أغبرة الذاكرة..! قصة قصيرة بقلم شعبان رداوي من تونس.

L’image contient peut-être : 1 personne

جلس كعادته أمام طاولة في المقهى . يترشف كأس الشاي ببطئ وعيناه تتابعان بتثاقل المارة بين الحين والآخر ،وفي بعض الأحيان يتابع لعبة ورق حامية الوطيس في الجهة المقابلة…. أربعة رجال ملتفين حول طاولة اللعب وأعينهم تدور كحجر الطاحون تراقب كل حركات وسكنات الخصوم في محاولة للقيام بمناورة خبيثة تدفع نحو النصر . ولم تمض برهة من الزمن حتّى تعالى الصراخ بهزيمة أحدهم .وتحول الصراخ إلى معركة وتطايرت اللكمات وسالت الدماء ولولا الجبهية التي فكت النزاع لقضى الجميع الليلة في السجن يتجرعون مرارة تعذيب المأمور ولزاجة جدران الحبس وعطونة أرضيته التي أكلتها الرطوبة . وتحمل النادل المسكين تنظيف الفوضى وأعاد ترتيب الكراسي في هدوء وعاد السكون للمقهى من جديد إلاّ من طلبات الزبائن بين الفينة والأخرى.

كل هذا وذلك الرجل الغريب يتابع الوضع بابتسامة خفيفة تعلوه محياه و…” هاي يا نادل .. كأسا ثانية من الشاي لو سمحت “

وعاد إلى هدوءه معدلا ياقة معطفه محسنا في هندامه .. “ذلك المعطف يحمل في طياته كما هائلا من الذكريات .. كان سميره في ليالي السهاد والأرق وأنيس وحشته في غربة إشتياقه .ورفيق دربه الذي ذاق معه الأهوال وعايش معه معظم سنين حياته بحلوها ومرها

وهاهو الآن ظله الذي يرافقه أينما حل وجليسه في المقهى يتابع معه أحوال المارة ويترشف معه كأس الشاي و..”

-تفضل يا سيدي كأسك ..

-شكرا لو سمحت كأسا ثالثة من الشاي .

…….

– هل تنتظر أحدهم يا سيدي ؟

-لا لقد جاء أحدهم معي وهذا طلبه

..ورفع النادل حاجبيه من الدهشة محاورا نفسه بصوت خافت يكاد لا يسمع لكن لم يخف على أذني الكهل ذو المعطف .”ربما يكون معتوها أو مخبولا إذ لا أحد بجواره ولم أر أحدا يمر أو يجلس حذوه من ساعة قدومه إلى المقهى .. على كل حال فلأُنفذ رغبته .يبدو أنه مسكين” … كل هذه الأفكار دارت بخاطر النادل والرجل يرقبه وقد أدرك ما يدور بباله .. من خلال قسمات وجهه التي تنمّ عن الحيرة وهمهاته وكهل خبير مثله ليس من العسير عليه على الإطلاق استدراك ذلك….. وخشي النادل أن يبلغ الرجل صاحب المقهى بما حصل فيقع في ورطة فحاول أن يتصرف ينقذ الموقف

-طيب يا سيدي سأحضر لك الكاس الثالثة لكن على حسابي

-“لاداعي .. هاهي أجرة خمس كؤوس من الشاي . وخذ “

وناوله بقشيشا سخيا مرفوقا بابتسامة عريضة جعلت النادل يقع في حيرة من أمره ” هيييه ما هذا التصرف الأرعن .. لو كان سمعني حقا لما قال ماقال “.

. لكنه لم يلبث أن أخذ النقود بلهفة وذهب مسرعا من حينه ليحضر له طلبه ..

…. وفي انتظار كأس الشاي الثالثة كان الرجل الغريب يوشك على انهاء تلك التي بين يديه ووأمسك بياقة معطفه مجددا يعدلها ومسح ذرات هباب فحم النارجيلة المتناثر عليه ووقف مشيرا بيديه إلى النادل ببرود .” لاداعي لكاس إضافية . أنا ذاهب .. “

ويبدو أن النادل قد تعود منه التصرفات الغريبة فلم يحفل به خصوصا وأنه قد اطمأن إلى عدم افتضاح أمره بالإضافة إلى الإكرامية السخية التي راقت له في وقت لم يعد روادالمقاهي يعطون فيه دينارا واحدا زائدا عن الحاجة . وفي الحقيقة هم معذورون فحال القرية كحال البلاد تماما تغرد بجانب هدير شلال . إبتلع صوتها وغمره ولم يعد صداها يتردد في الأجواء …. وأومأ برأسه بعلامة موافقة ويداه تعملان في سرعة لتحضير طلبات بقية الزبائن وحاجباه معقودان على براد الشاي فوق النار …..

وذهب الرجل الغريب في طريقه ملقيا التحية على من يعترض طريقه من المارة وعزم كعادته على أن يذهب لكهف الاختلاء الخاص به …. لازال الطريق طويلا إليه لكن لن تكون أطول من حبال افكاره وسهام بلباله التي تخرق مابقي فيه من عقل بعد عمر يناهز الخمسين سنة.والمسافة لاتعني له شيئا بقدر ما يعنيه وصوله إلى وجهته.. ووصل إلى معتكفه مع غروب الشمس حيث أشعل النار وجلس يصطلي حرارة الدفئ المنبعث من اللهب ويزفر بقوة كأنما يستعين بها على اطفاء الحرائق المشتعلة في فؤاده … وأمسك بعود غض طفق يقلب به الخشب المحترق في هدوء محدثا بين الحين والحين فرقعة مخيفة يتجاوب صدى صوتها في أركان الكهف القديم … وهنا غابت شخصية الكهل الغامض رائد المقهى وانقلبت إلى رجل حزين منكسر كأنما قد مرت فوق ظهره سنابك خيل الدهر ورفسته بقوة حتى حطمت جذوة القوة التي تسري في كيانه ونزلت دمعة خفيفة انسابت في هدوء متسللة من بين الجفون وأطبق رموشه في محاولة بائسة لكبتها عن الخروج .. ‘لماذا أكبتها وأمنعها فلتخرج . فلتخرج.. فلتخرج لترى الدنيا كما رآها غيرها . لترى الحياة لتعيش زمانها وتننتعش بالدنيا ولكي تسكب بلسم الحب في عيون والدها الهرم … ‘

وينهض محموما لباب الكهف وهو ينادي “فلتخرجي .. فلتخرجي … ” وتخنقه العبرات فتحجب عنه بصيص الكلمات وينهار جدار الصمت عن أفكاره وتخرج آخر الكلمات منه بصعوبة ” لا .. لا تخرجي يا بنيتي … لا تخرجي .” ….

ويعود بعدها مهموما إلى النار التي أشعلها بعد أن لسعه البرد واأيقظه من أحلام يقظته .. ويمر شريط حياته أمام عينيه وجفنيه الحمراوين فيطبقهما . لقد حاول عبثا ان يتذكر الحلقة المفقودة من ذلك الشريط لكن دون جدوى . كل ما يتذكره هو لحظة امتزاج دموعه الحارة بدم ابنته المضرج القاني .. يتذكر جيدا آخر إختلاجات أنفاسها. ولكن لا يتذكر كيف وصل إلى هناك ولا من فعل ذلك بفلذة كبده. ثم يمسك العود الأخضر من جديد وقد احترق طرفه ليقلب به النار .

والله أعلم ماقد جرى بين لفح النار ووهجها المتقد وبين ابنته التي لا يتذكر منها شيئا سوى مشهد موتها المريع وبين معطفه الذي يكن له الإحترام والتبجيل دون معرفة سر هذه العاطفة .. وبين نحيب أفكاره المتهاطلة ككتل الثلج البارد وهباب فحم النارجيلة وكأس الشاي في المقهى .. تبقى حكاية الرجل الغريب معلقة على أمل أن لا يعود إلى المقهى أبدا وإن حدث وعاد سيحاول عبثا أن يطلب كأسا من القهوى بدل كأسه المعتاد .. فقد أيقن أن التغيير جزء من حاضره وماضيه المبهم لن يحاول أن يكتشف فيه أكثر مما اكتشف لأنه سيعيش حياة أفضل بعدم نفض الغبار عن ذاكرته..

2 Replies to “أغبرة الذاكرة..! قصة قصيرة بقلم شعبان رداوي من تونس.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*