أيا تونس..أنت مقامنا أنّى حللنا..وأنت السفر. بقلم الكاتب محمد المحسن من تونس.

“يا تونس الخضراء جئتك عاشقا *** وعلى جبيني وردة وكتاب..” (الشاعر الراحل تزار قباني)
تصدير:انطلقت الثورة في تونس حركةَ احتجاج اجتماعي ثم تطورت إلى حركة سياسيّة ومسار في بناء الديمقراطية.ولئن كانت ديمقراطيّة أثينا مشروطة بالعبوديّة والديمقراطيّة الغربيّة مشروطة بالاستعمار؛ فإنّ الثورة التي انطلقت من تونس تتّجه إلى تأسيس ديمقراطيّة مشروطة بالحريّة. لن يتحقّق هذا التوجّه غدا..ولكن سيكون مداه القرن الحالي؛ ولذلك هي ثورة الألفيّة الثالثة.لست أحلم..لكنه الإيمان الأكثر دقة..من حسابات راكبي سروج الثورة في الساعة الخامسة والعشرين..
نخجل من الكتابة عن الثورة التونسية المجيدة في زحمة الكلام. نخجل، لأنّ الكلمات، ما زالت تحوم في الفلك المحيط بجوهر الثورة، ولأنها تصبح فعلاً مجسّداً خارجاً من شرايين جسدها الغاضب وأوردتها. وستكون الكتابة عن هذه الثورة المدهشة فعلاً مفعماً بالصدق، إذ تصبح عملا معادلاً لعظمة اليأس الذي تجلى فيها من دون مساومة.وهكذا تحوّل الانتظار الذي طال إلى ثورة ترسم المستقبل، تلك الثورة الشعبية العارمة التي انطلقت شرارتها الأولى، ذات شتاء عاصف من شهر ديسمبر/كانون الأول 2010، هي ليست رداً على الاستبداد وحسب، بل ثورة على الماضي بكل تراكماته المخزية وتداعياته المؤلمة.هل نخجل من الكتابة، لأننا بانتظار “هومير” عربي، لكي يسجّل ملحمة التحرّر العربي الحديثة، وهي تتخبّط في بحر التآمر الإقليمي والدولي، أو لأنّ الملحمة التونسية التي ستكتب بالكلمات ستكون المعادل الحقيقي لعظمة هذه الثورة؟المقهورون وحدهم يمهّدون الأرض أمام من سيكتب تلك الملحمة، لتدخلَ في سجل التاريخ، عملاً عظيماً يوازي الملاحم الكبرى في حياة الإنسانية.الغاضبون هم الذين يصنعون أسس عمارة الملحمة التي ستنتصب في مسيرة التاريخ شاهداً على أنّ الكتابة فعل يوازي عظمة الغضب.لذا، نخجل من الكتابة عن الثورة التونسية المجيدة التي ما زالت إنشاء لغوياً، يبرّر هزيمة قدراتنا على الدوران خارج النبل التاريخي المتمثّل في غضب الثورة.لهذا تطلّعنا جميعا إلى ملحمة البطولة التي تمثّلت على الأرض بالرفض والمقاومة، وتجلّت في تصحيح التاريخ العربي، بأمثولة تكتب لكل الشعوب العربية، ملحمة خالدة تقاوم القهر والاستبداد، وتكشف زيف قوّة الديكتاتورية العمياء والظلم الحافي، لتمجّد ألقَ الروح الشعبية التي تكتب الشعر بإيقاع الانفتاح على الخلود.لا أقول إنّ الرأسَ تطأطأ أمام الاستشهاد من أجل تونس، بل إنّ الرأسَ تظل مرفوعة، فخراً بشعب أعزل، آمن بأنّ الشجرة إذا ما اقتلعت تفجّرت جذورها حياة جديدة، وتلك هي ملحمة الانبعاث من رماد القهر، بانتظار من يدخلها ذاكرة التاريخ عملاً عظيماً، يشعّ منارة في المسيرة الظالمة التي تنشر ظلمتها قوى الشر في العالم.ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بذاكرته المنقوشة في المكان.أزمنة متراصة مكثّفة.هي ذي تونس إذن.زمان تكثّف حتى غدا مكانا وحكايات، أقاصيص وملاحم، سماء تنفتح في وجه الأرض، أرض تتسامى وتتخفّف من ماديتها حتى تصبح كالأثير. ثم يلتقيان. الأرض والسماء يغدوان واحدا.هي ذي تونس اليوم مجلّلة بالوجع ومخفورة بالبهاء: أمل يرفرف كلما هبّت نسمة من هواء.. ثمّة فسحة من أمل.. خطوة بإتجاه الطريق المؤدية، خطوة.. خطوتان ومن حقّنا أن نواصل الحلم.سلام هي تونس،فلا بهجة لأبنائها خارج فضائها، وهي مقامنا أنّى حللنا،وهي السفر.على سبيل الخاتمة:يمثّل سؤال: “ماذا تحقّق من أهداف الثورة؟” -بعد مرور تسع سنوات على انطلاقها- أكثر الأسئلة إرباكا للطبقة السياسيّة التونسية، ويستوي في ذلك من ابتهج بقيامها ومن انزعج من اندلاعها.فمثلما لا يستطيع الأول أن يُفاخر بما أنجزته الثورة من استحقاقات اجتماعيّة، ليس بوسع الثاني أن يُنكر ما تحقّق في مجال تأسيس الحريّة،إذ لا يزال منسوبها عاليا قياسا بما يعرفه المجال العربي من اقتتال أهليّ ضارٍ،يغذّيه تدخّل قوى إقليميّة ودوليّة ناهضت الثورة وتأسيس الديمقراطيّة،وتسعى إلى إعادة ترتيب الأوضاع بما يحفظ مصالحها القديمة والجديدة.جمعت الثورة التونسية منذ انطلاقتها بين الحريّة والكرامة،ولئن بدا مطلب الحريّة متقدّما على الاستحقاق الاجتماعيّ من خلال شعار “خبز وماء وبن علي لا”،إلاّ أنّ احتداد المطلبيّة طغى على ما سواه،ولازم المشهد السياسي على مدى سنوات الثورة التسع،رغم اختلاف الحكومات المتعاقبة.وسنجعل من الوقوف عند مراحل الثورة الكبرى مدخلا إلى جدل الحريّة والكرامة فيها من خلال مقال قادم..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*