عَنْ مُقَارَبَةِ الأَرْضِ وَ الرُّوحِ وَ الْمَاءِ وَ النَّارِ؟
هَلْ أَخْطَأَ الظِّلُّ
حِينَ رَأَى مَا رَأَى مِنْ غُبَارٍ
يَشُقُّ سَمَاءَ الْغُبَارِ؟
هَلْ كَانَ فِي وُسْعِهِ
أَنْ يُنَدِّدَ،
أَم ْكَانَ فِي وُسْعِهِ
أَنْ يُشَدِّدَ قَوْلَتَهُ الْفَارِقَهْ؟
رُبَّمَا كَانَ فِي وُسْعِهِ
أَنْ يُؤَبِّنَ قَتْلَى الْغُبَارِ،
وَ لَمْ نَتَصَالَحْ مَعَ الْمَوْتِ،
لَمْ نَتَصَالَحْ مَعَ الرِّيحِ،
وَ اقْتَتَلَ الْعَرَبُ مِثْلَمَا اقْتَتَلُوا،
غَسَقَ الْغَيْمُ،
وَ احْتَفَلَ الْعَرَبُ مِثْلَمَا احتَفَلُوا،
مِثْلَمَا احْتَفَلُوا بِانْطِفَاءِ الْبِلَادْ،
مِثْلَمَا احْتَفَلُوا بِانْطِفَاءِ الرَّمَادْ،
وَ لَكِنَّنَا
خِلْسَةً نَتَسَلَّلُ
نَحْوَ بَرِيقٍ يُرِيقُ بَهَاءَ أَزِقَّتِنَا،
خِلْسَةً نَتَسَلَّلُ
نَحْوَ بَقَايَا مَسَاكِنِنَا،
فَلَنَا فِي تَقَادُمُهَا
مَا يُبَرِّرُ إِسْهَابَ لَحْظَتِنَا،
وَ لَنَا فِي رِحَابِ حَدَائِقِهَا
ما يُعَطِّرُ قُدَّاسَ فِكْرَتِنَا،
خِلْسَةً
نَتَسَلَّلُ،
لَكِنَّنَا
لَا نَكَادُ نُحَاوِلُ
أَنْ نَلْمَسَ الْمُمْكِنَ،
لَا نَكَادُ نُحَاوِلُ
أَنْ نَتَسَلَّلَ
نَحْوَ مَدَاخِلِ بُسْتَانِنَا،
لَا نَكَادُ
نُحَاوِلُ أَنْ نَصِفَ الْمَشْهَدَ الْكَامِنَ
حَتَّى تَضِيقَ السَّمَاُءُ بِأَوْصَافِنَا.
نَتَوَضَّأُ
كَيْ نَرْتَقِي لِسَمَاءِ حَنَاجِرِنَا،
فَلَنَا فِي طَلَاقَتِهَا،
وَ لَنَا فِي بَرَاءَتِهَا
مَا يُبَرِّرُ إِنْشَادَنَا،
لَا نَكَادُ
نُعَاوِدُ إِنْشَادَنَا الْمُتَصَاعِدِ،
حَتَّى تَضِيقَ السَّمَاءُ بِتَرَانِيمِ حَفْلَتِنَا،
نَتَوَضّأُ
كَيْ نَتَسَلَّلَ
أَوْ نَتَخَيَّلَ
أَنَّ لَنَا شَجَرٌ مُقْمِرٌ
يَتَذَكَّرُ،
كَانَ الْإِلَهُ
قَتِيلًا
يُقَاتِلُ،
كَانَ يَحَاوِلُ
أَنْ يَتَخَيَّلَ،
كَانَ يُحَاوِلُ أَنْ يَتَسَلَّلَ
كَانَ يُذَكِّرُنَا
كَيْفَ يُدْمِي الرَّصَاصُ الْمُقَدَّسُ نَايَ مَقَابِرِنَا
وَ الْمَبَانِي،
وَ كَانَ يُذَكِّرُنَا
كَيْفَ تُدْمِي فَتَاوَى الْمُلُوكِ انْتِظَارَ التُّرَابِ،
و َكَانَ يُعَلِّمُنَا
كَيْفَ يَحْمِي الْمَدَى مَدَّهُ،
وَ يُعَلِّمُنَا
كَيْفَ تَحْمِي الْأَغَانِي خَيَالاَتِ أَعْشَابِنَا
مِنْ رَصَاصِ السَّمَاءْ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*