إلى صلاح الدين الأيوبي..في مرقده الأزلي… بقلم الكاتب محمد المحسن من تونس.

كم قطّرتك الثنايا..لنشرب ضوءك
قم من سباتك..وجُرَّ الفيافي لنبعنا
لينتعش الظامئون بمائنا


“ليس بالدماء تصنع المكانة التاريخية.. ولكن بالإنجازات ذات البعد الإنساني”                                           
            الآن..وهنا أراني أقف أمام قبرك واجما وفي المآقي دموع تلألأ-بخجل-هنالك أواصر تجمعنا ليست تاريخية فحسب بل إنسانية..لذا لا أشكو إلى أحد في زمن حفاة الضمير وفاقدي الكرامة والمثل العليا،سيما أنّ أكثرهم اعترفوا أنّ نصف فلسطين ليس عربيا.”أحاول أن أن أخرج من وجعي الممضّى،الذي حملته على كتفي عبر سنوات عجاف،أي مذ علموني في المدرسة أنّ فلسطين عربية،وأنّ الذين وفدوا إليها من كل أرجاء الدنيا ليسوا إلا غزاة وغاصبين”أحاول الإلتفاف يائسا على فكر الهزيمة،ثم النكسة المريرة،ثم نصف الإنتصار ونصف الهزيمة،وأرنو إلى زمن بهيج مكلل بإنتفاضة-عمياء-كتلك التي جسدها أبناء فلسطين،كي لا نعود إلى أخطاء جسيمة عشناها بحمق ونعيشها حد الآن بغباء مفرط حتى تحولنا إلى ذئاب تعوي في صحراء لا تخوم لها..أحاول جاهدا يا-صلاح الدين-أن أصحّح المسار الخاطئ الذي سلكناه في زمن ضلللنا فيه الطريق إلى الحكمة وباتت فيه المناداة بتحرير فلسطين جريمة لا تغتفَر،بل عنصرية لا سامية توجب المقاضاة أحيانا.في هذا الزمن السافل،عندما يلجأ المحبطون إلى الأنبياء والأولياء والقدّسين،ألجأ إليك ومواجعي خلف شغاف القلب تنخرني..وسؤالي إليك وأنت في مهدك الأبدي:أين أنت لتشدّ آزرنا وتخلصنا من غبار العواصف ودمدمة الرعود ووميض البروق الساطع علّ تعود فلسطين التي حلمنا بعودتها منذ أكثر من نصف قرن متخم بالدموع..؟هانحن نناشدك علك تستفيق من سباتك لتدثرنا برجولتك وشجاعتك في زمن غدت فيه الرجولة والكرامة زبدا وطواحين ريح..ها نحن نعود إليك كاليتامى كي نستريح في ظلالك الممتدة بين دم جعفر بن أبي طالب* وعبد الرحمان الغافقي**..وأن نحلم -حلما طوباويا-يدغدغ مشاعرنا ويرتفع بها من حدود الصين إلى مشارف أوروبا..الحلم في زمن الإنكسارات جميل شريطة أن لا ننحني إلى كل غاصب أو محتل..سؤال لجوج يقضّ مضجعي: هل أستطيع في هذا الزمن المتخم بالرداءة أن أحتمي بك معاهدا إياك أن لا أفرّط في ذرّة تراب واحدة مثلما أوصيتنا أن لا نتاجر بعرض فلسطين وأن لا نساوم بالأوطان أو نبادلها كراقصات في ملهى..تنخرني المواجع وينال مني الإحباط في نخاع العظم وقد مضى على ذكرى النكبة واحد وسبعون عاما..فقم من سباتك يا سيدنا وتقاسم معنا الجراح في زمن يزدحم بحفاة الضمير من الخليج إلى المحيط..حجارة صمّاء سلاح أبناء فلسطين في حربهم ضد المستعمر اللئيم إغتالوها وحولوها إلى ألقاب مفرغة من معانيها وسجّاد أحمر،وموائد مفاوضات عبثية..وعلم لا يحمل معانيه..قم من سباتك وتنكّب سيفك وقوسك وأصرخ بملء الفم والعقل والقلب والدم:”لو كنتم في السحاب لحملنا الله إليكم ولأنزلكم الله إلينا”هانحن نقاتل بالنيابة عنهم جميعا وسنظل نقاتل حتى ولو لم نجد غير أظافرنا وجدران المقابر متاريس وأسلحة للقتال..ووسنتمترس بشجاعة من لا يهاب الموت خلف خط الدفاع الأول: فلسطين..قم من سباتك يا صلاح الدين الأيوبي فقد أوغل ليلنا في الدياجير..

على سبيل الخاتمة:

قد كان صلاح الدين وبحق واحدًا من قادة الإسلام العظام، فقد حافظ على كفاح متساوي ضد جيوش الصليبيين العديدة والمتفوقة لمدة ربع قرن من الزمان، فقد احتل مكانة عظمى في تاريخ العصور الوسطى، ليس فقط للإنجاز العسكري بل أيضًا لإنسانيته، فليس بالدماء تصنع المكانة التاريخية ولكن بالإنجازات ذات البعد الإنساني.

ذلكم صلاح الدين الأيوبي الذي طبقت شهرته الآفاق، فهو الشخصية الأكثر رومانتيكية لعصر الحروب الصليبية، تمكن من غزو الصليبيين في نفوسهم وعقولهم وقلوبهم، وهذا ما لم يحدث بالنسبة لأي قائد صليبي على نحو يكشف لنا تفوق المسلمين في صورة صلاح الدين الذي يكاد يكون الشخصية المسلمة الوحيدة في عصر الحروب الصليبية – إن لم يكن في القرون الوسطى- الذي نُسج بشأنه أسطورة عاشت في العقل الجمعي الأوربي، وأعجب به الصليبيون وصوره فارسًا على خلق ونبل، ولعل السبب الرئيس في تكوين تلك الأسطورة الطابع الإنساني في طبيعته وتمكنه من غزو قلوب أعدائه.

إن العصور الوسطى هي عصور القديسين والأساطير، وتُعَدّ أسطورة صلاح الدين أكثر أساطير القرون الوسطى التي تربط الشرق والغرب ارتباطًا وثيقًا، وما يزال اسم صلاح الدين مجلجلاً في أسماع الغرب حتى اليوم، وذلك دليلاً على أن صلاح الدين لم يمت في 1193م بل ظل أسطورة في عقول أعدائه. كما ظل هذا النمط من القيادة مشرعن في ثقافتنا وفي تاريخنا الاجتماعي، وهو جزء أصيل في المخيال الشعبي ضمن موروث فلكلوري تترابط فيه الحقيقة مع المتخيل والأسطورة.

محمد المحسن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*جعفر بن علي بن أبي طالب (توفي في 61هـ/ 680 م) الأخ الشقيق للعباس بن علي، شارك في معركة كربلاء مع أخيه الحسين وقُتل معه.

**عبد الرحمن الغافقي قائد إسلامي شارك في فتح الأندلس في عهد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك وتولى إمارتها بعد تعيين 4 ولاة للأندلس لم يستطيعوا أن يثبتوا أنفسهم فيها، قام عبد الرحمن بإخماد الثورات القائمة في الأندلس بين العرب والبربر وعمل على تحسين وضع البلاد الأمني والثقافي. استشهد في معركة بلاط الشهداء(732 م الموافق 114 هـ) قرب مدينة تورز الفرنسية وذلك بعد أن توغل في جيشه داخل أراضي الفرنجة حتى وصل إلى ما يعرف اليوم بشمال إيطاليا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*