سموم لذيذة..! خاطرة بقلم نادر الكافي من تونس.

اكتشفت مؤخرّا منذ حوالي السنتين عندما صفعني أحد الأصدقاء المقرّبين بخيانته على وجهي.. أن الصّداقة مظهر من مظاهر الإجتماع الإنسانيّ المؤذي.. فتلك الرّاحة النّفسية التي تستشعرها في حضورهم هي نفسها الصّدمة التي تلي خياناتهم.. فبقدر راحتك و عاطفتك التي تهبها لهم بقدر الألم الذي تتحصل عليه لاحقا..

أجلس الآن في ركن من أركان المقهى الذي يعج بالثنائيات و الرباعيات التي تدّعي الصداقة.. ربما كل هؤلاء لم تجمع بينهم لحظات ودّ مثل تلك التي جمعتني بصديقي السابق.. لكن هذا لن يمنعهم بأن يتصنّعوا الصداقة حتى على أنفسهم.. لو سألت أحدهم لقال لك أنه يهب عمره لصديقه دون تردّد.. و يحلف لك بكل الأيمان أنه لن يخون صديقه.. لكنّه سيفعل.. و لن يؤنبه ضميره لذلك أبدا بل ربما ستخزيه نفسه التي تخاف كلام الناس عنه لاحقا ان فعل.. هذا كل ما في الأمر..

يتسائل بعض معارفي عن سر اعتزالي للناس بعد أن كنت اجتماعيا محترفا.. فقد كنت أشعّ بالمحبة و النّشاط و الودّ.. و كان أصدقائي بالعشرات.. بل أن زوجتي أحيانا كانت تتذمّر من كثرة علاقاتي و مشاويري “المهمّة” مع الأصدقاء.. أما الآن فعدت اكتفي بإلقاء التحية من بعيد للجميع وسط اندهاشهم مرورا لركني المفضل في مقهى الحيّ.. لكن الممتع في الأمر حقّا أن إشعاعي الذي كان يميزني أصبح في داخلي.. لي وحدي.. لا أهبه لأحد.. بل أهب الجميع قدر النفاق الذي تبديه ابتساماتهم.. أصبحت أتوهج لنفسي.. و أتعلم لنفسي و أستمتع بصداقة نفسي.. لا تحزنني أخبار الناس و لا تزعجني ثرثراتهم وراء ظهري..

ربما لا يستطيع الكثيرون أن يبرزوا مشاعرهم للجميع على هذا الفضاء الإفتراضي خوفا من نظرات الناس المستغربة و السنتهم التي تنخر الفولاذ و خوفا من أن يفشوا أسرارهم للغرباء.. و عوضا عن ذلك لاكتفوا بجلسة خمرية ليفشوا للشيطان آلامهم و يخبروه بلوعاتهم و تحسراتهم لما خبروه.
أما أنا ففعلا لم أعد أهتم لما سيقول القائلون.. أصبحت حرا من كل قيد و شرط.
أصبحت غريب الاطوار و الإبتسامة تعلو محياي.

.

3 Replies to “سموم لذيذة..! خاطرة بقلم نادر الكافي من تونس.”

  1. هذا هو واقعنا الذي نعيشه كل يوم
    و ما الصداقات إلا ابتسامات زائفة تكشفها المواقف
    رب ضارة نافعة اخي
    الحياة دروس و تجارب و كلٌ خَبرها بطريقته و حسب ضروفه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*